عن الأصمعي، قال: مررت بحمى الربذة، وإذا صبيان يتقامسون في الماء، وشاب مليح الوجه، ملوح الجسم، قاعد فسلمت عليه، فرد السلام، وقال: من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى، قال: ومتى عهدك بها؟ قلت: رائحًا، قال: فأين كان مبيتك منها؟ فقلت: بأدنى هذه المشاقر (يعني نبات العرفج) - فألقى نفسه على ظهره، وتنفس الصعداء، فقلت: تفسأ (أي تشقق) حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول:
سقى بلدًا أمست سليمى تحله من المزن ما يروى به ويسيم
وإن لم أكن من ساكنيه فإنه يحل به شخص على كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه لدى
وإن شط المزار
نعيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب فرد بيأس صاحب وحميم
ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء، فصببته على وجهه فأفاق، وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خضوعي وأنفاسي تزين بالخشوع
ولي عين أضر بها التفاتي إلى الأجراع مطلقة الدموع
إلى الخلوات تأنس فيك نفسي كما أنس الوحيد إلى الجميع
فقلت له: ألا أنزل فأساعدك، أو أكر عودي على بدئي في حاجة إن كانت لك، أو رسالة؟ قال: جزيت خيرًا، وصحبتك السلامة، امض لطيتك، فلو علمت أنك تغني عني شيئًا لكنت موضع الرغبة، وحقيقًا بإسعاف المسألة، ولكنك أدركتني في صبابة من الحياة قال: فانصرفت، ولا أراه أمسى إلا ميتًا.
وقال نبهان بن علي العبشمي:
يقر بعيني أن أرى من بلادها ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي وردت به سليمى وقد مل السرى كل واخد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ولو كان مخلوطًا بسم الأساود
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى من بلادها دماجًا، وأن تبدو لعيني الأجادع
بلادًا حماها الخوف عني والعدى وحرب ذوي القربى، فما أنا صانع؟!
وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
[ ٦١ ]
أفي كل يوم أنت رام بلادها بعينين إنساناهما غرقان؟!
إذا اغرورقت عيناي قال صحابتي لقد أولعت عيناك بالهملان
عن حفص بن الأروع قال: رأيت صبية في بلاد طيء، فقلت لها: أي البلاد أحب إليك؟ فقالت:
أحب بلاد الله ما بين منعج إلي، وسلمى، أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت على تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال التهامي:
إذا اشتد شوقي قلت قول متيم ليوم النوى في القلب منه كلوم
فإن تكن الأيام فرقن بيننا فمن ذا الذي من ريبهن سليم؟
وأنشدت شعرًا قاله ذو صبابة كئيب شجته أربع ورسوم
"سقى بلدًا أمست سليمى تحله من المزن ما يروى به ويسيم
وإن لم أكن من ساكنيه فإنه يحل به شخص على كريم"
وقال قيس بن ذريح:
وما من حبيب آمن لحبيبه ولا ذي هوى إلا له الدهر فاجع
كأن بلاد الله ما لم تكن بها وإن كان فيها الخلق
قفر بلاقع
وما كل ما منتك نفسك خاليًا تلاقي، ولا كل الهوى أنت تابع
ولولا رجاء القلب أن تسعف النوى لما حملته بينهن الأضالع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم والليل جامع
وقال القاضي أبو الفرج سلامة بن بحر، وتروي للقاضي النعمان المصري:
نوح حمام بيثرب غرد هيج شوقي، وزاد في كمدي
واكبدي من فراقهم، وكذا من ذاق ما ذقت صاح: واكبدي!
فارقت إلفي فصار في بلد بالرغم مني، وصرت في بلد
وقال آخر:
وأنت التي حببت شغبًا إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهما
حللت بهذا مرة ثم مرة بهذا، فطاب الواديان كلاهما