من أحسن مَا قيل فِيهِ، على كثرته، قَول الْأُسْتَاذ أبي الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن بن هندو، ﵀: عابوه لما التحى، فَقُلْنَا عبتم وَغِبْتُمْ عَن الْجمال هَذَا غزال، وَمَا عَجِيب تولّد الْمسك فِي الغزال ولمؤلف هَذَا الْكتاب، على لِسَان بعض الرؤساء، مَا سبق إِلَى مَعْنَاهُ، وَتفرد بِهِ: قَالُوا تشوك خدّاه وشاربه فَقلت لَا تنكروا مَا لَيْسَ بالعجب
[ ٣٧ ]
الشواك فِي شجرات الْورْد مُحْتَمل والشوك لَا عجب فِي مجتنى الرطب. تَحْسِين سَواد اللَّوْن أحسن مَا قيل فِي ذَلِك قَول أبي يُوسُف القَاضِي، وَقد جرى ذكره عِنْد الرشيد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من فضل السوَاد أَنه لم يكْتب كتاب الله سُبْحَانَهُ إِلَّا بِهِ. والنور فِي السوَاد، يَعْنِي سَواد النّظر. وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي تَحْسِين السوَاد، ومدح السودَان. فَمن ذَلِك، قَول أبي حَفْص الشطرنجي فِي جَارِيَة سَوْدَاء: أشبهك الْمسك وأشبهته قَائِمَة فِي لَونه قاعده لَا شكّ، إِذْ لونكما وَاحِد أنكما من طِينَة وَاحِدَة وَقَول أبي مُحَمَّد العباسي: إِن سعدى، وَالله يكلأ سعدى ملكت بِالسَّوَادِ رقّ سوَادِي أشبهت ناظري وحبة قلبِي فَهِيَ فِي الْعِزّ ناظري وفؤادي لن يرى الناظرون شَيْئا، وَإِن أشر قَالَ: حسنا، إِلَّا بِنور السوَاد وَقَول بعض الْكتاب فِي غُلَام أسود: قَالُوا عشقت من الْبَريَّة أسودًا مهلا علقت بأضعف الْأَسْبَاب فأجبتهم مَا فِي الْبيَاض فَضِيلَة وَأرى السوَاد نِهَايَة الْآرَاب أَهْوى السوَاد، لِأَن شيبي أَبيض يُؤْذِي الْفَتى، وَأحب لون شَبَابِي وكذاك فِي الكافور برد قَاطع والمسك أصبح أطيب الأطياب وَبِه تزين كفّ كل خريدة وَبِه تتمّ صناعَة الْكتاب وَالله ألبس أهل بَيت مُحَمَّد لون السوَاد، فَكف عَنْك عتابي
[ ٣٨ ]
وَجَاء ابْن الرُّومِي فَزَاد عَلَيْهِم، وَأحسن وأبدع، فِي وصف جَارِيَة سَوْدَاء، وتحسين لَوْنهَا، حَيْثُ قَالَ من قصيدة: غُصْن من الآبنوس ركّب فِي مؤتزر معجب ومنتطق سَوْدَاء لم تنتسب إِلَى برص الشق ر، وَلَا لمْعَة، وَلَا بهق أكسبها الْحبّ أَنَّهَا صبغت صبغة حب الْقُلُوب، والحدق فَانْصَرَفت نَحْوهَا الضمائر وَال أبصار، يعبقن أَيّمَا عبق وَبَعض مَا فضل السوَاد بِهِ وَالْحق ذُو سلم، وَذُو نفق أل يعيب السوَاد حلكته وَقد يعاب الْبيَاض بالبهق وَقَول بعض الظرفاء: يكون الْخَال فِي خد قَبِيح فيكسوه الملاحة والجمالا فَكيف يلام مشغوف بِمن قد ترَاهُ كُله فِي الْعين خالا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابي فِي غُلَامه يمن: قد قَالَ يمن، وَهُوَ أسود، للَّذي ببياضه استعلى علوّ الخائن مَا فَخر وَجهك بالبياض، وَهل ترى أَن قد أفدت بِهِ مزِيد محَاسِن وَلَو أَن مني فِيهِ خالًا زانه وَلَو أَن مِنْهُ فيّ خالًا شانني وَقَالَ فِيهِ أَيْضا: لَك وَجه كَأَن يمناي خطت هـ بِلَفْظ تمله آمالي فِيهِ معنى من البدور، وَلَكِن نفضت صبغها عَلَيْهِ اللَّيَالِي لم يشنك السوَاد، بل زِدْت حسنا إِنَّمَا يلبس السوَاد الموَالِي واقترح عليّ صديق لي بغزنة أَن أَقُول فِي غُلَام لَهُ هندي، من أحسن أَبنَاء جلدته، فَقلت: هَذَا غزال الْهِنْد فِي الغزلان كَمثل عود الْهِنْد فِي العيدان وَجه بديع الْحسن فِي الغلمان مُصَور من حدق الحسان
[ ٣٩ ]
مركب من ملح الخيلان كَأَنَّهُ فِي نَاظر الْإِنْسَان إِنْسَان عين الْحسن فِي الزَّمَان