قال الله ﵎: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا، وهدى للعالمين) . قال مجاهد - ﵀ -: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ولا اختلاف بين أهل السير أنه أول بيت وضع للناس، واختلفوا: هل كان أول بيت وضع بغيرها على قولين: أحدهما: أنه قد كان قبله بيوت كثيرة، وهو قول علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، والحسن ﵁.
والثاني: أنه لم يوضع قبله بيت، وهو قول مجاهد وقتادة.
وروى عن أبي ذكر - ﵁ - أنه قال: سألت رسول الله ﷺ: أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي بيت؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة.
وقال الله ﵎: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) .
أول من دله الله - ﷿ - على مكان البيت - بعد آدم - إبراهيم ﵉، وهو أول من بناه مع إسماعيل ﵇، وأول من حجه، وغنما كانوا قبله يصلون نحوه، ولا يعرفون مكانه.
[ ٨٢ ]
واختلفوا في سبب بنائه عند ابتداء الخلق على قولين: أحدهما: ما رواه محمد بن علي عن أبيه - رضوان الله عليهما - أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتًا على أربع أساطين، وسماه الضراح، وهو البيت المعمور، وقال تعالى للملائكة - ﵈ - طوفوا به، ثم بعث ملائكته - ﵈ - فقال: ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله وقدره، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به.
والثاني: ما روي عن ابن عباس - رضوان الله عليهما - قال: لما أهبط - آدم ﵇ - من الجنة إلى الأرض قال له تعالى: "يا آدم اذهب، فابن لي بيتًا، فطف به، واذكرني حوله، كما رأيت الملائكة يصنعون حول عرشي، فأقبل آدم - ﵇ - يتخطى، فطويت له الأرض، وقبضت له المفاوز، فلم يقع قدمه على شيء إلا صار عمرانًا، حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأن جبريل - ﵇ - ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة السفلى، وقذفت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق الصخرة ثلاثون رجلًا، وأنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور زيتا، وطورسينا، والجودي، وحرى، فكان آدم ﵇ أول من أسس البيت، وصلى فيه، وطاف به، ولم يزل كذلك حتى بعث الله تعالى الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله - ﷿ - إبراهيم وإسماعيل ﵉، فوضعا قواعد البيت وأعلامه، ثم بنته قريش بعد ذلك، وهو على حد البيت المعمور، لو سقط ما سقط إلا عليه.
ثم روى علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه -: أن الله تعالى لما أمر إبراهيم ﵇ بعمارة البيت، خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل، وأمه هاجر، وبعث معه السكينة لها لسان تتكلم به، يغدو إبراهيم معها إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكة، فقالت لإبراهيم: ابن على موضعي الأساس، فرفع البيت هو وإسماعيل ﵉، حتى إلى موضع الركن، فقال لابنه: يا بني أبغني حجرًا أجعله عليها علمًا للناس، فجاء بحجر فلم يرضه، فقال: أبغني غيره، فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالركن، فوضعه موضعه، فقال: يا أبة من جاءك بهذا الحجر؟ قال: من لم يكلني إليك يا بني، فلما رفع إبراهيم وإسماعيل ﵉ القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة، فيها رأس، فنادت: أن ارفعا على تربيعي.
قال القاضي المارودي - ﵀ -: فهذا ما جاءت به الآثار في البيت قبل الطوفان وبعده.
وقال ابن إسحاق - ﵀ -: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإنما كانت رضمًا فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وكان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز "دويكًا" - مولى لبني مليح بن عمرو، من خزاعة - فقطعت قريش يده، وقيل: إن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر رمى سفينة إلى جدة لتاجر من الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار قبطي، فتهيأ لهم بعض ما يصلحها، وكان حية تخرج من بئر الكعبة، فتتشرق على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، فبعث الله تعالى إليها طائرًا، فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا [ل] نرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس. وقد نحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة، والأول أثبت، وأبو وهب خال رسول الله ﷺ، وكان شريفًا، وله يقول شاعر من العرب:
[و] لو بأبي وهب أنخت مطيتي غدت من نداه رحلها غير خائب
بأبيض من فرعي لوي بن غالب إذا حصلت أنسابها في الذوائب
أبي لأخذ الضيم يرتاح للندى توسط جداه فروع الأطايب
[ ٨٣ ]
ثم إن قريشًا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود، والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني عدي بن لؤي، وهو الحطيم موضع الصنم. ثم إن الناس هابوا هدمها، وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدو كم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، فإنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، إن أصيب لم نهدم شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله بما صنعنا فهدمنا، فأصبح الوليد غاديًا على عمله، وهدم وهدم الناس، حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم ﵇، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها ببعض، [] .
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، وتعاقدوا هم وبنو عبد الله بن كعب بن لؤي على الموت، وغمسوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا، فروي أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكان أسن قريش كلها عامئذ - قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه، قال ﷺ: هلم إلي ثوبًا، فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا" ففعلوا، حتى إذا بلغوا [به] موضعه وضعه هو بيده، وبنى عليه.
قال أحمد بن يحيى: قال رسول الله ﷺ - حين وضع الحجر في الثوب -: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فرفعوه، ثم وضعه ﷺ في موضعه، فلما وضع الحجر احتاج إلى حجر يسنده به، فذهب رجل من أهل نجد ليأتيه [به]، فقال: لا، وأمر العباس - رضوان الله عليه - فأتاه بحجر فأسنده، فغضب النجدي، وقال: عمدتم إلى أصغركم سنًا، وأقلكم مالًا، فوليتموه هذه المكرمة! فكان يقال: إنه إبليس لعنه الله - فقال أبو طالب - في وضع الركن -:
إن لنا أوله وآخره في الحكم، والحق الذي لن ننكره
وقد عمرنا خيره وأكثره لما وضعنا
إذ تماروا
حجره
وقال الله ﵎: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا ) الآية، يعني بالمثابة أنهم يثابون على حجه، وقيل: مجمعًا، لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة، وقيل: مرجعًا، من قولهم: ثابت العلة، إذا رجعت.
وقال الله ﵎: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) .
في سبب مقامه على الحجر قولان: أحدهما: أنه لما ارتفع بنيان البيت، وضعف إبراهيم ﵇ عن رفع الحجارة، قام على هذا الحجر، فهو مقام إبراهيم.
والثاني: أنه حجر وضعته زوجة إسماعيل ﵇ - تحت قدم إبراهيم - ﵇ حين غسلت رأسه، فوضع قدمه عليه، فغابت قدمه فيه.