في شيء من مذكرات المؤلف مع بعض الأطباء
ذاكرت طبيبًا شاهدته بجند يسابور بشيء من العلم، فما أذكر تلك المذاكرة، وتلك المسئلة، وتلك الفائدة إلا سنح شخص ذلك الشخص وكان يكني أبا الطيب لعيني، وتمثل في وهمي وحتى كأني أراه قريبًا معي، وحاضرًا عندي! وطال عجبي من ذلك؟ فرأيت أبا سليمان في المنام فسألته عن الحالة التي قد شغلتني بالتعجب منها، والأمر الذي توالى على من أجلها؟ فقال لي في الجواب قولًا ميقظًا تما التأم من جملته في اليقظة ما أثار اسمه وحاكيه في هذا الموضع.
قال: أما تعلم أن المبدأ الأول والأصل والعلة مفتقر إليه بالطبع والضرورة، ومعترف به بالوجوب الذي ليس فيه مرية ولا شبهة؟! قلت: بلى.
قال: فالثاني مشعر أبدًا بالأول، والأول مشعر بنفسه، والثاني مشعور به أيضًا، ولكن الأول، والأول مع هذا هو الثاني، والثاني هو الأول. ولكن اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق. إلى ههنا يخلص لي ما تبينته، وهو ظاهر كما به قال: لما كان من صدور المذاكرة من جهته وتمت بمطاولته، وحصلت الفائدة بوساطته، إشتاقت النفس وتلبست بصورته، وجدانًا منها للمبدأ، ونزاعًا نحو الأول، واستشعارًا للسكون معه، لأنها تعشق بالذات أبدًا الأول، ويعشق كل أول للشبه القائمة فيه والشبه الموجودة به من الأول بالإطلاق، فكل مريد من كل ضرب طبيعي وإرادي وفكري وخلقي
[ ٢١٤ ]
صناعي وآلهي يحييها ويؤنسها وينفي وحشتها ويعللها، ويستعمل بذلك فوقها، إلى الأول الحق الذي هو أول بالإطلاق، واستكمالها ذلك الشوق هو استدامتها لحالها. وثباتها في صورتها، وطربها على ما حصل لها.
والكلام في الأول والمبدأ في كل ما ضرب فيه بسهم وانتهى إليه بوجه لا يمل ولا يمل ولا يشبع منه. ولولا أن بضاعتي في هذا الفن مزجاة، وعبارتي عنه منقطعة، لكان ما يعقل من ذلك ويستبان أبين مرأى وأحلى مسمعًا، وعلى كل حال فقد كتبت ما أمكن التصرف فيه والشغل به، والزيادة على ذلك تقتضي بجزيل القول على تقدير السؤال والجواب والتمثيل والإيضاح، فإن نفس الله الخناق قيلًا وأزاح همًا لازمًا، وجمع شملًا منقطعًا، أتيت على ذلك متوسعًا أو أطمت عليه متلافيًا، إن شاء الله تعالى.