في حكم فلسفية من كلام أبي الحسن العامري
هذه مقابسة تشتمل على كلمات شريفة من كلام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري، علقت وسمعت أكثرها منه، وهي التي مرت في شرحه لكتابه الموسوم "بالنسك العقلي" ويصلح أن يأتي عليها هذا الكتاب فأتيت بها على وجهها قصدًا لتكثير الفائدة وأخذًا بجماع الحزم.
قال: أعرفه لا بالنفس بل بغيان النفس، وأشبهه لا بالكمال بل بكمال الجمال، وأطلبه لا للاتحاد لكن لاستخلاص الاتحاد.
وقال أيضًا: لن يوثق بالصديق بل بميزان الصدق، ولن يخاف السبعية بل كلب السبعية، ولن يهجر الكذب بل آفات الكذب.
وقال: أنظر من جعلك مريدًا فاجعله مرادك، وجر الانتساب إلى من هو أولك وآخرك.
وقال: وزن النفس بالنفس هو العبادة بالنفس، وردع النفس بالنفس
[ ٣٠١ ]
هو العلاج للنفس، وعون النفس بالنفس هو التدبير للنفس، وانتساب النفس بالنفس هو التعرف للنفس، وعشق النفس هو الممرض.
وقال: سل واهب العقل إضاءة العقل، ولاحظ الحقائق بنور الحق.
وقال: إبدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرب الأولى بإيثار الأول.
وقال: مبدأ وصال الأحسن هجران الأقبح، ومنشور الرأي الأقوم وجدان الأصلح.
وقال: المختار الأول عاشق للأحسن، والمقدم الأول مريد الأتقن.
وقال: آمن والمؤنة أشرف القينات، وإخلاص العمل أشرف الأعمال، وعداوة الشيطان أشرف من المجاهدات، والتهيؤ لإجابة الداعي أشرف الأفعال، وتميز البقاء من الفناء أشرف من النظر.
وقال: دوام الصحة للفضلاء من السادة، يروض الطبع على الحميد من العادة، وإجالة الفكر في نظام الخليقة، يحلي النفس بجمال الفضيلة.
وقال: ليس اللطف في تزيين الشيء بل اللطف في تأنيق التزيين، وليست المهنة تأدية الصناعة بل المهنة سهولة التأدية، وليس الكمال المطلق اقتناء الفضيلة الإنسية بل بما يتبع اقتناءها من الجود المزين لها، أجل النعم هي الاستقبال بشر المنعم، وأشرف المواهب هو الفوز بالخلوص لرب المواهب، ومن لم يؤيد من نفسه بإحكام الحكمة وبأمان العقل، فقد صيرهما حجة علية لا له، ألفائز بالإشراف إما أن يوجد مستوليًا على المشروف، وإما أن يوجد مستغنيا عنه، والمقتصر على المشروف أن يستمد بالاستيلاء على الإشراف أو يستعين بالاستغناء عنه. الوضيع أشر حالًا من الخسيس، فإن الوضيع مذموم في حال دون حال، والخسيس مرذول على كل حال. أشرف العبيد أخلصهم للمولى، وأشرف أفعال العبيد أرضاها عند المولى، وأشرف أغراض العبيد هو أن يصفو له المولى، وأشرف همم العبيد أن يتحد بالمولى. من خصائص المذلة سلوك النفس إلى النقص بعد الفوز بالتمام، ومن خصائص المعزة التشبه
[ ٣٠٢ ]
بالضعاف مع وفور بالطاقة. الحكمة مقتضية لوجود العقل، والمعاني الثلثة في الأقل شيء واحد، وهو هو ذاته الحق، فأما فيمن دونه فمختلفة في حدودها وإن اتحدت في وجودها. النفس العزيزة هي التي لا تؤثر فيها النكبات، والنفس الكريمة هي التي لا تثقل عليها المؤونات. مقابل العزيز هو الذليل في التلون في أحواله بسرعة عمله، ومقابل الكريم اللئيم، والرضى من أفعاله بالخلل عامة. مراتب العبودية بحسب القوة القوة العلمية أربع: أولها مرتبة المتقين، وهي من علائق الخوف، والثانية مرتبة المحسنين، وهي من علائق الرجاء، والثالثة مرتبة الأولياء، وهي من علائق المحبة، والرابعة مرتبة الصالحين، وهي من علائق الاستقامة. صورة الكل واحدة. هجر القذورات مدرجة إلى الخيرات، والتمسك بالخيرات محصنة عن الهفوات، والأمن من الهفوات مرفعة للمقامات، ومعالي المقامات مجمعة للسرور واللذات. متى لم يجلب الموانع فقد يسير الجوهر الجسماني نحو كماله الأخص. العلم الصحيح أبلغ من صلاح العمل السديد من الاعتبار بالعكس فإن الرئاسة والتدبير إليه. فاتحة السعي في طلب المولى ترك جميع من هو دون المولى، وتمام السعي في طلب المولى الاستغناء عن جميع من هو دون المولى. متى جاوز البعض البعض فقد استغنى الجميع عن الجميع، ومتى اتكل البعض على البعض فقد اضطر الجميع إلى الجميع. بدؤ التعاون افتقار وتمامه استغناء، وبدؤ التواصل استغناء وتمامه افتقار. متى استتبت الحرفة على هذا العرض الحقيقي فقد سلم المحترف بها عن وصمة التقليد فيها. فراق العبد للمولى يكون على صور أربع، وهي: القطع، والطرد، والحسر، والحجب. انبعاث الخاطر النفساني وإن عرض منه التأدي إلى الحرص فلن يجوز أن يعد مرذولًا، فإن لكل واحد منهما مقصودًا آخر عظيم الجدوى ذاتا له وبمثله الحال من كافة ما ينبعث في النفس كما أن المتدين يفتتح تدينه من درجة التقليد ثم يترقى منها رويدًا رويدًا إلى معلوم التحقيق، ومهما اقتصر من تدينه على الرتبة كان مذمومًا، وإن لم يجد
[ ٣٠٣ ]
في البدأة مختصًا بالكنه. الحال في اللذة والكرامة والثروة والرئاسة، المعونة والحرمة قد تقع بحسب القرب، وقد تقع بحسب تقريب مراتب التقريب وبحسب العمل يفتقر إلى الآت، وهي الاتصال والتفويض والتوبة، ومراتب التقريب بحسب العمل تنقسم إلى ثلاث مراتب، وهي الخدمة، والطاعة والعبادة.
وقال: الحال لا يجب أن تكون حال الصبى، والوقت لا يجب أن يكون قريبًا من أحوال الصبا، ولا طبيعة لا يجب أن تكون ذات أفعال أو ذات انحلال، والسبب الداعي لا يجب أن يكون إما الثروة، وإما اللذة، وإما الرئاسة، وإما المحمدة، بل يجب أن يكون إما شرف الفضيلة، أو تحصيل السعادة، والرفقاء لا يجب أن يكونوا سبعيين أو بهيميين.
وقال: النعمة الموضوعة في غير موضعها قد تحسن بالعرض لجهات ثلاث: وهي المحبة، والغيرة، والمدرجة. أفعال القلوب أربعة، أولها الزيغ، ثم الرين، ثم الغشاوة، ثم الختم، وعلاجها الإيمان، والنداء، واليقين بالأخرة، والتصديق للرسالة.
انحلال الأنفس يكون على أربعة أوجه، أولها: الكسل، ثم الغباوة، ثم القحة، ثم الانتهاك. وعلاجه استشعار التقوى، والمحافظة على العبادات والاتفاق في سبيل الأنفس. أعلى النفس همما هو أن لا يفرح بشيء من السنخ كفرحه بصحته.
مالك الملوك وهو الحال الفصلي للطبيعة الإنسانية اختصاص كل موجود بفعل له على حدة يحقق أن وجدانه ليس بعيب، وانخسار العقل عن أن يتوهم لذلك الفعل موجودًا آخر أصلح له منه تحقق له أنه ليس بناقص الذات إذ قد تفرع كل من الموجودات بفعل له على حدة، فمن أين تتعرف وبالذي يصدر من مجموعها من الفعل المختص به من
[ ٣٠٤ ]
وجد مجموعًا أن ينتفع بسياقه الشيء إلى الكمال إذا لم يحفظ علته، ولن ينتفع بحفظ علته إذا لن يصر ذاته بنفسه مستحفظًا لطباعه على أخص كماله وما لم يصر آمنا في سربه من طغيان آلاته المغيرة إلا عنده، ولن ينتفع بالأمن عنده إلا إذا لم يكن الأمن أبديًا على الإطلاق. إن شرف الإنسان هو الفوز بالسعادة العظمى ونيل المنزلة عند ربه ومن الواجب أ، يكون عرض الصناعة المعينة بشأن الإنسان ما هو إنسان أعني النسك والزهد، هو تحصيل السعادة العظمى والمنزلة عند الله تعالى وكان الشخص الواحد من أشخاص الناس غير صالح لإستبانة صور الموجودات كلها في ذاته فيصر بذلك عالما على حدته حسب ما في أشخاص الحيوانات للآخر، لما امتنع أن يفنى فناء أبديًا ويخلفه الآخر مكانه. ازدحام الصور المتقابلة في الجوهر النفساني ليس بممتنع، وازدحام الصور الكثيرة إلى ما يتناهى ليس بمموه، فبورود التلاشي عليه إذًا ليس بواجب، وحصرها إذا تحلت بالأبديات الكلية بطباعنا الخاصية. غير بعيد أن يكون الكمال المطلق هو أن يصير جوهره بحسب السعي الاختياري حكيمًا قادرًا جوادًا. وهو يصير العبد ربانيًا بالحقيقة. لما جعل الشخص الحيواني توليد المثل لبقاء نوعه فقد أهدى بالطبع المتمم لغايته. وبالعكس لما حرم الكمال الأشراف بنفس حياته قصر طباعه عن التصور له رأسًا فلو ضاهاه الإنسان في هذا الكمال لشاكله في القصور عن التصور. إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت دنياه آخرته، وموته حياته، وفقره غناه، ومرضه صحته، ونومه يقظته، وضعفه قوته، وهمه فرجه. وإذا شقى بالحجب عن مولاه فقد انقلب الأمر بالضد.
مراتب العبودية في العيشة الدنياوية على الحقيقة أربع: أولها الاهتمام للسعادة، ثم السلوك إليها، ثم الحصول عليها، ثم الاستمساك بها. وفي العيشة
[ ٣٠٥ ]
الأخروية رتبتان: وهما الاغتباط بنيلها، والاغتباط بالأمن من زوالها. كما امتنع عليه إبراز فعله المختص به فقد صار وجوده على ما هو عليه مضاهيًا لعدمه. وتلك هي خساسة ذاته.
صلح الواحد ينزل منزلة الملك، وصلاح الجميع ينزل منزلة الملك، وحيث وجد الملك وجد الملك، ولا ينعكس؛ فإذًا الإنسان لن يشرف بأن يصير مالكًا بل يشرف إذا صار ملكًا. وفعل المالك حفظه القنية على صورتها، وحفظ الملك حفظ مراتب القنيات على درجاتها متى علم أن الشيء مما يجب أن يعلم وأنه ليس بعلم، فقد صار المعقول عنه محروصًا عليه، وذلك هو مفتتح السعي، وهو في الحقيقة أكثر من نصف جملته، كما أنه ليس يسكن العقل الصريح إلى معرفة المبدأ القريب من الشيء دون أن يعرف المبدأ الأول على الإطلاق، وما بين المبدئين من الوسائط، إن كان الأول المحض والآخر المحض بالذات شيئًا أحدًا، وإن اختلف الوصفان عليه بالإضافة فبالأحرى أن يكون المبدأ والغرض المحض غير مختلفين بالذات، وإن اختلفا بالإضافة. التعرف للذات بحسب المنتهى أربعة، وهي: أن تعرف لماذا هو، وكيف السبيل إليه، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه وما الذي يعوقه عن بلوغه. مراتب التعرف للذات بحسب المبتدأ أربعة، وهي: أن تعرف ما هو، ومن جاء به، ومن داجى به، وكيف كان مجيئه. ومن أجل أن المستخدم قد يضطر الحال إلى استصلاحها واستحفاظها فيصير فعله فيهما عند ذلك شبيهًا بفعل الخادم لها في الظاهر، فليس بعجيب أن يعرض منه الغلط، أو يبدو من جهته الانخلاع. من سوس العقل الصريح التفرقة بين الحسن والقبيح، ومن سوسه أيضًا السكون إلى الحسن والالتفات عن القبيح، لأن الشيء متى كان مفرطًا في الحسن فإنه يبهر العقل الجريء
[ ٣٠٦ ]
فيحتاج معه إلى التدريج إليه، والتمرين عليه. خصوصية هذه الصناعة رياضة الأنفس الناطقة على تأدية الأفعال البشرية بصور مستصلحة لاكتساب الزلفى عند خالق البرية. لن يكفي أن تكون الغاية محدودة في نفسها موجودة بذاتها، بل يجب مع ذلك أن تكون متصورة عند القاصد لها على ما هي عليه، وأن تكون أيضًا متشوقة محبوبة عنده. يجب أن تتعرف من درك الغاية أهو من جملة النعم أم ليس هو من جملة النعم، وأنه إن كان من جملة النعم، أهو مما ينال بحسب الاتصال أم بحسب التعويض أم بحسب المثوبة.
هذا آخر التعليق عنه نضر الله وجهه، وقد كان قادرًا على هذا الجنس من الكلام لطول ارتياضه به وكثرة فكره فيه؛ مع سيرة جميلة. ولقد ورد بغداد سنة أربع وستين وثلثمائة في صحبة ذي الكفايتين فلقى من أصحابنا البغداديين عنتًا شديدًا ومناكدة، وذلك أن طباع أصحابنا معروفة بالحدة والتوقد على فاضل يرى من غير بلدهم، وذلك كله جالب للتنافس، مانع من التناصف، وهو خلق تابع لهواهم، وتراهم قد احتاجوا من أجل ذلك إلى علاج شديد ومقاومة طويلة، وقل من يتخلص إلى غاية هذا الباب لغلبة الطباع، وسوء العادة، وشرارة النفس. والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليهم، وهذا باب وإن كان فاشيًا في جميع الناس فكأنه في أصحابنا أفشا وهو من جهتهم أعدى، وهو على ذلك لا يعشر واحدًا منهم إذا برز في فن عشرة من غيرهم، وإذا كان الكمال عزيزًا في النوع كيف لا يكون عزيزًا في الواحد؟ نسأل الله خلقًا طاهرًا، وعملًا صالحًا، وعلمًا نافعًا.
[ ٣٠٧ ]