في أن بعض المسائل توجد بالفكر والروية
وبعضها بالخاطر والإلهام
سئل أبو سليمان فقيل له: لم وحد فينا شيء لا يبرز إلا بالروية والفكر والتصفح والقياس، وشيء بالخاطر والبديهة والإلهام والوحي والكلفة حتى كأنه كان حاضرًا بنفسه مترصدًا لبروزه؟ فقال: لأن البديهة تحكي الجزء الآلهي بالانبجاس، وتزيد على ما يغوص عليه القياس ويسبق الطالب والمتوقع. والروية تحكي الجزء البشري، وكذلك الفكر والتتبع والإستمداد والتوقع، فمن أجل انقسام الإنسان بين شيء ينبعث به مسشتاقًا إلى مطلوبه، وبين شيء يبعثه شائقًا إلى مطلوبه، ما وجب أن يكون له روية، وهي به، وبديهة هي إليه. وكان يقول: ولهذا لا تتوفر القوتان معًا بالإنسان الواحد، أي لا يوجد الإنسان غاية في البديهة غاية في الروية، لأن إحدى القوتين إذا اشتغلت قمعت الأخرى وحاجزتها عن بلوغ الغاية القصوى.
قلت له: فأي القوتين أشرف؟ فقال: كلتاهما على غاية الشرف، إلا أن البديهة أبعد من معاني الكون
[ ٢٣٨ ]
والفساد، وإغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال، والروية ألصق بكمال الجوهر وأشد تصفية للطينة من الكدر.
ثم قال: والروية والبديهة تجريان من الإنسان مجرى منامه ويقظته، وحلمه وانتباهه، وغيبته وشهوده، وانبساطه وانقباضه، ولا بد من هاتين الحالتين، ومن ضعف فيهما فاته الحظ المطلوب في الحياة والثمرة الحلوة من السعي.
فقال: ليس حكمهما في اللسان أظهر من حكمهما في القلب، فإن للقلب بديهة بالسانح، وروية بالاستقرار، أحدهما في حيز الهيولى والثاني في حيز الصورة. ولما كان الإنسان متقومًا بهما كانت نسبته فيما يفرغ إليه على حد حصته فيما تأهل عليه.
ثم قال: على الإنسان حالات بحسب المواد الحاضرة والأسباب المؤثرة والقابلة، تعتدل بديهته ورويته فيها، أو يسبق أحدها ثم يستمر ذلك الاستمرار ولا يدوم ذلك السبق، وهما قوتان آلهيتان إلا أن إحداهما متصلة به والأخرى واصلة إليه، وليس كل متصل به ينفصل بسهولة، ولا كل واصل إليه يصل بسرعة.
ثم قال له في هذا الموضع أبو زكريا الصيمري: الكمال عزيز؟ قال له: أو تدري لم؟ قال: أفدنا أبقاك الله على عادتك ولا تندمنا نقصنا بمطالبتك.
قال: لأن الكون والفساد واسطة لهما، فالمقوم بها لا كمال له، لأن الكمال في الوسط لا في الطرف، ولكن ليس الرقي كالهوى، ولا الهبوط كالصعود، ولا ما يزان به مثل ما يشان به، ولا ما نعذب به مثل ما نثاب عليه، إنك لعلى جدد لو كان لي منك مدد.
واندفع في هذا وشبهه حتى فرق بينه وبيننا المساء، فسقى الله تيك الساعات التي كانت تتضمن بهذه الراحات، أنظر إلى بقاياها المرسومة بالخط، المدونة بالقلم، المحكية باللفظ، والله إن مساربها في النفس والعقل والروح كانت تنسي كل
[ ٢٣٩ ]
حال مشهودة، وتسلى عن كل غاية محدودة، ومذ ضرب الزمان بالإسداد دون هذه الرياض والأنوار، كبا كل زند؛ وخاب كل أمل، وخبت كل جمرة، وكل كل حد، وحتى لو أعدنا النظر في هذا القدر المذكور دارسين، لخرجنا منه عارين، وانقلبنا من الخاسئين، وإلى الله الشكوى فهو المعين.