أخبرنا أبو بكر النديم قال: أخبرنا عون بن محمد قال: حدثنا عبد الله بن العبّاس بن الفضل قال: دخل عبد الملك بن صالح علي الرشيد واجدًا عليه، فأقبل عليه فقال:
أريد حِباءه ويريد قتلي عذيرَك من خليلك من مرادِ
والله لكأنِّي أنظُر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع، والوعيد فيها قد أورى نارا تسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورءوس بلا غلاصم. مهلًا مهلًا، بي والله صفا لكم الكدر، وسهل عليكم الوعر. فنذار نذار.
قال عبد الله: وما سمع للرشيد كلامٌ أفصح من هذا.
فأقبل عليه عبد الملك كأنّه صقر فقال: اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاّك، ورعيّتك التي استرعاك، ولا تضع
[ ٢١٤ ]
الكفر مكان الشّكر، ولا العقاب موضع الثواب. قد والله محضتك النصيحة، وشددتً أواخيّ ملكك بأثقل من ركني يلملم، وجعلت عدوّك أرضًا مديسة، تطؤه الأقدام، ويذلّه الإرغام. فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه برجم ظنّ أفصح الكتابُ بأنّه إثم فقد والله سنّيت لك الأمور، وقرّرتُ على طاعتك القلوب في الصّدور. فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضنك فيك قمته، كنت فيه كما قال الشاعر:
ومقامٍ ضيِّق فرّجته بلساني وبياني وجدَلْ
لو يقوم الفيلُ أو فيّاله زلَّ عن مثل مقامي وزحَل
وقيل للرشيد: إنّ عبد الملك يعدّ كلامه ويفكّر فيه، فلذلك بانت بلاغته. فأنكر الرشيد ذلك وقال: بل هو طبعٌ فيه. ثم أمسكَ حتى جلس يومًا ودخل عبد الملك،
[ ٢١٥ ]
فقال للفضل بن الربيع: إذا قرب من سريري فقل له: ولد لأمير المؤمنين هذه الليلة ابنٌ ومات ابن. ففعل الفضل ذلك. قال: فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، سرّك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرّك، وجعلها واحدةً بواحدة: ثواب الشاكر، وأجر الصابر.
فلمّا خرج قال الرشيد: هذا الذي زعموا أنه يتصنّع للكلام؟ ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قال: وحدثنا الحسن بن يحيى قال: سمعت إسحاق الموصليّ يقول: عاتب عبد الملك يحيى بن خالد على شيء، فقال له يحيى: أعيذك بالله أن تركب مطيّة الحقد فقال عبد الملك: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشرّ لأهلهما إنّهما عندي لباقيان. فلما ولّى قال يحيى: هذا رجل قريش احتجَّ للحقد حتّى حسّنه لي فأذهبَ سماجته من عيني! وسأله الرشيد وبحضرته سليمان بن أبي جعفر،
[ ٢١٦ ]
وعيسى بن جعفر، فقال له: كيف أرض كذا؟ قال: مسافي ريح، ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضابٌ حمر، وآثارٌ عفر. حتّى أتى على جميع ما أراد، فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي أن نرضى لأنفسنا بالدّون من الكلام.
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا مسبّح بن حاتم قال: حدّثنا يعقوب بن جعفر قال: لما دخل الرشيد منبج قال لعبد الملك: أهذا البلد منزلك؟ قال: هو لك ولي بك. قال: كيف بناؤك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: فكيف صفة مدينتك هذه؟ قال: عذبة الماء، طيّبة الهواء قليلة الأدواء: قال: كيف ليلها؟ قال سحرٌ كله. قال: صدقت، إنّها لطيّبة. قال: لك طابت، وبك كملت، وأين بها عن الطّيب وهي تربة حمراء، وسنبلة سمراء، وشجرة خضراء، فياف فيح، بين قيصوم وشيح.
فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: هذا الكلام أحسن من الدرّ المنظوم.
[ ٢١٧ ]
سرق قوله في صفة الليل سحرٌ كلُّه، أبو تمام فقال:
أَيّامنا مصقولةٌ أعراضها بكَ والليالي كلُّها أسحار
وسرقة ابن الروميّ فقال:
كانت لياليه كلُّها سحرًا وكان أيّامُهنّ كالبُكرِ
وأخذه عبد الله بن المعتز فقال:
يا ربّ ليل سحرٌ كلُّه مفتضحُ البدل عليلُ النسيم
أخبرني أبي ﵀ قال: أخبرنا أحمد بن أبي طاهر قال: كان العبّاسيّ الخطيب يقول: من أراد لهوًا بلا حرج فليسمع كلام العباس بن الحسن العلويّ.
[ ٢١٨ ]
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا أبو العيناء قال: قال إسحاق الموصلّي: لقيت العباس بن الحسن أيّامًا متوالية، ثمّ تأخّرت عنه، فقال لي: أذقنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا.
أخبرنا أحمد بن محمد بن الفضل قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبّرد قال: قال العباس بن الحسن وذمّ رجلًا: والله ما الحمام مع الإصرار، وطول العلل في الأسفار، وحلول الدّين على الإقتار، بآلم من لقاء فلان.
قال: ووصف رجلًا بالبلاغة فقال: ألفاظه قوالب معانيه، وقوافيه معدّة لمبانيه.
وذمّ رجلًا فقال: أسمع إلى حديثه كأنّه نعى الإخوان، وفقد الأحبّة.
أخبرنا أبو بكر قال: حدّثنا الحسين بن فهم قال:
[ ٢١٩ ]
سأل المأمون العباس بن الحسن عن رجل فقال: رأيت له حلمًا وأناة ولم أر سفهًا ولا عجلة، ووجدت له بيانًا وإصابة ولم أر له لحنًا ولا إحالة، يجيء بالحديث على مطاويه، وينشد العشر على مبانيه، ويروي الأخبار المتقنة، ويرمي إليك بالأمثال المحكمة.
قال: وكان الحسين يقول: من أراد لذّةً لا تبعة فيها فليسمع كلام العباس بن الحسن.
قال: وحدّثنا الحسين بن يحيى الكاتب قال: وصف العباس بن الحسن رجلًا فقال: ما شبّهته إلاّ بثعبانٍ ينهال بين رمال، أو ماء يتغلغل بين حبال.
قال: وحدثنا الحسن بن عليل قال: حدّثني على ابن عبيدة قال: عزّي العباس بن الحسن رجلًا فقال: إنّي لم آتك شاكًّا في عزمك، زائدًا في علمك، ولا متّهما لفهمك، ولكنه
[ ٢٢٠ ]
حقّ الصديق، وقول الشفيق؛ فاسبق السّلوة بالصبر، وقلق الحادثة بالشكر، يحسن لك الذّخر، ويكمل لك الأجر.
وأخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا محمد بن يزيد قال: حدّثنا محمد بن علي بن مرة قال: كان العباس بن الحسن يقول: ما رأيت أصفى من وصل بعد هجران، ولا أخلص من مقةٍ بعد شنآن. ولقد جرّبت ذلك وقلت:
ولم أر أبقى من وصالِ مُراجعٍ إلى الودّ من بعد القِلي والتَّقاطعِ
فإنّ إخاء البدء تعفو رسومُه ولا تُخلِق الأيامُ وُدَّ المراجع
أخبرني أبي ﵀ قال: أخبرنا أحمد بن أبي طاهر قال: سئل أبو نواس عن العباس بن الحسن فقال: هو إرقّ من الوهم، وأحسن من الفهم، وأمضى من السّهم،
[ ٢٢١ ]
فمسئل العباس بن الحسن عنه فقال: إنّه أحسن من وفاءٍ بعد غدر، ووصلٍ بعد هجر.
ومما استحسنه أبو نواس للعباس:
لا جزى الله دمعَ عينيَ خيرًا وجزى الله كلَّ خيرٍ لساني
نمَّ دمعي فليس يكتُم شيئًا ووجدت اللسانَ ذا كتمانِ
كنتُ مثل الكتابِ أُخفِي طيٌّ فاستدلّوا عليه بالعنْوانِ
أخبرني أبي ﵀ قال: أخبرنا أحمد بن أبي طاهر قال: قال المأمون للعباس بن الحسن العلويّ: صف لي ينبع. قال: حوتها أصل عذقها، وأصل عذقها في مسرح شائها.
وقد قال بعض الشعراء يصف الخورنق:
مكّاؤها غردٌ يجِي بُ الوُرقَ من ورْشانها
[ ٢٢٢ ]
قُرِنَتْ رُءوس ظبائها بالزُّرق من حيتانها
وقال غيره:
زر وادي القصر نِعْمَ القصر والوادي وحبّذا أهله من حاضرٍ بادِ
ترى قارقيرهُ والعيسَ واقفةً والضبَّ والنُّونَ والملاّح والحادي
وأخبرنا أبي ﵀ قال: أخبرنا أحمد بن أبي طاهر قال: قال العباس بن الحسن وذكر رجلًا: رحم الله فلانًا، فو الله تمسّكتُ بعده بعروة إلاّ انجذمت في يدي.
قال: وسأل العباس عن جليسٍ له فقال: لجليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء، ومن الثّمل على الغناء.
[ ٢٢٣ ]
قال: وقال إسحاق الموصلّي: قلت للعباس: إنّي لأودُّك. فقال: إنّي لأجد رائد ذاك معي منك.
وقال: وذكرت له رجلًا فقال: دعني أتذوقْ طعم فراقه، فهو والله الذي لا تشجى له النّفس، ولا تدمع له العين، ولا يكثر معه الالتفاف، ولا يدعى له عند فراقه بالسّلامة.
قال: وذكر عنده أو عند غيره جليسٌ فقال: هو أحلى من رخص السّعر، وأمنِ السّبل، وإدراك الأمل، ونيل الأمانيّ.
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا أحمد بن زيد المهلبي قال: حدّثنا حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: أسرّ إليّ العباس بن الحسن سرًّا، فملا قمت من عنده صاح: يا أبا محمد، أوكِ وعاءَك، وعمّ طريقك.
قال: وكلّم الفضل بن الربيع في حاجة لرجل فقال: إنّه قد ملأ الأرض ثناء، والسماء دعاء!
[ ٢٢٤ ]
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثني ابن السخيّ قال: حدثني الحسن بن عبد الله قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول لأبي تمام الطائيّ وقد أنشده شعرًا له في المعتصم: يا أبا تمام، أمراء الكلام رعيّةً لإحسانك. فقال أبو تمام: ذاك لأني استضئ بك، وأرد شرائعك.
وقال إبراهيم بن العباس وذكر عبد الحميد كاتب مروان: كان الكلام والله مرعي له يؤبّ منه ما شاء، ما تمنّيت كلام أحد من الكلام أن يكون لي غير كلام له.
منه: والناس أخيافٌ مختلفون، وأطوار متباينون، منهم علق مضنّة لا يباع وغلُّ مظنّة لا يبتاع.
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عون بن محمد وقال لي قبل حديثه: لأفيدنّك عن عمّك إبراهيم بن العباس فائدةً لو لم تحفظْ غيرها لكفاك ذلك منه، ولكان به أبلغ!
[ ٢٢٥ ]
قدم سرّ من رأى كاتبٌ من أهل الشام يقال له عبد الله بن عمرو، وكان قريبًا لعبد كان المصريّ، فجعل يلقى كتّاب سرّ من رأى فلا يرضاهم، وكان أديبًا بليغا.
قال عون: فحدّثت أبي بحديثه فقال لي: يا بنيّ والله لأضعفنّه. فمضى به إلى إبراهيم بن العباس، فلمّا رجع قال لي: هذا من لم تلد النساءُ مثله، سمعته يملي شيئًا كأنّه فيه نذيرٌ مبين، وإذا أبى قد نسخ ما كان يمليه، وهو من رسالة فق قتل إسحاق بن إسماعيل: وقسم الله عدوّه أقسامًا ثلاثة: روحًا معجّلة إلى عذاب الله، وجيفةً منصوبة لأولياء الله، ورأسًا منقولا إلى دار خلافة الله، استنزلوه من معقل إلى عقال، وبدّلوه آجالا من آمال. وقديمًا غذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من درّها مرضعة، وركبت بهم مخاطرها موضعة، حتّى إذا
[ ٢٢٦ ]
وثقوا فأمنوا، وركنوا فاطمأنّوا، وامتدّ رضاعٌ وآن فطام، فجّرت مكان لبنها دما، وأعقبتهم من حلو غذائها مرًّا، ونقلتهم من عزّ إلى ذلّ، ومن فرحة إلى ترحة، ومن مسرّة إلى حسرة، قتلًا وأسرًا، وغلبة وقسرا، فقلّ من أوضع في الفتنة مرهجا، واقتحم لهبها مؤجّجا، إلا استحلمته آخذة بمخنّقه، وموهنة بالحقّ كيده، حتّى تجعله لعاجله جزرًا، ولآجله حطبا، وللحقَ موعظة. ومن الباطل مزجرة، ذلك لهم خزيٌ في الدّنيا، ولعذاب الآخرة أشقّ، وما الله بظلاّم للعبيد.
وهذه الرسالة التي قال إبراهيم بن العباس: إنّي ما اتّكلت قطّ في مكاتبي إلاّ على ما يجيله خاطري. ويجيش به صدري، إلاّ قولي: " وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم "، وقولي: " ستنزلوه من معقل إلى عقال، وبدّلوه آجالًا من آمال " فإني ألممت بقول مسلم:
كأنه أجَلٌ يَسعى إلى أملِ
[ ٢٢٧ ]
وبقول أبي تمام:
فإن يبنِ حيطانًا عليه فإنّما أولئك عُقَّالاتُه لا معاقلُه
ومن كلام إبراهيم بن العباس: " إذا كان للمحسن من الثّواب ما يقنعه، وللمسئ من العذاب ما يقمعه، ازداد المحسنُ من الثواب في الإحسان رغبة. وانقاد المسيء للحقّ رهبة.
تم الكتاب المصون، والحمد الله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم كثيرا.
[ ٢٢٨ ]