العرب تشبّه على أربعة أضرب: تشبيه مفرط وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه فمن المفرط قولهم للسخىّ: هو كالبحر، وسما حتّى بلغ النجم ثم زادوا في ذلك فمنه قول بعضهم:
له هممٌ لا منتهى لكبارها وهمّته الصغرى أجلُّ من الدّهرِ
له راحةٌ لو أنّ معشارَ جودها على البرّ كان البرُّ أندى من البحر
ولو أنَّ خلق الله في مسكِ فارسٍ وبارزَه كان الخلىَّ من الذُّعر
[ ٥٧ ]
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد قوله:
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوههم دحى الليَّل حتى نظَّم الجزعَ ثاقبه
قالت امرأةٌ لعمران بن حطّان: زعمت أنك لم تكذب في شعر قطُّ، وقد قلت:
فهناك مجزأةُ بن ثّو رٍ كان أشجعَ من أُسامه
أفيكون رجلٌ أشجع من الأسد؟ قال: أنا رأيت مجزأة فتح مدينةً، والأسدُ لا يفتح مدينة: ومن التشبيه القاصد الصحيح قوله:
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كنههِ أتاني ودوني راكسلٌ فالضَّواجعُ
[ ٥٨ ]
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرُّقش في أنيابها السمُّ ناقعُ
يُسهَّد من ليل التمام سليمها لحلى النِّساء في يديه قعاقعُ
تناذَرها الراقونَ من سوءِ سمّها تطلّقه طورًا وطورًا تراجعُ فهذه صفة الخائف المهموم.
ومنه قول الآخر:
تبيت الهموم الطارقات يعُدنني كما تعترى الأهوال رأْسَ المطلَّقِ
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيراننا إذ أنا في الحيّ كأنّي حمارْ
[ ٥٩ ]
أراد الصحة. وهذا بعيدٌ لأنّ السامع إنما يستدلّ عليه بغيره وقد وقع على ألسن الناس من التشبيه المستحسن عندهم وعن أصل أخذوه، أن يشبّهوا عين المرأة وعين الرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحدّ السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضّة، والساق بالجمّارة
[ ٦٠ ]