الخامس: التَّبرُّكُ بهِ، وذلك ظاهرٌ (١).
والمضمرُ لوجوهٍ (٢):
الأَوَّل: الإشارة إلى مذكورٍ (٣)، يقول الشّاعر (٤):
بيُمنِ (٥) أَبي إِسْحَاقَ (٦) طَالتْ يَدُ العُلَى وَقَامت قَنَاةُ الدِّين، واشتدَّ كَاهِلُه
_________________
(١) = واسم بلده (ديوانه: ٢/ ٤١٠ بشرح البرقوقيّ): أبا شُجاعٍ بفارسٍ عَضُدَ الـ ـدَّولةِ فَنَّا خُسْرو شَهَنْشاهَا أسامِيًا لَمْ تَزِدْهُ معرفةً وإِنَّمَا لَذَّةً ذَكَرْنَاهَا
(٢) في أ، أُدخل ضمن كلام المصنِّف: "به، وذلك ظاهر" وليس في ف. ومن التّبرك بالعَلَميّة. التّصريح بأسماء الله وأسماء رسله وأنبيائه وأسماء الصَّالحين؛ كقولنا -مثلًا-: "الله ربنا ومحمد نبينا" إذا تقدّم لهما ذكر في حديث سابق فيعاد ذكرهما تيمنًا وتبركًا. ويلحظ أنّ المصنّف -﵀- أهمل زيادةً أوردها السكاكي قبل هذين الغرضين، وهي لفظة: "إيهام" في قوله (المفتاح: ١٨١): "أو مقام إيهام أنك تستلذّ اسم العلم، أو تتبرّك به، أو ما شاكل؛ كل ذلك مما له مدخل في الاعتبار". والحق: إنّه لا معنى لا يراد تلك الزّيادة؛ وإن الاستلذاذ والتبرّك حاصلان تحقيقًا؛ والله أعلم.
(٣) أي: ويختار المضمر لوجوه.
(٤) هذا مختصٌّ بضمير الغائب. وتقدير الكلام: الإشارة إلى مذكور متقدّم.
(٥) البيتان من الطّويل، وقائلهما أبو تمام، وهما موجودان في ديوانه بشرح التّبريزيّ: (٣/ ٢٩) برواية: "هو اليمُّ والجود ساحله" وذكر المحقّق أنّ في إحدى نسخ التحقيق: "هو البحر". والشاهد فيه: قوله: "هو البحر" حيث أتى به ضمير غائب مشيرًا به إلى مذكور به إلى مذكور متقدّم: "أبي إسحاق".
(٦) اليُمن: البركة، وقيل: خلاف الشّؤم. اللِّسان: (يمن): ١٣/ ٤٥٨.
(٧) هو: أبو إسحاق؛ محمّد بن هارون الرشيد بن المهديّ؛ المعتصم بالنية. خليفةٌ عباسيٌّ، =
[ ١ / ٣٢٥ ]
هو البَحرُ من أَيِّ النَّواحي أَتيتَه؛ فَلُجَّتُهُ (١) المعْرُوفُ، والبَرُّ (٢) سَاحِلُهُ (٣)
أَوْ ما في حكمِه؛ أي: حُكمِ المذكورِ؛ كما في قوله (٤) -تعالى-: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥).
الثاني: حكايةُ المتكلِّم واحدًا أَوْ فوقه، وكونُ المقام مقام التَّكلّمِ (٦) كقول الشَّاعرِ (٧):
ونحنُ التَّاركُونَ لِمَا سَخِطْنَا ونحنُ الآخذُون لما رَضِينا
_________________
(١) = بُويع بالخلافةِ بعد أخيه المأمون. فُتحت في عهده عمُّوريَّة، وبُنيت سامراء، بقى في الخلافة ٨ سنين و٨ أشهر، وتوفي سنة ٢٢٧ هـ. ينظر في ترجمته: الكامل في التاريخ: (٦/ ٧٠)، وتاريخ بغداد: (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٧)، وتاريخ الطّبريّ: (٩/ ١١٨ - ١١٩)، وسير أعلام النُّبلاء: (١٢/ ٥٣٥ - ٥٤٠).
(٢) لُجّة البحر: حيث لا يدْرك قَعْره، وقيل: حيث لا يرى طرفاه. اللِّسان: (لجج): (٢/ ٣٥).
(٣) في أ: "والجود" وصححتا في الهامش: "البرَّ".
(٤) في ب زيد بعد البيتين: "وكأَن الشَّاعر عنى به سلطان عصرنا، وخليفة دهرنا، خَلد الله سلطانه!، وأوضح على العالمين برهانه! ".
(٥) في أ، ب: "كقوله".
(٦) سورة المائدة، من الآية: ٨. فمرجع الضمير هو العدل؛ المدلول عليه بلفظ: "اعدلوا"؛ فهو لم يتقدّم لفظًا وإنّما تقدّم معناه في الفعل.
(٧) هذا مختصّ بضمير المتكلّم.
(٨) البيت من الوافر، وقائله عمرو بن كلثوم، والبيتُ ضمن معلّقته المشهورة، وهو موجود في: شرح القصائد المشهورات. الموسومة بالمعلقات لابن النَّحّاس: (٢/ ١١٤)، وشرح المعلّقات السَّبع للزَّوزنيّ: (١٩٩)، وديوان المعاني؛ للعسكريّ: (١/ ٩٠).
[ ١ / ٣٢٦ ]
الثّالثُ: تخصيصُ المخاطب (١)؛ يقول ابن الدُّمَيْنَة (٢) -وكَتَبه (٣) إلى امْرأتِه أُمَّامة (٤) - (٥):
_________________
(١) هذا مختصّ بضمير المخاطب.
(٢) في الأَصل: "ابن الدّميثة" وفي أ: "ابن الدّمية"، وفي ب: "ابن الدّهينة" والمثبت هو الصّواب. وهو أبو السّري؛ عبد الله بن عبيد الله بن أحمد من بن عامر الخثعمي. والدُّمينة أمه. شاعر بدوي أمويّ من أرقّ النّاس شعرًا. أكثر شعره في الغزل والنّسيب والفخر. له ديوان شعر مطبوع. اغتيل إثر رجوعه من الحجّ سنة ١٣٠ هـ. ينظر ترجمته في: الأغاني: (٩/ ٦٤)، وسمط اللآلي: (١٣٦)، ومعاهد التنصيص: (١/ ١٦٠).
(٣) في أ: "وقد كتبه".
(٤) كلمة: "أمامة" ساقطة من ب. وهي امرأة خثعمتة من قوم ابن الدُّمينة. وفي بعض المصادر أن اسمها أميمة. كان قد هويها وهاج بها مدة فلمّا وصلته تجنّى عليها، وجعل ينقطع عنها ثم زارها ذات يوم فتعاتبا عتابا طويلا وكان بينهما مجاذبة شعريَّة. ينظر: ديوان ابن الدّمينة: (٤٢)، والأغاني: (٩/ ٦٩)، ومعاهد التّنصيص: (١/ ١٦٣).
(٥) البيت من الطويل. وهو في ديوان الشاعر: (٤٢)، البيان والتّبيين: (٣/ ٣٧٠) منسوبًا إلى جوهر جارية المهديّ، ولعلها تمثّلته، والحيوان: (٣/ ٥٥)، والحماسة لأبي تمام: (٢/ ١٤٦)، ومعاهد التّنصيص: (١/ ١٦٢). والبيت منسوب -أيضًا- إلى قيس بن الملوح. ديوانه: (٥٢). واستُشهد به في المفتاح: (١٧٩)، والتّبيان: (٤٥٠).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وأنتِ الّتي (١) كَلَّفْتَنِي دَلَجَ (٢) السُّرى وُجُونَ القطا (٣) بالجلهتين جُثُومُ (٤)
وكجوابها (٥) له (٦):
وأنتَ الذي أَخْلَفْتَني مَا وَعَدْتني وَأَشْمَتَّ بِي مَنْ كَان فِيكَ يَلُومُ
الجَلْهَةُ: طرف الوادي.
_________________
(١) في الأَصل: "الذي" والصّواب من: أ، ب، مصادر البيت.
(٢) في ب: "ولج". أما الدلج؛ فهو: إِما سير اللَّيل كلِّه، أَوْ سير آخره، أو سير أيّ ساعةٍ منه، ينظر: اللّسان: (دلج): (٢/ ٢٧٢). وبإضافته إلى السُّرى؛ وهو سير اللّيل (اللّسان: "سرا": ١٤/ ٣٨١) تأكد أنّ مراده: سير اللّيل كلّه. وقد ذكر المروزوقي في أثناء شرحه لهذا البيت ضمن شرحه لديوان الحماسة: (٣/ ١٣٧٩): "أن السّرى: سير اللَّيل، والدلج: السَّير في بعض اللّيل. ويقال: سار دلجة؛ أي: ساعة من أوّل الليل؛ فلذلك أضاف الدّلج إلى السُّرَى، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكُلّ".
(٣) الجُون: جمع: جَوْن. وهو كل لون سوادٍ أُشرب حمرة. اللّسان: (جون): (١٣/ ١٠١). والقطا: طائر معروف لونه أسود مشوب بحمرة، وسُمِّي قطا لثقل مشيه. ينظر: اللّسان: (قطا): (١٥/ ١٨٩).
(٤) الجثوم: مصدر (جثم) يقال: جثمّ الطائر جثمًا وجُثومًا إذا لزِم مكانه فلم يبرح. ينظر: اللِّسان: (جمّ): (١٢/ ٨٣).
(٥) في الأغاني: (١٧/ ٦٩)، وفي معاهد التّنصيص: (١/ ١٦٢): أنها هي التي قالت الشعر في بادئ الأمر؛ ثم أجابها هو بمقطوعة أولها البيتُ المتقدّم.
(٦) وجوابها له في المصادر المتقدِّمة التي أوردت شعره.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال المصنِّفُ: أمثالُ هذه المباحث وظيفُة اللُّغة أو النَّحو لا المعاني (١)؛ لكن بالسَّكّاكيِّ اقتديتُ في إيرادِها (٢).
وحقُّ الخطابِ أن يكون مع مُعَيَّن، وقد يُعْدل (٣) عنه؛ [أي] (٤) عن الحقِّ إلى غير مُعَيَّن تَعْميمًا؛ أي: لِيَعمَّ كل مخاطبٍ؛ كما تقول: فلانٌ لئيمٌ؛ إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أَسَاء إليك؛ فلا (٥) تُريد بـ "أكرمت" و"أحسنت" (٦) مخاطبًا مُعيّنًا؛ كأنك قلتَ: إنْ أكرم أهان، وإن أحسن إليه أساءَ. وعليه؛ أي: على التَّعميم يُحمل قولُه -تعالى - (٧): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا
_________________
(١) والحقُّ -في نظري، والله أعلم- أنّ أمثال هذه المباحث؛ وإن كانت ذات صلة وطيدة بعلم اللغةِ أو النّحو في أصل وضعها؛ إلا أنها لا تنفك بأيّ حال من الأحوال عن علم المعاني الّذي يعرف به أحوال اللّفظ العربيّ؛ التي بها تتحقّق مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
(٢) في ب زيادة: "فيه". ولم أقف على قول المصنّف في مؤلّفاته ولعلّه ممّا نقله عنه تلميذه الكرمانيّ.
(٣) في الأَصل: "تعدل" والمثبت من: أ، ب، ف.
(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل. ومثبت من: أ. وعليه درج الشَّارح.
(٥) في أ: "ولا".
(٦) في ب: "بـ (أحسنت) و(أكرمت) ".
(٧) هكذا وردت جملة: "قوله تعالى" ضمن كلام المصنِّف في الأَصل، ب، ف. وفي أ، ضمن كلام الشَّارح.
[ ١ / ٣٢٩ ]