في فعل الباري تعالى
هل هو ضرورة أو اختيار أو ماذا؟
قال أبو زكريا الصميري لأبي سليمان: إذا كان الباري لا يفعل ما يفتعل ضرورة ولا اختيارًا، فعلى أي نحو يكون فعله؟ فإنه إن كان كاستنارة الهواء عن الشمس فهو ضروري، وإن
[ ١٤٩ ]
كان كفعل أحدنا فهو اختياري، وما خلا هذين فغير معقول، وما لا يعقل فغير مقبول؟
قال أبو سليمان: قد قال كبار الأوائل: إنه يفعل بنوع أشرف من الاختيار، وذلك النوع لا اسم له عندنا، لأنا إنما نعرف الأسماء التي قد عهدنا أعيانها أوشبها لها، والناس إذا عدموا شيئًا عدموا إسمه، لأن إسمه فرع عليه وعينه أصل له، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع. هذا ما لا دفاع له ولا امتناع منه. وخواص الخواص معدومة الأسماء، ونحن نحس بمعاني جمة وفوائد كثيرة، لا نستطيع صرفها عن أنفسنا، وقد التبست بها، وقرت في أفنائها، ومع ذلك إذا حاولنا أسماءها عجزنا، بل قد نعتاض من الأسماء الفائتة إشارات بصفات وتشبيهات تقوم لنا من بعد مقام الأسماء الفائتة، ولكن له أحيانًا أعمال رديئة، وإبهامات عندنا فاسدة. ولكن ليس لنا في هذا توجه من الوجود جملة، فمن جملة ذلك هذا الذي نحن فيه؟ إنه قد صح البرهان أن فعل الله تقدس وعلا ليس باضطرار، لأن هذا نعت عاجز، ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضًا، لأن هذا نعت عاجز، ولا دافع لهذا القول. وليس باختيار أيضًا، لأن في الاختيار معنى قويًا من الانفعال، وهذا مسلم عند من ألف شيئًا من الفلسفة وشدا بعض علوم الأوائل. فلم يبق بعد هذا إلا إنه بنحو عال شريف يضيق عنه الاسم مشارًا إليه، والرسم مدلولًا به عليه. ولو قال لك رجل: لم خبرت عن الله بالتذكير دون التأنيث؟ لما كان عندك إلا أن تقول: هذا ما أقدر عليه، وليس عندي لما هو حقه في الخبر عنه إسم يحضر، وأكثر ما أمكنني أنني لم أنعت به الأنثى، وهذا لأن التذكير والتأنيث معنيان يوجدان فينا، وبهما أشبهنا سائر الحيوان، وهما منفيان عن الله تعالى من كل وجه وكل وهم. ثم قال بعد هذا الذي قدم من القول: والذي اختاره في هذا الجواب مع هذا التضييق الواقع قولنا: يفعل. لا يصح معناه في الباري تعالى البتة،
[ ١٥٠ ]
بل قولنا: يفعل. عبارة عن انفعال الأشياء له، لأن الأشياء له، وأن الأشياء كلها مشتاقة إليه، متوجهة نحوه، مستأنسة به مقتسبة منه، وذلك اتصالات وجوده، فدخول الأشياء إلى ذاته، وشوقها إلى قربه، وبث الوسائط بينها وبينه ثم ضرب مثلًا فقال: ألا ترى أن الطبل يضرب عند الرحيل من قبل الملك فترى كل أحد قد تحرك حركة لائقة به، موقوفة عليه، نحو الملك من غير أن يكون قد تقدم إلى واحد منهم بما هو إليه، بل هو على سكوته وحاله السابقة، فإنما لاح لهم منه لائح فتحركوا مشتاقين متشبهين؟ ثم قال: وينبغي أن تعلم أنه لا فاعل إلا ويعتريه نوع من أنواع الانفعال في فعله، كما أنه لا منفعل إلا وهو يعتريه نوع من أنواع الفعل في انفعاله؟ إلا أن الفعل في الانفعال خفي جدًا، والفعل في المنفعل خفي جدًا. فلهذا لا يطلق على الفاعل إلا الاسم الأشمل له الأدل عليه وكذلك لا يطلق على المنفعل إلا الاسم الأخص له والأعم لجملته. وهذا وإن كان الإطلاق والاستعمال على حد ما حقق القول، فإن المفعول لا سبيل إلى إنكاره، ومن عرف الحقيقة لا طريق إلى جحوده. فقد بان أن قولنا: يفعل ولا يفعل، وفاعل وغير فاعل، كلمات مطلقة على حد المجاز والعادة.