- ش -
المعمرين استكمالا لآثارهم، وجمعا لأقوالهم، وقد أورد أبو حاتم من هذا كثيرا فيما رواه عن أكثم بن صيفي (صحيفة ١٤ - ٢٦) وعن نهد بن زيد في وَصاته لبنِيه (صحيفة ٢٦).
* * *
وبعد، فإن المخطوطة التي أقوم بنشرها لأبي حاتم السجستاني تعد من المخطوطات القديمة الحديثة، فهي قديمة بموضوعها وبمؤلفها، وحديثة بتاريخ نسخها الذي يرجع إلى أول القرن الحالى، وقد كتبت المخطوطة بقلم معتاد، بخط الناسخ محمد شكرى المكي، وبرسم العلامة الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزى الشنقيطي، وقد فرغ من كتابتها في شهر رمضان سنة ١٣٢١ هـ، وتحوى هوامش المخطوطة تقريرات بخط الشيخ الشنقيطي.
وقد جاء في آخر المخطوطة عبارة "قوبل بأصله، فصح إن شاء الله تعالى، وكتبه محمد محمود التركزى" وإن هذه العبارة لتدل على أن مكتبات القاهرة كانت تضم المخطوطة الأصلية التي نقلت عنها المخطوطة رقم ٢٠١٤ تاريخ، المحفوظة بدار الكتب المصرية، وإن هذه المخطوطة الأصلية قد نقلت من مكانها بعد أن تم نسخها.
ولما كانت مخطوطة كمبريدج رقم ٢٨٥. No،Q ٩ قد نشرت في تاريخ لاحق لتاريخ نسخ مخطوطة دار الكتب فإنى أرجح أن تكون مخطوطة كمبريدج هي المخطوطة التي كانت بالقاهرة، وقد حصل عليها المستشرق اليهودي "جولد زهير" الألماني بأي وسيلة، ثم نقلها من القاهرة بعد أن تم نسخها ومقابلتها، وذلك لأن كتاب المعمرين والوصايا لأبي حاتم السجستاني المخطوط نسخة وحيدة كما جاء في بروكلمان وفى فهارس المخطوطات العربية الأخرى.
وقد نشر المستشرق اليهودى جولد زهير كتاب المعمّرين، ولم ينشر معه كتاب الوصايا لأبي حاتم، ومن بعده طبعت مطبعة السعادة بالقاهرة النسخة التي نشرت في ليدن سنة ١٨٩٩ بعد قراءتها على المرحوم أحمد بن الأمين الشنقيطي، ولم تنشر مطبعة السعادة كتاب الوصايا الذي تضمه مخطوطة دار الكتب مما يدل على اعتماد طبعة القاهرة على طبعة أوربة اعتمادا تاما، وعلى أن مخطوطة دار الكتب التي أقوم بنشرها ليس لها
[ ٢١ ]
- ت -
صلة ما بالمطبوع من الكتاب، فهى الكلُّ، وما نشر هو الجزء، ولا يؤخذ الكل من الجزء؛ وإنما صلتها التامة قائمة بمخطوطة كمبريدج، ويعرف السر بينهما الشيخ الشنقيطى، ﵀، وأثابه على جهده في مقابلة مخطوطة دار الكتب على أصلها.
ويظهر لى أن المستشرق جولدزهير رأى الاكتفاء بنشر كتاب المعمرين لأغراض له، قد أوضحها في مقدّمة كتابه، وتجمل هذه الأغراض في أنه عنى بنشر ذلك اللون الأدبي الذي اختاره أبو حاتم للمعمرين، وما كان يعنيه نشر كتاب الوصايا الذي عرض لموضوعه جملة وتفصيلا فيما سبق أن نشره من مؤلفات دينية وفقهية.
ولم يتيسر لى وأنا أقوم بدراسة مخطوطة دار الكتب التي أنشرها، أن أحصل على مصورة الأصل الذي نشر منه المستشرق "جولدزهير" كتاب المعمرين، حتى أقارن جزءيه، المعمرين، والوصايا بهذه المخطوطة وذلك توخيّا لسلامة المتن بمراجعته في الأصول المختلفة، فما كان لى بدٌّ من الرجوع إلى النسخة المطبوعة في ليدن، وبخاصة وأن ناشرها قد عنى بإبراز المرئيات الخاصة لكلمات المتن في احتمالاتها الممكنة، لغويا وأسلوبا، فأصبحت المطبوعة صورة طبق الأصل المنقولة عنه، وللمستشرقين في هذا السبيل جهد مذكور ومحمود، وفيما عدا هذا فقد قصرت اهتمامي في نشر هذه المخطوطة على كتب اللغة والآداب، والمصادر الأولى لكتب التراجم معتمدا على رواياتها في تحقيق النصوص الشعرية والنثرية التي وردت فيها وفى كتابي المعمرين والوصايا، وقد أثْبتّ في الهوامش الفوارق التي تستأهل الذكر من هذه الروايات.
وإنه لما يلفت النظر في الكتب العربية التي تعرض أخبار الأقدمين أن الروايات فيها يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الرواة، واقتضاء لعامل الرواية الشفوية التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وأيا ما كان وجه الاختلاف فإنه لا يكاد يجاوز اللفظ إلى جوهر الخير وكنهه، وتبدو قيمة تحقيق اللفظ واضحة في نشر الكتب اللغوية ذات النصوص المأثورة التي تصلح شواهد على قواعد نحوية أو صرفية، وتقوم عليها دراسات لغوية فقهية.
[ ٢٢ ]
- ث -
وتبلغ جملة صفحات هذه المخطوطة اثنتين وستين ومائة صحيفة، منها أربع ومائة كتاب المعمرين، وثمان وخمسون كتاب الوصايا، وأوراقها ذات مساحة واحدة ٢٤٥×١٧٠ مليمترا، ومسطرتها تسعة عشر سطرا، في كل سطر منها تسع كلمات، وتحوى بعض صفحات المخطوطة تعليقات شروح وتفسيرات بخط الشيخ محمد محمود.
وفى المخطوطة نقص لا يدل عليه ترقيمها في تسلسله، بين قول المستوغر بن ربيعة:
ينش الماء في الربلات منها … نشيش الرضف في اللبن الوعير
وبين ما بعده "والعافية خير من الواقية" (انظر صحيفة ١٣)، فإن الصلة معدوم في المعنى، وفى النسج اللفظى بين الأسلوبين، ويرجح في رأيي أن قدر النقص صحيفة واحدة، وأن الجزء الناقص هو من سيرة أكثم بن صيفى، وذلك لنسبة الحكم المذكورة إليه في بعض المراجع الأخرى، مثل كتاب الإصابة، ولذكر سيرته بعد ذلك في صحيفة ١٤، وهذا النقص موجود في مخطوطة كمبريدج التي نشرها المستشرق جولدزهير كما هو موجود في مخطوطة دار الكتب، وهو ما يؤكد مرة أخرى الصلة بين المخطوطتين.
المعادى في مايو سنة ١٩٦١
عبد المنعم عامر
[ ٢٣ ]