ذلك بذوقه غير مستعين بمعلم ولا مرشد، وقد ذكر ذلك عن نفسه في مقدمة كتابه النظرات حين سئل كيف يكتب رسائله، فزعم أنه ما استطاع أن يكتب تلك الرسائل التي يعلمونها بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون له الفضل فيه، إلا لأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء. ولأنه عمد إلى كتب الأدب فأكثر القراءة فيها، وأحب الأدب حبا جما ملأ ما بين جوانحه، فلم تكن ساعة من الساعات أحب إليه ولا آثر عنده من ساعة يخلو فيها بنفسه، ويمسك عليه بابه، ثم يسلم نفسه إلى كتابه، فيخيل إليه كأنه قد انتقل من هذا العالم الذي هو فيه إلى عالم آخر من عوالم التاريخ الغابر، فيشاهد بعينيه تلك العصور الجميلة عصور العربية الأولى، ويرى العرب في عصور بداوتهم وحضارتهم وألوان حياتهم. وزعم في تلك المقدمة أنه كان لا يحول بينه وبين تلك السعادة التي كان يلقاها في مطالعة هذه الكتب إلا بعض شيوخه الذين لا يرون رأيه فيها، وهم لا يعلمون أنهم حسنة من حسنات الأدب هم وجميع ما يدور به جدار
[ ١ / ٢ ]
مسجدهم. وأخذ بعد ذلك يفند أثر الأدب في العلوم اللغوية والدينية وغيرها بحيث استنفذ من النظرات ما يقرب من أربعين صفحة.
كان ابن ثلاث عشرة سنة حين دخل الأزهر، واتصل وهو فيه بالإمام الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه في سنيه الأخيرة، وتلقى عنه دروسه العلمية والدينية التي كان يلقيها الشيخ على الطلبة، وذكروا عنه أنه كان من أنجب تلاميذه، فأحبه محمد عبده وأصبح المنفلوطي من أخص أصدقائه، وكان الشيخ يجله ويعجب به كثيرا، وحين أخذ بعض علماء الأزهر يقاومون الإمام محمد عبده وطرقه في تعليم الدين، والتفسير انبرى المنفلوطي يدافع عنه وينقذهم وينقذ طرقهم، ولما توفي الشيخ الإمام حزن عليه المنفلوطي حزنا عظيما ورثاه وانقطع عن الأزهر دون أن يحصل على شهادة العالمية منه، وعاد إلى بلده منفلوط فعاش فيها بضع سنين مشتغلا بأعماله الخاصة.
ثم بدأ في سنة ١٩٠٧ بمراسلة جريدة المؤيد برسائله التي كان ينشرها أسبوعيا تحت عنوان
[ ١ / ٣ ]
الأسبوعيات ثم تحت عنوان النظرات، فكانت هذه الرسائل مبدأ شهرته؛ وذلك لجودة إنشائها وبلاغة أسلوبها، واستمر ينشرها نحو عامين.
ومع أن الصحافة هي التي فتحت له أبواب الشهرة، وعرفت القراء بأسلوبه الشيق وأدبه الرفيع، فإنه لم يكن راضيا عنها ولا عن أصحابها. وقد ترك عمله فيها كما سنرى.
وقبل أن يطبع الجزء الثاني من نظراته ورد إليه كتاب من أديب يعمل في دائرة من دوائر الحكومة، ويتناول معاشا لا بأس به، ويذكر له صاحبنا في هذا الكتاب عن نفسه أن رفاقه يقدرون أدبه، وقد أشاروا عليه أن يستقيل ويشتغل بالصحافة، وهو يلتمس منه أن يشير عليه بما يرى. فكان في جوابه إليه ما يدل على نقمته الشديدة على الصحافة -قال: "أيها الرجل لا تفعل! فإنك إن فعلت خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك مستقبلك، فاحذر أن يخدعك عنك خادع واربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين". وحمل في رسالته إليه التي نشرها في النظرات حملة شديدة
[ ١ / ٤ ]
على أرباب الصحف. وأبدى شفقته وعطفه على أولئك المحررين الذي يكتبون في إدراة الجرائد وتنقضي حياتهم في ذل وضرع ونفاق ورياء إرضاء لمديري الصحف وأصحابها، وعاد باللائمة أخيرا على الأمة التي استهانت بالأدباء، ورمتهم مقيدين بين أيدي أصحاب الصحف السياسيين.
وفي سنة ١٩٠٩ اختارته وزارة المعارف العمومية لوظيفة "محرر عربي" وكان ذلك في عهد وزارة الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول باشا، وكان سعد من أصدقائه والمعجبين به. ثم انتقل بعد ذلك إلى "وزارة الحقانية"
وبعدها إلى الجمعية التشريعية، ثم إلى قلم "السكرتارية" في الديوان الملكي.
وكان في جميع أدوار حياته مثال الجرأة والإخلاص في العمل والصدق والأمانة والخلق العظيم.
وعين أخيرا في إحدى وظائف البرلمان المصري وظل فيها إلى أن استأثر الله به.
ويجب أن نذكر أنه في أول أدوار حياته حين كان يكتب في الصحافة تصدى لنقد بعض رجال السياسة
[ ١ / ٥ ]
"وكان مذهبه السياسي سعديا ولازم هذا المذهب في جميع أدوار حياته، ولما نفي سعد باشا كتب عدة مقالات دافع فيها عنه وحلل فيها بطولته وعظمته.
وقد ضمت هذه المقالات إلى الجزء الثالث من كتاب النظرات"١.
ومن مواقفه السياسية المشهورة أنه نقم مرة على الخديوي عباس، فنظم قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
قدوم ولكن لا أقول سعيد وملك وإن طال المدى سيبيد
ونشرها في جريدة الصاعقة فحجزت نسخ الجريدة، وصورت وحبس واضطهد. وزاد ذلك في شهرته ومقامه. وزعم سليم سركيس أنه تعاظم شوق الناس للاطلاع عليها، ولم يكن سبيل إلى إعادة نشرها فعمد سركيس نفسه إلى الحيلة، وسأل الشيخ عثمان الموصلي أن يشطرها تشطيرا في جريدة المشير جاعلا الأصل بين قوسين وقال: فأدركت غايتي ونجوت من نقمة الحكومة. هذا في الوقت الذي كان شوقي فيه شاعر
_________________
(١) ١ محي الدين رضا في: كلمات المنفلوطي ص١٣٨.
[ ١ / ٦ ]
الخديوي يزوره في قصره ويجالسه في حديقة القصر حيث كان للخديوي رغبة فيما يروون في العمل في الحديقة، وكانت بيده مظلة ناولها لشوقي ليستظل بها من أذى الشمس، فقال شوقي.
عباس مولاي أهداني مظلته يظلل الله عباسا ويرعاه
مالي وللشمس أخشى حر هاجرها من كان في ظله فالشمس تخشاه
ولكنه كان مقربا للبلاط في آخر حياته في عهد الملك فؤاد حيث عمل كاتبا في قلم السكرتارية في الديوان الملكي كما ذكرنا.
ولم يعش طويلا فقد وافاه أجله ﵀ يوم الخميس في ١٢ "حزيران" "يونيه" سنة ١٩٢٤ "١٠ ذي الحجة ١٣٤٢" في اليوم نفسه الذي جرت فيه محاولة لاغتيال زعيم الوفد المرحوم سعد زغلول باشا، وجرح فشغل أكثر الناس بتلك الحادثة عن الالتفات إلى مأتمه كما يجب، ويقال أن سعد نفسه لما علم بوفاته جزع عليه جزعا شديدا وبكى. ولم يفت الشاعرين
[ ١ / ٧ ]
الكبيرين في مصر شوقي وحافظ حين رثياه في حفلات المآتم التي أقيمت له أن يشيرا إلى هذا التصادف الغريب، فقال شوقي في حفلة نادي الحقوق في حديقة الأزبكية، من قصيدة من أربعين بيتا:
اخترت يوم الهول يوم وداع ونعاك في عصف الرياح الناعي
هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم جرح الرئيس منافذ الأسماع
من مات في فزع القيامة لم يجد قدما تشيع أو حفاوة ساع
ما ضر لو صبرت ركابك ساعة كيف الوقوف إذا أهاب الداعي
خل الجنائز عنك لا تحفل بها ليس الغرور لميت بمتاع
سر في لواء العبقرية وانتظم شتى المواكب فيه والاتباع
وقال حافظ:
مت والناس في مصابك في "م" شغل بجرح الرئيس حامي الحماة
[ ١ / ٨ ]
شغلوا عن أديبهم بمنجيهم "م" فلم يسمعوا نداء النعاة
وافاقوا بعد النجاة فألفوا منزل الفضل مقفر العرصات
قد بكاك الرئيس وهو جريح ودموع الرئيس كالرحمات
وانبرى الشعراء من كل الأقطار العربية ينظمون المراثي في تأبينه في العراق والشام ولبنان ومصر، بحيث زادت القصائد التي قيلت في رثائه عن الثلاثين هذا عدا الرسائل والخطب التي قيلت في حفلات التأبين المختلفة في أندية بيروت والشام ومصر وفي المجامع العلمية وغيرها.
أما مؤلفاته فهي كتاب "النظرات" وهو مجموعة رسائل اختارها مما كتبه في جريدة المؤيد، وغيرها من الصحف والمجلات، ومما كتبه من الرسائل ولم ينشر، وما نظمه من المقطعات والقصائد. وهو في ثلاثة أجزاء ظهر الأول منها في طبعته الأولى سنة ١٩١٠ وفي مقدمته ترجمة لحياته بقلم حافظ عوض استعنا بها
[ ١ / ٩ ]