الأسر والحبس والإطلاق والنكبة وزوالها
وقال أبو تمام الطائي:
كيف السبيلُ وطوْد العزّ يرسخُ في قيدٍ لحلْقتهِ في الساقِ تغريدُ
يا من رأى حلْقتيْ قيدٍ تضمَّنهُ بحرٌ يفيضُ على العافينَ مورودُ
قيد ابن وهبٍ ولو قصَّرت خطوتهُ فالخطوُ منهُ إلى العلياءِ ممدودُ
لولا الإمامُ لفكَّ القيدَ ذو شطبٍ عليهِ للموتِ تصويبٌ وتصعيدُ
[ ٢٦٣ ]
وقال البحتري:
بقومي جميعًا لا أُحاشى ولا أكْنى أبو جعفرٍ تربُ العلى وحيا المزنِ
سحابٌ إذا أعطى شهابٌ إذا سطا لهُ عزَّةُ الهنديّ في هزَّةِ الغصنِ
لشهرِ ربيعٍ منه ما لا يفي بهِ جزاءٌ ولو كنَّا بأضعافهِ نثني
غداةَ غدا من سجنهِ البحرُ مطلقًا وما خلت أنَّ البحر يسجن في السجنِ
وليستْ لهُ إلاَّ السماحُ جنايةٌ إذا أُخذ الجاني ببعض الذي يجني
تقلقلَ منهُ في الحديدِ عزيمةٌ يكلُّ الحديدُ عن جوانبها الخُشنِ
فما فلَّ ريبُ الدَّهرِ من ذلك الشبا ولا زعزعَ المكروهُ من ذلك الركنِ
تجلَّى لنا من سجنهِ وهو خارجٌ كما ذرَّ قرنُ الشَّمس من خِلل الدَّجْنِ
وقال آخر:
جعلتُ فداكَ الدَّهر ليس بمنفكِّ من الحادث المشكوّ والنازل المُنكى
وما هذهِ إلاَّ منازلِ رحلة فمن منزل رحبٍ إلى منزل ضنكِ
وقد هذَّبتكَ الحادثاتُ وإنَّما صفا الذهبُ الإبريز قبلك بالسبكِ
أما في رسولِ اللهِ يوسفَ أُسوةٌ لمثلك محبوسًا على الضيم والضنكِ
أقامَ جميلَ الصبرِ في السجنِ برهةً فآل بهِ الصبرُ الجميلُ إلى المُلكِ
وقال آخر:
فلا تيأسنْ فالله ملَّك يوسفًا خزائنه بعد الخلاصِ من السجنِ
وقال أحمد أبو الطيب المتنبي:
كنْ أيُّها السجنُ كيف كنت فقدْ وطنتُ للموت نفس معترفِ
لو كانَ سكنايَ فيكَ منقصةً لم يكن الدّرُّ ساكنَ الصدفِ
[ ٢٦٤ ]
وقال علي بن الرومي:
ولقد رأيتكَ عاريًا مستعليًا ولقد رأيتكَ في الحديدِ مقيَّدا
إذ لم تزدك ولايةٌ في سؤددٍ كلا ولا أُخرى محتْ لك سؤددا
فكأنَّني بكَ قد نجوتَ محمدًا في النائباتِ كما غدوتَ محمدا
وطلعتَ كالسيفِ الحسامِ مجردًا للحقّ أوْ مثل الهلال مجردا
وقال آخر:
ولا بدَّ للمرءِ من محنةٍ لفتنة نعمائهِ نافيَهْ
ودولتكمْ قدْ جرتْ ريحُها مسدَّدة الجريِ لا هافيَهْ
ولا بدَّ للرِّيح من أن تكو نَ في بعضِ هبَّاتها سافيَهْ
فداكمْ من السوءِ ضدٌّ لكمْ مساويه باديةٌ خافيَهْ
فعزًّا وعافيةً غضَّةً وعمرًا إلى مئةٍ وافيَهْ
وقال علي بن الجهم:
قالوا حُبستَ فقلتُ ليس بضائري حبسي وأيُّ مهنَّدٍ لا يغمدُ
أوَ ما رأيتَ اللَّيثَ يألفُ غيْله كبرًا وأوباشَ السِّباعِ تردَّدُ
والبدرُ يدركهُ السِرارُ فتنجلي أيامهُ وكأنَّهُ متجدّدُ
والنَّارُ في أحجارها مخبوأةٌ لا تُصطلى ما لمْ تُثرْها الأزندُ
والغيثُ يحظرهُ الغمامُ فما يُرى إلاَّ وريّقهُ يراعُ ويُرعدُ
والزَّاعبيَّةُ لا يقيمُ كعوبَها إلاَّ الثقافُ وجذوةٌ تتوقدُ
[ ٢٦٥ ]
غِيرُ الليالي بادياتٌ عوَّدٌ والمالُ عارية يقادُ وينفدُ
ولكلِّ حالٍ معقبٌ ولربما أجلى لك المكروهُ عمَّا يُحمدُ
لا يُيئسنَّكَ من مفرّج كربةٍ خطبٌ رماكَ بهِ الزَّمانُ الأنكدُ
كمْ من عليلٍ قد تخطَّاهُ الرَّدى فنجا وماتَ طبيبهُ والعوَّدُ
صبرًا فإنَّ اليومَ يعقبهُ غدٌ ويدُ الخلافةِ لا تطاولُها يدُ
والحبسُ ما تغشهُ لدنيَّةٍ شنعاءَ نِعم المنزلُ المتودَّدُ
بيتٌ يجدّدُ للكريمِ كرامةً ويُزارُ فيهِ ولا يزورُ ويُحمدُ
وقال آخر:
إذا سلمتْ نفسُ الحبيبِ تشابهتْ خطوب الليالي سهلُها وشديدُها
فلا تجزعنْ لما رأيتَ قيودَها فإنَّ خلاخيلَ الرِّجالِ قيودُها
وقال أيضًا علي بن الجهم:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة إلاَّ ثنين مسبوقًا ولا مجهولا
نصبوا بحمدِ اللهِ ملءَ عيونهمْ فضلًا وملءَ قلوبهمْ تبجيلا
ما ضرَّهُ أن بُزَّ عنهُ غطاؤهُ والسيفُ أهيبُ ما يُرى مسلولا
إن يسلبوهُ المالَ يحزن فقده ضيفًا ألمَّ وطارقًا ونزيلا
أوْ يحبسوهُ فليسَ يُحبس خالعٌ من شعرهِ يدعُ العزيزَ ذليلا
إنَّ المصائب ما تخطَّتْ دِينهُ نِعمٌ وإن صعُبتْ عليهِ قليلا
[ ٢٦٦ ]
والله ليسَ بغافلٍ عن أمرهِ وكفى بربّك ناصرًا وكفيلا
إنْ تسلبوهُ وإنْ سلبتم كلما خوَّلتموهُ وسامة وقبولا
هلْ تملكون لدينهِ ويقينهِ وجنانهِ وبنانهِ تبديلا
لمْ تنقصوهُ وقدْ ملكتمْ ظلمهُ ما النقصُ إلاَّ أنْ يكون جهولا
كادتْ تكون مصيبة لو أنَّكمْ أوضحتمُ ذنبًا عليهِ جليلا
إن كانَ سفَّ إلى الدنيئة أوْ رأى غير الجميل من الأمورِ جميلا
لو تنصف الأيامُ لم تعثرْ بهِ إذ كانَ من عثراتهنَّ مقيلا
وكتب الحسن بن وهب إلى أخيه:
خليليَّ من عبدِ المدانِ تروَّحا وفضَّا صدورَ العيسِ حسرى وطلَّحا
فلا يهنئ الأعداءَ حبسُ بن حرَّةٍ إذا نسبوهُ كانَ أندى وأسمحا
وأنهضَ في الأمرِ الجميلِ بنفسهِ وأقرعَ للبابِ الجميلِ وأفتحا
وقولا لهمْ صبرًا جميلًا وأصبحوا فما أقربَ الليل البهيمِ من الضُّحى
وقال الوزير المهلبي:
وجدوا عودَ أبي الصق رِ على الغمز صليبا
كلما زادوا عذابًا زادهم صبرًا عجيبا
وكذا المسكُ إذا ما زادَ سحقًا زادَ طيبا
وقال أبو إسحاق الصابئ:
محنُ الفتى تجري على فضل الفتى كالنَّار مخبرةً بفضلِ العنبرِ
وقال آخر:
والرمحُ ينآد حينًا ثمَّ يعتدل والجمرُ يخمد حينًا ثمَّ يشتعلُ
وقال أحمد بن عضد الدولة:
[ ٢٦٧ ]
هبِ الصَّبر أرضاني وأعتب صرفُه وأعقب بالحسنى من الحبس والأسرِ
فمن لي بأيام الشَّباب التي مضتْ ومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري
وقال أبو الفتح البستي:
حبستَ ومن بعد الكسوف تبلجٌ تضيء بهِ الآفاقُ للبدر والشمسِ
فلا تعتقدْ للحبس همًّا ووحشةً فأولُ كون المرءِ في أضيق الحبسِ
وقال علي بن الرومي:
سلبتْهُ الخطوب ما في يديه وله من تجملٍ أثوابُ
وإذا الصبرُ والتجملُ داما للفتى الحرِّ هانت الأسلابُ
وقال آخر:
إنَّ في الأسر لصبًا دمعه في الخدِّ سكبُ
هو في الأسرِ مقيمٌ وله في الشام قلبُ
وقال آخر:
من كانَ سُرَّ بما عرا ني فليمتْ ضرًّا وهزلا
ما غضَّ مني حادثٌ والقرم قرمٌ حيثُ حلاَّ
أنَّى حللتُ فإنَّما يدعونني السيفَ المحلَّى
ما كنتُ إلاَّ السيف زا د على صروفِ الدَّهر صقْلا
وقال آخر:
لا رعى اللهُ يا خليليَّ دهرًا فرَّقتْنا صُروفهُ تفريقا
بتُّ أبكيكُما وإنَّ عجيبًا أن يبيت الأسيرُ يبكي الطليقا
وقال أبو إسحاق الصابئ:
وربَّ طليقٍ أعتقَ الذُّلُّ رقَّهُ ومُعتقلٍ دهرًا وقد عزَّ جانبُهْ
[ ٢٦٨ ]
وكتب إبراهيم بن المدير إلى أخيه وهو في الحبس:
أبا إسحاقَ إنْ تكن الليالي عطفنَ عليكَ بالخطبِ الجسيمِ
فلمْ أرَ صرفَ هذا الدَّهر ينحو بمكروهٍ على غيرِ الكريمِ
وقال آخر:
أنا بينَ إخوانٍ لنا قد أُوثقوا بجوامع وسلاسلٍ وقيودِ
ومُوكلين بنا نذلُّ لغيرهمْ فكأنَّنا لهمُ عبيدُ عبيدِ
واللهِ ما سمعَ الأنامُ ولا رأى نفرًا يوكَّل فيهمُ بأُسودِ
من كلِّ حرٍّ ماجدٍ صنديدِ في كفِّ وغدٍ عاجزٍ رعديدِ
قصرت خُطاه خلاخلًا من قيدهِ فتراهُ فيها كالفتاةِ الرّودِ
وقال البحتري:
ألمْ ترَ للنوائبِ كيفَ تسمو إلى أهلِ النوافلِ والفضولِ
وكيفَ تروم ذا الشرف المعلَّى وتخطو صاحب القدر الضئيلِ
وما تنفكُّ أحداثُ الليالي تميلُ على النباهةِ للخُمولِ
وقال آخر:
قالوا اعتقلتَ بلا جرمٍ فقلتُ لهمْ الغيثُ يرسلُ أحيانًا ويعتقلُ
لا تجزعنَّ لما تأتيكَ من نوبٍ فإنَّها دولٌ لا شكَّ تنتقلُ
وقال البحتري:
أصابَ الدَّهرُ دولةَ آل وهبٍ ونالَ الليلُ منها والنَّهارُ
أعارهمُ رداءَ العزّ حتَّى تقاضاهمْ فردُّوا ما استعاروا
وقدْ كانوا وأوجهُهمْ بدورٌ لمختبطٍ وأيديهمْ بحارُ
وقال أيضًا:
[ ٢٦٩ ]
وما كانَ هذا الهولُ إلاَّ غمامةً بدا طالعًا من تحتِ ظلمتها البدرُ
فإنْ تنسَ نُعمى اللهِ فيك فقد لها أضعتَ وإنْ تشكر فقد وجب الشكرُ
وقال أيضًا:
بالقصر لا بمليكِ القصرِ نازلةٌ أضحى لها وهوَ طلقُ الوجه جذلانُ
تفاءلَ الناسُ واشتدَّت ظنونهمُ والفألُ فيهِ لبعضِ الأمرِ تبيانُ
وأيقَنوا أنَّ تنويرَ الحريقِ هو الدُّ نيا تملَّكها والنارُ سلطانُ
وقال أيضًا:
لعدوكَ الحربُ الجليلُ الواقعُ ولمنْ يكايدكَ الحِمامُ الفاجعُ
قلنا لِعًا لمَّا عثرْتَ ولم تزلْ نوبُ الليالي عنكَ وهي رواجعُ
ولربَّما عثر الجوادُ وشأوهُ متقدمٌ ونبا الحسام القاطعُ
لم تظفرِ الأعداءُ منكَ بزلَّةٍ والله دونكَ حاجزٌ ومُمانعُ
إحدى الحوادث شارفتكَ فردَّها دفعُ الإلهِ وصنعهُ المتتابعُ
دلَّتْ على رأي الإمام وأنَّهُ قلقُ الجوابِ لما أصابك جازعُ
ما حال لونٌ عند ذاك ولا هفا عزمٌ ولا راعَ الجوانح رائعُ
حتى برزْتَ لنا وجأشك ساكنٌ من نجدةٍ وضياءُ وجهك ساطعُ
خبرٌ يسوءُ الحاسدينَ إذا بدا وأعادَ فيهِ محدثٌ أوْ سامعُ
سارتْ بهِ الرُّكبانُ عنك فربَّما كنتَ الحسود لك الحديث الشائعُ
[ ٢٧٠ ]