في فضيلة العقل وقيمة الحياة ومزية العافية
سمعت عيسى يقولك لو أن الأولين اجتمعوا في صعيد واحد واعتبر كل واحد قوة الباقين لم يجدوا العقل مصيبين مسهلين، ووجدوا شعاعه ونوره، وشرفه وبهاءه ونبله وكماله، وبهجته وجماله، وزينته وفعاله، لما بلغوا منه حدًا ولا استوعبوا من ذلك جزأً. أنظر إلى من فقده ولم يوهب له شيء منه كيف يرفض ويخذل، ويعادي ويسترذل، ويهرب منه، ويستوحش من قربه وكلامه، وحتى الذي قد ولده وفصل منه ويجري مجراه؟ قال: فأما الحياة فإنها ينبوع للفرح والهم، واللذة والمعرفة، والحس والحركة، لا تمام للإنسان إلا بها، ولا قوام إلا معها، ولذلك إذا نظر إلى الميت استوحش منه، وتبرم به، وعوجل به إلى القبر، وأبعد في الأقطار. لأن الحياة التي كانت مهاد الأنس، ورباطًا بين النفس والنفس، فقدت.
قال وتجري العافية بعد هذين مجراهما، وذلك أن العليل متى طالت علته واشتدت وعظمت تلكأ عنه آنس الناس به، وهرب منه أحدب الناس عليه. فالعقل والحياة والعافية أثا في النعمة الكبرى، ودعائم العطية الأولى، وكل ما عاداهن فهو دونهن، وكلما فارقهن يسقط عنهن. والحياة وعاء، والعقل متاع، والعافية استعمال.
ثم قال: نسأل الله حياة طيبة، وعقلًا نافعًا، وعافية متصلة.
قيل له: لم لم يذكر الفقر وهو من قبيل الموت، ولا الغنى وهو من حيز الحياة؟
[ ٢٣٤ ]
فقال: كل هذه الأشياء بعد الحياة والعقل والعافية، فروع. فإن الإنسان بعقله يصبر على الفقر، وبعقله يجتلب الغنى، وبعافيته يبلغ الغاية ويكتسب السعادة، والعقل في جميع أحواله. فيتصرف بثمرة الراحة مرة، وبالصبر مرة ويريه الحكمة فيما فشا وسر، ويؤديه إلى السعادة في كل ما أقبل وأدبر، لأن العقل متى حل شخصًا أضاءه وأناره، ومتى فارق شخصًا كدره وأباره.
والكلام في العقل مضطرب جدًا، خاصة إذا ترنم بتمجيده من وفر الله حظه منه، وصبغ كله أو بعضه به، وغمس ظاهره وباطنه فيه، وبسط سداه ولحمته عليه. ولا بأس مع هذا الاعتراف بشرفه أن أكتب لك في هذا الموضع ما يغذو روحك ويحدث الأريحية في نفسك، ويشحذ ما كل من ذهنك، وينزح ما غار من فهمك، ويفتح تغميض بصرك، ويطرد سنة قلبك، ويؤلف بينك وبين حقك.
اعلم أن العامة وكثيرًا من الخاصة، لا يعرفون العقل ولا يحقون حده، ولا يتصرفون في وصفه، ويكتفون في معرفته بأن يقولوا: هو عرض أو جسم أو آلة بها يتميز هذا التمييز، ومن أجلها يتكلف هذا التكليف، أو يكيف هذا التكيف، وربما قال الحاذق منهم: هو مأخوذ من العقال. وسمعت البصري المنبز بجعل يقول: العقل هو مجموع علوم هذه اللفظة. والعبارة عن العقل أكرمك الله مقسومة على قدر ما يريك منه ويلحظ به ويؤكد السبيل إليه، فإما أن يقال إنه موجود ومكشوف، فهو سعة الكلام واقتدار القائل وتقريب المعرف. وسمعت في بعض ما يقال أيضًا في وصفه أنه مطبوع ومصنوع. هذا قريب من الذي تقدم. والذي يقربك من الحق في هذا ويدنيك إلى اليقين ويلبسك جلباب السكون، أن تعلم أن العقل بأسره لا يوجد في شخص إنسي، وإنما يوجد منه قسط بالأكثر والأقل، والأشد والأضعف. والموجود في العامة وأشباه العامة إنما هو قوة متصاعدة عن الطبيعة قليلًا بعد التباسها بها قد فاءت عليها بظل النفس الناطقة، على
[ ٢٣٥ ]
ضعف دون ضعف، وتزايد، وبها باينوا كل حيوان دونها مباينة تامة من وجه، وضارعوا مع ذلك كل حيوان دونها مضارعة مختلفة من وجه. فأما وجه المباينة فظاهر بالشكل والتخطيط وانتصاب القامة وسائر الخواص الدالة على ذلك، فله الجزء الذي هو للجنس بالنظر المنطقي. وأما المضارعة المختلفة فمعترف بها بشهادة التصفح وثمرة الاستقراء، ألا ترى أن الإنسان يوجد له زهو كزهو الفرس، وتيه كتيه الطاوس، وحكاية كحكاية القرد، ولقن كلقن الببغاء، ومكر كمكر الثعلب، وسرقة كسرقة العقعق، وعيافة كعيافة الغراب، وجرأة كجرأة الأسد، وجبن كجبن الصفرد، وإلف كألف الكلب. وأشياء من هذا النحو تكثر، وهي تجاه العيون وإزاء العقول؟ فقد بان ووضح القدر الذي حصل لهذه الطائفة وما هو وكم هو، بهذا التعريف والتمثيل.
ثم إن هذه القوة قد ترقى ترقيًا بعد ترق حتى تلتبس بالنفس الناطقة التباسًا ما، إلا إنه يكون معها ظل من الطبيعة على قلة وكثرة وزيادة ونقصن فيكون الصواب أغلب، العرفان أقرب، والوجدان أكثب، والثقة أكثر، والإستبانة به أخص. وهذه هي قدر ما حصل لجميع من فضل عن العامة في حاله وعلمه.
ثم إن هذه القوة تصفوا في تلك الخطط والمعاني التي هي العقل فيلحظ صاحبها الأمور بحقائقها، مستوعبة بحدودها، مخلصة من موادها، على خاص ما لها من بسائطها. وها هنا يقال: إن الولاية للخبر الآلهي والمعنى الربوبي. وعند ذلك تكون القوتان الأخريان ضعيفتين، أعني قوة الشهوة وقوة الغضب. والجملة تكون الطبيعة معزولة وحكمها كحكم بعض الرعية المسوسة بعزة الساكان الملك العدل. وهذه حال من وصل إليها وحصل عليها، فقد أوفى على رياض القدس وحاز ذخائر النفس، ونقى من أدناس الأنس.
وذكرت ها هنا كلمات تلتاط بما سلف، كنت سمعت أبا سليمان تناقل بها
[ ٢٣٦ ]
في عروض حديثه عند طيب نفسه. قلت له: لم نسمع من المجنون الحكمة بعد الحكمة؟
فقال: أتسمع من الذي ليس بمجنون الحماقة بعد الحماقة؟ فالبادر من هذا كالبادر من ذاك.
فقال له البخاري: فما هذه الأشباه، وما الجزء فيها وما العلة الجالبة لها؟ فقال: المجنون من جنس العقلي، فبحق هذه المشابهة ما ينطبق بالفائدة ويسبق إلى الحكمة ويطلع على البديهة. وكذلك الغافل من جنس المجنون، فبحق هذا الشبه أيضًا ما يهذي في وقت ويزل في آخر، وينطق بالخطأ وينصر الباطل، وهذا منسوب للذي فيه من حصة الهيولى، يبدر منه هذا النقص، ولذلك القسط الذي فيه من صفة الصورة يبدر منه ذلك الفضل، إلا أن هذين البادرين في هذين الشخصين لا يرفعان الحالين الظاهرين على الشخصين، أعني أن المجنون بقدر ما بدر منه لا يكون عاقلًا، والعاقل بقدر ما بدر منه لا يكون مجنونًا، ثم أيضًا جميع العقلاء والمجانين مختصين على هذا المنهاج.
ثم قال: فهذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم، ليس بعقل، وإنما هو شبيه به أو شيء معه ظله أو حكمته وخياله، ولهذا ما ما خالطهم الهوى واستحوذ عليهم التعصب، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم، وخذلهم اللجاج والصياح، وانفتح باب الحيرة عليهم، وسد باب اليقين عنهم. قال: ولهذا قل تألههم وتنزههم، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين على هذا وجدنا أعلامهم وكبراءهم، ولولا إبثار التقي لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم.
سمعت ابن عباد بالري سنة خمسين يقول: طبع العقل على أن يشهد للباطل كما يشهد للحق، ولهذا اختلف العقلاء في جميع أمر الدين والدنيا وهذا أبقاك الله كلام خبيث، وقد تكلمت عليه في كتاب النوادر مع
[ ٢٣٧ ]
جميع علائقه وغواشيه، ولولا ذلك لكان يجب أن لا يثبت هذا القول ها هنا على وجهه، ولعمري إن عقله وعقل ضربائه كذلك، ولا أزيد على تهجينه بما يخرج عن حد الأدب المرضي، ويزايل أحكام الخلق الزكي، وقد جرى هذا الكتاب في ترتيب العقل وتحقيق المعقول وبلوغهما إلى ما يكون به العاقل عقلًا ومعقولًا ما يشفي الغلة، فانتبه واسعد به.