في علة امتناع الرؤيا في المنام
سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبي محمد العروضي وكان أبو محمد يتفلسف ولزم يحيى بن عدي دهرًا أنا قليل الرؤيا، وقد ساءني هذا، وقد خلت أن ذا من عمى القلب؟ فقال أبو محمد: هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين: أحد الأمرين كدر النفس بالجهل، وظلمتها بالغباوة، وامحاء صورتها بصدأ الدهر، وقلة اقتناء المعارف، وشدة انجرادها من الغير، وهذه حال دهماء العوام. وأما الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعي رياض العلم، فيصير حالها في الحلم قسيمة حالها في اليقظة، إلى الكهانة، حتى إذا حدس قرطس، وإذا ظن ظن، وإذا وهم هجم، وإذا اعتبر عبر، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط باستخراج الدقائق، وتأليف المقدمات، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد الحق وبحبوحة الصواب؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط، أي من غير إعمال أداة وإحضار آلة.
[ ١٩٠ ]
قال: وهذه كبها من درجات النفس، تارة من ناحيتها بالبحث والتنقير والنظر والتقليب، وتارة بالوحي والإلهام، والإلقاء والسنوح، والموافقة والمصارفة، وما جرى في نظائر هذه المعاني، والتبس بما يكون شطرًا لها، وهذه حال تقع أولًا في مزاج مهيًا، وترتيب معدل، وطنية حرة. ثم يظهر ثانيًا بتهذيب النفس، وتطهير الأخلاق، وتصفية الأعمال، وقمع الشهوات. وكل من كان قسطه من الحال الفلكية أوفر كان مصاره في الحال البشرية اظهر.
وهذا باب طويل الذيل مياس، وفيما وقع النص عليه، ووصلت الإشارة إليه، بلاغ لمن آثر رشده، وقصد حظه، وبذل سعيه، وأم غايته. وفقنا الله لما يجب واستعملنا فيما يرضى، أنه قريب مجيب.