والمنة لله ﷿ في هذا البيان الذي جعل اللسان به دليلا عليه، وهاديا إليه، ومعربا عن المعرفة به خادما للقلوب، ومترجما عن نتائج العقول، ومطهرًا للحكم. قالت الفلاسفة: اللسان خادم للقلب. وقالت العرب: لسان المرء كاتب قلبه إذا أملى عليه شيئًا أبانه. وقال حبيب:
ومما كانت العلماء قالت لسان المر من خدم الفؤاد
وقال حمزة بن حمزة للنعمان بن المنذر: المرء بأصغريه، فؤاده ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان.
وقال أبو يعقوب أسحق الخريمي:
وخلجة ظن يسبق الصرف حزمها تشيف على غنم وتمكن من ذخل
صدعت بها والقوم فوضى كأنهم بكارة مرباع تبصبص للفحل
وقال العتابي: (إن اللسان رسول العقل إلى السامعين، وأداته التي يجمع بها بين متفرق الحكمة، ويفرق بين قرائن الشبهات، وأفضل بيان العرب وأفصحه ما أداه عنها الشعر الجاري على ألسنتها بالبلاغة المحكمة، والحكمة المتقنة الباقية، مضمنًا حكمتها وسائر أمثالها شاهدا على أحسابها وكريم
[ ٣٣ ]
أفعالها، مخبرا عن مروءاتهم في سالف أيامهم، وعن محمود خلائقهم، وجميل وفائهم، ليتأدب غابرهم بفعل فارطهم، وليقتدي متعلمهم من الأبناء بسالف من تقدمهم من الآباء). ولذلك قال الأعشى لشريح بن عمران بن السموأل بن عادياء يذكره وفاء أبيه ليتأول ذلك فيه وقد أسره بعض الملوك من قضاعة، ونزل به تيماء على شريح بن السموأل)
كن كالسموال إذ طاف الهمام به في جحفل) (الأبيات). وقد تقدمت قبل هذا في ذكر من وفى لجاره.
وقال أحيحة بن الجلادح، وكان سيدًا يصلح المال ويعم بمروءته، ويستعين بذلك على ما ينويه من الحق:
إني مقيم على الزوراء أعمرها إن الكريم على الإخوان ذو مال
لها ثلاث بيار في جوانبها وكلها عقب تسقى بإقبال
استغن أو مت ولا يغرك ذو حسب من ابن عم ولا عم ولا خال
وكان يقال: التمرة إلى التمرة تمر، كما يقال: الذود إلى الذود إبل. وهو الذي يقول:
[ ٣٤ ]
أطعن العرس في الشهوات حتى أصارتني أسيفًا عبد عبد
إذا ما جئتها قد بعت عذقًا تعانق أو تقبل أو تفدى
فمن وجد الغنى فليصطنعه ذخيرته ويجهد كل جهد
وقال بعض الحكماء: لأن يجمع الرجال مالا فيخلفه بعد موته لأعدائه خير من الحاجة في حياته إلى أصدقائه. وكتب علي ﵁ إلى سلمان الفارسي (﵁) أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين ملمسها، شديد سمها، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن أس ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته منها إلى محذور. والسلام).
وقال بعضهم:
مروة معسر عف قنوع يقدر في معيشته ويمسك
تزيد على مروة كل مثر يروح ويعتدي جم التملك
وأكثر من سخائك بالعطايا سخاء النفس عما ليس تملك
قال الزبير بن بكار الزبيري: دخل الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، فركب معه الاحوص بن محمد الشاعر، فأتى مسجد العصبية فلما صلى قال الاحوص: أين الزوراء التي يقول فيها صاحبكم: أني مقيم على الزوراء. . . البيت
فأشار إليها: هي تلك لو طولت لاستعربت سالمًا عليها. قال الوليد: إن أبا عمرو كان يراه غنيا بها فعجب الناس يومئذ لأدب الوليد أن عنى بالعلم علم كنية أحيحة بن الجلاح
[ ٣٥ ]
وفي أحيحة يقول بعضهم:
رأيت أبا عمرو أحيحة جاره يبيت قرير العين غير مروع
فمن يأته من خائف يس خوفه ومن يأته من جائع البطن يشبع
خلائق في الجلاح كانت كريمة فأكرم به من ذي خصائل أربع
قال وكيع بن الحجاج: مات سفيان الثوري رحمة الله عليه وله مائة وخمسون ديزا بضاعة.
قال القارياني لولا هذه لتمندل القوم بنا تمندلا.
وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويصل رحمه ويكف وجهه، ويترك دنانير. فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني.
وقال سعد بن عبادة: اللهم هب لي حمدًا ومجدًا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا يصلح عليه.
وقال الأحنف:
فلو مد سروي بمال قليل لجدت وكنت له باذلا
فإن المروءة لا تستطا ع إذا لم يكن مالها فاضلا
وكان الأحنف يبخل. وقال: يبخلونني وأنا أشير عليكم بالرأي يسوى عشرين ألف درهم. قالوا له: تقويمك الرأي غاية البخل.
حكى العتبى قال: كان أخوان من الشام أحدهما أيسر من الآخر، فقال أحدهما للآخر: يا أخي لو تزوجت، لعل الله أن يجعل منك خلفا؟ ففعل، فكان الذي لم يتزوج يسافر، ويترك أخاه المتزوج، وأن المرآة عشقت ذلك الأخ، فقالت لزوجها: أتدري ما يقول الجيران؟. قال: لا قالت: يقولون لا جزى الله فلانا عن بيته خيرًا، يقعد مع أهله ويتركه يقلب في المهالك؟. قال: صدق الجيران. فلما عاد قال له أخوه: إني أريد الخروج في تجارتك. قال: لم؟ أفكرت شيئًا؟. قال: لا ولكني أردت أعقبك.
[ ٣٦ ]
فلما خرج تهيأت ثم أتته فعرضت عليه نفسها، فلم يزل يعظها ويذكر محاسن أخيه ومساوئ نفسه حتى انصرفت، ثم عادت إليه بعد. فلما أكثرت قال لها: لتنتهين أو لأكتبن إلى أخي. فتركته وقدم أخوه، فقال: يا أخي كيف رأيت أهلي؟ فقال في نفسه: قد عصم الله ولا أفسد على أخي أهله. فقال: خير أهل. فأتاها وقد ظنت أنه قد أخبره، فقال: كيف رأيت أخي. قالت: ما زال أخوك يراودني عن نفسي فعصيت، فغضب وحلف بالمحرمات لا يكلمه أبدًا ما عاش، وخرجا حاجين، فهلك الأخ الأعزب بوادي الدوم، فكأنما هلك به جمل. فلما رجعوا مروا بذلك الوادي فسمعوا صارخا يقول:
أجدك تمضي الدوم ليلًا ولا ترى عليك لأهل الدوم أن تتكلما
وبالدوم ثاوٍ لو ثويت مكانه لمر بوادي الدوم حيًا وسلما
فظنت المرآة أن المنادى من السماء فقالت: يا فلان هذا مقام العائذ، إنه كان من قصتنا كيت وكيت. فقال: والله لو حل قتلك لقتلتك. ففارقها وضرب على قبره خيمة، وانشأ يقول:
هجرتك في طول الحياة وأبتغي كلامك لما صرت رمسًا وأعظما
ذكرت ذنوبًا منك كنت اجترمتها أنا منك فيها كنت أسوا وأظلما
فلم يزل مقيما على قبره حتى مات، فدفن إلى جنبه. قال العتبى: فسألت الشاميين فعرفوه.
والعرب تضرب المثل بجار هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم فبينما الصبيان يلعبون في مستنقع ماء لهم ويتغاطون إذ غطوا ابن أبى دؤاد، فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:
[ ٣٧ ]
ألم تر أنني جاورت كعبًا وكان جوار بعض القوم غيا
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
يريد نواى، فلما سمع بذلك هلال أمر بنيه فأخرجوه إلى نادى قومه فقال: ولا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبى دؤاد حتى يرضى، فمشوا إلى ابن أبى دؤاد فأعطوه حتى رضي. وكان هلال قال له: احتكم حكم الصبي على أهله - وحكم الصبي أن يطلب ما لا يوجد. قال الشاعر:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه كثير على ظهر الطريق مجاهله
وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك قد اخترتني جارًا واخترت دارى دارا، فجناية يدك على دونك، وأن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبي على أهله.
والعرب تضرب المثل في الجود فتقول: أجود من كعب. وهو كعب بن مامة الإيادي، وكان من جوده أنه خرج في ركب منهم رجل من النمر بن قاسط: فضلوا، فتصافنوا مالهم أي اقتسموه بالحصاة، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: أعط أخاك النمري يصطبح فيؤثره حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حين رفعت له أعلام الماء فقيل: رد كعب إنك وراد
فغلبه العطش، ولم يقدر على النهوض، فلما رأوا ذلك خيلوا عليه بثوث يمنعه من السبع أن يأكله، فمات هناك. فقال مامة يبكيه:
ما كان من سؤدد أسقي على ظلما خمرًا بماءٍ إذا ناجودها بردا
[ ٣٨ ]
من ابن مامة كعب ثم عي به زو المنية إلا حرة وقدا
أوفى على الماء كعب ثم قيل له رد كعب إنك وراد فما وردا
وقال امرؤ القيس يذكر الجوار:
يا ثعلا وأين مني بنو ثعل ألا حبذا قوم يحلون بالحبل
نزلت على عمرو بن ذرماء بيته فأكرم ما جار وأحسن ما محل
يظل لبونى بين جود مسطح براعي الفراخ الدارجات من الخجل
فما زال منها معشر بقسيمهم يذودونها حتى أقول لهم عسل
وأبلغ معدا والعباد وطيسًا وكندة أنى شاكر لبنى ثعل
وقال قيس بن زهير - وضرب المثل بجار أبي دؤاد:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشي تشرى بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر واخوته على ذات الاصاد
هم فخروا علي بغير فخر وردوا دون غايته جوادي
وكنت إذ منيت بخصم سوء دلفت له بداهية ناد
بداهية تدق الصلب منه فتفصم أو تجود على الفؤاد
وكنت إذا أتاني الدهر رنق بداهية شددت لها نجادي
ألم تعلم بنو الميقات أنى كريم غير معتلث الزناد
أطوف ما أطوف ثم آوى إلى جار كجار أبي دؤاد
[ ٣٩ ]
إليك ربيعة الخير بن قرط وهوبًا للطريف وللتلاد
كفاني ما أخاف أبو هلال ربيعة فانتهت عني الاعادي
كأني إذا أنخت على ابن قرط عقلت إلى يلملم أو تصاد
القرشي الذي ذكر هو عبد الله بن جدعان من تيم بن مرة، وذلك أن الربيع ابن زياد ساوم قيس بن زهير با درع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها، فلم يردها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي احدى
منجبات قيس. هي أم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس وكانوا يسمون الكملة.
ويقال لعمارة دالق الدلو لوقعة في الغارات، فاقتاد جملها، وكانت في ظعائن عبس، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد علية، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل. أين ضل حلمك؟. أترجوا أن تصطلح أنت وبنوا زياد أبدا. وقد أخذت أمهم فذهبت لها يمينا وشمالا، فقال الناس في ذل ما شاءوا، وحسبك من شر سماعة، فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها، واطرد إبلا لبني زياد، فقدم بها معه فباعها من عبد الله بن جدعان.
والميقات التي تلد الحمقى.
وقال امرؤ القيس في منع الجار:
كأني إذ نزلت على المعلى نزلت على البواذخ من شام
فما ملك العراق على المعلى بمقتدر ولا الملك الشامي
أقر حشا امرئ القيس بن حجر بنو تيم مصابيح الظلام
وحقر امرؤ القيس مجاورة بني شمحي بن جرم، فقال:
أبعد الحارث الملك بن عمرو له ملك العراق إلى عمان
مجاورة بن شمحي بن جرم هو أنا ما أتيح من الهوان
[ ٤٠ ]
وقال غيره:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم أسود لها في غيل خفان اشبال
هم يمنعون الجار حتى كأنها لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فما يستطيع الفاعلون فعالهم وإن أحسنوا النائبات وأجملوا
قوله: وأجملوا مردود على الفاعلين.
وقال قيس بن عاصم المنقري:
أيا بنت عبد الله وابنة ملك ويا بنت ذي البردين والفرس الورد
[ ٤١ ]
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فأني لست آكله وحدي
كريما قضيا أو أبيا فإني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تلك من شية العبد
الورد بين الكميت والأحمر والأشقر، وهو إلى الصفرة، والحوة: خضرة إلى السواد قال الأصمعي: قالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكميت، ومن الإبل إلا الحمر.
وقيس بن عاصم أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وذلك أنه دعي إلى الرأي يوم الكلاب فألفوه نائما، فلما أفاق عرف، فحرم الخمر على نفسه وقيل أنه نزل عليه تاجر بخمر فقال له: أصبحني قدحًا، ففعل فقال: زدني ففعل حتى سقاه ثلاثة أقداح، فقال: زدني. فقال: أنا تاجر صاحب ربح، فوثب عليه فأوثقه إلى دوحة في داره، وانتهب ماله وخمره، وكلمته أخته، فلطمها، وقال للتاجر، افد نفسك، وقال:
من فاخر تاجر جاء الإله به كأن عثنويه أذناب احجال
جاء الخبيث ببيسانية تركت صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال
وسب الخمر، وضرب اخته، فلما صحا قال: من فعل هذا؟. قالت أخته: الذي فعل هذا بوجهي، فحرم الخمر على نفسه، وقال:
رأيت الخمر صالحة وفيها خلائق تفضح الرجل الكريم
فلا والله أشربها صحيحا ولا أسقي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجشمهم بها الأمر العظيما
إذا دارت حمياها تعلت طوالع تفسد الرجل الحكيما
[ ٤٢ ]
وقد رد من لا يحسن القول على قوله: يا بنت ذي البردين، وقالوا: ما قدر بردين وفرس ورد حتى يفتخر بها، وعارض هذا الشعوبي بملوك فارس وأسرتها وتيجانها، وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا. وبلغت آنيته التي يشرب فيها الداخل عليه ألف إناء من الذهب، وخدمته ألف جاريه وفعلة بعد هذا ابنة.
وقال بعض العلماء: أخطأ في المعارضة لم يكن صاحب البردين ملك العرب فيعارض عنه بملك العجم. ولم يدع أحد كان للعرب في الدولة العجم مثل ملكها وأموالها، وعددها
وحريرها وأنساجها فيحتاج إلى أن يذكر ابرويز وفيلته وجواريه وفرسه.
قال أبي قتيبة: وأما ذكره الفرس الورد فان العرب تتخذ الخيل حصونها وهي سبب العز، وسلم المجد، وبمثال العيال. قال الاسعر الجعفي:
ولقد علمت على تومي الردا إن الحصون الخيل لا مدر القرى
إني وجدت الخيل عزًا ظاهرًا ينجي من الغما ويكشفن الدجى
وإذا كان للرجال جواد مبر كريم مبرز شهر به وعرف، فقيل: العسجدي ولاحق، وداحس، والورد. وقد فخرت العجم بفرس كسرى، فصوره في الصخور الصم، وفي الجبل، وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذاك
[ ٤٣ ]
إلا لمعنى شريف فيه، كقولهم لهنيد بنت صعصعة عمة الفرودق: ذات الخمار، فمن لم يعرف سببًا لخمارها هي يظن أنها كانت تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك. وإنما كانت هنيدة تقول: من جاء من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي فصرمني! أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان. فسميت ذات الخمار لذلك.
وكانت صفية بنت عبد المطلب لا تغطي رأسها من رسول الله (ﷺ)، ولا من عشرة من المهاجرين الأولين: حمزة بن عبد المطلب أخيها وجعفر وعلي ابني أبي طالب ابن أخيها، والزبير بن العوام أبنها، وعثمان بن عفان ابن بنت أختها أم أروى بنت كريز، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب وأبو سلمة ابن عبد الأشد، وأبو سره بن أبى رهم ابنا أختها برة بنت عبد المطلب، ومن عبد الله وأبي أحمد الأعمى الشاعر ابني جحش أمها أميمة.
وأما ذكر البردين فان المنذر بن محرق أجتمعت عنده وفود العرب فدعا ببرى محرق، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة وأكثرهم عددًا فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن احيمر بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد فأخذهما فاتزر بواحد، وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز من العرب معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في بنى تميم، ثم في بنى سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس. فقال المنذر: هذه عشيرتكم كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك؟ وفي بدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة، نمتني الأكابر
عن الأصاغر،
[ ٤٤ ]
والأصاغر على الأكابر. وأما قولك كيف أنت في بدنك؟ فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين، فسمي ذا البردين. قال الفرزدق:
فما تم في الحيين سعد ومالك غلام إذا قيل لم يتبهدل
لهم وهب الجبار بردي محرق لعز مد والعديد المحصل
وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية عثمان بن مطعون، وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، وأزوج كريمتي من لا أريد، فبينا هو بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت ثم تلى عليه الآية التي في المائدة، فقال: تبا لها، لقد كان بصري فيها نافذًا.
وقال بعضهم يذم الخمر:
من تقرع الخمر الذميمة سنة فلا بد يومًا أن يريب ويجهلا
فلم أر مشروبًا أخس غنيمة وأوضع للأشراف منها وأخملا
وأحذر أن تلقى حليمًا بعيبها فيشربها حتى يخر مجدلا
وقال أخر:
تركت الخمور لشرابها وحلو الطلاء وحر الشكر
وقالوا شفاؤك في شربة من الخمر سجت بماء خصر
فقد كذبوا ما شفاء الكريم بشر يعل به بعد شر
[ ٤٥ ]
وقال حسان:
ولولا ثلاث هن في الخمر لم يكن لها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرع دني وإن العقل ينأى فيعزب
وقال آخر:
ألم تر أني صحوت عن الخمر وأجمع صرمًا ما حييت لها صدري
وكيف تطيق النفس صحبة صاحب يدله عقلي أو يقاسمني وفرى
وممن حرمها في الجاهلية عفيف بن معدي فقال:
فقالت لي هلم إلى التصابي فقلت عففت عما تعلمينا
وودعت القداح وقد أراني لها في الدهر مشغوفًا رهينا
وحرمت الخمور علي حتى أكون بقعر ملحود دفينا
فسمى بذلك عفيفًا، وكان اسمه شراحيل.
وقال عامر بن الظرب العدواني:
إن أشرب أشربها للذتها وإن أدعها فإني ماقت قالي
لولا اللذاذة والفتيان لم أرها ولا رأتني إلا من مدى عالي
سالة للفتى ما ليس في يده ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها حتى بغيب ترب الأرض أوصالي
[ ٤٦ ]
قال: وكم فعلة جليلة عادت حسبًا لمن قل حسبه وصيرت نسبًا لمن قل نسبه وأغنت ذا النسب المعروف عن الانتساب. ألا ترى إلى عاصم بن خليفة الضبي واستغنائه بما فعل عن ذكر نسبه كان إذا استأذن على عثمان بن عفان ﵁ قال: عاصم بن خليفة قاتل بسطام بن قيس. وكان عاصم مضعوفًا، وهو قتل بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين سيد بني شيبان. وغزا بسطام اثنتين وعشرين غزوة ظفر فيها في عشرين، وأسر في واحدة، أسره عتيبة ابن الحارث بن شهاب اليربوعي، وقتل في الثانية قتلته بنو ضبة، وعصم ابن خليفة منهم. وفي موته يقول عبد الله بن عتمة الضبي وكان منقطعًا بموقعه إلى بني شيبان وهم أخواله. وكان مع بسطام:
لأم الأرض ويل ما اجنت بحيث أضر بالحسن السبيل
نقسم ماله فينا وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
وجدك لن تراه ولن تراه تخب به عذافرة ذءول
حقيبة رحله بدن ورمح وتتبعه مرببة ذمول
[ ٤٧ ]
إلى ميعاد أرعن مكفهر تضمر في طوابقه الخيول
لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
تضمنه بنو بكر بن سعد ولا يوفى بسطام قتيل
فخر على الألاءة لم يوسد كأن جبينه سيف صقيل
فإن تجزع عليه بنو أبيه فقد فجمعوا وفاتهم جليل
بمطعام إذا الأشوال راحت إلى الحجرات ليس لها فصيل
إذا الأبطال خامت وعرد عن حليلته الحليل
أضر: دنا منه، والأمل: الحبل من الرمل، والألاء: شجر على قدر الذراع.
وقال الشاعر:
فإنكم ومدحكم بجيرًا أخا لجإ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيد وتمنعه المرارة والإبا
وبنو بكر بن مسعد بن ضبة أخوال الفرزدق.
وقال محرز بن المكعبر الضبي في شأن بسطام يجيب عبد الله المتقدم قوله في بسطام:
[ ٤٨ ]
ألا أبلع بني شيبان عني وقد يهديك ذا الحكم الأصيل
بأن الحلم موردكم مياها يخالط شربها كلا وبيل
ألم نطلقكم فكفر تمونا وليس لنعمة المكفور حول
فإن ينطق عبيد الله جهلًا فلم يعلم عبيد ما يقول
سما من أهل ذي قار إلينا بهاد لا يخالطه الضلول
فلما أن مضى بالقوم شهرًا وبين ما يخبره الدليل
يجيش عليه بالأصوات فيه إذا نزلوا التحمحم والصهيل
فباتوا نازلين بنا وكنا قرى الأضياف إذ كره النزول
فما نظروا القرى ورأوا وجوهًا قليلًا في تأملها الوسيل
فلما أن أضاء الصبح جينا رعيلًا خلفنا منه رعيل
فما شعروا بنا حتى رأونًا وأكثبة الشقيق بنا تسيل
رأوا نعم الشقيقة وهي خوم ودون لقائه شر وبيل
أقر العين إذ دارت عليهم شميط اللون ليس لها خجول
وهن على الأكارم مجلحات لهن بكل متعرك قتيل
إذا كره السلاح مضين قدمًا ولم يك حق عادتها النكول
وظل لها على الأنقاء منا إلى أن أظلموا يوم طويل
وآبوا مطلقين ولم يثيبوا وغال رئيسهم في الأرض غول
وكان مع بسطام دليل من بني أسد يقال له فقيد، وأن بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو ثاني الغرب المزلة. ففزع لذلك وقص رؤياه على فقيد، فقال: ألا قلت بم تعود باديا مثله. فوجل
[ ٤٩ ]
فقيد منها. قال: ومضى بسطام، فلما دنا من النقا صعده راجلا ليربا عليه، فإذا هو بألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي قد فقأ عين فحلها، فلما رآها بسطام رمى بنفسه فرحًا من أعلى النقا، وأخذ يتدهدى حتى استوى بالحضيض، فناداه فقيد: مهلا يا أبا الصهباء، وقال: إن صدقت. الطير، صرعته الخيل وتطير له من رؤياه، ومن فعلته هذه، ولم يشك أنه مقتول، فمضى وترك بسطامًا فاطرد بسطام الإبل، وكان مالك بن المنتفق قد ركب فرسه، فنحا نحو قومه ونادى: يا صباحاه، فثابوا نحو الصراخ. وكان عاصم بن خليفة رجلًا به طرق وكان في أيام طرقه - أي جنونه الذي كان يأخذه في وقت من الأوقات، فجعل يأخذ حديدة له، فقالوا: ما تصنع بهذا قال: أقتل بها سيد ربيعة، فهزموا به، وأسرج أبوه خليفة دابته، ولبس لأمته، فبادره عاصم فركب فرسه، فناداه أبوه مرارًا، فلم يلتفت إليه. فسأل عاصم: أيهم رئيس القوم فقال له خامسهم: هو صاحب الفرس الأدهم. فقال عاصم: الريح تعارضه حتى إذا كان بحذائه رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم يخطئ صماخ أذنه حتى خرج من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الألاء. وقال الفرزوق في ذلك ويفتخر في قتل عاصم بسطامًا:
خالي الذي ترك النجيع برمحه يوم النقا سربًا على بسطام
والخيل تنحط بالكماة ترى لها رهجًا بكل مجرب مقدام
وقال خال بسطام لبسطام: ما أحب أن يكون لي بك ابن أخت من العرب لولا وصمة وصمتها. قال: وما هي؟. قال: أسر عيينة إياك. قال: أما والله لا أوسر بعدها. قال الكلبي: قال خاله: قبلت ابن أختي. وكان له فبي الأسر حياة. قال الأصمعي: خرجت الظعن من بني حنظله تسير فأقبل رجل من بني يربوع إلى أم حاجب بن زرارة في هودجها، فقال: اسقني من هذا الماء
[ ٥٠ ]
فقالت: نعم واليوم ظلم. فضرب ذراع بعيرها فسقط البعير والهودج فثار الحيان حتى كاد يكون بينهما شر فقال رجل من بني ثعلبة بن يربوع نحن نأتي بصاحبة لنا فاعقروا بها عقر صاحبنا بصاحبتكم. قال: فوقفوها في هودجها. وقالوا هلم فاعقربها، فلما أتاها، ودنا منها حل بردًا كان مؤتزرا به ثم ألقاه عليها؛ وقال: أرجعي ابنة
عم غير معقور بك ولا مخزاه. قال: قال فذلك أول ما روى من حلم حاجب.
قال الأصمعي: قولها اليوم ظلم. يعني أن اليوم ظلمني حين وضع الشيء في غير موضعه. والمثل يضرب بوفاء حاجب، ورهنه قوسه عن مضر كافة وذلك أن النبي (ﷺ) دعا على مض فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث فيها سنين كسني يوسف. فتوالت عليهم الجدوب سبع سنين، فلما رأى حاجب الجدب والقحط على قومه جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا، فتلكأ عليه بعهم: رشدت فافعل، غير أنا لا نأمن عليك بكر بن وائل، ولا بد لك من ورد مياههم. فقال: ما منهم وجه إلا ولى عنده يد بيضاء إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، فكان لا يأتي على ماء إلا أكرمه سيدهم، ونحر له حتى أتى على ابن الطويلة حين أضاء الفجر وناديه قريب من حاجب فنادوا حاجب: حتى على الغداء وأمر بنطح فصب عليه تمر. فنحر ابن الطويلة جزرًا وشياها، وقراه، وأراد تشييعه فامتنع حاجب، ومضى إلى إياس ابن قبيصة، فكتب له إلى كسرى، فلما أتاه وشكا إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى يحيوا، فقال: إنكم معشر العرب غدر حرصا فان أذنت لهم افسدوا في البلاد، أغاروا على الرعية قال حاجب: فأن ضامن للملك ألا يفعلوا. قال: ومن لي بان تفى (بوعدك) أنت. قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك الذين حوله فقالوا: بهذا العصا تفى، فقال الملك: ما كان يسلمها لشيء أبدا، وأمرهم فقبضوها منه وأذن لهم في دخول الريف، فأنت مضر النبي (ﷺ) فقالوا: هلك قومك وأكلتنا الضبع، فادع الله أن يرفع عنا القحط ويسقينا، فأنا نسلم. فدعا لهم
[ ٥١ ]
فأحيوا، وقد مات حاجب فخرج أصحابه إلى بلادهم، وارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوسه أبيه، فقال: ما أنت بالذي وضعها. فقال: أجل أيها الملك هو أبي، وقد هلك، وقد وفى له قومه، ووفى هو للملك. قال: ردوها عليه، وكساه حلة، فلما وفد إلى النبي ﵇ وهو رئيس وفد بني تميم أهداها إلى رسول الله (ﷺ) فلم يقبلها، وقال: لا أقبل زبد المشركين. فابتاعها منه الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم.
وكان حاجب مشهورًا بالحلم وحسن الأدب. قال أبو عبيدة: وقف حاجب زرارة بباب
كسرى فاستأذن له عليه غلام من العرب كان يحجبه فقال كسرى سل هذا العربي من هو من العرب؟، فسأله فقال: رجل منها، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: من أنت؟؟ قال: سيد العرب. قال كسرى: ألم تزعم أنك منها؟
قال: وقفت بالباب وأنا رجل منها، لست بمتقدم لها، فلما وصلت إلى الملك وجاورته سدتها، فقال كسرى: احشوا فاه درا.
قال أبو اليقظان: كان ذو الرقيبة أسر حاجبًا في بعض حروبه، فلما رجع به إلى رحله وجد القد قد أثر في ذراعه فقال له: يا أبا عكرشة لو كنت أخبرتنا بما بلغ منك لقد وسعنا عليك. قال حاجب: إني خلقني ربي لا أشكو شيئًا، وفدى نفسه بأكثر مما فدى به معدي نفسه قط. قوم يقولون بألف بعير، فلولا الشعر ما لم يقيم لهذه الأفعال علم ولا رفع لها منار، ولدرست آثارها كما درس كثير لم يقيده الشعر، كالذي نسى من أفعال بنى حنفية، وعجل إذ لم يكن فيهم شعر، فدخلوا في جملة الحاملين عند كثير من الناس، هذا على ما كان لهم من الوقائع. وفيهم من المكارم.
[ ٥٢ ]
وكان منهم هوذة بن علي ذو التاج، وأعمامه الذين يقال لهم البحور. ومنهم عمير بن سليمى الذي قتل ابن أخيه بجاره للوفاء فهو أحد الأوفياء الثلاثة.
ومنهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع الذي يقال له: رب حجر، وهي اليمامة، وهو كان اختطها برمحه، وأنزلها بني حنفية. ونفى عنها بقايا طسم وجديس.
ومنهم قتادة بن مسلمة بن عبيد، وكان ربع أربعين مرباعًا في الجاهلية.
ومن عجل أبجر بن جابر بن بجير أبو حجار، وعتيبة بن النهاس الذي قال لقهرمانه: امض مع الخطيئة، ثم ما أشار إليه من عالي المتاع ورفيعة فاشتره له. إلى كثير من مثل هؤلاء.
ومن شعرائهم العديل بن الفرخ.
ومثل هؤلاء بنو بدر كانوا مفحمين لا شعراء لهم، فما عرف عن فضلهم الشاكرون، وأغناهم عن تعداد محاسنهم المادحون، قال البحتري يمدح:
تدارك شمل الشعر والشعر شارد ال شوارد مرذول غريب الغرائب
فضم قوافيه إليه تيقنًا بأن قوافيه سلوك المناقب
[ ٥٣ ]
وقال ابن الرومي:
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد وما الناس إلا أعظم نخرات
قال بعض الفضلاء: كان لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا واتخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم. كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضًا، والبر حقًا ثم آل الزمان إلى نشء اتخذوا منهم صناعة، وبرهم مرابحة وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة، بقد السوق خذ مني وهات.
وكان عامر بن الظرب العدواني سيد قومه، فسألوه أن يجعل لهم سيدًا منهم يكون بعده، فقال: يا معشر عدوان إن القلب لا يلحق القلب، ومن لك بأخيك كله. أخذه الطائي فقال:
ما غبن المغبون مثل عقله من لك يومًا بأخيك كله
وكان بعض بني تغلب يأخذ فتيانه برواية شعر عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ويعطي لكل من رواه ألف درهم حتى قال فيه بعض الشعراء:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم يا للرجل لفخر غير مسؤوم
إن القديم إذا ما ضاع آخره كساعد فله الأيام محطوم
وهذه القصيدة إحدى المعلقات السبع.
وكان عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر يقال له مضرط الحجارة لشدته. ويسمى محرقا لتحريقه مائة من بني تميم يوم أوراه، قتله عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي أنفه وحمية.
[ ٥٤ ]
وهند أم عمرو هي بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار وأبوه المنذر ابن ماء السماء وماء السماء أمه، وهي ابنة عوف بن جشم النميرية. والمنذر هو ابن امرئ القيس من بني عمرو بن عدي اللخمى. وكان عمرو بن هند جائرًا، وإياه عنى سويد بن حذاق في قوله:
أبى القلب أن يأتي السديد وأهله وإن قيل عيش بالسدير غزير
به البق والحمى وأسد عرينة وعمرو بن هند يعتدي ويجور
وقال عمرو بن هند يومًا لجلسائه: هل تعلمون أحدًا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن
تخدم أمه أمي؟. قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم. فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن وائل وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم. فسكت عمرو على ما في فرسان تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وأمر عمرو بحجرته فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاما، ودعا الناس إليه. وقعد هو وعمرو بن كلثوم وخواص الناس في السرادق، والناس خارجه يأكلون، وأم عمرو بن كلثوم مع أم عمرو بن هند في القبة. وقد قال عمرو بن هند لأمه. إذا فرغ الناس من الطعام، ولم يبق الا الطرف فنحي خدمك واستخدمي ليلى، ومريها أن تناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها به ابنها فلما نودي بالطرف قالت هند لليلى: ناوليني الطبق. فقالت ليلى لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت هند: ناوليني، وألحت عليها فقالت ليلى: واذلاه!، يا لتغلب. فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم، فعرف الشر فيه، وقد سمع قول ليلى يا آل تغلب. فنظر ابن كلثوم إلى سيف عمرو بن هند معلقا في السرادق، ولم يكن ثم غيره، فثار إلى السيف مصلتًا فضرب رأس عمرو بن هند، فقتله، ثم خرج فنادى:
[ ٥٥ ]
يا آل تغلب. فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء، ولحقوا بالحيرة. فقال في ذلك أفنون التغلبي:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتًا وأمسك من ندمانه بالمخنق
ومن ذكر مقامات العرب وتنويههم بأفعالها فيها قول زهير بن أبي سلمى، وكان يجيد المديح. وهو أعذب لفظ، وأحسن معنى:
وفيهم مقامات حسان وجوهها وأندية يتنابها القول والفعل
فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتبرهم وعند المقلين السماحة والبذل
تهاميون نجديون كيدًا ونجعة لكل أناس من وقائعهم سجل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يلحقوهم ولم يليموا ولم يألوا
وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينًا لهم حتى إذا نبت البقل
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلو
[ ٥٦ ]
يقول فيها:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهر الناس أنيابها عصل
قضاعية أو أختها مضرية تحرق في حافاتها الحطب الجزل
تجدهم على ما خليتهم أذاءها وإن أفسد المال الجماعات والأزل
قال الزبير بن بكار: كانت قريش معجبة بشعر زهير، وهو جارٍ بينهم وسائر فيهم حتى يضربوا به المثل في البلاغة. ويروى أن وفدًا من قريش قالوا: يا رسول الله إنا قد سمعنا كلام الخطباء والبلغاء، وكلام ابن أبي سلمى، فما سمعنا ككلام نسمعه منك من أحد قط.
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني أحسابكم!، فما ضر قوما ما قيل فيهم بعد قول زهير، وودت أنه قيل في قومي:
على مكثريهم حق. . . . البيت
وما ينفع قومًا ما مدحوا به بعد قول الأعشى وما سرنى أنه في قومي وأن الدنيا لي بأسرها:
يبيتون في المشتى ملاء بطونهم وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا
وقالت بنت لسنان بن أبي حارثة لما رأت بنتًا لزهير في بعض مجامع النساء، وإذا لها شارة حسنة: قد سرني ما أرى من هذه النعمة. فقالت بنت زهير: لعمري إن أكثر ذلك لمن فضلكم وإحسانكم، فقالت: بل والله لكم الفضل علينا أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى.
[ ٥٧ ]
معنى قوله: على ما خليت هم أذاءها
أي على ما شبهت، أي هم الذين يقومون بها ويديرونها. ويقال: هو أذى المال إذا كان يدبره. وقوله: (وأن أفسد المال الجماعات والأزل). يقول: إن حبس الناس أموالهم لا يسرح وجدتهم ينحرون، وإن اشتد أمر الناس حتى يضيق وجدتهم يوسعون.
(قضاعية أو أختها مضرية) أي حرب منكرة. وقيل بل قضاعة بن معد ومضر بن نزار بن معد، تهاميون، نجديون. يقول: يأتون نجدًا، لا يمنعهم بعد المكان أن يغزوه أو ينتجعوه،
سجل: القمة. يريد عزهم وغلبتهم. والقطين: الحشم والأهل. وجمعه: قطن.
ويروى: وإن يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه. والاستخبال أن يعير الرجل إبلا، فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها، فاذا أخصبت ردها. .
وقوله (يغلو) لا ينحرون إلا غالية.
وقال عمرو بن الأطنابة الأنصاري:
[ ٥٨ ]
إني من القوم الذين إذا ابتدوا بدأوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم والحاشدين على طعام نازل
والخالطين فقيرهم بغنيهم والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضة ضرب المحمجر عن حياض الإبل
والقاتلين لدى الوغى أقرانهم إن المنية من وراء الوائل
والقائلين ولا يعاب كلامهم يوم المقامة بالقضاء الفاصل
قال الزبير بن بكار: كانت قريش في ملك ضابط كمملكة فارس، ومالها ملك وما كان ذلك إلا بأحلامها. وكان يقال لها: قطين الإله، وقطين الله، وأهل الله، وآل الله. قال عبد المطلب بن هاشم:
لاهم إن المرء يمنع جا ره فامنع حلالك
أي امنع أهل بيتك الحرام، يريد مكة حين قدمها صاحب الفيل، فأهلكهم الله ﷿، قال أبو اليقظان: قال النبي ﵇: رأيت جدود العرب، فرأيت جد بني عامر بن صعصعة جملا أحمر يأكل فروع الشجر. وسئل عن بني عامر بن صعصعة فقال جملا أزهر ينفاج من أطراف الشجر وسئل عن غطفان فقال: زهرة تينع.
ومما قال أبو اليقطان: هجان العرب قريش، وعامر بن صعصعة، وحنظلة بن مالك. الأزهر: الأبيض.
وقال ابن قيس الرقيات يمدح:
معقل الحلم من قريش إذا ما فاز بالحلم معشر آخرونا
لا يزنون في العشيرة بالسوء ولا يفسدون ما يصنعونا
[ ٥٩ ]
وقال أبو يوسف (سفيان) بن الحارث:
لقد علمت قريش غير فخر بأنا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم دروعًا سابغات وأمضاهم إذا طعنوا سنانا
وأدفعهم عن الضراء منهم وأبينهم إذا نطقوا لسانا
وقال كثير يمدح عبد الملك بن مروان:
من الغفر البيض الذين إذا أنتجوا أرت لنجواهم لوي بن غالب
يحيون بسامين طورًا وتارة يحيون عباسين شوس الحواجب
يردون بعد الله في الرأي أمرهم إلى واسع المعروف جزل المواهب
إمام هدى قد شدت الحرب أزره وقد أحكمته ماضيات التجارب
وقال العماني في بعض خلفاء بني هاشم:
نمته العرانين من هاشم إلى النسب الأوضح الأصرح
إلى نبته فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح
[ ٦٠ ]
وقال القطامي - واسمه عمير بن شيم - وذكر باديتهم ففخر بها:
ومن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فإن فينا قنا سلبًا وأفراسًا حسانا
وكن إذا أغرن على هلال وضبة إنه من حان حانا
وأحيانًا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
روي أن سليمان بن عبد الملك أتى أرضًا له فأمر بعمارها، وانتهى إلى موضع منها غليظ فنزل الناس، وبقي سليمان على دابته، فالتفت إلى يزيد بن المهلب فقال له: ارتدف. فأبى يزيد. فقال سليمان: أما والله أن لو فعلت لكنت أكرم من الذي أردفه النعمان. فقال: يا أمير المؤمنين أقلني. قال: لا تعلمون والله أبدًا. وأنشد:
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلب العلات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا دعوا لنزال يوم كريهة سدوا فجاج الأرض بالفرسان
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ردوه رب صواهل وقيان
[ ٦١ ]
قال الزبير بن بكار: مر سعيد بن العاص بعمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر
قتل يوم بدر العاص بن هشام بن المغيرة، وهو خال عمر، فسلم سعيد مقصرًا يظن أنه قتل أباه، ففطن له عمر، فقال يا ابن أخي، والله ما قتلت أباك ولكني قتلت خالي العاص بن هشام. ورأيت أباك يبحث التراب كأنه ثور، فصددت عنه، وحمل عليه علي فقتله، وما بي أن أكون، أعتذر من قتل مشرك. فقال سعيد: لو قتلته كنت على الحق، وكان على الباطل. فعجب عمر من قوله ولوى كيفه ثم قال: قريش أفضل الناس أحلامًا، وأعظم الناس أمانة ومن يرد بقريش سوءًا يكبه الله لفيه.
وقال حباب بن المنذر بعد رجوع رسول الله (ﷺ) من بدر: ما قتلنا إلا عجائز صلعًا. فقال النبي (ﷺ) يا ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو أمروك لأطعتهم، ولو شهدتهم لحقرت أفعالهم.
ومر ﷺ يوم حنين بعثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وكان علي بني مالك، وهو مقتول فقال: أبعده الله إنه كان يبغض قريشا.
وبعث ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة قاضيا، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وألبسه قباء أسود، وختمه بخاتم ذهب. ولم يلبس أحد قباء أسود ولا تختم بالذهب أحد من المسلمين قبله. وقال له: هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله ثم وصاه ﷺ بهم.
وممن ساد صغيرًا محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي. ولاه الحجاج قتل الأكراد بفارس، فأبادهم، ثم ولاه السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب سورة سؤدد من مولد
[ ٦٢ ]
وقتله معاوية بن يزيد بن المهلب، وذلك أن حبيب بن المهلب لما ولى السند قدم على مقدمته رجلًا من السكاسك، ورجلا من عك، فأخذاه فحسباه فقال:
أتنسى بنو مروان سعيي وطاعتي وأني على ما نابني لصبور
فتحت لهم ما بين سابور بالقنا إلى السند، منهم زاحف ومعير
وما دخلت خيل السكاسك عسكري ولا كان من عك علي أمير
فلو كنت أزمعت الفرار لقرنت إناث أعدت للنوى وذكور
فبعث إلى العراق فحبس بواسط، ثم ضرب عنقه معاوية بن يزيد بن الملهب.
وممن ساد صغيرًا مخلد بن يزيد بن المهلب. قال فيه حمزة بن بيض:
بلغت لعشر مضت من سنيك ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسام الأمور وهم لداتك أن يلعبوا
وأصبح مخلد عند عمر بن عبد العزيز فيما طلب به يزيد أبوه، فحاجه ودفع عن أبيه ما كان يطلب به، ثم مات بعقب ذلك، فقال عمر: لو أراد الله تعالى بأهل ذلك البيت خيرًا لأبقى لهم ذلك الغلام.
[ ٦٣ ]
وقال عمر بن عبد العزيز لأبي مجلز: ما تقول في فلان؟. فقال: يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء، ويفعل ما يشاء. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟. قال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
ومر عثمان بن عفان ﵁ على مجلس بني مخزوم، وفيهم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فوقف عليهم ثم قال: إني ليسرني ما أرى من جمالكم وعددكم. فقال بعضهم: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تزوج بعضنا؟ فقال: إن شاء عبد الرحمن فعلت: قال عبد الرحمن: فإني أشاء. فزوجه مريم بنت عثمان.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أخلاقًا وأصبحها وجوها، وأشدها حياء. إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو بباطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين.
وقال النابغة الذبياني:
لله عينا من رأى أهل قبه أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلامًا وأكثر سيدًا وأفضل مشفوعًا إليه وشافعا
غداة غدوا فيهم ملوك وسوقة يوصون بالأفعال أروع بارعا
متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ولا الضيف ممنوعًا ولا الجار ضائعا
الملوك أهل بيت المملكة، والسوقة: كل من ينساق للملوك. وليس هو اسما يلزم أهل الأسواق والتجار.
وأما أهل اليمن فالتبابعة والعباهلة ليس فوقهم أحد. ثم المقاول وهم الأقيال والأقوال. وأحدهم قيل ومقول. وهم ستون رجلا. ثم المثامنة وهم ثمانون رجلا، فكانوا إذا مات تبع وضعوا الشورى في الأقيال، فإذا أخرجوا
[ ٦٤ ]
واحدًا من الأقيال فجعلوه تبعًا أدخلوا في المثامنة واحدًا منهم. وكانت علامة الملوك التتويج.
قالت الخزرج للنبي (ﷺ) في عبد الله بن أبي سلول: والله يا رسول الله لقد جئتنا حين نظمنا له الخرز لنتوجه. أي فهو يحسدك لما زال عنه. وكان منافقا، رأسًا لهم.
قال عبد الكريم: ومن أحسن ما ينشد في دار مقامة القوم من الشعر الجامع لخصال المدح قول حسان بن ثابت الأنصاري في آل جفنة الغساني:
لله در عصابة نادمتها يومًا بجلق في الزمان الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول
يمشون في الزرد المضاعف نسجه مشي الجمال إلى الجمال البزل
يسقون من ورد البريص عليهم كأسًا تصفق بالرحيق السلسل
قوله: (حول قبر أبيهم) أي هم أرباب مدائن وقصور، وقرار، لا ينتجعون من عدم، ولا يرتحلون من ضيم، وأنهم حول قبور آبائهم ومنازل أوائلهم ودار عزهم.
ويقال إن معنى قوله: على قبر أبيهم مقيمون على مآثره وسنته. والأول أصح. وقوله: (ابن مارية) للشاعر أن يسمى الملك ويدعوه باسم أمه في الشعر.
[ ٦٥ ]
وباسمه بغير كنية. وليس ذلك بغير الشعر بجائز إلا بضرورة على وجه الاحتقار. وهذا من فضل الشعر.
وقوله: (بيض الوجوه): يريد أنهم متهللون عند السؤال ولم يقع عليهم بشيء فيغير ألوانهم. ثم قال: الكريم والكرم اسم محيط بجميع أسباب الخير. ثم قال: لا، بل هو مفضل.
وقوله: (يغشون حتى ما تهر كلابهم) أي قد عرفت الضيفان لدوامهم على القرى كما قال ابن هرمة:
يكاد إذا ما أبصر الضيف كلبهم يكلهم من حبه وهو أعجم
وقال غيره:
وكلبك آنس بالزائرين من الأم بابنتها الزائرة
وقوله: (لا يسألون عن السواد المقبل) أي لا يخلعهم السواد الأعظم. ثم قال: هم ملوك يسقون البريص مكان اللبن، أي الخمر المصفقة بالمسك أو جنى النحل. ثم قال: (شم الأنوف). يريد أنهم أباة للضيم منكرون للخسف. والإنسان إذا أنف رفع أنفه. شبهوا ذلك بالشمم، وهو ارتفاع طرف الأنف.
وقال أبو سفيان للنبي (ﷺ) يوم فتح مكة: كأنك أردت بقريش سوءًا. قال: بل هذا يوم يرفع الله به قريشا. قال: فما بال سعد بن عبادة يمضى بلوائه قدمًا وهو يقول:
[ ٦٦ ]
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل المحرمة
فقال رسول الله (ﷺ) لبعض قريش: الحق سعدًا وانزع اللواء من يده فإنه يضاهي قول يهود.
ودخل عوف بن محلم الشيباني على ابنته أم إياس وقد انكحتها أمها مارية بنت كثير بن زهير التغلبي من حجر بن عمرو آكل المرار، وكان عوف قدم من غزو له فأنكر هذه القباب والبيوت فسأل امرأته عن القصة، فأخبرته أنها زوجت ابنته. قال: وإلهي لئن كنت عدوت حجر بن عمرو لأصلبنك على أطول شجرة بهذا الوادي. قالت: إنه ملك، ولا أدري أحجر هو أم لا؟ فتولج عليها القبة فلما رآه قال: إي، ورب الكعبة.
ولعوف بن محلم الشيباني يقول المنذر بن ماء السماء: لا حر بوادي عوف. وذلك أن المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل، فمنعه عوف بن محلم، وأبى أن يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف. وقيل معناه: إن كل من صاد في ناحيته خضع وذل. وقيل إنه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم.
وقالت امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت عقبة بن ربيعة: لا يحبكم قلبي يا بني هاشم أبدًا. أين أخي؟، أين عمي؟، أين أبي؟. أين فلان؟ تعدد آباءها وقومها. كأنهم سيوف الذهب، وكأن أعناقهم أباريق الفضة ترد أنوفهم الماء قبل شفاهم.
وقول حسان: (من الطراز الأول) يريد أنهم ممن لم يتغير شبهه بسوء الولادة، ولم تبدله أرحام غير الأكفاء، وأنهم على ذلك الخلق الأول والشيم المعروفة، لم يتحولوا عنها.
ونظير أبيات حسان في جمعها وجوه الممادح شعر النابغة في جمعه وجوه المقابح في هجائه للنعمان بن المنذر:
[ ٦٧ ]
خبروني بني السقيفة ما يمنع فقعًا بقر قران نزولا
قبح الله ثم ثنى بلعن وارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ضر الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ثم لا يرزأ العدو فتيلا
تدبر هذه الأبيات. فانك تجدها غاية فيما تكره العرب وتتشاتم به. ألا ترى كيف جمع في بيت واحد القبح، وفيه الاستيلاء على جميع ما يكره ويستشنع، واللعن وهو النفي والطرد، ثم جعله موضعًا لئيم الخال. والعرب تتمادح بالخال.
قال الفرزدق يفخر بخاله.
خالي الذي عضب الملوك نفوسهم وإليه كان جباء جفنه يحمل
وأم النعمان بن المنذر كانت سلمى بنت عطية الصائغ اليهودي من أهل فدك. ثم قال: الجبان الجهول، وهما من شر ما يقذف به. قال الشاعر.
جهلًا علينا، وجبنًا عن عدوكم لبئست الخلتان: الجهل والجبن
وكان يقال: شر أخلاق الملوك الجبن عن الأعداد الأقوياء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عن الإعطاء قال بعض الشعراء:
الجبن عار، وفي الإقدام مكرمة ومن يفر لا ينجو من القدر
لا تبخلن ولا تجزع فإنهما ليسا يزيدان في مال ولا عمر
ثم جعله عاجزًا ضعيفًا يضر الأدنى، ويقصر عن ضر من بعد منه، خائنًا لخليله:
قال الشاعر يمدح رجلًا بالأمانة:
لم تره جارة يمشي لساحتها لريبة حين يخلي بيته الجار
مثل الرديني لم تدنس عمامته كأنه تحت طي البرد أسوار
[ ٦٨ ]
والخيانة تجمع الغدر، وقلة الوفاء، وخيانة الجار في أهله، والتقصير والعجز.
قال بعض الشعراء يذكر العفاف:
وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم ولا نحن بالأعداء مختلطان
وبات يقينًا ساقط الطل والندى من الليل بردا يمنة عطران
نذود بذكر الله عنا غوى الصبا إذا هم قلبا نينا يردان
ثم وصفه بالخيبة في مغازيه، وقلة الفوز والظفر، وحرمان التوفيق، وتأخر الإقدام. فسبحان من يسره لجمع هذه المخازي. ولقد نعلم من جمع أكثر منها وأخزى بمن هو أشبه الناس بالنعمان خلقًا وأفعالا في المساوئ، ويزيد عليه بأشياء أخر. قال بعض الشعراء للقناع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وقيل له القناع لأنه رأى مكيال أهل البصرة صغير المنظر يحمل دقيقًا كثيرا، وكان غير عليهم المكاييل، فقال: إن مكيالكم هذا لقناع والقناع الذي يقنع ما فيه أي يستر، ويقال للعنقة: القنع، لأنه يحبس رأسه. فقال الشاعر يذكر تخلفه:
سار بنا القناع سيرًا نكرا يسير يومًا ويقيم شهرا
يصفه بقلة الإقدام على الخوارج، وأن تركه المناجزة عن جبن وتقصير لا عن حزم وتدبير. وبلغ من تقصيره أنه لما لامه إبراهيم بن الأشقر على
[ ٦٩ ]
القعود عن الخوارج خرج إلى النخيلة في ستة آلاف فارس، وأقام بين دباها ودبيرا خمسة أيام فقال الشاعر فيه:
إن القناع سار سيرًا ملسا بين دباها ودبيرًا خمسًا
وقتلت الخوارج امرأة بحذائه، ليس بينها وبينهم غير الجسر، وقتلوا أباها بين يدها. وكانت تستغيث بالقناع هي وجماعة من النساء قتلن معها والناس يتفلتون للخروج، والقناع يمنعهم حتى رحلت الخوارج ورجع بالناس إلى الكوفة دون قتال، ومضوا موفورين. وكان الحارث بن عبد الله يجلس هو وعمرو بن عبد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان. وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كل يوم بقربة من ألبان إبله فاختلف بينهما، فأتى عمرو أهله فقال: لا تبعثوا إلى الحارث باللبن، فأنا لا نأمن أن يرده علينا. وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟. قالوا: لا فلما راح الحارث مر بعمرو بن عبد الله فقال: يا هذا لا تجمعن علينا الهجرة وحبس اللبن. فقال: أما إذا قلت هذا. فو الله لا يحملها إليك غير فحملها من داره إلى دار الحارث وبينهما بعد كثير.
وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير من أجود الناس على جبن فيه وضعف. وأمه تماضر بنت زياد بن منظور بن سياد، من بني مازن بن فزارة. وكان يقال فيه: اعجب لأجود
الناس من أبخل الناس، ولأجبن الناس من أشجع الناس،
ومدحه الفرزدق فقال:
[ ٧٠ ]
يا حمزة هل لك في ذي حاجة عرضت أنصاره بمكان غير ممطور
وأنت احجى قريش أن تكون لها وأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواري والصديق صاحبه نبت في طيب الإسلام والخير
وقال فيه:
ما فاز في بدر ويوم حنينها إلا الفوارس من بني العوام
أسل من المران في أيديهم قامت بهن دعائم الإسلام
وقال أيضًا:
ألم ترني شجيت بآل حرب وساغ بنو صفية في لهاتي
وغر كالسلام بعث منها غوادي في البلاد مشمرات
نزعت لمصعب منها ذنوبًا مذللة بأفواه السراة
أليس أبوك فارس يوم بدر وأيام النبي الصالحات
ولبعضهم:
ليت شعري ولليالي صروف هل أرى مرة بقيع الزبير
ذاك معنى ألذه وقطين تفرح النفس أن أراهم بخير
وفي ذكر العمائم العرب تقول: معمم. أي مناط به أمر العشيرة فيستحق أن يتعمم. وسيد عمم: أي ضخم تام.
وأنشد عبد الملك يومًا وعنده عرار بن عمرو بن شاس، ولم يعرفه:
أردت عرارًا بالهوان ومن يرد عرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم
[ ٧١ ]
فقال: أتعرف عرارًا يا أمير المؤمنين؟. قال: لا. قال: فأنا عرار بن عمرو، فأحسن إليه. وكان عرار من أمة سوداء، وكانت امرأته الحرة تهينه.
وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتم لم يعتم معه أحد من بني عبد شمس، فلذلك قال الشاعر:
أبو أميمة من يعتم عمته يجلد، ولو كان ذا أهل وفي ولد
وقال أبو قيس بن الأسلت:
فكان أبو أميمة قد علمتم بمكة غير مهتضم ذميم
إذا شد العمامة ذات يوم وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشي بمكة غير مدخل سقيم
وكان البحتري غداة جمع يدافعهم بلقمان الحكيم
بأزهر من سراة بني لؤي كبدر الليل راق على النجوم
وحطت ذوائب الفرعين منها وأنت لباب سرهم الصميم
وقال غيره:
إذا سفروا بعد التهجد والسرى جلوا عن عراب السن بيض الصحائف
أي حلوا عمائمهم عن وجوه تعرب سنها عن عتقهم وكرم أصولهم، كما قيل في المثل: (إن الجواد عينه فراره). والصحائف صحائف وجوههم.
[ ٧٢ ]
وقال أبو يعقوب الخريمي:
إذ شدوا عمائمهم لووها على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريم فأنت لأكرم الثقلين جار
قال الجاحظ: كان أبو يعقوب الخريمي يدعى الأعور، ثم عمي قبل موته بسنين وهو يدعى الأعور. وهو مولى خريم الناعم، وهو من المشهورين بالنسب إلى مولاه. وكثير من الموالي وغيرهم لا ينسب إلا بما غلب عليه وأكثر منه فشهر به، وربما غلب عليه غير نسبه.
منهم أبو مسعود البدري، ولم يشهد بدرًا، وهو صاحب نزل ماء بدر وإسماعيل السدي كان يبيع الخمرة في سدة المسجد ومنهم رياش [الجذامي] مولى محمد بن سليمان، وليس لمولاه، ولكنه من جذام، وكان منقطعا إليه.
ومنهم سعيد بن زير [الجعفري] مولى جعفر، وهو من بني كلاب منقطع إلى جعفر بن سليمان، واليزيدي النحوي منقطع إلى يزيد بن منصور الحميري، وأبو علي الجرمازي، وليس بجرمازي، وإنما كان ساكنا في طرف بني الجرماز.
وأبو حسان الزيادي قاضي فارس، وليس من آل زياد، وإنما جده كان منقطعًا إلى زياد.
وسليمان التيمي مولى لبنى قيس بن ثعلبة، وكان نازلا في بني تيم، وأحمد الطحيمي الزاهد مولى لبنى ثعلبة بن يربوع، وأخوه محارب من صليبة بني الطحيم.
والحكم بن عمر العقاري صاحب خراسان، وعتبة بن غزوان هو من
[ ٧٣ ]
بني مازن بن منصور أخي سليم وصفوان بن محرز المازني الذي بكى حتى ذهبت عينه. هو من غسان أخي مازن بن منصور.
وواصل بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة أنه لما كان يجلس إلى أبي عبد الله الغزال مولى قطن الهلالي. وأبو سلمة الخلال ليس بخلال، وإنما كانت داره في الخلالين، وله حوانيت يباع فيها الخل.
ومثله خالد الحذاء. كان يجلس إلى رجل حذاء.
وممن عمي بعد عوره أو عشاه، فبقي على ما نسب إليه أولا الأعشى الشاعر والأخفش النحوي، وأبو يعقوب الخريمي، وخريم الناعم المري من ولد خارجه بن يسار صاحب الحمالة بين عبس وغطفان (ذبيان)، وهو بيت بني مرة. وخريم الذي يقول، وقد قيل له: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإنه ليس لخائف عيش، والغنى، فانه ليس لفقير عيش، والصحة فانه ليس لسقيم عيش ثم لا مزيد بعد هذا. وإنما سمي الناعم لأنه كان يلبس البالي في الصيف والجديد في الشتاء.
أتى الحجاج بأساري من الترك، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: أطلب إليك أيها الأمير حاجة ليس عليك فيها مؤنة. قال: ما هي؟ قال: تأمر رجلا من أصحابك شريفا يقتلني، فإني رجل شريف. فسأل عنه أصحابه فقالوا كذلك هو، فأمر خريما الناعم المريء بقتله، فلما أقبل نحوه، وكان دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟ قال: طلبت إليك أن دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟. قال: طلبت إليك أن تأمر بقتلي رجلا شريفًا فأمرت هذا الخنفساء؟!. . .
فقال الحجاج: إنه لجاهل بما تبتغي غطفان يوم أضلت. أراد قول زهير في خارجة بن سنان:
وإن الرزية لا رزية مثلها ما تبتغي غطفان يوم أضلت
[ ٧٤ ]
يبغون خير الناس كما واحدًا عظمت رزيته الغداة وجلت
إن الركاب لتبتغي ذا مرة بجنوب نخل إذا الشهور أهلت
يقال عن خارجه إنه كبر وإنه ضل بنخل فلم ير بعد. ولما حضرت أمه الوفاة وهي حامل به قد أتمت قالت: إني لأجد مس الجنين في بطني حيا فأتوني بحديدة، فأتوها بها فبقرت بطنها بنفسها، وقالت: استوصوا به خيرًا فانه أبيض طوال، وماتت، فسمى خارجة البقير. وهو الذي رهن قوسه في دماء عبس وذبيان بألف ناقة، واشترك معه أبوه وابن عمه الحارث بن عوف بن حارثة. ففيهما يقول زهير:
فرحت بما خبرت عن سيديكم وكانا امرأين كل أمرهما يعلو
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
فأصبحتما منها على خير موطن سبيلكما فيها وإن أحزنوا سهل
فأديا ألف ناقة هو وابن عمه، وأديا بعد ذلك مائتي ناقة في القتيلين اللذين قتلهما ابنا ضمضم بعد الصلح، ففي ذلك يقول شبيب بن البرصاء:
ونحن رهنا القوس في حرب داحس بألف وزيدت بعدها مائتان
[ ٧٥ ]