قال ﵎: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) . قيل: نحييهم بالإيمان بعد الكفر، وقيل: بالبعث، "ونكتب ما قدموا": ما عملوا من خير أو شر. "وآثارهم" ما أثروا من سنة حسنة، وسيرة يعمل بها بعدهم، وقيل: "آثارهم": خطاهم إلى المساجد.
وروى سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري - ﵏ - قال: "كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقال لهم النبي: "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا.
وقد روى عن أبي سعيد الخدري - ﵀ - أن بني سلمة شكوا إلى النبي ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فأنزل الله سبحانه: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) فقالوا: عليكم منازلكم، فإنما تكتب آثاركم.
وقال عمر بن عبد العزيز - رضوان الله عليه -: لو كان الله تعالى مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفوها الرياح. يعني قوله ﷿: (إنا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم) .
قال الأحوص:
ضوء نار بدا لعينيك أم شب بت بذي الأثل من سلامة نار
تلك بين الرياض والأثل والبا نات منا ومن سلامة دار
وكذاك الزمان يذهب بالنا س، وتبقى الرسوم والآثار
وقال المتنبي:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى فيها، وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتقنع
أين الذي الهرمان من بنيانه؟ ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟!
تتخلف الآثار عن أربابها=حينًا، ويدركها الفناء فتتبع وللبيد بن ربيعة السبق إلى هذا المعنى الذي قصده الأحوص بقوله:
فعفا آخر الزمان عليهم فعلى آخر الزمان الدمار
وكذاك الزمان يذهب بالنا س وتبقى الرسوم والآثار
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
سلام على الأطلال والمنزل القفر وإن كان لا يعنيه وصلي ولا هجري
ولكن آثار الأحبة بينها بلين، وما تبلى البلابل في صدري
وقال البحتري:
لا تأمرني بالعزاء، وقد ترى أثر الخليط، ولات حين عزاء
زدني اشتياقًا بالمدام وغنني أعزز علي بفرقة القرناء
فلعلني ألقى الردى فيريحني عما قليل من جوى البرحاء
وقال أبو الفرج الواواء:
لمن أسائل لا رسم ولا أثر رحلتم وأقام الدمع والسهر
كنتم لعيني صباحًا لا مساء له فعاضها البين ليلا ماله سحر
وما أعاب بشيء بعد فرقتكم غير البقاء فإني منه أعتذر
وقال علي بن أحمد بن أبي أمية الكاتب:
يا ريح ما تصنعين بالدمن كم لك من محو منظر حسن
محوت آثارنا وأحدثت آثا رًا بربع الحبيب لم تكن
إن تك يا ربع قد بليت من الر يح فإني بال من الحزن
قد أوردت هذه الأبيات بتمامها وخبرها في فصل المغاني.
وقلت:
أعاضني الدهر من رؤياكم نظري آثاركم، وبرغمي ذلك العوض
ثم استقال فقد أضحت موانعه دون التداني من الآثار تعترض
فقل لمن يمنع الحل المباح غدًا توفى وحقك ما أصبحت تقترض
وقال مهيار:
عمي صباحًا بعدنا وانعمي يا دار صفراء على الأنعم
[ ٤٥ ]
دعاء من أقنعه البين بع د العين بالآثار والمعلم
بكى النوى أمس، فلم يدخر دمعًا يفيض اليوم في الأرسم
خان بكاء العين أجفانه فناح، والنوح بكاء الفم
روى أن الأخطل سأل بكر بن وائل، فلما انتهى إلى بني غبر، فنزل بهم أبطئوا عليه، فقال:
تنزو الدجاج عليها وهي باركة ترجو عطاء سويد من بني غبرا
[عليها]: يعني ناقته
قبيلة كشراك النعل دارجة إن يهبطوا عفو أرض لا ترى أثرا
(يذمهم بالقلة والضعف) .
وقال آخر:
أرى آثاركم فأذوب شوقًا وأسفح في منازلكم دموعي
وأسأل من بفرقتكم بلاني يمن علي منكم بالرجوع
وقال القاضي أبو المجد بن سليمان - ﵀ -:
مررت بالدار وقد غيرت معالم منها وآثار
فقلت والقلب به لوعة
تحرقه، والدمع مدرار
:
أين زمان فيك خلفته وأين سكانك يا دار؟!
أجابت الدار على عيها:=إن سكوتي عنك إقرار
أما تراني اليوم من بعدهم مقفرة ما في ديار؟!
وقال آخر:
أعاد الدجى في الصبح من بعد فقدهم أم الحزن غطى ناظر العين بالدمع
وقفت على آثارهم فقريتها دموع اشتياق مثل منهمر الرجع
دموعًا جرت جريًا تحلل عقده غداة ربعنا بالهموم على الربع
سلام على قلبي فقد بان إثرهم وقد صم
إلا عن حديثهم
سمعي
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر كتابًا يوصيه فيه بمصالح ملكه، ثم قال له فيه: "اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء، فتخلق الأفعال، وتمحو الآثار، وتميت الذكر، إلا ما رسخ في القلوب بمحبة تتوارثها الأعقاب، فاجهد أن تظفر بالذكر الذي لا يموت، بأن تودع الناس محبة يبقى بها ذكر مناقبك".
وقال أبو [العلاء أحمد بن عبد الله] بن سليمان:
اتبع طريقًا للهدى لاحبًا وخل آثارًا بملحوب
أف لديناي، فإني بها لم أخل من هم وتعذيب
قلت لها: امضي غير مصحوبة فقالت: اذهب غير مصحوب