حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، عن التوّزى، عن أبى عبيدة عن الهفتى، وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سعيد النحوى، عن التوزى، عن الأصمعى- أن العجاج دخل على الوليد بن عبد الملك فأنشد «٤٠»:
كم قد حسرنا من علاة عنس
فصار إلى قوله «٤١»:
بين ابن مروان قريع الإنس وابنة عباس قريع عبس «٤٢»
فقال له الوليد: ما صنعت شيئا؛ أنشدنى [١١١] غير هذا. فأنشده «٤٣»:
وقد أرانى للغوانى مصيدا ملاوة كأنّ فوقى جلدا «٤٤»
_________________
(١) هو عبد الله بن رؤبة، من بنى مالك بن سعد. لقى أبا هريرة، وسمع منه أحاديث وقال له سليمان بن عبد الملك: إنك لا تحسن الهجاء. فقال: إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم. وهو من أشهر رجاز العرب، وانظر رجزه فى أراجير العرب. وترجمته فى الشعر والشعراء ٥٧٢، وخزانة الأدب ١- ٩١.
[ ٢٧٥ ]
فقال: مصيدا وجلدا! لم تصنع شيئا، أفرغت مدحك فى عمر بن عبيد الله بن معمر، إذ قلت- وقال الأصمعى: فقال له: أتقول فى ابن معمر:
حول ابن غراء حصان إن وتر فاز وإن طالب بالوغم «٤٥» اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر
وتقول فى:
بين ابن مروان قريع الإنس وابنة عباس قريع عبس
فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن لكل شاعر غربا، وإن غربى ذهب فى ابن معمر. وقال أبو عبيدة: فقال: فإنّ لكلّ شاعر حمة، وكانت هذه الأرجوزة حمتى فقذفتها.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، عن أبى عبيدة، قال:
حدّث عبيد الله بن عمر أبا عمرو بن العلاء- وأنا أسمع، ويونس إلى جنبى- قال:
وفدءت إلى الوليد بن عبد الملك؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: حدثنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، عن أبى عبيدة، قال: سمعت عبيد الله بن عمر القرشى- أخا عثمان بن عمر القرشى قاضى المنصور- يحدّث أبا عمرو بن العلاء، قال: وفدت إلى الوليد بن عبد الملك فبينما أنا قاعد عنده دخل عليه العجاج فأنشده:
أمسى الغوانى معرضات صدّدا وقد أرانى للغوانى مصيدا
ملاوة كأنّ فوقى جلدا
قوله: ملاوة: مدة من الدهر. والجلد: أن يموت ولد الناقة فتمنع درها فيؤخذ جلد فصيل فيحشى تبنا- وهو البوّ- فيوضع بين يديها فتنكره بعينها وترأمه بقلبها فتدرّ؛ فقال له الوليد: أمّا لعمر بن عبيد الله بن معمر فتقول «٤٦»:
حول ابن غراء حصان إن وتر فات وإن طالب بالوغم اقتدر
[ ٢٧٦ ]
وأما لأمير المؤمنين فتقول:
أمسى الغوانى معرضات صدّدا
فقال: أمهلنى يا أمير المؤمنين. فأمهله فلشهدته ينشده «٤٧»:
قد علم القدّوس مولى القدس أنّ أبا العبّاس «٤٨» أولى نفس
بمعدن الملك القديم الكرس «٤٩» بين ابن مروان قريع الإنس
وابنة عبّاس قريع عبس إمام رغس «٥٠» فى نصاب رغس [١١٢]
يقال رغسه الله إذا نما وكثر خيره. فقال: قد أحسنت وليست إليها. قال: يا أمير المؤمنين، إنما كانت حمة منى، لا أعود والله لها. قال أبو عبيدة: فقال لى يونس- وهو شاهد للحديث يسرّ إلى: أتصدّق بهذا؟ ما كان من هذا شىء قط، ولا كان الوليد يحسنه. قال عمر بن شبة: ولا أحسب يونس إلّا قد صدق، كان الوليد لحّانا، وكان عبد الملك يعتذر من ذلك ويقول: شغلنا حبّ الوليد عن تأديبه، لكن هذا سليمان فاسألوه عما شئتم.
يقال حمة الحرّ، وفوعة الحر؛ أى شدته.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٥١»، قال: أخبرنى سلمة بن عيّاش، قال: قلت لرؤبة يوما: أبوك أشعر منك قال: أنا أشعر منه، هو يقول «٥٢»:
وخندف هامة هذا العالم
قال ابن سلام: وقبل هذا البيت:
وغاية الناس وأهل الحكّم عند كريم منهم مكرّم
مبارك للأنبياء خاتم
[ ٢٧٧ ]
فأفرط وجاوز السناد مع حذقه؛ لأنه ساند فى بيتين سنادا فاحشا آخذه الناس عليه.
قال: وقال العجاج «٥٣»:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وهى لغة لهم. سمعت أبا عون الحرمازى يقول «٥٤»: ليت أباك منطلقا، وليت زيدا قاعدا. وأخبرنى- أنّ منشأه «٥٥» بلاد العجّاج فأخذها عنهم.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان رؤبة يغمص على أبيه فى قوله «٥٦»:
يا دار سلمى يا اسلمى ثمّ اسلمى بسمسم أو عن يمين سمسم
ثم قال فيها:
فخندف هامة هذا العالم
ثم قال فيها:
محمد للأنبياء خاتم
وكان يرى هذا عيبا، وهو عيب شديد.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا أبو عثمان، عن أبى عبيدة، قال: قال رؤبة ليونس: أنا أشعر من أبى. قال: بل أبوك أشعر منك. قال:
أبى يقول: «يا دار سلمى » وذكر الأبيات كما قال عمر بن شبة.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: سمعت أبا محمد التوزى يقول عن أبى زيد: سمعت رؤبة يقول: أنا أشعر أم أبى؟ فقلنا له: أنت أشعر من أبيك، أبوك الذى يقول: يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى ثم قال [١١٣]:
فخندف هامة هذا العالم
قال: إنه كان فى لغة أبى العألم والخأتم- مهموزان.
[ ٢٧٨ ]
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: سئل الأصمعى عن بيت العجاج:
غير ثلاث فى المحلّ صيّم
وأصله الواو «٥٧» . قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: سألت رؤبة عن هذا فقال تيه به فى المتّيهين؛ هو صوم.
قال الأصمعى: وأنشدنى عقبة بن رؤبة «٥٨»:
ودغية «٥٩» من خطل مغدودن «٦٠»
وإنما هو دغوة، يقال: فلان ذو دغوات، أى سقطات.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت يونس يقول: كان رؤبة عندى، فقال له رجل: ما معنى قول العجاج:
وحبس الناس الأمور الحبّسا
فقال له رؤبة: قلبه. ويلك!