قال محمد بن زياد الأعرابي أبو عبد الله وافت جمعة وهند بنتا الخس عكاظ
[ ٥٨ ]
في الجاهلية فاجتمعتا عند القلمس الكناني فقال لهما أني سائلكما لا علم أيكما أبسط وأظهر بيانًا وأحسن للصفة إتقانًا قالتا سلنا عما بدا لك فستجد عندنا عقولًا ذكية وألسنة قوية وصفة جلية قال القلمس أي الإبل أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل قراسية دوسر ملاحك الخلق عشنزر ململم مثل ملمومة المرمر ذي شقشقة مفرفر مصعب الون مدلى المشفر قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت نعم الجمل هذا في الشقة البعيدة والمسافة الشديدة وفي السباسب الجديبة وغيره أحب إليّ قال فقولي فقالت أحب كل ذي كاهل رفيع ملزز الخلق جميع محتمل ضليع يقل الرغاء ويعتسف البيداء وينهض بالأعباء قال القلمس كلتاكما محسنة فأي ذكور الإبل أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض القصير القامة الصغير الهامة السريع السآمة الأجب الظهر كالنعامة قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت جملًا غير فحل ولا نجيب ولا شهم ولا صليب ولا رايع ولا عجيب وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف المضطرب الذي كل حمل عليه تعب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النوق أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل ناقة علكوم علنداة كتوم مثل الجمل الحجوم العظيم العيهوم يخلط بين الشد والرسيم في تيه المهامة والديموم قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه صفة ناقة صاحبها خليق إن لا يهمه سفر ولا يسبقه خبر ولا يهوله خطر ولا يفوته ظفر وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحبها ضخمة مثل الجوسق شدقها مثل شدق النقنق مدمج خلقها موثق كثيرة الهباب ناحية الذهاب وشيكة الإياب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي ذكور الخيل أحب إليك يا جمعة قالت أحب المنسوب جده الأسيل خده السريع شده الطويل مده الشديد هده الجميل قده قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذا فرس خليق إن طلب لم يلحق وإن جوري لم يسبق وإن يوهي لم يفق وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الوثيق الخلق الكريم العرق الكثير السبق الشديد الذلق يمر من البرق قال كلتاكما محسنة فأي إناث الخيل أحب إليك يا جمعة قالت أحب كل حيية الفؤاد سبوح جواد سلسة القياد شديدة الاعتماد في الدفع والاشتداد ذات هباب وثماد قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه فرس صاحبها خليق أن لا يفوته أمر ولا يهوله ذعر إذا شاء كر وإذا هاب فر وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحب الشديد أسرها البعيد صبرها القليل فترها الجميل قدرها السريع مرها المخوف كرّها قال القلمس كلتاكما محسنة فأي
[ ٥٩ ]
ذكور الخيل أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض كل بليد وارم الوريد ذا وكال شديد لا ينجيك هاربًا ولا تظفر به طالبًا ولا يسرك شاهدًا ولا غائبًا قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذا فرس إمساكه بلاء وعلاجه عناء وركوبه شقاء وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض السريع البهر البطيء الحصر السكيت الطفر قال القلمس كلتاكما محسنة فأي المعزى أحب إليك يا جمعة قالت أحب ذات الزنمتين المنفوخة الجنبين المذكرة القرنين الدقيقة الطبيين تروي الولدين وتشبع أهل البيتين قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت هذه عنز رجل خليق إن تمتلئ أوطابه ويدوم شرابه ويخصب أصحابه وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي قالت أحب ذات الضرع العريض ثقيل في الربيض مترع يفيض ليس بمنزوف ولا مغيض قال كلتاكما محسنة فأي السحاب أحسن في عينك يا جمعة قالت أحب كل ركام ملتف أسحم رجاف مسف يكاد يمسه من قام بالكف قال كيف تسمعين يا هند قالت وصفت سحابًا مسترخي العزالي كثير التهاطل غزير السجال وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب كل صبير دلاح مثعنجر نضاح متجاوب النواحي كأن برقه ضوء مصباح قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النساء أحب إليك يا جمعة قالت أحب الغريرة العذراء الرعبوبة العيطاء الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء والستر والحياء البضة الرخصة كأنها فضة بيضاء قال كيف تسمعين يا هند قالت وصفت جارية هي حاجة الفتى ونهية الرضاء وغيرها أحب إليّ منها قال فقولي
[ ٦٠ ]
قالت أحب كل مشبعة الخلخال ذات شكل ودلال وظرف وبهاء وجمال قال القلمس كلتاكما محسنة فأي النساء أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض كل سلفع بذية جاهلة غبية حريصة دنية غير كريمة ولا سرية ولا ستيرة ولا حييه قال كيف تسمعين يا هند
[ ٦١ ]
قالت وصفت امرأة صاحبها
خليق أن لا تصلح له حال ولا ينعم له بال ولا يثمر له مال وغيرها أبغض إليّ منها قال فقولي قالت أبغض المتجرفة الشوهاء المنفوحة الكبداء العنفص الوقصاء الحمشة الزلاء التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة قالت أحب الحر النجيب السهل القريب السمح الحسيب الفطن الأريب المصقع الخطيب الشجاع المهيب قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت رجلًا سيدًا جوادًا ينهض إلى الخير صاعدًا ويسرك غائبًا وشاهدًا وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الرحب الزراع الطويل الباع السخي النفاع المنيع الدفاع والدهمثي المطاع البطل الشجاع الذي يحل باليفاع ويهين في الحمد المتاع قال كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض السآلة اللئيم البغيض الزنيم الأشوه الدميم الظاهر العصوم الضعيف الحيزوم قال كيف تسمعين يا هند قالت ذكرت رجلًا خطره صغير وخطبه يسير وعيبه كثير وأنت ببغضه جدير وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف النخاع القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم ولا يطاع قال القلمس كلتاكما محسنة فهل تقولان من الشعر شيئًا قالتا نعم قال فقولي يا جمعة فقالت: أن لا تصلح له حال ولا ينعم له بال ولا يثمر له مال وغيرها أبغض إليّ منها قال فقولي قالت أبغض المتجرفة الشوهاء المنفوحة الكبداء العنفص الوقصاء الحمشة الزلاء التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب قال القلمس كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة قالت أحب الحر النجيب السهل القريب السمح الحسيب الفطن الأريب المصقع الخطيب الشجاع المهيب قال القلمس كيف تسمعين يا هند قالت وصفت رجلًا سيدًا جوادًا ينهض إلى الخير صاعدًا ويسرك غائبًا وشاهدًا وغيره أحب إليّ منه قال فقولي قالت أحب الرحب الزراع الطويل الباع السخي النفاع المنيع الدفاع والدهمثي المطاع البطل الشجاع الذي يحل باليفاع ويهين في الحمد المتاع قال كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة قالت أبغض السآلة اللئيم البغيض الزنيم الأشوه الدميم الظاهر العصوم الضعيف الحيزوم قال كيف تسمعين يا هند قالت ذكرت رجلًا خطره صغير وخطبه يسير وعيبه كثير وأنت ببغضه جدير وغيره أبغض إليّ منه قال فقولي قالت أبغض الضعيف النخاع القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم ولا يطاع قال القلمس كلتاكما محسنة فهل تقولان من الشعر شيئًا قالتا نعم قال فقولي يا جمعة فقالت:
أشد وجوه القول عند ذوي الحجى مقالة ذي لب يقول فيوجز
وأفضل غنم يستفاد ويبتغي ذخيرة عقل يحتويها ويحرز
وخير خلال المرء صدق لسانه وللصدق فضلٌ يستبين ويبرز
وإنجازك الموعود من سبب الغنى فكن موقيًا بالوعد تعطي وتنجز
ولا خير في حريريك بشاشة ويطعن من خلف عليك ويلمز
إذا المرء لم يسطع سياسة نفسه فإن به عن غيرها هو أعجز
وكم من وقور يقمع الجهل حلمه وآخر من طيش إلى جهل يجمز
وكم من أصيلِ الرأي طلق لسانه بصير بحسن القول حين يميز
وآخر مأفون يلوك لسانه ويعجن بالكوعين نوكًا ويخبز
وكم من أخي شر قد أوثق نفسه وآخر ذخر الخير يحوي ويكنز
يفر الفتى والموت يطلب نفسه سيدركه لا شك يومًا فيجهز
[ ٦٢ ]
قال القلمس قد أحسنت يا جمعة فقولي أنت يا هند فقالت:
وجدت وخير القول في الحكم نافع ذوي الطول مما قد يعمم ويلبس
وليس الفتى عندي بشيء أعده إذا كان ذا مالٍ من العقل مفلس
وذو الجبن مما يسعر الحرب نفخه يهيج منها نارها ثم يخنس
وكم من كثير المال يقبض كفه وكم من قليل المال يعطي ويسلس
وكم من صغير نزدريه لعله يهيج كبيرًا شره متبجس
وكم من مراء ذي صلاحٍ وعفة يختال بالتقوى هوي الذئب الأملس
وآخر ذي طمرين صاحب نية يجود بأعمال التقى ثم ينفس
وكم من سفيه للجماعة مفسد يدب الشر بينهم ويوسوس
وذو الظلم مذموم الثنا ظاهر الخنا غني عن الحسنى وبالشر يعرس
قال القلمس قد أحسنتما فزيديني يا جمعة فقالت:
رأيت بني الدنيا كأحلام نائم وكالفيء يدنو ظله ثم يقلص
وكل مقيم في الحياة وعيشه بلا شك يومًا أنه سوف يشخص
يفر الفتى من خشية الموت والردى وللموت حتف كل حي سيغفص
أتاه حمام الموت يسعى بحتفه وقد كان مغرورًا بدنيا تربص
كأنك في دار الحياة مخلد وقد بان منها من مضى وتقنصوا
لقد أفسد الدنيا وعيش نعيمها فجائع تترى تعتري وتنغص
الإرب مرزوق بغير تكلف وآخر محروم يجد ويحرص
فقالت هند:
لقد أيقنت نفس غير باطل وإن عاش حينًا أنه سوف يهلك
[ ٦٣ ]
ويشرب بالكأس الذعاف شرابها ويركب حد الموت كرهًا ويسلك
وكم من أخي دنيا يثمر ماله سيورث ذاك المال رغمًا ويترك
عليك بأفعال الكرام ولينهم ولا تك مشكاسًا تلج وتمحك
ولا تك مزاحًا لدى القوم لعبة تظل أخًا هزء بنفسك يضحك
تخوض بجهل سادرًا في فكاهة وتدخل في غي الغواة وتشرك
الإرب ذي حظ يبصر فعلة وآخر مصروف في الحظ يؤفك
فقال أحسنتما وأجملتما فبارك الله فيكما ووصلهما وحباهما.