في كيف يفعل العاقل اللبيب ما يندم عليه؟
قيل لأبي سليمان: كيف يفعل العاقل اللبيب والحازم الأريب، ما يندم عليه؟ وكيف يقدم على ما يعقبه تبعة، ويأتي ما يأباه بعقله، ويكرهه بدينه، ويعافه بمروءته، وينكره بعادته، ويمنع منه غيره بنصيحته؟ هذا مع اختياره الذي هو إليه، واستطاعته التي هي حاصلة لديه، ومع عقله الذي هو كاللجام والزمام، والقاضي والإمام؟
فقال: الاختيار والاستطاعة، القوة والقدرة، والحزامة والعزيمة، والرأي والروية، والشهامة والصريمة، والتحصيل واليقظة، وكلما كان في قبيلها، وجاريًا في حلبتها، ومشاكلًا لها، ونازعًا إليها، وداخلًا في حرمتها، ليست هي للإنسان على طريق الملك يصرفها كيف يشاء، ويقلبها كيف يريد، بل هي له من جهة التمليك، فلو كانت على جهة الملك ما زل زلة ولا ضل ضلة، ولا ندم ندامة لاذعة، ولا التزم مؤلمة موجعة، ولا زحم زحمة موحشة، ولا نكص على عقبيه متحيرًا، ولا بقي منكسًا مبهورًا، متى كانت عنده على وجه التمليك من مالكها، بقيت منها بقايا عند مالكها متى شاء تمام فعله أمده منها بما يتم له فعله، لئلا يظن ظان أن ذلك لاستقلاله
[ ١٩٩ ]
بنفسه، وكماله بقدرته، واستغنائه عن مملكته، بل يتم له شيء ليرتاح له ويشكر مقيضه لينيله بلاغه أم بانقطاع شيء آخر ليفزع إلى ربه ويلوذ به بمسألته، ويتبرأ من حوله وقوته، ومن علمه وبصيرته، ومن جلده ونجدته ومن أنفته وشيمته، ويلوذ بمن هو أولى به، ويستمد ممن هو أملك له، ويستأمر إلى من هو اقدر عليه، ويلقي مقاليده كلها إليه، ويطرح كله بين يديه؛ وهذا بيان في موجب الربوبية ومقتضى العبودية، لا ينكره إلا من لا يبالي الله به في أي واد هلك، وبأي ريح انتثر، وفي أي بحر غرق، وفي أي غثاء طاح.
قلت له: هذا كلام على الصالحين وأهل الديانة من أصحاب الشرائع.
قال: يا بني لا تعجب من هذا، فالأنبياء والأصفياء ومن دونهم يدندنون حول خلوص النفس في العاجلة، وخلاصها في الآجلة، والقول وإن اشتبه والإشارة وإن غمضت، فالمراد بين والمطلوب متيقن، وهل الحكمة إلا مولدة الديانة؟ وهل الديانة إلا متممة للحكمة؟ وهل الفلسفة إلا صورة النفس؟ وهل الديانة إلا سيرة النفس؟ وكنت قد حدثتني عن شيخكم الحضرمي الصوفي أنه قال: النقب كثيرة، والعروس واحدة. فقد ارتفع التناقض وسقط التنافي! وإنما قطعت هذا الأمر في طلب الحياة الدائمة التي لا شوب فيها من ألم، ولا عارض من أذى، ولا خوف من انقطاع.
[ ٢٠٠ ]