وكان رجلا تلعابه، كثير الدعابة، غير أنه لم يذمه أحد بذلك ولا عابة، كتب إلى بعض الرؤساء:
إنّي لقيتُ مشقَّهْ فابعث إلى بشُقَّةْ
كمثل وجْهِكَ حُسنا ومثل دِينَيِ رِقَّة
[ ٥٧ ]
فقل له الرئيس: أما مثل دينك رقة، فلا يوجد إلا بوزن أمثال رمال الرقة؛ ثم استحسن في هذه المداعبة أدبه، فقضى أربه.
فمن قوله يمدح السلطان أب يحيى تميم بن المغر:
أصَحُّ وأقْوى ما روينَاه في النَّدَى من الخبرِ المأثور منذُ قديمِ
أحاديثُ تُمليها السّيولُ عن الحَيا عن البَحر عن جُودِ الأمير تمِيم
وله أيضًا:
لو أورقتْ من دَم الأبطال سُمْرُ قنًا لأوْرَقَت عنده سُمْر القَنَا الذُّبُلِ
إذا توجَّه في أولى كتائبه لم تفْرِق العينُ بين السّهل والجبلِ
فالجيش يَنْفُض حولَيه أسنَّتَه نفْضَ العُقاب جَنَاحَيها من البَللِ
وهذا البيت من غرر قلائده، وهو مع ذلك ملتقط من قول المتنبي:
يهزُّ الجيش حولك جانبيه كما نَفَضت جَناحيها العُقابُ
ومن قول أبي صخر الهذلي:
وإنّي لتَعْرُوني لذكرِاك هِزَّةٌ كما انتفَض العُصفورُ بَّللهَ القطر
[ ٥٨ ]
ومعنى الالتقاط، ويسمى أيضًا بالتلفيق والترتيب، أن ينشر الشاعر المعاني المتقاربة، ويستخرج منها معنى مولدًا يكون فيه كالمخترع، وينظر به إلى جميع تلك المعاني، فيقوم وحده مقام جماعة من الشعراء، وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته. ومن أحذق من فعل ذلك المتنبي والمعري.
ولابن رشيق أيضًا:
ومن حسناتِ الدّهر عنديَ لَيلةٌ من العُمر لم تَتْرُك لأيّامنا ذَنْبَا
خلونا بها نَنفي الكرى عن جُفوننا بلُؤْلُؤةٍ مملوءةٍ ذهبًا سكبا
ومِلْنا لتقبيل الخدود ولَثمها مَمِيَل جياع الطّيرِ تلتقُط الحبَّا
وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني في ابتداء قصيدة فريدة:
عَرِّسَا بِي فذَا مُناخٌ كريمُ هذه جُمَّةٌ وهذا تمِيمُ
هذه الجنّةُ التي وعد الله وهذا صراطُه المستقيم
وكان المعز ملك صنهاجه، لم يقصده ذو حاجة إلا وقضى حاجه، وعجل بذلك سروره وابتهاجه. وإنما خلع المستنصر وأزال عنه الخلافة، وأظهر
[ ٥٩ ]
معاندته وخلافه، بعد أن كان يظهر له ولأبيه الظاهر الطاعة، ويبذل لهم الاستطاعة، أن الجرجائي الوزير، أساء معه التدبير. وأحفظه بأشياء بلغته عنه، وعقارب مكايد دبت إليه من مصر منه. وقال من له الإجادة والإحسان:
جِرَاحُ السَّيْف تُؤلُمِ ثم تَبْرا ولا برءٌ لما جرحَ اللّسانُ
وإلا فملك صنهاجة قديم، وشرفهم صميم، وذلك أن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحرث الرائش بن شداد - ويقال: شدد بن الملطاط - ابن عمرو ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان
ابن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أيمن بن الهمسيع بن حمير، خرج غازيا نحو المغرب في أرض البربر، حتى انتهى إلى طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم، وخلف مع البربر من خلف من حمير اليمن، مثل صنهاجة وكتامة. هذا قول ابن الكلبي، وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو محمد بن يعقوب الهمداني، من ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد ذكر نسبه متصلًا إلى همدان في كتاب
[ ٦٠ ]
الإكليل المؤلف في
أنساب حمير وأيام ملوكها. وهو كتاب عظيم الفائدة. قال الهمداني: ثم تقدم في المغرب، حتى بني مدينة إفريقية، وهي مشتقة من اسمه، وخلف في البربر قواما من حمير، ليردوهم على شاكلتهم القديمة، ويأخذوا إتاوتهم، ويدبروا أمورهم، فهم إلى اليوم على ذلك. ومنهم اليوم بالمغرب كتامه، ولواتة، وصنهاجة، وهم الغالبون على المغرب اليوم. حدثني بهذا الكلام نحو من عشرين شيخًا - منهم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والمحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الله الحجري بفتح الحاء وسكون الجيم، من حجر بن ذي رعين - قالوا: حدثنا نسابة الأندلس الفقيه أبو محمد عبد اله بن علي اللخمي المعروف بالرشاطي. ونقلته من أصله وكتابه الذي سماه ب اقتباس الأنوار، والتماس الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار؛ إلا ما فيه من نسب همدان، فإني نقلته من غيره.
قال الرشاطي: فشرف صنهاجة أصيل، ومجدهم أثيل ورياستهم قديمة، ونسبتهم إلى حمير معلومة.
[ ٦١ ]
قال ذو النسبين، رضي لله عنه،: ووقاء السلطان تميم مشهور، وعلم ذكره بذلك منشور. حدثنا غير واحد من شيوخنا، ﵏، ومنهم الفقيه المحدث المفيد المقرئ اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن خير، بمسجده بإشبيلية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، قال: حدثنا الفقيه القاضي المقرئ الخطيب أبو الحسن شريح ابن محمد بن شريح، قال: أنبأنا حافظ الأندلس الفقيه العالم أبو محمد علي بن أحمد بان سعيد بن حزم في كتابه إلينا، قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي من ولد عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا أبو علي حسين بن الأشكري المصري، قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه جدًا، قال: فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء، فلما وصلت
إليه دعا جلساءه، قال: فكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت:
وبدَا له من بعد ما أندَمَل الهوى برق تألَّق مَوهنًا لمعانُه
يبدوُ كحاشية الرّداء ودونَه صعْبُ الذُّرى ممتنِّع أركانُه
فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعُه والماءُ ما سمحت أجفانُه
[ ٦٢ ]
قال: فأحسنت ما شاءت. فطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت:
ستُسليك عمّا فات دولُةُ مفضِلٍ أوائُله محمودةٌ وأواخُرهْ
ثَنَى الله عِطفه وألّف شخصَه على البِرّ مُذْ شُدَّتْ عليه مآزِرُه
قال فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، قال: ئم غنت:
أستودعُ اللهَ في بغدادَ لي قمرًا بالكَرخٍ من فَلك الأْزرار مطلعُهُ
قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جدا ثم قال لها: تمنى ما شئت فلك مناك. فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته. فقال: والله لا بد لك أن تتمنى. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقال: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد. قال: فانتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس، قام وقمنا. قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك. أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء لها، وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها. فقلت: سمعا وطاعة. ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة وبجمل عليه هودج فأدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا. فلما
[ ٦٣ ]
وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنسب أن سمعت صوتها وقد ارتفع بالغناء:
لما وردنا القادسيَّة حيثُ مجتمعُ الرَّفاقْ
وشِممْتُ من أرض الحجا زِ نسيم أنفاسِ العراق
أيْقَنْتُ لي ولمن أحبُّ بجمع شملٍ واتّفاق
وضحكتُ من فرحِ اللّقا ء كما بكيتُ من الفِرَاق
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! قال: فما سمع لها كلمة. ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها، فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة. فقلت: ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري! قال: فلم أحس لها أثرًا بعد. ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلي تميم فأخبرته خبرها. فعظم ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم ما زال بعد ذلك ذاكرًا لها، واجمًا عليها.
[ ٦٤ ]
قال ذو النسبين، ﵁. وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ الجليل الإمام العالم أبو عبد لله محمد بن أبي نصر الحميدي في جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الفقيه، وأملاه علي بالأندلس، فذكر ما ذكرناه حرفا بحرف.
قال ذو النسبين ﵁: قرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن الحسين العبشمي الأصبهاني، أن هذا الشعر الذي فيه الغناء للشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني، وأوله:
طربَ الفؤادُ وعاوَدَتْ أحزَانُه وتفرّقَت بزمانه أشجانُه
وبداله. . . .
وأمر بعض الملوك ابن رشيق بركوب البحر، فخاطبه بهذا الشعر:
أمرتنَيِ بركوبِ البحر في عَجَلٍ غيرِي - فديتُك - فاخْصُصْه بذا الرَّاءِ
ما أنتَ نوحٌ فَتُنْجِينِي سفينَتُه ولا المسيحُ أنا أمشي على الماءٍ
[ ٦٥ ]
ومنهم زين الزمان، وفخر المكان، العالم: