لما هدد الْهَادِي يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي بِالْقَتْلِ إِن لم يحمل الرشيد على خلع نَفسه، رَجَعَ إِلَى دَاره مغمومًا، وكلم غُلَاما لَهُ فِي شَيْء، فَأَجَابَهُ بِمَا غاظه، فَلَطَمَهُ لطمة انْكَسَرت بهَا حَلقَة خَاتمه، وطاح الفص،
[ ١٩ ]
فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وجزع لَهُ. وَدخل عَلَيْهِ السيّاريّ الشَّاعِر، فَأخْبرهُ بالقصة، فَقَالَ: أخلاك من كل الهموم سُقُوطه وأتاك بالفرج انفراج الْخَاتم قد كَانَ ضَاقَ ففكّ حَلقَة ضيقه فامسك، فَمَا ريب الزَّمَان بدائم فَمَا أَمْسَى حَتَّى ارْتَفَعت الداعية لمَوْت الْهَادِي، وَصَارَ الْأَمر إِلَى الرشيد، فَأمر للسيّاري بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وَلما خرج طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى محاربة عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، جعل ذَات يَوْم فِي كمّه دَرَاهِم للصدقة على الْفُقَرَاء، ثمَّ أسبل كمّه (نَاسِيا، فانتفضت الدَّرَاهِم مِنْهُ) . فتطير من ذهابها فِي غير وَجههَا، (واغتم لذَلِك)، فانتصب لَهُ من قَالَ: هَذَا تفرق جمعهم لَا غَيره وذهابه مِنْهُ ذهَاب الْهم شَيْء يكون الْهم نصف حُرُوفه لَا خير فِي إِمْسَاكه فِي الْكمّ فتسلى بِهِ، وَأمر لَهُ بصلَة. وَلم يدر الْأُسْبُوع حَتَّى ظفر بِابْن عِيسَى. وَكَانَ الأفشين بأزاء بابك يحاربه، فانكسر يَوْمًا سَيْفه، فتطير مِنْهُ، حَتَّى قَالَ لَهُ شَاعِر كَانَ مَعَه: إِن انكسار السَّيْف كير للعدى وبكسره أجناد بابك يكسروا هذاك فأل للظنون مُحَقّق وكأنني بِالْفَتْح لَاحَ، فأبشروا
[ ٢٠ ]
فَمَا كَانَ أسْرع من أَن انجلت المعركة عَن الظفر ببابك، وَوصل الشَّاعِر مَا أغناه. وَلما ولى الْمَأْمُون الْحسن بن رحاء الْموصل، وَخرج من دَاره واللواء بَين يَدَيْهِ، تعلق بِبَعْض الدروب فاندق، وَتَطير النَّاس لَهُ من ذَلِك، فَقَالَ الشَّاعِر الضَّبِّيّ: مَا كَانَ مندقّ اللِّوَاء لريبة تخشى، وَلَا أَمر يكون مزيّلا لَكِن ذَاك الرمْح قصّف ظَهره صغر الْولَايَة، فاستقل الموصلا وَرفع الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون، فَأمر أَن يولي ديار ربيعَة مَعَ الْموصل، وَقَالَ: إِذا اسْتَقل اللِّوَاء الْموصل، فَنحْن نكثر قَلِيله بِزِيَادَة الْولَايَة. وَأمر للضبي بِمَال.