ليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأة زهير سوى أنه عاش فى منازل بنى عبد الله ابن غطفان وأخواله من بنى مرة الذبيانيين، وفى كنف خاله بشامة بن الغدير، وكان شاعرا مجيدا كما كان سيدا شريفا ثريّا، يقول ابن سلام: «وكان كثير المال، وكان
_________________
(١) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على ٥/ ٩٧ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠١ ]
ممن فقأ عين بعير فى الجاهلية، وكان الرجل إذا ملك ألف بعير فقأ عين فحلها (١)».
وكان بشامة من أحزم الناس رأيا فكان قومه يستشيرونه ويصدرون عن رأيه، ولم يكن له ولد، فلما حضرته الوفاة جعل يقسم ماله فى أهل بيته وأعطى زهيرا نصيبا منه، ويروى أنه قال له إنى أعطيتك ما هو أفضل من المال، فقال زهير: ما هو؟ فقال له: شعرى (٢)، وهو لم يرث عنه شعره وماله فقط، بل ورث عنه أيضا خلقه الكريم. وفى أخباره أنه تزوج من امرأتين: أم أوفى وهى التى يذكرها كثيرا فى شعره، ويظهر أن المعيشة لم تستقم بينهما، فطلقها بعد أن ولدت منه أولادا ماتوا جميعا. والثانية التى تزوجها من بعدها هى كبشة بنت عمار الغطفانية، وهى أم أولاده: كعب وبجير وسالم، ومات سالم فى حياته ورثاه ببعض شعره (٣).
وهو يتحدث فى شعره طويلا عن حروب داحس والغبراء مشيدا بهرم بن سنان والحارث بن عوف سيدى بنى مرة اللذين حقنا دماء عبس وذبيان بعد أن طال عليهما الأمد فى تلك الحروب، إذ تحمّلا ديات القتلى، ويقال إنها كانت ثلاثة آلاف بعير أدّياها فى ثلاث سنين (٤). واعتدّ زهير بهذه المنة الجليلة فأشاد بها فى معلقته، وظل طوال حياته يمدح هرما ويمجده، وهرم يغدق عليه (٥). وبذلك أعطى كل منهما صاحبه خير ما يملك، وقد ذهب ما أعطاه هرم لزهير مع الزمن، أما ما أعطاه زهير هرما فخلد على الأيام. ومن طريف ما يروى فى هذا الصدد أن هرما «حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبدا أو وليدة أو فرسا، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه فى ملأ قال: عموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت (٦)». ونراه يشيد بحصن بن حذيفة سيد بنى فزارة الغطفانيين، وخاصة بحروبه مع أحلافه بنى أسد ضد النعمان بن الحارث الغسانى وما أنزلوا بجيوشه من هزائم منكرة (٧). وليس فى ديوانه وراء حروب حصن وحروب داحس والغبراء إشارة إلى غارات سوى ما كان من غارة الحارث بن ورقاء الأسدى فى جماعة من قومه على عشيرته، وقد أخذ فيما أخذ
_________________
(١) ابن سلام ص ٥٦٣.
(٢) أغانى (طبع دار الكتب) ١٠/ ٣١٢
(٣) أغانى ١٠/ ٣١٣.
(٤) أغانى ١٠/ ٢٩٧.
(٥) أغانى ١٠/ ٣٠٥.
(٦) أغانى: ١٠/ ٣٠٥.
(٧) انظر ديوان زهير (طبعة دار الكتب) ص ١٤٣ ومختار الشعر الجاهلى للسقا ص ٢٤٥.
[ ١ / ٣٠٢ ]
إبلا وغلاما لزهير يسمى يسارا. وغضب زهير غضبا شديدا، وهدده إن لم يردّ عليه إبله أن يهجوه هجاء مقذعا، مذكرا له بما بين عشيرتيهما من مواثيق وعهود نقضها نقضا، وخشى الحارث معرة لسانه وما يصبّ عليه من لعنات فرد عليه ماله وغلامه (١)
وتدل الدلائل على أنه عاش فى سعة من المال مما ورثه عن خاله وما كان يقدّم له هرم وغيره من أشراف قبيلته من أموال، وكان فيه توقر ونبل، ولعل ذلك ما جعل شعره يخلو من الفحش والعهر، فهو من ذوق آخر غير ذوق امرئ القيس المفتون بالنساء وتصوير مغامراته القصصية معهن. ومن غير شك كان وثنيّا، مثله مثل قومه، وإن كنا نلاحظ عنده بعض أبيات يؤمن فيها باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، يقول فى معلقته:
فلا تكتمنّ الله ما فى نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر فيوضع فى كتاب فيدّخر ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
وإذا صحت نسبة البيتين إليه كان ذلك دليلا على أنه أحد من تحنفوا فى الجاهلية وشكوا فى دينهم الوثنى (٢) وأغلب الظن أنه لم يفارق دين قومه، إنما هى خطرات كانت تمر به.
وحياة زهير من الوجهة الأدبية طريفة، فقد كان أبوه شاعرا، وكذلك كان خاله كما قدمنا، وأختاه سلمى والخنساء، وورث عنه الشعر ابناه كعب وبجير، واستمر الشعر فى بيته أجيالا، فقد كان عقبة بن كعب شاعرا، وكان العوام ابن عقبة شاعرا أيضا (٣) ويقولون إنه رحل عن البادية وأقام فى البصرة.
فنحن بإزاء شاعر اتصل الشعر فى بيته اتصالا لم يعرف لشاعر جاهلى ممن عاصروه، وليس هذا فحسب، فإنه عاش الشعر يعلمه ابناه بجير وكعب من جهة، وأناسا آخرين من غير بيته أشهرهم الحطيئة، فهو تلميذه وخريجه.
_________________
(١) أغانى ١٠/ ٣٠٧ وما بعدها.
(٢) انظر فى ذلك المحبر لابن حبيب ص ٢٣٨ حيث يذكر أنه كان ممن حرموا على أنفسهم فى الجاهلية الخمر والسكر والأزلام.
(٣) مقدمة ديوان زهير (طبعة دار الكتب) ص ٩ وقارن بالأغانى ١٠/ ٣١٤ والشعر والشعراء ١/ ٩٢.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وفى أخباره مع ابنه كعب ما يدل على الطريقة التى كان يخرج بها الشعراء، فقد كان يلقّنهم شعره ويروونه عنه، وما يزالون يتلقنونه، حتى تنطبع فى أنفسهم طريقة نظم الشعر وصوغه، وهو فى أثناء ذلك يمتحن قدرتهم، بما يلقى عليهم من أبيات يطلب إليهم أن يجيزوها، بنظم بيت على غرار البيت الذى ينشده فى الوزن والقافية (١).
ويظهر أنه عمّر طويلا، إذ يقال فى بعض الروايات إنه أدرك الإسلام وله مائة سنة ولم يسلم (٢)، ولكن إدراكه الإسلام غير صحيح، إنما الصحيح أنه مات قبيل الإسلام بمدة قليلة، والذى أدرك الإسلام حقا ابناه بجير وكعب، وقد أسلما وحسن إسلامهما. ولكعب قصيدة معروفة فى مديح الرسول ﷺ، وهى ذائعة مشهورة.