في أن الوسط فيه الطرفان
قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعيين: الوسط فيه الطرفان، فإن الماء الفاتر توجد فيه الحرارة والبرودة. ثم قال: وهذا بيان قول الأوائل: الإنسان لب العالم، وهو في الوسط، لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة. ففيه الطرفانِ، أعني فيه شرف الأجرام الناطقة بالمعرفة الإستبصار، ولا بحث والاعتبار؛ وفيه صفة الأجسام الحية الجاهلة التي
[ ٢٦٧ ]
لم توشح بشيء من الخير ولا فيها انقياد له، فما أحرى من هذا حده وشأنه، ومقره ومكانه، أن ينجذب إلى ما يعز به ولا يذل، ويوجد به ولا يفقد، وينال به ولا يخفق؟ وما أشقى من هذا حديثه مع التمكين والاستطاعة، والقدرة والقوة، والتذكرة والتبصر، إن تردى من ربوته، وذهب في هوته وبقي خاسئًا حسيرًا، ومقيد أسيرًا، بلا فكاك ولا إطلاق، ولا رحمة ولا إشفاق؟! قال أيضًا: قال أفلاطن: من ملك منطقه سمي حليمًا، ومن ملك غضبه سمي شجاعًا، ومن ملك شهوته سمي عفيفًا. قال: وقيل لأفلاطن: أي الأمرين أعلى درجة، أن يقول ما يعلم أو يعلم ما يقول؟ فقال: أن يقول ما يعلم، لا، مرتبة العلم فوق مرتبة القول. قال: وهذا كما قال؟ فالقول تابع للعلم، وهذا هو الحق ليكون العلم أولًا وأصلًا، وإذا علم ما يقول. فكأن العلم مقصور على قوله من غير أ، يكون قائمًا بنفسه، ثابت في معدنه، جار من ينبوعه.
وهذا آخر ما فهمناه عنه في هذا الفصل، ولعل المطالبة بزيادة شرح ممكنة، فإن المغزى فيه لطيف، والبيان عنه عزيز.
وقال بعض الأوائل: الإنسان الذي لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة لا ثمر لها. وقال آخر: البخيل الغني كالجبان القوي. وقال آخر: من الصورة والهيولى يكون الحد، ومن الصورة والعلة يكون الإيضاح. ثم قال: وهذا صحيح، لأنه لا وجود لشيء إلا بصورته وهيولاه، فأما الهيولى بذاتها فغير موجودة، وكذلك الصورة، فكل ما يقوم قائمًا يتقوم بهما ثم يصير ذلك المتقوم صورة أخرى محفوظة الظاهر والباطن إلى الأولين اللذين هما الهيولى والصورة. ثم على حسب ما عليه الصورة في هذا المتقوم يكون شرف جوهره لأنه يستفيد البساطة من الصورة، والتركيب من الهيولى، وذلك على حسب ما عليه هولاء فيه ضعة جوهره وسلان عنصره. فكل حيوان غير
[ ٢٦٨ ]
ناطق عادم لشرف الصورة، وكل حيوان ناطق واجد لشرف الصورة، إلا إن الناطق ناطقان: ناطق في الذروة، وناطق في الوسط، فالذي في الذروة الأجرام الناطقة الحية النيرة العلوية، والذي في الوسط الإنسان الذي قد حوى بحده معنى النطق، ويظهر منه هذا المعنى في الطرفين بالفطرة التي له، فإنه يحس ويعقل، والآخر بالرياضة المحمودة، والإلف الحسن، والاختيار الجيد، والقبول الدائم. ولما علت الأجرام الناطقة عن هذه المهابط التي انتصف فيها الإنسان استغنت عن الرياضة والتحديد والطلب والاجتهاد والاختيار، ولما سفلت الأجسام الأخر التي هي في آخر الأطراف لم يطمع لها في ثمرة النظر وعاقبة الرياضة ما يفيد الاختيار ويتوقع بالقبول. وكما حصل الإنسان دون الجوهر الناطقة، كذلك حصل سائر الحيوان الذي هو دونه، دون الإنسان، إلا إن خساسة ما تباعد عن الإنسان من أصناف الحيوان أشد وأبين، لأنها خساسة طينية لا طمع في رفعها، ولا رجاء في دفعها. فأما ما حازه الإنسان في مكانه الذي هو كالمنتصف من النواطق العالية النيرة الشريفة الدائمة الأبدية، وبين ما سفل عنه من سائر الحيوان فهو على شرف الطبع في صلاحه واستجابته وانقياده، حتى يجود اختياره، ويذكو ذهنه، ويطهر عقله، ويصير ما هو في قوته كامن باديًا، وما هو معجون في طينته ظاهرًا، وحينئذ إذا بلغ هذا المبلغ علم أنه ناصح من ناحية الطبيعة، وأنه متى نزع يده من يد الغاش ووضعها في يد الناصح، وثبت نسبه إلى الشرف، واستقرت قدمه على الصراط، وأبصرت عينه كل ما غاب، ووثقت نفسه بالكرامة، وارتاحت إلى ما بين يديها من الغبطة، ونسيت أن هذا الإنسان في هذه المنزلة الصعبة والمنزلة المخوفة، ما قد لا ينجع فيه الدواء، ولا يسري إليه الشفاء، فيعطب للذي من أجله صرنا نتنادى بشاهد التنادي، ونتحارس في هذا العالم هذا التحارس، ونتواصى هذا التواصي، لئلا يخطف فجأة إلى مهوى البلاء ومعدن الشقاء قد والله لجيء إلينا بالنجاة،
[ ٢٦٩ ]
وصرح لنا بالحق، ونصب أمامنا العلم، وتلى علينا بيان الرشد والغي، ليكون جأشنا على يقظة وبيان، وتحولنا إلى مقام أمن ودار سلام، ونحن كما ترى ساهون لاهون، إلى الله المشتكى والسلام.
وقال أيضًا أبو سليمان: قال بعض الطبائعيين: منزلة الكواكب من الشمس منزلة الحديد من حجر المغناطيس، أما تراهن إذا بعدن تجذبهن إليها؟ قال بعض الحاضرين: وهذا القول فيه نظر. فقال أبو سليمان: كل من لا يعرف ما يجب عليه فلا يعرف. فقال: ليس هذا من كيسي. وقال آخر: الدين حجة لا يحتج عليها، وللشبهة سبيل لا يعرض لها.