مفعولن كما جاز في ضربه - وهي القافية - وذلك قوله " ممطوله " فأما جعله مفاعلن في موضع مستفعلن الثانية في البيت فذلك جائز من الزحاف، وقد غير قومٌ هذه اللفظة في البيت - وهي ممنوع - فقالوا " بمنوعٍ مبتغاها " أي: حلأتنا عن حاجة بمانعٍ منع مبتغاها من عائقٍ أووالٍ عليها، ويكون " بمتغاها " في موضع نصب بمنوع، وهو محتمل.
قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ بن يحيى الآمدي:
وأنا أذكر بإذن الله الآن في هذا الجزء المعاني التي يتفق فيها الطائيان؛ فأوزان بين معنى ومعنى، وأقول: أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطالبني أن أتعدى هذا إلى أن أفصح لك بأيهما أشعر عندي على الإطلاق، فإني غير فاعل ذلك؛ لأنك إن قلدتني لم تحصل لك الفائدة بالتقليد، وإن طالبت بالعلل والأسباب التي أوجبت التفضيل، فقد أخبرتك فيما تقدم بما أحاط به علمي من نعت مذهبيهما، وذكر مساويهما في سرقة معاني الناس وانتحالها، وغلطهما ف يالمعاني والألفاظ، وإساءة من أساء منهما في الطباق والتجنيس والاستعارة، ورداءة النظم واضطراب الوزن، وغي رذلك مما اوضحته في مواضعه وبينته، وما سيعود ذكره في
[ ١ / ٤١٠ ]
الموازنة من هذه الأنواع على ما يقوده القول وتقتضيه الحجة، وما سنراه من محاسنهما وبدائعهما وعجيب اختراعهما؛ فإني أوقع الكلام على جميع ذلك وعلى سائر أغراضهما ومعانيهما في الشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد وأفضله على الردئ، وأبين الرئ وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التلخيص، وتحيط بع العبارة، ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته، وقلت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبلٌ لتلك الطباع وامتزاج بها، وإلا فلا يتم ذلك، ثم أكلك بعد ذلك إلى اختيارك، وما تقضى عليه فطنتك وتمييزك، فينبغي أن تنعم النظر فيما يرد عليك، ولن ينتفع بالنظر إلا من يحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمل علم، ومن إذا علم أنصف.
ثم إن العلم بالشعر قد خص بأن يدعيه كل أحد، وأن يتعاطاه من ليس من أهله؛ فلم لا يدعي أحد هؤلاء المعرفة بالعين والورق والخيل والسلامح والرقيق والبز والطيب وأنواعه؟ ولعله قد لابس من أمر الخيل وركوبها
[ ١ / ٤١١ ]
والسلاح والعلم بذلك أو الرقيق واقتنائه أو الثياب ولبسها أو الطيب واستعماله أكثر مما دعاناه من أمر الشعر وروايته؛ فلا يتهم نفسه في المعرفة بالشعر تهمته إياها بالمعرفة ببعض هذه الأشياء مما عاناه وتناوله، وما باله وقد ركب الخيل كثيرًا لما راقه من الفرس ملاحة سبيبه، واستدارة كفله، وبريق شعره، وحسن إشراقه وجودة خصره - توقف عن ابتياعه حتى يشاور من يخبره عن عتقه، وموضع نتاجه، وصحة قوائمه، وسلامة أعضائه، وبراءته من العيوب الظاهرة والباطنة، وكذلك السيف لما بهره جلاؤه، وصقاله وصفاء حديدته - لم يمض فيه اختياره على غيره من السيوف، حتى شاور من يعرف حسنه وطبعه وجوهره وفرينده ومضاءه، وكذلك لم أهجبه من ثوب الوشى حسن طرزه، وكثرة صوره، وبديع نقوشه، واختلاط ألوانه - لم يبادر إلى إعطاء ثمنه حتى رجع إلى أهل العلم بجوهره وكثرة مائه وجودة رقعته وصحة نساجته وخلاص إبريسمه.
[ ١ / ٤١٢ ]
فكيف لم يفعل مثل ذلك بالشعر لما راقه حسن وزنه وقوافيه، ودقيق معانيه، وما يشتمل عليه من مواعظ وآداب وحكم وأمثال؛ بم يتوقف عن الحكم له على ما سواه حتى يرجع إلى من هو أعلم منه بألفاظه، واستواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه، وكثرة مائه ورونقه؛ إذ كان الشعر لا يحكم له بالجودة إلا بأن تجتمع هذه الخلال فيه. ألا ترى أنه قد يكون فرسان سليمين من كل عيب، موجودٌ فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال، المتقاربتان في الوصف، السليمتان من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق، حتى يجعل بينهما في الثمن فضلا كبيرا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على صاحبه؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كل واحد منهما بطبعه، وكثرة دربته، وطول ملابسته. فكذلك الشعر: قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحدًا، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفًا.
وقد ذكر هذا المعنى بعينه محمد بن سلام الجمحي وأبو علي دعبل بن علي الخزاعي في كتابيهما.
[ ١ / ٤١٣ ]
وحكى إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم: أخبرني عن معرفة النغم وبينها لي، فقلت: إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة.
قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا وفضل هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان.
وقد قيل لخلفٍ الأحمر: إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر، وتقول: هو ردئ، والناس يستحسنونه! فقال: إذا قال لك الصيرفي إن هذا الدرهم ظائفٌ فاجهد جهدك أن تنفقه فإنه لا ينفعك قول غيره: إنه جيد.
فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة له أن يقضي له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه، وأن يسلم له الحكم فيه، ويقبل منه ما يقوله، ويعمل على ما يمثله. ولا ينازع في شيء من ذلك؛ إذ كان من الواجب أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم، ولا يخاصمهم فيها، ولا ينازعهم إلا من كان مثلهم نظرًا في الخبرة وطول الدربة والملابسة؛
[ ١ / ٤١٤ ]
فإنه ليس في وسع كل أحدٍ أن يجعلك - أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم - في العلم بصناعته كنفسه، ولا يجد إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن هو أخص الناس به سبيلا، ولا أن يأتيك بعلة قاطعة، ولا حجة باهرة، وإن كان ما اعترضت فيه اعتراضًا صحيحًا وما سألت عنه سؤالا مستقيما؛ لأن مالا يدرك إلا على طول الزمان ومرور الأيام لا يجوز أن تحيط به في ساعةٍ من نهار.
نم إن العلم بالذي لا يعلم به في أكثر أحواله إلا بالرؤية والمشاهدة لا يعرف حق المعرفة بالقول والصفة، وقد قيق: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى ذلك بينة واضحة، ومعلومة ظاهرة، وهي أنه لا يمكن أن يشاهد بك جميع المعلومات التي احتواها وعلم علمه منها بملابستها في السنين الطويلة؛ فمن المحال أن يقدر أن يصف لك عشرة آلاف فرسٍ أو عشرة آلاف جارية أو عشرة آلاف سيف مختلفات الأجناس والجواهر والأوصاف فيجعلك مشاهدًا لذلك كله في لحظة واحدة ووقت واحد، ومخبرًا لك بكل علة وكل حجة وكل نعتٍ وصفة في كل نوع من ذلك وكل جنس في تلك الساعة، وهو إنما علم ذلك على مرور
[ ١ / ٤١٥ ]
الأيام وطول الزمان. وهذا مجال لا يمكن ولا يسوغ ولا يقدر عليه إلا خالق الخلق وبارئ النسم.
وبعد؛ فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي، وتعرفنا من أين طرأ عليك العلم بالشعر، أمن أجل أن عندك خزانة كتب تستمل على عدة من دواوين الشعراء وأنك ربما قلبت ذلك أو تصفحته أو حفظت القصيدة أو الخمسين منه؟ فإن كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك، فلم لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقاتك؟ فإنك دأبًا تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده حتى إذا رمت تصريف دينار بدراهم أو تصريف دراهم بدينار أو ابتياع ثوبٍ أو شيء من الآلة لم تثق بفهمك ولا علمك حتى ترجع إلى من يعرف ذلك دونك فتستعين به على حاجتك؟ ولم لما خفت الغبينة في مالك فأذعنت وسلمت وأقررت بقلة المعرفة، ولم تخش الغبينة والوكس في عقلك فتسلم العلم بالشعر إلى أهله؟ فإن الضرر في غبن العقل أعظم من الضرر في غبن المال.
فإن قلت: وما العلم بالخيل والبز والرقيق والذهب والفضة التي لم
[ ١ / ٤١٦ ]
يطبع الإنسان على المعرفة بها والعلم بجيدها ورديئها كما طبع على الكلام؛ فكان كل أحد يكون متكلما، وليس كل أحد صيرفيا ولا بزازًا ولا نخاسًا؟.
قيل: ولا كل أحد يكون شاعرًا، ولا خطيبًا، ولا منطيقا بليغا، ولا بارعا، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت أحدًا يتكلم فيستحسن كلامه، وآخر يتكلم فيضحك منه؛ فالإنسان المتكلم يعلم معاني ألفاظ لغته، ولا يعلم جيدها من رديئها، ومتخيرها من مرذولها، كما أنه يعلم أيضًا أنواع الثياب والجواهر والخيل والرقيق، ويميز بين أجناسها، ولا يعلم جيد كل جنس من رديئه، وأرفعه من أدونه، فكما أن المعرفة بكل جنس من هذه صناعة، فكذلك المعرفة بكل جنس من أجناس الكلام والشعر والخطابة صناعة، فإذا رجعت ف يالمرعفة بتلك إلى أهلها فارجع أيضًا في المعرفة بهذه إلى أهلها.
وبعد؛ فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بأمر هذه الصناعة أو الجهل بها، وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فإن عرفت علة
[ ١ / ٤١٧ ]
ذلك فقد علمت، وإن لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بأن تتأمل شعري أوس بن حجر والنابغة الجعدي؛ فتنظر من أين فضلوا أوسًا، وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم ابن أبي بن مقبل، فتنظر من أين فضلوا بشرا. وأخبرني بعض الشيوخ عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل أن سائلا سأله عن الراعي وذى الرمة أيهما أشعر، فصاح عليه صيحة منكرة: أي لا يقاس ذو الرمة بالراعي، وكذلك غير المفضل لا يقيسه به ولا يقارب بينهما، فتأمل أيضًا شعري هذين فانظر من أين وقع التفضيل؛ فهذا الباب أقرب الأشياء لك إلى أن تعلم حالك في العلم بالشعر ونقده. فإن علمت من ذلك ما علموه، ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموه وأخروا من أخروه؛ فثق حينئذ بنفسك، واحكم يستمع حكمك وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة، ثم إن كنت شاعرا فلا تظهر شعرك، واكتمه كما تكتم سرك، فإن قلت إنك قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل
[ ١ / ٤١٨ ]
ذلك منك حتى تذكر العلل والسباب، فإن لم تقدر على تلخيص العبارة عن ذلك حتى تعلم شواهد ذلك من فهمك ودلائله من اختياراتك وتمييزك بين الجيد والردئ.
ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بأن شارفت شيئًا من تقسيمات المنطق، وجملا من الكلام والجدال، أو علمت أبوابًا من الحلال والحرام، أو حفظت صدرًا من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية، وأنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع معاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدت فيه وميزت - ظننت أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتك عليه نفذت فيه، وكشفت لك عن معانيه، وهيهات! لقد ظننت باطلا، ورمت عسيرًا؛ لأن العلم - أي نوع كان - لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإكباب عليه، والجد فيه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه، ثم قد يتأتى جنسٌ من العلوم لطالبه وبتسهيل عليه، ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله، وما في طاقته تعلمه؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك.
[ ١ / ٤١٩ ]