في أن الواحد اسم مشترك يدل على
[ ٢٨٦ ]
معان كثيرة
وأملى أبو سليمان على جماعة، كنت أحدهم سنة إحدى وتسعين وثلثمائة وقد سئل عن الواحد فقال: الواحد أسم مشترك يدل على معادن كثيرة، أحدها وهو أحقها بهذا الاسم، فهو واحد بالعدد، وهو إما أن يوجد من حيث هو مطلق، وموضوعها النفس من غير أن يوجد معه أمر من الموجودات، وهو بهذا الوجه يعني المعاد، وعلى هذا سواء أخذ واحدًا أو أخذت وحدة، ويكون مبدأ العدد الذي هو جمع الوحدات كما يقال فرس واحد، وإنسان واحد. وهذا الوجه يعني المعدود. قال: ويقال أيضًا الواحد على ما هو واحد في الجنس، كما يقال: إن الإنسان والفرس واحد في الحيوانية، ويقال أيضًا: واحد بالنوع كما يقال: زيد وعمرو واحد في الإنسانية، ويقال أيضًا واحد بمعنى أنه غير متجزئ بمنزلة النقطة، والآن وعلى هذا الوجه أيضًا يقال في الشخص إنه واحد وإنه متجزئ من قبل أنه جزئي فشذ؛ ويقال أيضًا واحد في الموضوع. وهذا الضرب يقال منه المتصل الذي هو واحد بالفعل، وكثير بالقوة، ومنه ما هو واحد في الذات وكثير في الحد، كما يقال إن زيدًا لكاتب، إذا كان طبيبًا أو منجمًا أو ذا صناعات كثيرة، إنه الطبيب والكاتب والمنجم واحد في الموضوع من قبل أن الذي هو كائن هو بعينه فاسد وكثير في أحد، لأن حد الفاسد خلف حد الكائن، ويقال أيضًا على ما هو واحد في المناسبة، كما يقال: إن النقطة الواحدة وقلب الحيوان وعين النهر واحدة بالمناسبة، معناه إن نسبة كل واحد منها إلى ما له مثل نسبة واحدة. ويقال أيضًا على ما هو واحد في الحد وكثير في الاسم، كما يقال: إن الثوب والرداء والإنسان والبشر واحد في الحد، وكثير في الاسم، وكذلك الخمر والخندريس وسائر الأسماء المترادفة على معنى واحد. ويقال أيضًا على ما هو واحد في الاسم كثير في الحد، بمنزلة الكلب والعين، فإن الكلب يدل على النابح والكواكب وحديده الحداد، وكذلك العين على العضو الذي يبصر به، وعلى عين الذهب، وعين الماء، وعين الركبة. وأليق هذه المعاني أن يوصف به الموجود الأول ما كان واحدًا بالموضوع
[ ٢٨٧ ]
وكثيرًا بالحد والصفة، إذ لا يجوز أن يكون واحدًا بالعدد من حيث هو معدود، إذ الواحد على أنه واحد من هذا الوجه كانت الكمية لاحقة به، الذات الأولى متعالية عن أن يلحقها أو يحيط بها صفة ما لمحق غيره من الموجودات المفعولة له، وذلك أن القوة التي تلحظ شيئًا من الأشياء ومعانيها معلولة مفعولة، ولحظها لها إنما هو على سبيل ما يلحقه من الفيض وإفادة الوجود من تلك الذات، فثبتت عندها آنية ذلك فقط من غير أن يمكنها نقل شيء من أحكامها وأحكام ما يحيط بها مما هو بدونها إليها، والواحد بمعنى وهو ذات ما له معنى الوحدة، وهذا يوجب الكثرة، فأليق الأشياء التي يجوز أن يشار بها إليها من جميع معاني الوحدة والآحاد التي ذكرناها هو الوحدة المجردة التي لا توجد من حيث هي في النفس فتكون حاكمة عليها بها، ولا التي موضوعها أمر من الأمور الموجودة ليكون بها هو واحد وعلى هذا الترتيب يصير الواحد الذي هو أول موجود يستحق أن يوصف بما هو القوة الأولى التي ذكرناها أو لمعقول للذات الأولى، فيكون بتلك الأنية التي يلزمها الوحدة التي وصفنا، وهي الفعل، فيكون الترتيب الجاري على النظام اللازم في مراتب الموجودات أنها الوحدة المحضة، وتاليها في الوجود المحض الذي هو المفعول الثاني، وثالثها الأنيان المحضان التي هي النفس من قبل أنه حصل لها من الذات الأولى الوجود، ومن الذات الثانية الصورة التي صارت بها كمالًا لك موجود لما هو دونه؛ ولما كان الإنسان الذي هو الموجود الذي ينتهي إليه جميع القوى من الموجود الأول والثاني والثالث من الأجسام السماوية والإستقصات الكائنة الفاسدة، والغاية التي إليها تبلغ القوى، يسلك بما معه من جميع ما فوقه إلى مواصلة كل واحد منها بحسب الرباط الذي بينه وبينها إلى أن ينتهي إلى المبدأ الأول والذات الأولى، فيفصح عنه بما لحقه في ذاته عبارة جسمانية بالمنطق الخارج.
[ ٢٨٨ ]
ويشير إليه إشارة روحانية بمطابقة عقله المفعول الأول حتى يصير هو هو، ويلحظ أثر الفيض الواصل إلى تلك الذات فقدر مشاركته إياه ونفي عنه جميع الصفات التي نفاها عنه المفعول الأول. ويقال لهذا الفعل منه توحيد، أي تجريد تلك الذات عن جميع الكثرات التي تتعلق على الذوات وتحيط بها من الصفات.