قالت محبوبة الهذلية:
بان الخليط وخف حاضره لما دعا بالبين طائره
يا أنسنا من قرب دارهم قبل الذي كنا نحاذره
وتخلفت من بعد فرقتهم أوصال صب سار سائره
يا للرجال لأسر مرتهن جلب البلاء عليه ناظره
لم يغن عنه عز أسرته شيئًا، ولم تنفع معاشره
هذي موارد ما بليت به والله أعلم ما مصادره
وقال آخر:
يقول خليلي يوم أكثبة النقا وعيناي من فرط الهوى تكفان
أمن أجل دار بين لوذان والنقا غداة اللوى عيناك تبتدران؟!
فقلت له: لا، بل قذيت، وإنما قذى العين مما هيج الطللان
فؤاد إذا ما قلت يصحو جلبتما عليه الهوى والشوق كل أوان
وقال الراجز:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور قد درست غير رماد مكفور
مكتئب اللون مراح ممطور أزمان عيناء سرور المسرور
عيناء حوراء من العين الحور وقال آخر
يا دار ما للكرب حين وقفتهم ما إن سقاك من الدموع لماظ
ترك الغرام عقولهم مشدوهة فتخالهم رقدوا وهم أيقاظ
عهدي بظلك والشباب نزيله أيام ربعك للحسان عكاظ
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
أمن أجل دار بالمصلى إلى منى تعاد كما عيد السليم المؤرق؟!
حنينًا إليها والتواء من الجوى كأنك في الحي الولود المطرق
أجل تراب الأرض كانوا حلولها وأجزع من مرى عليها وأشفق
[ ٧٢ ]
ولم يبق عندي للهوى غير أنني إذا الركب مروا بي على الدار أشهق
وقال أبو جوثة بن زياد:
خليلي من عمرو عفا الله عنكما ولقاكما من كل أمركما يسرا
ألمًا على دار لعبلة قد عفت كأن لمطلول الخزامى بها نشرا
نظرت بأرمام، وأية ساعة نظرت إلى أعلامها نظرًا شزرا
وأغيد من طول الكلال يميله كلال السرى حتى كأن به سكرا
سرينا به من أجل عبلة بعدما تجللت الآفاق أردية خضرا
وقال أبو تمام: أهدى الدموع إلى دار وماصحها=فللمنازل سهم من سوافحها
دار أجل الهوى عن أن ألم بها في الركب إلا ويعين من متائحها
وقال أيضًا:
يا دار در عليك أرهام الندى واهتز روضك في الثرى فترأدا
سقيًا لمعهدك الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابة معهدا
وقال المتنبي:
أهلًا بدار سباك أغيدها أبعد ما بان عنك خردها
ظلت بها تنطوي على كبد نضيجة فوق خلبها يدها
قفا قليلًا بها على فلا أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار هوى أحر نار الجحيم أبردها
وقال البحتري:
يا خليلي ساعة لا تريما وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا فضح الدمع سرك المكتوما
ذكرتني الهوى وهن رميم كيف لو لم يكن كن رميما؟
وقال أبو تمام:
أدار البؤس حسنك التصابي إلي فصرت جنات النعيم
لئن أصبحت ميدان السوافي لقد أصبحت ميدان الهموم
ومما ضرم الأحشاء أني شكوت، فما شكوت إلى رحيم
أظن الدمع في خدي سيبقى رسومًا من بكائي في الرسوم
وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن معاوية:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ماذا تحيون من نؤي وأحجار؟!
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فما عرفت بها شيئًا أعيج به إلا الثمام، وإلا موقد النار
وقد أراني ونعمًا لاهيين بها في الدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تعجبني نعم، وأخبرها ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وقال الحطيئة:
يا دار هند عفت إلا أثافيها بين الطوى فصارات فواديها
قد غير الدهر بعدي من معارفها والريح، فادفنت فيها مغانيها
جرت عليها بأذيال لها عصف فأصبحت مثل سحق البرد عافيها
كأنني ساورتني يوم أسألها عود من الرقش لا تصغي لراقيها
وقال أيضًا:
أدار سليمى بالرواتك والعرف أقامت على الأرواح والديم الوطف
وقفت بها، فاستوقفت ماء عبرتي بها العين، إلا ما كففت به طرفي
فراق حباب، وانتهاء من الهوى فلا تعذليني، قد بدا لك ما أخفي
يقولون: نستغني، ووالله مال الغنى من المال إلا ما يعف وما يكفي
وقال النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلانًا أسائلها أعيت جوابًا، وما بالربع من أحد
أضحت قفارًا وأضحى أهلها احتملوا أخنني عليها الذي أخني على لبد
وقال قيس بن ذريح:
بكت دارهم من نأيهم فتهللت دموعي، فأي الجازعين ألوم
أمستعبرًا تبكي من الشوق والجوى أم آخر يبكي شجوه ويهيم
كذا كان في أصل الشعر، والصحيح: "أمستعبرًا يبكي من الهون والبلى".
تهيضني من حب لبنى علائق وأصناف حب هولهن عظيم
ومن يتعلق حب لبنى فؤاده يمت أو يعش ما عاش وهو سقيم
وإن زمانًا شتت الشمل بيننا وبينكم فيه العدى لذميم
وقال جميل بن معمر:
ألم تسأل الدار القديمة هل لها بأم حسين بعد عهدك من عهد؟
سل الركب هل عجنا بمغناك مرة صدور المطايا وهي موقرة تخدي؟
وهل فاضت العين الشروق بمائها من أجلك حتى اخضل من دمعها بردى؟
أنى القلب إلا حب بثنة لم يرد سواها، وحب القلب بثنة لا يجدي
وكل محب لم يزد فوق جهده وقد زدتها في الحب مني على الجهد
وقال ذو الرمة، غيلان بن عقبة بن مسعود:
[ ٧٣ ]
لك الخير، هلا عجت إذ أنا واقف أغيض البكا في دار مي وأزفر
فتنظر إن مالت بصبري صبابتي إلى جزعي، أم كيف إن كنت أصبر؟
إذا شئت أبكاني بجرعاء مالك إلى الدحل مستبدي لمي ومحضر
وبالزرق أطلال لمية أقفرت ثلاثة أعوام تراح وتمطر
إذا اعترضت حزوى وأعرض حارك من الرمل تمشي حوله العين أعفر
(الحارك): المشرف من الرمل
وجدت فؤادي كاد أن يستخفه رسيس الهوى من بعض ما يتذكر
عدتني العوادي عنك يا مي برهة وقد يلتوى دون الحبيب فيهجر
على أنني في كل سير أسيره وفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تحدث الأيام يا مي بيننا فلا ناسيًا عهدًا ولا متغير
وقال غيلان أيضًا:
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقفنا فسلمنا فكادت بمشرف لعرفان صوتي دمنة الدار تنطق
تجيش إلي النفس في كل منزل لمي ويرتاح الفؤاد المشوق
ألا ظعنت مي فهاتيك دارها بها السحم تردي والحمام المطوق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت ووجه كقرن الشمس ريان مشرق
وعين كعين الرئم فيها ملاحة هي السحر أو أدهى التباسًا وأعلق
لعمرك إني يوم جرعاء مالك لذو عبرة كل تفيض وتخنق
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو، وتارات يجم فيغرق
وقال عبد الله بن الدمينة:
سلى البانة الغناء بالأجرع الذي به البان، هل حييت أطلال دارك؟
وهل قمت في أطلالهن عشية مقام أخي الضراء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفى على الحشا ورقراق دمعي خيفة من زيالك
فلو قلت: طأ في النار أعلم أنه رضى لك أو مدن لنا في وصالك
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها هدى منك لي، أو ضلة من ضلالك
وقال آخر:
وقفت كأني من وراء زجاجة إلى الدار من فرط الصبابة أنظر
فعيناني طورًا تغرقان من البكا فأعشى، وطورًا يحسران فأبصر
وقال البحتري:
بنا أنت من مجفوة لم تعتب ومعذورة في هجرها لم تؤنب
ونازحة والدار منها قريبة وما قرب ثاو في التراب مغيب؟!
قضت عقب الأيام فينا بهجرة متى ما تغالب بالتجلد تغلب
ألا لا تذكره الحمى إن ذكره جوى باطن للمستهام المعذب
ولما تزايلنا من الجزع وانتأى مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عالج تسر، وأن لا خلة بعد زينب
وقال أيضًا:
أبكاء في الدار بعد الدار؟ وسلوًا بزينب عن نوار؟!
لا هناك الشغل الجديد بحزوى عن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلك تمحى في صدور العشاق محو الديار
وقال الأحوص:
خليلي من غيط بن مرة بلغا رسائل مني، لا أزيد كما وقرا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا
وإني لأستثني الحديث لأجلها لأسمع منها
وهي نازحة
ذكرا
وأعجب دار دارها غير أنني إذا ما أتيت الدار ترجعني صفرا
عشية ألوي بالرداء على الحشا كأن الحشا من دونه مشعر جمرا
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أألحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن لبك طائر
أفق، قد أفاق العاشقون وجانبوا ال هوى واستمرت بالرجال المرائر
زع النفس، واستقن الحياء فإنما يباعد أو يدني الرباب المقادر
أمت حبها، واجعل مكان وصالها ورؤيتها أمثال من لا تجاور
فكالناس علقت الرباب فلا تكن أحاديث من يبدو ومن هو حاضر
وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح به الدار، أو من غيبته المقابر
فنفسك، لم جئت الذي جئت طائعًا وحالفت أمر الغي إذ أنت سادر؟
كان المنصور أنزل أبا دلامة في دار بالقرب من قصره، ثم دعته الحاجة إليها، فأمر بإضافتها إلى قصره، فدخل عليه أبو دلامة فأنشده:
يا ابن عم الرسول دعوة شيخ قد دنا هدم داره ودماره
[ ٧٤ ]
فهو كالماخض التي اعتادها الطل ق، فقرت، وما يقر قزاره
إن يحر عسره بكفيك يومًا فبكفيك عسره ويساره
أو تدعه إلى البوار فأني؟ ولماذا
وأنت حي
بواره؟
هل يخاف الهلاك شاعر قوم قدمت في مديحهم أشعاره؟
لكم الأرض كلها، فأعيروا شيخكم ما احتوى عليه جداره
فكأن قد قضى وخلف فيكم ما أعرتم، وأقفرت منه داره
فاستعبر المنصور، وأمر بتعويضه [دارًا] خيرًا منها، ووصله.
عن عبد الله بن موسى الكاتب قال: دخلت على عبد الله بن المعتز، وهو يبني داره ويبيضها، فقلت له: ما هذه الغرامة؟ فقال: إن السيل الذي جاء منذ ليال أحدث في داري ما أحوج إلى الغرامة والكلفة، فقلت؟:
ألا من لنفس وأحزانها ودار تداعت بحيطانها
أظل نهاري في شمسها شقيًا معنى ببنيانها
أسود وجهي بتبييضها وأهدم كيسي بعمرانها
وقال آخر:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا وقول لعل أو عسى سيكون
وما اخترت نأي الدار عنكم لسلوة ولكن مقادير لهن شجون
وقال أبو عبد الله بن حجاج:
أخلاي ما استوحشتم عند غيبتي لبيني، ولا استأنستم بالأسى بعدي
ألم تعلموا أني أحن إليكم كما حنت النيب العطاش إلى الورد
فلا مرحبًا بالدار لا تسكنونها ولو أنها الفردوس، أو جنة الخلد
وقال آخر:
وما زلت مذ شطت بي الدار باكيا أؤمل عطفًا منك حين أؤوب
فأضعفت ما بين حين أبت وزدتني عذابًا وإعراضًا وأنت قريب
وقال آخر:
أحب بلاد الله أرض تحلها إلي ودار تحتويك ربوعها
لحى الله قلبًا لا يهيم صبابة إليك وعينًا لا تفيض دموعها
وقال الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهما -:
لعمرك إنني لأحب دارًا تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل بعد مالي وليس للائمي فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعًا حياتي، أو يغيبني التراب
(سكينة: بنته، والرباب: أمها، وهي بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم) .
أورد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري - ﵀ - في كتابه "نسب الصحابة" ﵃، أن أبا أحمد بن جحش بن رباب، واسمه عبد، وأمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أسلم هو وأخواه عبد الله وعبيد الله - رحمهما الله - قبل مدخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وفرغ من خطبته، قام أبو أحمد على باب المسجد على جمل له، فجعل يصيح: أنشد الله يا بني عبد مناف حلفي، أنشد الله يا بني عبد مناف داري، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - فساره بشيء، فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره، فنزل أبو أحمد عن بعيره، وجلس مع القوم، فما سمع ذاكرها، حتى لقي الله ﷿، فقال آل أبي أحمد: إن رسول الله ﷺ قال له: لك بها دار في الجنة.
وقد كان أبو أحمد - ﵀ - قال في بيع داره لأبي سفيان - ﵀:
أقطعت عهدك بيننا والحازيات إلى ندامه
ألا ذكرت ليالي العيش التي فيها القسامه
عقدي وعقدك قائم أن لا عقوق ولا أثامه
دار ابن عمك بعتها تشرى بها عنك الندامة
اذهب بها أذهب بها طوقتها طوق الحمامة
وجزيت فيها إلى العق وق وأسوإ الخلق الرغامة
قد كنت آوي في ذرى فيه المقامة والسلامة
ما كان عقدك مثل ما عقد ابن عمرو لابن مامه
وكان أبو أحمد هذا - ﵀ - ضريرًا، وله أشعار كثيرة.
عن أبي عبد الله العبدي قال: كان الفرزدق مستخفيًا في بني شيبان من عبيد الله بن زياد، ثم تحول عنهم وقال:
تصرم عني ود بكر بن وائل وما خلت عني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني ويحتقرونها وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
فقال رجل من بكر بن وائل يجيبه:
لعمري لئن كان الفرزدق قد نأى وأحدث صرمًا للفرزدق أظلم
لقد وسطتك الدار بكر بن وائل وضمت لك الإحسان إذ أنت مجرم
[ ٧٥ ]
فإن تنأ عنها لا تضرها، وإن تعد تجدها على العهد الذي كنت تعلم
أنشد ابن خالويه لبعض العرب:
ألم تعلمي يا دار بلجاء أنني إذا أخصبت أو كان جدبًا جنابها
أحب بلاد الله ما بين منعج إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت على تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
أورد لاشيخ الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي - ﵁ - في فضائل مالك بن أنس - رضوان الله عليه - أن الرشيد سأل مالكًا: هل لك من دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها مالك، ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص من المدينة، قال لمالك: ينبغي أن تخرج معنا، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان - رضوان الله عليه - الناس على القرآن، فقال له مالك: أما حملك الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا - ﵃ - فعند كل أهل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ: "اختلاف أمتي رحمة" وأما خروجي معك فليس إليه سبيل، فقال ﷺ: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وقال ﷺ: "المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد" وهذه دنانيركم، كما هي، إن شتم خذوها، وإن شئتم دعوها.
أراد أنك تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعت إلي، ولا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ.
وقال المهدي يومًا لمالك: هل لك في دار؟ قال: لا، ولكني أحدثك: سمعت ربيعة بن عبد الرحمن يقول: "نسب المرء داره".
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
يا دار أسماء بالأمثال فالرجل حييت من دمنة قفر ومن طلل
كأنها بعد عهد العاهدين بها مهارق العجم أو مشية الحلل
دار غنينا بها حينًا، وأي غنى عن أهله
يا ابنة الضبي
لم يحل؟!
وقال نصيب:
ألا تسأل الدار التي لعب البلى بجدتها، فلم تكد تستبينها؟!
متى بان منها أهلها؟ أم هل البكا إن العين بالدمع استهل شؤونها
يريح هوى نفس عصتك وأصبحت تنازع شتى لا جميعًا شجونها
إذا غشيت ربعًا لزينب راجعت به الشوق، حتى يستبان دفينها
فلا حدث الأيام أنساك ذكرها ولا غربة الدار الشديد شطونها
وقال آخر (ينسب إلى المجنون قيس بن الملوح):
يا دار ليلى بسقط الخل قد درست إلا الثمام، وإلا موقد النار
أبلى عظامي بعد الحب
دارسها
كما تتبع عود الشوحط الباري
ما تبرح الدهر من ليلى تموت جفًا في موقف وقفته أو على دار؟!
وقال المرار الفقعسي:
خليلي إن الدار غفر لذي الهوى كما ينكس المحموم أو صاحب الكلم
أبى منزل بالبرق إلا يهيجني ودار لها بين الأجارع والرضم
(الغفر: النكس والتغطية، وشعر الساق غفر) .
وقال الغطمش الضبي:
أقول لجواب وقيس بن عازب وقد بل جفن العين ماء مسيلها
قفا حييا الدار التي لو وجدتما بها أهلها ما كان نحسًا مقيلها
وقال طلحة بن رفاعة:
سقى الله دارًا بين أمواه بارق وذي نخب لم يبق إلا صعيدها
بها كان عهد المالكية فانقضى كذاك الغواني لا تدوم عهودها
وكانت تمنينًا وتزعم أنه يجئ على بعض الأماني جودها
فما زادها أن أيسرت لديوننا قضاء، ولكن كان بخلًا يزيدها
روى أن إبراهيم بن حذيفة - ﵀ - باع داره، فلما أراد المشتري أن يشهد عليه قال: لست أشهد عليها ولا أسلمها حتى تشتروا مني جوار سعيد بن العاصي، وتزيدوا في الثمن، قالوا: وله رأيت أحدًا اشترى جوارًا أو باعه؟ قال: ألا تشترون جوار من إن أسأت إليه أحسن، وإن جهلت عليه حلم، وإن أعسرت وهب؟ لا حاجة لي في بيعكم، ردوا علي داري، فبلغ ذلك سعيد بن العاصي، فبعث إليه بمائة ألف درهم.
[ ٧٦ ]
وروى المدائني قال: باع جار لفيروز داره بأربعة آلاف درهم، فجيء بها، فقال البائع: هذا ثمن داري، فأين ثمن جاري؟ قال: ولجارك ثمن؟ قال: لا أنقصه والله من أربعة آلاف، فبلغ ذلك فيروز، فأرسل إليه بثمانية آلاف درهم، وقال: هذا ثمن دارك وجارك، والزم دارك لا تبيعها.
وقال أبو تمام:
إن بكاء في الدار من أربه فشايعا مغرمًا على طربه
جيدت بداني الأكناف ساحتها نائي المدى داني الحيا سربه
مزن إذا ما استطار بارقه أعطى البلاد الأمان من كذبه
وقال أيضًا:
قد مررنا بالدار وهي خلاء وبكينا طلولها والرسوما
وسألنا ربوعها، وانصرفنا بسقام وما سألنا حكيما
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان [المعري]: أنا من أقام الحرف وهي كأنها=نون بدارك والمعالم أسطر
بالسعد جادتك السماء لتسعدي والغفر، عل ذنوب أهلك تغفر
وقال أيضًا:
إذ ذن أنف البرد سرت فليته عقيب التنائي كان عوقب بالجدع
وما أورقت أوتاد دارك باللوى ودارة حتى أسقيت سبل الدمع
وقال البحتري:
ولقد منعت الدار إعلان الهوى وطويت عنها سرك المكتوما
أتغيض من حذر الوساة مدامعي فإذا خلوت تفيضهن سجوما؟
وقال آخر: ولو كنت في الدار التي مسقط الصفا=مرضت، ولكن غاب عني معللي
هنالك لو أني مرضت لعادني عوائد من لم يأت منهن يرسل
وقال آخر:
لا تطلبن دنو دا ر من خليل أو معاشر
أبقى لأسباب المود ة أن تزور ولا تجاور
قال أحمد بن إسماعيل بن الخصيب: شكا إلي ميمون بن هارون بعد داره إذا أراد زيارتي، فقلت: من هذا المنزل أقصدك إذا زرتك، ثم كتبت إليه:
لا تجلعن بعد داري مخسسًا لنصيبي
فرب شخص بعيد إلى الفواد قريب
ورب شخص قريب إليه غير حبيب
ما البعد والقرب إلا ما كان بين القلوب
كتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: "بعدت داري عن ظل أمير المؤمنين، وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به، وقد اشتد إلى أمير المؤمنين شوقي، لأرى مجلسه، وأتشرق بخطابه، وأتجمل بخدمته، وأنقح عقلي من حسن أدبه، فلا شيء آثر عندي من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبها الله به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إليه؛ لأحدث عهدًا بالمنعم على، وأتهنأ بالنعمة التي آثرها لدي، فعل محسنًا إن شاء الله".
فوقع المأمون في كتابه: "قربك يا أبا العباس إلي حبيب، وأنت مني حيث كنت قريب، وإنما بعدت دارك نظرًا لك ورغبة فيك وسموًا، واتبع قول الشاعر:
رأيت دنو الدار ليس بنافع إذا لم يكن بين القلوب قريب
ويروى: "إذا كان ما بين القلوب بعيد": وقال الشاعر:
وأنزلني طول النوى دار غربة إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
أحامقه حتى يقال: سجية ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال أبو الحسن علي بن ثروان الكندي:
درت عليك غوادي المزن يا دار ولا عفت منك آيات وآثار
دعاء من لعبت أيدي الغرام به وساعدتها صبابات وأذكار
وقال ذو الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبرًا=أم راجع القلب من أطرابه طرب
أم دمنة نسفت عنها الصبا سفعًا كما تنشر بعد الطية الكتب
لا، بل هو الشوق من دار تخونها مر سحاب ومر بارح ترب
يبدو لعينيك منها وهي مزمنة نؤى ومستوقد بال ومحتطب
ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
غراء تزداد إبهاجًا إذا سفرت وتحرج العين فيها حين تنتقب
براقة الجيد، واللبات واضحة كأنها طبية أفضى بها لبب
نجلاء في برج صفراء في نعج كأنها فضة قد مسها ذهب
لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثاة وفي أنيابها شنب
وقال البحتري:
وما في سؤال الدار إدراك حاجة إذا استعجمت آياتها أن تكلما
وتيمني أن الجوى غير مقصر وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى
[ ٧٧ ]
قيل: كان يونس بن المختار في أعلى مرتبة في دار المأمون، وكان يجلس دونها، فقال له الحاجب: يا أبا العباس مرتبتك، فقال: قد رفعني إليها أمير المؤمنين وليس لي عمل يفي بها، فأنا أكرمها عن القعود فيها إلى أن يتهيأ الشكر عليها، فبلغ ذلك المأمون، فقال: هذا والله هو الشكر، وبه تدوم النعم.
وقال قيس بن ذريح:
سقى طلل الدار التي أنتم بها حناتم وبل، صيف وربيع
وخيماتك اللاني بمنعرج اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع
مضى زمن والناس يستشفعون بين فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع؟!
إذا أمرتني العاذلات بهجرها هفت كبد عما يقلن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبها يؤرقني والعاذلات هجوع
وقال جميل بن معمر:
هاجت فؤادك للحبيبة دار أقوت وغير آيها الأمطار
وعفا الربيع رسومها فكأنها لم يغن قبل بربعها ديار
لما وقفت بها القلوص تبادرت مني الدموع وهاجني استعبار
ولقد علمت على التكالف أنه تشقى القلوب وتغلب الأفدار
وإذا حللت بذي الأراك ودوننا علم المريب وجونة وتعار
فهناك حين تريث عنك رسائلي وهناك تقطع عنكم الأخبار
فسقى ديارك حيث كنت من النوى غيث أجش وديمة مدرار
وقال ذو الرمة:
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما
على دارمي
من صدور الركائب
تكن عوجة بجزيكما الله عنده بها الأجر، أو تقضى ذمامة صاحب
وقفنا فسلمنا فردت تحية علينا، ولم ترجع جواب المخاطب
عصتني بها نفس تريع إلى الهوى إذا مد دعاها دعوة لم تغالب
وقال أيضًا:
يا دار مية بالخلصاء فالجرد سقيًا، وإن هجت أدنى الشوق للكمد
من كل ذي لجب باتت بوارقه تجلو أغر الأعالي حالك النضد
[حالك النضد]: متراكب السحاب.
مجلجل الرعد عراصًا إذا ارتجست نوء الثريا به، أو نثرة الأسد
أسقى الإله به حزوى، فجاد به ما قابل الزرق من سهل ومن جلد
أرضًا معانًا من الحي الذين هم أهل الجياد وأهل المجد والعدد
كانت تحل بها مي، فقد قذفت عنا بها نية من طية قدد
وقال مرقش:
هل تعرف الدار عفا رسمها إلا الأثافي ومبنى الخيم
أعرفها دارًا لأسماء فالدم ع على السربال فيض سجم
أمست خلاء بعد سكانها مقفرة ما إن بها من إرم
بعد جميع قد أراهم بها لهم قباب وعليهم نعم
وقال آخر:
هل الريح أو برق الغمامة مخبر ضمائر حاج لا أطيق لها ذكرا
سليمى سقاها الله حيث تصرفت بها غربات الدار عن دارنا قطرا
إذا درجت ريح الصبا أو تنسمت تعرفت من نجد وساكنه نشرا
فقرف قرح القلب بعد اندماله وهيج دمعًا لا جمودًا ولا نزرا
وقال البحتري:
أأطلال دار العامرية باللوى سقت ربعك الأنواء
ما فعلت هند؟
أدار الهوى بين الصريمة واللوى أما للهوى إلا رسيس الجوى قصد؟
وقال أيضًا:
قف العيسى قد أدنى خطاها كلالها وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
وما أعرف الأطلال من بطن توضح لطول تعفيها، ولكن إخالها
إذا قلت: أنسى وصل سعدى على النوى تصور في أقصى الضمير خيالها
وقد كنت أرجو وصلها عند هجرها فقد بان مني هجرها ووصالها
وقال أيضًا:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها نعم ونسألها عن بعض أهليها
يا دمنة جاذيتها الريح بهجتها تبيت تنشرها طورًا وتطويها
لازلت في حلل للغيث ضافية يثيرها البرق أحيانًا ويسديها
تروح بالوابل الداني روائحها على ربوعك أو تغدو غواديها
وقال ذو الرمة: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى=ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير شام مقفرة تجر بها الأذيال صيفية كدر
أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ولف الثريا في ملاءته الفجر
فوالله ما أدري أجولان عبرة تجود بها العينان أحجى أم الصبر
[ ٧٨ ]
وفي هملان العين من غصة الشجا شفاء، وفي الصبر الجلادة والأجر
وقال أيضًا:
يا دار مية لم يترك لها علما تقادم العهد والهوج المراويد
سقيًا لأهلك من حي تقسهم ريب المنون وطيات عباديد
وقال أيضًا:
دنا البين من مي وردت جمالها وهاج الهوى تقويضها واحتمالها
عرفت لها دارًا، فأبصر صاحبي صيفة وجهي قد تغير حالها
وقلت لنفسي في حياء رددته إلهيا وقد بل الجفون بلالها
أمن أجل دار طير البين أهلها أيادي سبا بعدي وطال احتبالها
فؤادك مبثوث عليك شجونه وعينك تعصي عاذليك انهمالها
لقد علقت مي بنفسي علاقة بطيئًا على مر الليالي انحلالها
وقال ذو الرمة:
ألا ظعنت مي فهاتيك دارها بها السحم تردي والحمام الموشم
كأن أنوف الطير في عرصاتها خراطيم أقلام تخط وتعجم
ألا لا أرى مثلي يحن من الهوى ولا مثل هذا الشوق لا يتصرم
ولا مثل ما ألقى إذ الحي جيرة على أثر الأظعان يلقاه مسلم
كفى حزة في النفس يا مي أنني وإياك في الأحياء لا ننتكلم
أدور حواليك البيوت كأنني إذا جئت
عن إتيان بيتك محرم
وقال توبة بن الحمير:
نأتك بليلى دارها لا تزورها وشطت نواها واستمر مريرها
يقول أناس: لا يضرك نأيها بلى، كل ما شف النفوس يضيرها
أليس يضير العين أن تدمن البكا ويمنع منها نومها وسرورها؟!
وقال مهيار:
بكر العارض تحدوه النعامى وسقاك الري يا دار أماما
وتمشت فيك أرواح الصبا يتأرجن بأنفاس الخزامى
وإذا مغنى خلى من زائر بعد ما فورق أو زير لماما
فقضى حكم الهوى أن تصبحي للمحبين مناخًا ومقاما
أورد أبو جعفر محمد بن جرير الطبري - ﵀ - في كتاب "نسب الصحابة" رضوان الله عليهم عن عثمان بن الأرقم، أنه كان يقول: أنا ابن سبع الإسلام، أسلم أبي سابع سبعة، وكان داره بمكة على الصفا، وهي الدار التي كان النبي ﷺ، يكون فيها في أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير، وقال ليلة الاثنين فيها: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام" فجاء عمر - رضوان الله عليه - من الغد بكرة، فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها، فكثروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعيت دار الأرقم دار الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا، أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث، شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص".
[ ٧٩ ]
قال: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة، بها ولده يسكنونها ويؤاجرون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور، قال يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم: إني لأعلم اليوم الذي وقعت في نفس أبي جعفر، وذاك أنه كان يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها، ونحن على ظهر الدار في فسطاط، فيمر تحتنا، ولو أشاء أن آخذ قلنسوة عليها لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن - ﵁ - بالمدينة، كان عبد الله بن ع ثمان بن الأرقم ممن بايعه، ولم يخرج معه، فتعلق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلًا من أجل الكوفة يقال له: شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أن يفعل ما يأمره به، فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان بن الأرقم الحبس، وهو شيخ كبير بن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه وتبيعني دار الأرقم، فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى إن بعته إياها أن أكلمه فيك، فيعفو عنك؟ قال: فإنها صدقة، ولكن حقي منها له، ومعي فيها شركاء، إخوتي وغيرهم، فقال: إنما عليك نفسك، فأعطنا حقك، وبرئت، فأشهد له، وكتب عليه كتاب شرى على سبعة عشر ألف دينار، ثم تتبع إخوته، ففتنهم بكثرة المال، فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن أقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون، فعرفت بها، ثم لجعفر بن موسى الهادي، ثم اشترى عامتها وأكثرها غسان بن عبادة، من ولد جعفر بن موسى.
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله [بن سليمان [المعري]:
فيا برق ليس الكرخ داري وإنما رماني إليه لدهر منذ ليال
فهل فيك من ماء المعرة قطرة تروي بها ظمآن ليس بسال
فليت سنيرًا بان منه لصحبتي بروقى غزال مثل قرن غزال
وقال أيضًا:
متى ينزل الحي الكلابي بالسًا يحييك عنا ظاعنون وقفال
تحية ود ما الفرات وماؤه بأعذب منها وهو أزرق سلسال
فيا دارها بالحزن إن مزارها قريب، ولكن دون ذلك أهوال
وقال أحمد بن أبي خيثمة:
ولكن قرب الدار ممن تحبه على البعد من قلب الحبيب شديد
وليس تنائي الدار للصب ضائرًا إذا لم يكن بين القلوب بعيد
وقال أبو حكيمة راشد بن إسحاق:
ومستوحش لم يمس في دار غربة ولكنه ممن يحب غريب
طواه الهوى واستشعر الهجر إلفه وشطت نواه والمزار قريب
وقال آخر:
هذا هو الصبر، لا الصبر الذي سلفا لما دنت دار من يهوى ومن ألفا
قد كان في البعد إذهال لذي كلف لكن في القرب ما أغرى به الكلفا
وقال سعيد بن حميد:
إذا نائل شطت بها الدار مرة فلست على شيء من الدهر أشفق
ولم يبق مني حبها غير مهجة تذوب، وقلب خشية الهجر يخفق
وقال أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار بن أبي حصينة السلمي:
لون دارًا أخبرت عن ناسها لسألت رامة عن ظباء كناسها
بل كيف تسأل دمنة ما عندها علم بوحشتها ولا إيناسها
ممحوة العرصات يشغلها البلى عن ساحبات الريط فوق دهاسها
بيض إذا انصاع النسيم من الصبا خلناه ما ينصاع من أنفاسها
يا صاحبي سقى منازل جلق غيث يروى ممحلات طساسها
فرواق جامعها فباب بريدها فمسارب القنوات من باناسها
فلقد قطعت بها زمانًا للصبى واللهو مخضر كخضرة آسها
من لي برد شبيبة قضيتها فيها وفي حمص وفي ميماسها
وزمان لهو بالمعرة مونق بسياثها، وبجانبي هرماسها
أيام قلت لذي المودة: سقني من خندريس حناكها أوحاسها
حمراء تغنينا بساطع نورها في الليلة الظلماء عن نبراسها
رقت فما أدرى أكأس زجاجها في جسمها أم جسمها في كاسها
كان هذا الشاعر ابن أبي حصينة مداحًا للأمير تاج الأمراء معز الدولة أبي العلوان شمال بن أد الدولة صالح بن مرداس، فامتدحه بقصيدة شكا فيها كثرة أولاده، وكان له أربعة عشر ولدًا، أولها:
سرى طيف هند والمطي بنا يسري فأخفى دجى ليل، وأبدى سنا فجر
يقول فيها:
[ ٨٠ ]
جنيت على نفسي بنفسي جناية فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
عداد الثريا مثل نصف عدادهم ومن نسله ضعف الثريا من يثرى؟!
وأخشى الليالي الغادرات عليهم لأن الليالي غير مأمونة الغدر
ولي منك إقطاع قديم وحادث تقلبت منه تحت ظلك من عمري
وما أنا بالممنوع منه، ولا الذي أخاف عليه منك حادثة تجري
وكلنني أبغية ملكًا مخلدًا خلود القوافي الباقيات على الدهر
والقصيدة طويلة ما اقتضى التأليف ذكرها بأسرها، فلماس معها معز الدولة أمر بإحضار شهود أشهدهم بتمليكه أبا الفتح الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة ضيعتين من أعمال حلب ومنبج، فأثرى، وحسنت حاله، وعمر بحلب دارًا عند حمام الواساني، وكتب على إزار روشنها:
دار عمرناها، وعشنا بها في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بوسي ولم يتركوا علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا: ألا هكذا فليفعل الناس مع الناس
وقال ابن نباتة:
يا دار بين الرقتين وبابل شقت عليك من السحاب جيوب
وأطاع تربك وابل متعمد من أن تزعزعه صبًا وجنوب
يا حبذا ماء الفرات لو أنه يشفي غليل الشارب المشروب
وقال آخر:
سقى الله دارًا لي، وأرضًا تركتها إلى جنب داري معقل ويسار
أبو مالك جار لها، وابن برثن "فيالك جاري ذلة وصغار"!
وقال آخر:
إن جار السوء حمل فادح فاستعذ بالله من سوء الجوار
ما لجار السوء عندي حيلة في جميع الأرض إلا بيع داري
وقال عيسى بن القاشي في دار إسماعيل بن بلبل:
أيا دارًا تفيض بكل خير وفيها كل شهوات المريض
ترقى في السماء ولا تملي فكم أبصرت مثلك في الحضيض
وكوني كيف شئت، فأنت عندي وعند الناس من دور القبوض
وقال آخر:
إنا رأينا حجابًا منك أغرضنا فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا
اسمع مقالي، ولا تغضب علي، فما أبغي بنصحك لا مالًا ولا عرضا
في هذا الدار، في هذا المكان على هذا السرير رأيت العز فانقرضا
وقال علي بن بسام في أبيه، وقد عمر له دارًا:
شدت دارًا خلتها مكرمة سلط الله عليها الغرقا
وأرانيك صريعًا وسطها وأرانيها صعيدًا زلقا
وقال أبو الهندي:
ولو أن لي دارًا يحل دخولها لمتعتكم بالعزف فيها وبالخمر
ولكنني في دار سوء كأنها بقية ناووس على ساحل البحر
أؤدي إلى من عجل الله موته لأدفنه فيها ثلاثين في الشهر
وقال آخر:
جمال الدار بالإطعا م، لا بالفرش والنقش
وما للدار من فضل ولو شيدت إلى العرش
وقال معاوية بنقرة المنقري:
إذا خفت من أمر فواتًا فوله سواك وعن دار الأذى فتحول
فما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وقال ابن سارة المغربي:
مقام حر بدار هون عجز لعمري من المقيم
ارحل فإن لم تجد كريمًا فمن لئيم إلى لئيم
قال بعضهم: اجتزت بباب دار، وإذا لها حش مفتوح، وفيه كساح، وهو يترنم:
وإياك والسكنى بدار مذلة تعد مسيئًا فيه إن كنت محسنا
ونفسك فأكرمها فإن ضاق مسكن عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا
قال: فاطلعت عليه، وقلت: وهل فوق ما أنت عليه منزلة للهوان؟ فقال: نعم مسألة سفلة الناس أهون مما أنا فيه، وأنا أغنى الناس، قال: فأفحمني وأعجبني.
وقال آخر:
إذا قل إنصاف الفتى لصديقه على غير معروف فلا لوم في الهجر
وما الناس إلا منصف في مودة وإلا معين للصديق على الدهر
وإن مقام الحر في دار ذلة ليصرف عنه الفقر شر من الفقر
وقال ابن المعتز:
إني غريب بدار لا كرام بها كغربة الشعرة السوداء في الشمط
ما أطلق العين في شيء تسر به ولست أبدي الرضى إلا على سخط
وقال بعض العرب في امرأته:
سقى الله دارًا فرق الله بيننا وبينك فيها وابلًا سبل القطر
[ ٨١ ]
ولا ذكر الرحمن يومًا وليلة ملكناك فيها لم تكن ليلة القدر
وقال آخر:
صبر الأديب على الهوان مذلة ما للأديب يرى بدار هوان
أرضى الإله لخلقه مبسوطة والرزق مقسوم بكل مكان
وقال آخر:
لا أوطن الدار إيطان البعير إذا كانت حوادث فيها لا تواتيني
أكلما أخطأت يومًا يدي قدمي هويت عندك في زوراء ترديني؟!
وقال آخر:
وليس اقتنائي سمرقند محلة ودار مقام لاختيار ولا رضى
ولكن قلبي حل فيها فعاقني وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا
وإني ممن يرقب الدهر راضيًا بيوم سرور غير مغرى بما مضى
وقال آخر:
أحب الدار تسكنها سليمى وإن كانت تواريها الجدوب
وما دهري بحب تراب أرض ولكن من يحل بها حبيب
وقال عنترة بن شداد العبسي:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
(ردمت الشيء، إذا أصلحته، يقول: ما ترك الشعراء من معنى إلا وقد سبقوا إليه:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
ولقد حبست بها طويلًا ناقتي أشكو إلى سفع رواكد جثم
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
وقال جرير بن عطية:
لمن رسم دار هم أن يتغيرا تراوحه الأرواح والقطر أعصرا
وكنا عهدنا الدار والدار مرة هي الدار إذ حلت بها أم يعمرا
ذكرت بها عهدًا على الهجر والقلى ولابد للمحزون أن يتذكرا
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أفي رسم دار دارس أنت واقف بقاع تعفيه الرياح العواصف
وقفت بها، لا من أسائل ناطق ولا أنا إذ لم تنطق الدار صادف
ولا أنا عمن يألف الدار ذاهل ولا التبل مردود ولا القلب عازف
وقال حارثة بن بدر الغداني:
سلم على الدار أقوت بعد آباد قفرًا بطارف أعلى ذات إمهاد
الدار لم يبق منها ريثما لقيت إلا مضارب أطناب وأوتاد
كأنها بالفيافي يوم مطلعها من بطن ذات السنا أخلاق أبراد
فما تبينتها حتى وقفت بها وطال بالطرف إفراعي وإصعادي
فانهلت العين من عرفانها سكبًا نضح السقاة لجم ماء أعداد
فظلت كالشارب النشوان محتبسًا يومًا طويلًا على عنس وأقتاد
أراسل الطرف وهنًا ثم أعطفه في متشتى ومصطاف ومرتاد
إذ لا النوى بين أهلينا مفرقة ولا المكتم من أسرارنا باد
وقال آخر:
دار علا دور الملوك بهاؤها كعلو صاحبها على الأملاك
فكأنها من حسنها وعلوها بنيت قواعدها على الأفلاك
وقال رجل من عبس - من أهل الكوفة تحول إلى أخواله جعف -:
لما نبت داري نبوت بها فتركتها ونزلت في جعف
فحللت في عز وتكرمة بمحل بين العين والأنف
هذا من قول النبي ﷺ: "عمار جلدة ما بين عيني وأنفي" يعني عمار بن ياسر ﵀.