في أن النظر في حال النفس بعد الموت مبني على الظن والوهم
قال ماني المجوسي وكان ذا حظ وافر من الحكمة لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وكان من أعلام عصره: أيها الشيخ، إني أجد النظر في حال النفس بعد الموت مبنيًا على الظن والتوهم، وذلك أن الإنسان كما يستحيل منه أن يعلم حاله قبل كونه ووجوده كذلك يستحيل منه أن يعلم حاله بعد كونه، لأنه يصير مشفى علمه ومستنبط مراده عدمًا، والعدم لا يقتبس منه علم شيء بوجه، ولا يستفاد منه معرفة حال، لا فيما يتعلق بالحق، ولا فيما يتعلق بالباطل؟ فقال في الجواب: ليس النظر في حال النفس بعد الموت مبنيًا على الظن وإن كان شبيهًا به، ولن يجب أن يثبت القضاء في هذا المعنى بالظن للمشابهة بينه وبين غيره، لأن الفصل حاضر، والفرق ظاهر، وذلك أن الإنسان لم يجهل
[ ١٦٥ ]
حاله قط فيما سلف، لأن الطريق إلى تبيين ذلك وتحصيله مسلوك، والشاهد على ثمرة المطلوب قايم، والتقريب يدل على ذلك في هذا الوقت، وإن كان البرهان في الصناعة موجودًا إذا أخذت على ترتيبها الخاص لها في معرفة المنطق، الذي هو آلة في استقراء الطبيعة، التي هي مراق، وفي معرفة النفس التي هي طلبة كل ناظر في علم ومتحقق بنحلة، كان الإنسان لآخر سيرته في هذا العالم، فلما صمدت النفس لها حركت الطبيعة على تأليفها وتوزيع الحالات المختلفة فيها، وأعطتها النفس بواساطة الطبيعة صورة خصتها بها ودبرت أخلاطها وهيأت مزاجها، فظهر الإنسان في الثاني بشكل غير الشكل الذي كان لأجزائه التي مردها في آخر البحث إلى الهيولى بالقول المجمل. والكلام في هذا ذو شعب وذوائب، ثم إن الإنسان في معارفه التي يترقى في درجاتها يجد لنفسه قنية ليست كسائر القنيات، وهيئة ليست لجميع الهيئات، أعني الحكمة التي هي علم الحق والعمل بالحق، فيجول طالبًا لبقائها، ناظرًا وباحثًا عن حقيقة ذلك، حائرًا إلى أن يبلغ بفرط العناية وجودة الفحص وحسن مشاورة العقل، إلى الحد الذي يفصح له بأن النفس ليست تابعة للمزاج، ولا حادثة بالأخلاط؛ بل هي مستتبعة للمزاج ومقومة للأخلاط بوكالة الطبيعة التي هي ظل من ظلالها، وقوة من قواها، وأن النفس ليس لها استعانة بالبدن ولا بشيء منه، وأنها خالصة لا شوب فيها، وقائمة بجوهرها غنية النفس عما يفسدها ويحللها ويتخونها ويؤثر فيها، وكيف يكون ذلك وهي لا تنفعل البتة، ولا رداءة فيها البتة؟ فبهذا وأشباهه ينفتح للإنسان أن النفس يمكن أن تطلب علم حالها بعد مفارقة البدن بالأمر الطبيعي، والسبب الضروري، فقد تجلى وانكشف أن البحث عن ذلك ليس بحثًا عن عدم مطلق، بل هو بحث عن أحوال منزلة مشهودة، مرتبة محدودة، بل هو بحث عما يتصور غايته ويطمأن إليه، تارة بالبرهان المنطقي، وتارة بالدليل العقلي، وتارة بالإيماء الحسي، والأمر الإلهي.
[ ١٦٦ ]
وقال أيضًا في مثل هذا الموضع ما يجب إيراده وإن طال الفصل وأسام ذكره إن الحسيات معابر إلى العقليات، ولا بد لنا ما دمنا باحثين عن حقائق العقل ولا نقدر أن نخلص إلى عالمه دفعة واحدة من سبيل نسلكها، ومثل نستصحبها، وشواهد نستنبطها ونثق بها، ولو أمكننا الوصول إلى عرصات القول وبلاده كان التفاتنا إلى الحواس فضلًا، لا لأننا متى أخذنا الأمثلة من الحواس فليس يجب أن نتسبب بها كل التسبب، ونطالب بها المعقولات كل المطالب، بل الذي يحكم به الحق ويقتضيه الحزم، أن نأخذ الأمثلة من الحس، فإذا وصلنا إلى العقل حينئذ فارقناها اعتناء عنها مستريحين منها، ومن حرجها واضطرابها، ولما كنا بالحس في أصل الطبيعة لم ننفك منه، ولما كنا بالعقل في أول الجوهر لم نجهل فصله، فلهذا ما اشتغلنا بالحس ولم نقض به، ووصلنا إلى العقل ولم نميز عليه.
وهذا اقتضاه قول عرض في جملة كلامه، وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول، وليس في كل معقول ظل من الحسن ومتى وجدنا شيئًا في الحس فله أثر عند العقل، به وقع التشبيه، وإليه كان التشوق، وبه حدث المقدار، والإنسان متى لم يخلع آثار الحس خلعًا، لم يتحل لبوس العقل تحليًا، وإنما شق الإقرار بمعرفة حال النفس بعد الموت لأن الحس لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها، وإن كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البينة عليها.
وفي الجملة هذه المسئلة عذراء ضيقة، وعجماء مشكلة، ولكن العقل الذي هو خليفة الله في هذا العالم يجول في هذه المضايق، ويدفع هذه الموانع والعوائق، ولولا هذه العناية المرموقة، والحالة المعشوقة، بهذه الأوائل المشروحة، والأبواب المفتوحة، لكان اليأس يزهق الأرواح ويتلف الأنفس، ولكان العالم بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد لشيء لا حقيقة له، ولا حكمة فيه، وأنه شبيه بالعبث واللعب، وليس له محصول ولا
[ ١٦٧ ]
فيه شيء معقول. ولاحاجة بعد هذا البيان الذي غر دحاديه، وطرب سامعه في هذا المكان، إلا قلة الصبر على النظر، وسوء العناية في طلب الحق، وإيثار الراحة بالراحة، وقطع أيام العمر بالتمني، وتوجيه التهمة إلى الحق، وتسليط الجدل على الاستنصار، والاعتماد على البهت والوقاحة، وإلا فإن الحق معرض لك، بل بارك عليك، بل نازل عندك، بل حاضر معك، بل متجلل بك موجود فيك، وإنما تؤتى من جفائك في الطلب وسوء العناية في التحري، لا من توارى الحق عنك، ولا من اشتباهه عليك، وليس مع الجفاء والعنف وصول إلى الحق، ولا مع الرفق يأس من الحق، ألحق أسبق إليك منك إليه وأعطف عليك منك عليه وأرأف بك منك به وأظهر فيك منك فيه وكان وفيًا بهذا الباب قيمًا عليه، وسقط عني شيء كثير مع هذا كله، وفيما حصل تعلل؛ وعلى الله التمام.