هو زهير بن أبى سلمى ربيعة بن رياح المزنىّ، فأبوه من قبيلة مزينة، وكانت تجاور فى الجاهلية بنى عبد الله بن غطفان حيث كانوا ينزلون فى الحاجر بنجد شرقى المدينة وينزل معهم بنو مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان أخوال أبيه ربيعة. ويحدثنا الرواة أنه أقام فيهم زمنا مع أمه، وحدث أن أغار مع قوم منهم على طيئ وأصابوا نعما كثيرا وأموالا، ولما رجعوا لم يفردوا له سهما فى غنائمهم، فغاضبهم وانطلق بأمه إلى قبيلته مزينة، ثم لم يلبث أن أقبل فى جماعة منها مغيرا على عشيرة أخواله، ولم يكادوا يتوسطون ديارها حتى تطايروا راجعين وتركوه وحده، فأقبل حتى دخل فى أخواله، ولم يزل فيهم حتى توفّى ومن ثمّ ولد له زهير وأولاده فى منازل بنى مرة وبنى عبد الله بن غطفان (١). وكان ذلك سببا فى أن يضطرب الرواة وأن يظن بعضهم أن زهيرا غطفانى القبيلة (٢)، وهو فى الحقيقة مزنى النسب غطفانى النشأة والمربى، وقد صرّح ابنه كعب بهذا النسب إذ يقول فى بعض شعره ردّا على مزرّد بن ضرار وقد عزاه إلى مزينة (٣):
هم الأصل منى حيث كنت وإننى من المزنيّين المصفّين بالكرم
ويظهر أن ربيعة لم يعش طويلا فى عشيرة أخواله، ويقول الرواة إن امرأته تزوجت من بعده أوس بن حجر الشاعر التميمى المشهور. وهنا يلمع فى حياة زهير اسم خاله بشامة بن الغدير، فقد كفله هو وإخوته، ونعرف منهم سلمى كما نعرف أخرى تسمى الخنساء.
_________________
(١) أغانى (طبعة دار الكتب) ١٠/ ٢٩١ وما بعدها.
(٢) انظر ترجمة زهير فى الشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٨٦.
(٣) طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص ٨٨ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقد عاش زهير فى خلال هذه الحروب التى نشبت بين عبس وذبيان، حروب داحس والغبراء التى سبق أن تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وقد أسهمت عشيرة أخواله، فى تلك الحروب وصليت نارها. وأيضا فإنها صليت نيران حروب أخرى كانت تنشب بينها وبين بعض العشائر الذبيانية، وفى شعر خاله بشامة ما يصور تلك الحروب الأخيرة، فقد روى له صاحب المفضليات قصيدتين يحرض فيهما عشيرته أن لا يخذلوا حلفاءهم «الحرقة» وأن يقفوا معهم ضد بعض العشائر من بنى سعد بن ذبيان. ومعنى ذلك أن الأيام التى عاشها زهير فى عشيرة أخواله الذبيانيين لم تكن أيام استقرار وأمن، إنما كانت أيام حروب وسفك للدماء، فدائما تشنّ الغارات، ودائما تجيش القلوب بالأضغان، فتسلّ السيوف وتقطع الرقاب. ويعودون من حروبهم دائما إلى رعى الإبل والأغنام، وإلى صيد بعض الحيوان، شأن القبائل النجدية فى العصر الجاهلى.
وكانت ذبيان وغيرها من قبائل غطفان تتعبّد فى الجاهلية العزّى، ويقال إنها كانت شجرة أقامت حولها كعبة كانت تحج إليها، وتهدى القرابين، وقد هدمها خالد بن الوليد بأمر الرسول ﷺ، وربما قال الرواة إنها شجرات ثلاث، وقد يقولون إنه كان فى الكعبة وثن. وأكبر الظن أن هذا هو الصحيح فقد كان فيها وثن العزّى، وكان من حوله شجرات يقدسونها (١). ومهما يكن فقد كانوا وثنيين، وظلوا على وثنيتهم إلى ظهور الدين الحنيف.