عن ابن أبي مريم قال: مررت بسويقة عبد الوهاب وقد خربت، وعلى حائط. منها مكتوب:
هذي منازل أقوام عهدتهم في خفض عيش وعز ماله خطر
صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا إلى القبور، فلا عين ولا أثر
وقال الأسود بن يعفر:
[ ١ ]
ماذا أرجى بعد آل محرق درست منازلهم، وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلى ونفاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد
وقال بشر بن أبي خازم:
أي المنازل بعد الحول تعترف أم هل صباك
وقد حكمت
منصرف؟!
أم ما بكاؤك في دار عهدت بها عهدًا، فأخلف، أم في أيها تقف؟!
كأنها بعد عهد العاهدين بها من الذنوب وخرمى واحف صحف
(الذنوب، وخر ما واحف): مواضع
أضحت خلاء قفارًا لا أنيس بها إلا الجوازي والظلمان تختلف
فأصبحوا بعد نعماهم بمبأسة والدهر يخدع أحيانًا فينصرف
قوله: يخدع، أي يخالف ما تريد، يقال للرجل إذا وعد ثم أخلف: خدع، وإذا أطلع الضب رأسه ثم أدخله يقال: خدع الضب، وخدع الريق، إذا تغير وفسد، وخدعت السوق؛ إذا كسدت، وقوله: "فينصرف" أي ينقلب ويحول.
تبكي لهم أعين من شجو غيرهم وإن بكى لهم باك فقد لهفوا
(لهفوا): أي الحق ذلك وقال ابن أبي طاهر:
يا منزلًا لعب الزمان بأهله طورًا يفرقهم، وطورًا يجمع
أين الذين عهدتهم بك مرة كان الزمان بهم يضر وينفع
أصبحت تفزع من رآك، وطالما كنا إليك من الحوادث نفزع
أيام لا أغشى لأهلك مربعًا إلا وفيه للمسرة مربع
لهفي عليك، لو أن لهفًا ينفع أو أن دهرًا راحم من يجزع
ما كان ذاك العيش إلا خلسة خطفًا كرجع الطرف أو هو أسرع
وقلت:
يا ليت أن ديارنا كانت كذا طورًا تفرقنا وطورًا تجمع
لكنها درست وأوحشها الردى من أهلها فهي القفار البلقع
لا يرتجى لهم إياب جامع لشتاتهم حتى يضم المجمع
وقال عبد الله بن الزبعري في العاص بن وائل:
وأصبحت المنازل وهي قفر مخلاة عليهن القتام
كأن الناس بعدك نظم سلك تقطع لا يقوم له نظام
وقال المتنبي أبو الطيب أحمد بن الحسين:
أبنى أبينا نحن أهل منازل أبدًا غراب البين فينا ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الأُلى جمعوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى توى فحواه لحد ضيق
خرس إذا نودوا، كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق
وقال البحتري:
وما أهل المنازل غير ركب مناياهم رواح وابتكار
لنا في الدهر آمال طوال نرجيها، وأعمار قصار
وقال أيضًا:
يا منزلًا نسجت له أيدي الصبا من حوكهن سبائبًا وبرودًا
هل كنت إلا منزلًا عمدت له عقب الزمان فغادرته عميدًا؟!
وقال أيضًا:
قفا نعط المنازل من جفون لها في الشوق أحشاء غزار
عفت آياتهن، وأي ربع يكون له على الزمن الخيار؟!
وقال أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي:
يا منزلًا أعطى الحوادث حكمها لا مطل في عدة ولا تسويفا
أرسى بناديك الندى وتنفست نفسًا بعقوتك الرياح ضعيفا
شعف الغرام بعقوتيك، وربما روت رباك الهائم المشعوفا
ولئن نرى بك ملقيًا أجرانه ضيف الخطوب، لقد أصاب مضيفا
وهي الفجائع لم تزل نكباتها يألفن ربع المنزل المألوفا
خلفت بعقوتك الشؤون وطالما كانت بنات الدهر عنك خلوفا
أيام لا تسطو بأهلك نكبة=إلا تراجع صرفها مصروفا وقال أيضًا:
وأبى المنازل إنها لشجون وعلى الصبابة إنها لتبين
فاعقل بنضو الدار نضوك نقتسم فيها الصبابة: مسعد، ومعين
لا تمنعني وقفة أشفى بها داء الصبابة إنها ماعون
واسق الأثافي من شؤونك ريها إن الضنين بدمعه لضنين
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
عفا المصلى فأقوت الكثب مني فالمربدان فاللبب
[ ٢ ]
فالمسجد الجامع المروءة والمج د عفا فالصمان فالرحب
منازل قد عمرتها زمنًا حتى بدا في عذارى الشهب
في فتية كالسيوف هزهم شرخ شباب وزانهم أدب
ثم أراب الزمان فاقتسموا أيدي سبا في البلاد فانشعبوا
لن يخلف الدهر مثلهم أبدًا علي، هيهات شأنهم عجب!
وقال البحتري:
فيء إليك، فقد تخون أسرتي حتف الردى وتحامل النكبات
تلك المنازل ما تمتع واقفًا بزهى الشخوص، ولا وغى الأصوات
ولن تخلف الأيام لي بدلًا بهم أيهات من بدل بهم أيهات
ومعيري بالدهر يعلم في غد أن الحصاد وراء كل نبات
وقال كاسب بن غياث أحد بني حن:
هل منزل دارس يبين سؤال من ما له معين؟!
أقوى وأودت به الليالي وصرف دهر له فنون
فما بربعيه من أنيس كأن من فيه لم يكونوا
صاح بمن حله زمان واخترمتهم به المنون
فكل عهد لهم محيل وكل ربع لهم دفين
سوى الذي حل في فؤادي من حبهم فهو لا يبين
وكل حي إلى افتراق تشعبهم نية شطون
وقال آخر:
دعني وتسكاب دمعي في منازلهم فللشؤون ولي من بعدهم شان
أحبابنا ما الديار اليوم بعدكم تلك الديار ولا الأوطان أوطان!
وقال القاضي أبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان ﵀:
يا معشر الأحباب قد أضحت منازلهم قبورا
كنت الصغير فليتني لم أدع بعدهم كبيرا
عن زنام الزامر قال: لما اشتد بالمعتصم المرض - في مرضه الذي مات فيه - أفاق في بعض الأيام، فقال: هيئوا لي الزلال؛ لأركب فيه في دجلة غدًا، فعملوه، فركب وركبت معه، فمر في دجلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمرلي:
يا منزلًا لم تبل أطلاله حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك، لكنني بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى لا بد للمخزون أن يسلى
قد كان لي فيك هوى مرة غيره الدهر وما ملا
فما زال ينتحب حتى عاد على منزله.
مات المعتصم ﵀ لثماني عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين.
وحدثني من أثق به، أنه لما وقع بمصر الغلاء العظيم في أيام المستنصر بالله، واستولت كتامة والجند على الدولة، واستنفدوا ما في الخزائن من الأموال، وتضعضعت الدولة، أمر المستنصر بإحضار ابن الجوهري الواعظ، فحضر، ونصب له كرسي، فلما صعد على الكرسي تلفت يمينًا وشمالًا على نواحي القصر، ثم أنشد:
يا منزلًا لم تبل أطلاله حاشا لأطلالك أن تبلى
الأبيات، فارتفع البكاء والضجيج في القصر، وما زاد على ذلك، يستعاد منه ويكرره حتى انقضى المجلس.
وقال آخر:
أحب منازل الأحبا ب إن غابوا وإن حضروا
وأسقيها دموع العي ن إن لم يسقها المطر
بقدر كرامة الأحبا ب يكرم بعدها الأثر
ولولا راحة الشكوى=لكان القلب ينفطر وقال آخر:
أيا منزلًا بالدير أصبح خاليًا تلاعب فيه شمال ودبور
كأنك لم تسكنك بيض نواعم ولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاك كرام وسادة صغيرهم بين الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فضراغم وإن لبسوا تيجانهم فبدور
وقال الحارث بن شداد، أخو بني كعب بن عمرو:
إلى الله أشكو ما أرى من عشيرتي وما كنت فيما قد مضى استزيدها
تذكرنيهم وحدتي، ومنازل سواء علينا رثها وجديدها
أرى الناس راعوا للديار وللحيا وكعب بن عمرو لا يريع شريدها
أنشدني الخطيب العالم قدوة الشريعة "أبو زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي - حرمه الله - عند اجتماعي به بميافارقين في سنة سبع وعشرين وخمسمائة لبعض أهل المعرة، وقد اجتاز بقرية من أعمال المعرة يقال لها: "سياث" وفيها علوج من الإفرنج يهدمون من جدرانها الحجارة، ويكسرونها بالمعاول؛ ليخف عليهم حملها، فوقف كالمتأسف، وقال:
مررت بربع من سياث فهاجني بها زجل الأحجار تحت المعاول
تصدى لها عبل الذراع، كأنما جنى الدهر فيما بينهم حرب وائل
[ ٣ ]
فقلت له: شلت يمينك خلها لمستخبر أو واقف أو مسائل
منازل قوم حدثتنا حديثهم ولم أر أجلى من حديث المنازل
وقال آخر:
إذا أنت لم ترع العهود لمنزل فلست براع عهد أهل المنازل
ولا سيما دار ولدت بربعها وكنت بها جذلان في خير آهل
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
هاج ذا القلب منزل بالبليين محول
غيرت آيه الصبا وجنوب وشمأل
فلئن بان أهله لبما كان يؤهل
قد أرانا بغبطة فيه نلهو ونجذل
وقال جرير بن عطية بن الخطفي:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام
ضربت معارفها الروامس بعدنا وسجال كل مجلجل سجام
ولقد أراك وأنت جامعة الهوى
يثنى بعهدك
خير دار مقام
فإذا أتيت على المنازل باللوى فاضت دموعي غير ذات نظام
وقال أبو حية النميري:
ألا حييا قصرًا رسوم المنازل بسلان سلمانين أو ميث عاقل
خلت من أنيس صالحين فأصبحت مرادًا لوحدان النعاج الخواذل
بما قد أرى الحي الجميع بغبطة بها، والنوى قطاعة للوسائل
وقال أيضًا:
أأبكاك رسم المنزل المتقادم بأمراش أقوى من حلول الأخارم
(أمراش): موضع:
فأمرت به عيناك لما عرفتها بمبتدر نظم الفريدين ساجم
لعرفانك الربع الذي صدع العصا به البين صدعًا ليس بالمتلائم
فقد كنت أدرى أن للبين صيحة على الحي في يوم لنفسك ضائم
وقال الراعي، وهو عبيد بن حصين النميري - وكان قومه ارتحلوا، فصار بعضهم إلى العراق، وبعضهم إلى الشام:
تذكرت فاستبكاك رسم المنازل بقارة أقوى أو بسوقة حائل
خلت من جميع ساكن وتبدلت ظباء السليل بعد خال وجامل
ذكرت بها من لن أبالي بعده تفرق حي في النوى متزايل
وإن امرأ بالسيف أكبر همه وبطنان ليس الشوق عنه بغافل
وقال جرير بن عطية:
شعفت بعهد ذكرته المنازل وكيف تناسى الحلم والشيب شامل
لعمرك لا أنسى ليالي منعج ولا عاقلًا، إذ منزل الحي عاقل
فيا حبذا أيام يحتل أهلها بذات الغضا والحي في الدار آهل
وإذ نحن أُلافٌ لدى كل منزل ولم تتفرق للطيات الحمائل
وقال أيضًا:
حي المنازل إذ لا نبتغي بدلًا بالدار دارًا، وبالجيران جيرانا
نهدي السلام لأهل الغور من ملح هيهات من ملح بالغور مهدانا
أحبب إلي بذاك الجزع منزلة بالطلح طلحًا وبالأعطان أعطانا
روى أن أبا عمرو بن العلاء - ﵀ - غاب عن البصرة عشرين سنة، ثم عاد فجلس مجلسه في الجامع، ففقد إخوانه وأصحابه الذين كانوا يقعدون إليه، فبكى، وأنشأ يقول:
يا منزل الحي الذي ن تفرقت بهم المنازل
أصبحت بعد عمارة قفرا تهب بك الشمائل
فلئن رأيتك موحشا فبما رأيت وأنت آهل
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
هل أنت منصرف فتنظر ما ترى أبقى الحوادث من رسوم المنزل؟!
دار بإحدى الرجلتين كأنها قد عفيت حججًا، ولما تحلل
فسقيت من دار وإن لم تسمعي
أصواتنا
قطر الربيع المسبل
قد كان أهلك مرة لك زينة فاستبدلوا بدلًا ولم تستبدلي
فابكي إذا بكت المنازل أهلها معذورة، وظلمت إن لم تفعلي
أهلًا كرامًا لن يحلك مثلهم في ذا الزمان ولا الزمان المقبل
وقال أيضًا:
لمن المنازل أقفرت بعباء؟ لو شيت هيجت الغداة بكائي
لولا التجلد، واعترافي أنه لا قوم إلا عقرهم لفناء
لرثيت أصحابي الذين توجهوا ودعوت أخرس لا يجيب دعائي
وفراق ذي حسب وروعة فاجع داويته بتجمل وعزاء
ليرى الرجال الشامتون صلابتي وأكف ذاك بعفة وحياء
وقال البحتري:
منازل أضحت للرياح منازلًا تردد فيها بين نؤي ورمدد
شجدت صاحبي أطلالها فتهللت مدامعه فيها، وما قلت: أسعد
[ ٤ ]
وقلت لعيني في المنازل عبرة من الشوق لم تملك بصبر فتردد
وقال أيضًا:
سألت الغوادي ملحفًا في سؤالها وناشدتها في سقى برقة ثهمد
منازل ما أبقى البلى من عراصها سوى أرسم معفوة الآى همد
وقال آخر:
تزافر صحبي يوم ذي الأثل زفرة تذوب قلوب من لظاها وأضلع
منازل لم تسلم عليهن مقلة ولا جم بعد البين فيهن مدمع
فدمع على رسم الديار مفرق وقلب على أهل الديار مروع
وقال عبيد الله بن قيس الرقيات:
يا سند الظاعنين من أحد حييت من منزل ومن سند
ما إن بمثواك غير راكدة سفع وهاب كالفرخ ملتبد
استبدلت بالظباء والبقر العي ن خلاف العقائل الخرد
فساخط أنت أم رضيت بما اس تبدلت بالحي بعدهم فقد
بدلت غير الرضا وشط بهم عن ك صروف المنون والأبد
وقال الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم -:
أعلى العهد منزل بالجناب كان فيه متى أردت طلابي؟!
المغاني تلك المغاني فهل في هن ما قد عهدت من إطرابي؟
ليست الدار بعد أن توحش الد ار نوى غير جندل وتراب
فإذا لم يعد حنيني على الدا ر حبيبًا فليس يغني انتحابي
وقال الشريف نظام الملك أبو الحسن على الفاطمي، أحد شعراء الدولة بمصر - إذ أنا بها - ويعرف بالأخفش:
أحبابنا لم تذق عيناي مذ بعدت عني منازلكم غمضًا ولا وسنا
ولا وجدت لقلبي من يسر به ولم تر العين شيئًا بعدكم حسنا
وقال البكاء - واسمه أرطاة بن كعب (جاهلي):
لمن المنازل قد عفون سنينا أقفرن بعد تحدد وبلينا
بقنان ودعة والبقيل تغيرت بعدي تحن بها الرياح حنينا
وبدارة السلم التي شوقتها دمن يظل حمامها يبكينا
ما كنت أول من تفرق شمله ورأى الغداة من الفراق يقينا
وقال الرماح بن ميادة، وميادة أمه سندية، وأبوه الأبرد بن ثوبان بن سراقة بن سلمى، ابن ظالم:
منازل أما أهلها فتحملوا فساروا، وأما خيمها فمقيم
كأني بها لما عرفت رسومها ثقيل لدى أيدي الرقاة سليم
ولم تر عيني مربعًا مثل مربع بذي العش لو أن النعيم يدوم
وقال عباس بن كبير بن جابر بن عمرو بن غيظ بن السبد:
سقى الصفرات العفر حول تبالة إلى رحب بالوشم غيث مطبق
منازل من حيي ذؤيب بن مازن وغيظ وكعب قبل أن يتفرقوا
عصائب في بر البلاد وبحرها فمنهم شآم غائر ومشرق
ديار من الحي الذين رماحهم معاقل في الهيجا وبالوتر تسبق
عظام مقاريهم جماع فدورهم يد الدهر تنتاب النهار وتطرق
بهم تتقى الحرب العوان وفيهم حفاظ على جل الأمور ومصدق
عن سنان بن يزيد الديلمي قال: كنت مع مولاي جرير بن سهم التيمي، وهو يسير أمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - إلى الشام، فلم انتهى إلى مدائن كسرى، وقف مولاي ينظر، ثم تمثل:
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
الأبيات التي تقدمت للأسود بن يعفر، فقال له علي - رضوان الله عليه -: أي شيء قلت؟ فأنشده الشعر، فقال: هلا قلت: "كم تركوا من جنات وعيون" ثم قال: يا ابن أخي إن هؤلاء كفروا النعم، فحلت بهم النقم، فإياكم وكفر النعم، فتحل بكم النقم.
وقال الشريف البياضي:
مالي أعلل نفسي بالوقوف على منازل أقفرت منكم وأطلال؟!
وأبتغي البرء منها وهي بالية هيهات! كيف يداوي باليًا بال؟!
وقال آخر:
يذكرني لمع البروق منازلي بنجدٍ وأهليها، فأضنى بها وجدا
وهذي النوى حكم من الله نازل وما كنت ممن يستطيع له ردا
وقال الأقرع بن معاذ:
حي المنازل بين حمة فاللوى إن كنت مشتغلًا بهن عميدا
يا برق حمة ما فعلت على البلى لا زلت يصحبك الغمام سديدا
فلئن بكيت لأبكين صبابة ولئن صبرت لأصبرن جليدا
[ ٥ ]
وقال عبيد الله بن قيس الرقيات:
ما هاج من منزل بذي العلم بين لوى المنجنون فالسلم
لم تبق منه الرياح معلمة إلا بقايا الثمام والحمم
وقفت بالدار ما أبينها إلا إدكارًا، توهم الحلم
بادت وأقوت من الإنيس كما أقوت محاريب دارس الأمم
واستبدل الحي بعدها إضمًا هيهات غمر الفرات من إضم
قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك! قالت: إن فقدي إياه أمنى كل فقد سواه، وإن مصيبته هونت على المصائب من بعده، ثم قالت:
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
كنت السواد لناظري فعليك يبكي الناظر
ليت المنازل والديار حضائر ومقابر
كان الرقاشي يجتمع إليه جماعة من أصحابه وإخوانه يتحدثون ويتذاكرون، فغاب في بعض أحواله، ثم رجع بعد مدة، فوجد بعضهم قد مات، وبعضهم قد غاب، فوقف على مجلسهم وبكى، وقال:
لولا التطير قلت غيركم ريب الزمان فخنتم عهدي
درست منازل كنت آلفها من بعدكم، وتغيرت بعدي
وقال أبو العلاء (أحمد بن عبد الله) بن سليما المعري:
أعفى المنازل قبر يستراح به وأفضل اللبس فيما أعلم الكفن؟
إن الذين على وجه الثرى وطئوا يشابهون أناسًا في الثرى دفنوا
وقال آخر:
دعني وتسكاب دمعي في منازلهم فللشؤون ولي من بعدهم شان
أحبابنا ما الديار اليوم بعدكم تلك الديار، ولا الأوطان أوطان
وقال آخر:
أبكى إلى الشوق أن كانت منازلكم بجانب الغرب خوف القيل والقال
أقول: بالخد خال حين أذكره خوف الرقيب، وما بالخد من خال
وقال مهيار:
يا منزلًا لعبت به أيدي البلى لعب الشكوك، وقد بدا بتيقن
إما تناشدني العهود فإنها خيست فكانت بين ذخر المقتنى
نفض الصبي أوراقه، وأعادني=خوط اليراعة، كيف تغمز تنحني إني لأعلم قبل فضى ختمه=ما في كتاب بالمشيب معنون وقال آخر:
أمزمعة للبيت ليلى ولم تمت كأنك عما قد أظلك غافل؟!
ستعمل إن شطت بهم غربة النوى وزالوا بليلي أن لبك زائل
وأنك مسلوب التصبر والأسى إذا بعدت ممن تحب المنازل
وقال آخر:
تطوى المنازل عن حبيبك دائبًا وتظل تبكيه بدمع ساجم
ألا أقمت ولو على جمر الغضا قلبت، أوحد الحسام الصارم؟!
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى=تشكو الفراق وأنت عين الظالم؟ قلت: لي على من تقدم ذكره من الشعراء فضل المزية؛ إذ كنت دونهم صاحب الرزية فكان شعري أولى أني قدم على أشعارهم، وإن قصرت بي البلاغة عن اقتفاء آثارهم، لكن للمتقدم السبق، وهو بالتقدمة أولى وأحق، وإن كنت وهم كما قال ذر لأبيه: يا أبه. مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ قال: يا بني. ليست النائحة المستأجرة كالثكلى.
وأنا ذاكر شيئًا من شعر أخي - ﵀ - وشعري مما يدخل في هذا الفصل: قال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ - ﵁ -:
يا منزلًا لعب البلى برسومه شعفًا ببهجته فليس يريم
لا تبعدن وجاد ربعك وابل يروى ثراك أتيه ويسيم
فاسق الربوع من الدموع سجالها إن الرسوم لها عليك رسوم
وقال أيضًا:
سل المنازل عمن كان يسكنها من الأحبة والإخوان ما صنعوا؟
تخبرك وعظًا بلا لفظ فقد نظرت آمالهم والمنايا كيف تصطرع
وهكذا بعد نفخ الصور خاوية تضحى المنازل أعلاهن متضع
بنى أبي إن عدا دهر ففرقنا فهم نفسي بكم ما عشت مجتمع
نزحتم أدمعي حتى لقد محلت جفون عيني، ومات اليأس والطمع
وإن دهرًا رمى عن جيده دررًا أمثالكم لزمان عاطل ضرع
وقال أيضًا:
يا منزلًا أضحى كجسمي باليًا حزن القلوب، وحسرة للناظر
لي كل يوم في ربوعك زفرة يرمى لظاها بالشرار الطائر
غربت شموسك والذين عهدتهم بك في ملمات الزمان الغابر
فعليهم مني سلام نشره متضوع كثنائهم في الحاضر
[ ٦ ]
قلت: كان ﵀ تأخر عنا، وخرجت أنا وأخواي إلى دمشق، ثم إلى مصر، فكان يتأسف لبعدنا عنه، وخلو منازلنا منا.
وهذا شيء من شعري في هذا المعنى، بعد ما أصابنا من الزلازل ما أصابنا، قلت:
إلى الله أشكو روعتي لمنازل خلت، وجوى قلبي لأهل المنازل
سيوفي إذا ما نازلتني ملمة حصوني إذا خفت الردى ومعاقلي
مضوا سلفًا قبلي فلم أحظ بعدهم من العيش والعمر الطويل بطائل
وقلت:
هذي منازلهم عفت وتفرقوا فسل المنازل عنهم ماذا لقوا؟!
تخبرك أن الأرض قد وارتهم وأبت لهم أن يسمعوا أو ينطقوا
وبقيت بعدهم لهم فادح وكآبة تضنى، وخطب يطرق
أرجو اللحاق بهم، ودون لحاقهم باب من الأجل المؤقت مغلق
فإذا نهاني عن رجاء لقائهم=يأسى هفا قلب إليهم شيق وقلت:
قل للذي فقد الأحبة وانثنى يسقى منازلهم دموعًا تسجم:
ماذا وقوفك في الديار مسائلًا عن أهلها، ومتى يجيب الأبكم؟!
سل عنهم صرف الزمان فإنه بهم من الدار المحيلة أعلم
أفناهم ريب المنون، وهذه آثارهم عظة لمن يتوسم
هي شيمة الأيام: كف تبتنى
مذ كانت الدنيا
وكف تهدم
وإذا رأيت محسدين فقلما ترجيهم الأيام حتى يرحموا
وترى تقلب هذه الدنيا بنا وكأننا فيها سكارى نوم
وقلت:
يعنفني في الدار صحبي على البكا فيا ويح قلبي من خلي وجاهل؟
وقالوا: أتبكي للمنازل؟ قلت: لا ولكنما أبكى لأهل المنازل
وقلت:
حيي ربوعك من ربى ومنازل ساري الغمام بكل هام هامل
وسقتك يا دار الهوى بعد النوى وطفاء تسفح بالهتون الهاطل
حتى تروض كل ماح ما حل عاف، وتروى كل ذاو ذابل
أبكيك، أم أبكى زماني فيك، أم أهليك، أم شرخ الشباب الزائل
ما قدر دمعي إن تقسمه الجوى والوجد بين أحبة ومنازل؟
أنفقته سرفًا وهأنا ماثلٌ في ماحلٍ أبكى بجفن ما حل
وإذا فرغت إلى العزاء دعوت من لا يستجيب، ورمت نصرة خاذل
وقلت:
أنظر منازل آل منقذ إنها عظمة اللبيب، وعبرة للناظر
كانوا بها في نعمة محروسة بمكارم وذوابلٍ وبواتر
ما رامها ملك ولا ذو قدرة إلا انثنى عنها بقلب طائر
متلهفًا ما اسطاعها، ومن الذي يلج العرين على الهزبر الخادر؟!
فأصابها قدر فأهلك من بها وأعاد شامخها كرسم داثر
فإذا ذكرتهم عرتني حسرة تمرى سحائب دمعي المتبادر
وقلت:
يا منزلًا كان فيه العز مقترنا بالسيف، والمال مقرونًا إلى الكرم
من خاف جورًا وعدمًا ثم لاذ به لاقى الأمانين من جور ومن عدم
أفنت حماتك أحداث الزمان، فيا لله من فتكها بالأسد في الأجم!
أعيت مناواتهم غلب الملوك إلى أن جاءهم قدر قد خط بالقلم
"فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" كأن ما خولوه كان في الحلم
ولم تدع منهم إلا حديثهم كما تحدث عن عاد وعن إرم
فيا لقلبي لأحزان أكاتمها عليهم، ولدمع غير مكتتم!
وقلت:
غاضت دموعي في المنازل وارعوى صبري، وراجعني الرقاد النافر
إن لم أسح بها سحائب أدمع ينجاب خشيتها الغمام الباكر
أأحمل الأطلال منة عارض وسحاب دمعي مستهل ماطر؟!
إني إذن بشؤون عيني باخل وبعهد من سكن المنازل غادر
وقلت:
إن لم تطيقا يوم رامه أن تسعدا، فذرا الملامه
عنفتماني أن وقف ت بمنزل أقضى ذمامه
وشكوتما من وقفة
فيه
الكلالة والسآمه
هو منزل الأحباب لم يدع البلى إلا رمامه
وعلى حق أن تصافح سحب أجفاني رغامه
وأبيكما لأروي ن ولو بسح دم أوامه
فإلام لومكما؟ أفي رعي العهود على آمه؟!
وقلت:
هذي منازلهم وأن ت بهم معنى مغرم
فاسفح دموعك في ثرا ها أو يمازجها الدم
[ ٧ ]
واسأل بهم صرف الزما ن فإنه هو أعلم
يخبرك أن القوم قد قدموا على ما قدموا
وغدا نخيم حيث حل لوا في القبور وخيموا
وقال مهيار:
أنظر معي، فهي نظرة أمم أعلم السفح ذلك العلم؟!
أنت بريء مما تشبهه الع ين، وطرفي بالدمع متهم
يطربني اليوم للمنازل ما أس أر عندي أيامها القدم
ويطبيني على فصاحة شك
واي إليها
ربوعها العجم
على يا دار جهد عيني وما على عار أن تبخل الديم
لك الرضا من جمام أدمعها أو دمها إن سقى ثراك دم
وقال أيضًا:
لها منزل بالغور بين مفدن مشيد ومنشور البساط مروض
حبست به أبغي الحياة لقاتلي غرامًا، وأدعو بالشفاء لممرضي
رأت شيبة ما صرحت لعوارضي فصرح بالهجران كل معرض
وقالت: أشيخ؟ قلت: كهل، فأطرقت وقالت: أمام الشيب إنذار منبض
نبا عنك بعد الشيب قلبي وناظري ومن أين يصفو أسودان لأبيض؟!