رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) قصدًا إلى تفظيع (٢) حال المجرمين، كأنه لوضُوحه (٣) بحيث يمتنع خَفَاؤُها (٤) حُقَّ أن يُخاطب به كُلُّ من يتأتى منه الرُّويةُ، ولا (٥) يَخْتصّ براءٍ دُون راءٍ.
والموصولُ [لوجوه] (٦)؛ أي: يُختارُ (٧) الموصولُ [لوجوهٍ] (٨)؛ وهو متى صحَّ إحضارُ الشَّيءِ في ذهن السَّامع بوساطة ذكرِ جملةٍ معلومة الانتساب إلى مشارٍ إليه، ومع ذلك اتَّصَل به غرضٌ من الأغراض، أو وجهٍ من الوُجُوه.
الأَول: ألا يَعْلم منه، من ذلك الشَّيءِ المخاطِبُ، أي: المتكلّم، أو المخاطَبُ، أي: السَّامعُ، أو هما (٩) غرَ ذلك الإسنادِ والانْتسابِ، مثل:
_________________
(١) سورة السَّجدة، من الآية: ١٢.
(٢) التَّفظيع: مشتق من الفظاعة، وفظع الأمر؛ إذا اشتدّ وشنع وجاوز المقدار. ينظر: اللِّسان: (فظع): (٨/ ٢٥٤).
(٣) هكذا -أيضًا- في ف، وفي أ: "لوضوحها".
(٤) أي: الرّؤية.
(٥) في أ: "فلا".
(٦) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ، ب، ف.
(٧) في أ: "ويختار".
(٨) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب.
(٩) أي: المتكلِّم والسامع.
[ ١ / ٣٣٠ ]
"الذي كان معك أمس لا أعرفه" (١)، أو "الذي كان معنا أمس رجلٌ عارفٌ فاعرف" (٢)، أو "الذين في بلاد الشَّرق لا نعرفهم" (٣).
الثاني: استهجانُ (٤) التَّصريح بالاسم لكونه من الأَسْماء المذمومة؛ فلا تقول: "حنظلةُ فعل كذا"؛ بل "الذي كان معكَ فعل كذا" (٥).
الثالثُ: الإخفاءُ، وذلك حيثُ لو ذُكر الاسم لعَلِمه غَيْرُ المخاطب؛ فيُعدل إلى الموصول إخفاءً من غيره (٦).
الرابعُ: زيادةُ التقرير؛ أي: تقرير الخبر؛ نحو قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ (٧)؛ فإن في كونه في بيتها؛ المُسْتلزمِ لزيادةِ الاختلاط والانبساط - زيادةَ تقررٍ (٨) للمُراودة ليستْ في إيراد لفظةِ العَلَم؛ التي هي "زليخا" (٩).
_________________
(١) مثال يصدق على المتكلِّم.
(٢) مثال: يصدق على المخاطب.
(٣) مثال يصدق على المتكلِّم والمخاطب. وتنظر جميع هذه الأمثلة في المفتاح: (١٨١).
(٤) الاستهجان: استفعال من هجن. والهُجنة من الكلام: ما يعيب. ينظر: اللّسان: (هجن): (١٣/ ٤٣١).
(٥) وإنما عدل عن الاسم إلى الموصول لما في الاسم من معنى الحنظل؛ وهو شجرٌ مرَّ الطعم تأباه الأذواقُ، وتنفر من ذكره الطِّباع.
(٦) وهذا الوجه ممّا زاد المصنِّف على المفتاح.
(٧) سورة يوسف، من الآية: ٢٣.
(٨) في أ: "التّقرير".
(٩) قيل: إنّه اسم امرأة العزيز، وقيل: إن اسمها: "رغبل". ينظر: الجامع لأحكام القرآن: (٩/ ١٦٧)، وشرح عقود الجمان للسّيوطيّ: (١٦)، وفتح القدير: (٣/ ١٦). =
[ ١ / ٣٣١ ]
هكذا وجَّهَهُ المصنِّفُ، لكن قال صاحبُ "الإيضاح": زيادةُ التَّقريرِ لتنْزيه يُوسفَ؛ لأن الآيةَ مَسُوقةٌ لتنْزيهه عن الفَحْشاءِ، والمذكور أدلُّ عليه من امرأة العزيزِ (١)، ولفظُ "المفتاح" مُحْتملٌ للوجهينِ (٢).
_________________
(١) = ولم تتحقّق زيادة التقرير بإيراد لفظة العلم أو الوصف المجرد كقوله: "زليخا" أو "امرأة العزيز"؛ "لأن مثل هذا يقرر الغرض فقط ولا يزيده تأكيدًا؛ بخلاف التَّعريف بالموصولية فإنّه يزيد الغرض المسوق له الكلام تأ كيدًا؛ لاشتمال الصلة على ما يفيد هذه الزيادة في التّقرير ؛ لأن وجوده ﵇ في بيتها مع مالها من سعة السّلطان، وقوّة النّفوذ، ومع فرط الاختلاط والألفة -أدل على وقوع المراودة وصدور الاحتيال منها". من سمات التّراكيب دراسة تحليليّة لمسائل علم المعاني، أ. د عبد الستار زمّوط ص: (١٥٧).
(٢) ينظر: الإيضاح: (٢/ ١٤ - ١٥). وكان الموصول أدل على نزاهة يُوسف من التّصريح أو بامرأة العزيز؛ لأنه في بيتها وتمكّن من أداء ما طلبت منه؛ حيث هيّأت له كل أسباب التّمكن؛ ومع ذلك عفّ وامتنع فكان ذلك غاية في نزاهته عن الفحشاء". من سمات التّراكيب: (١٥٧).
(٣) أي: زيادة تقرير المراودة، وزيادة تقرير نزاهة يوسف ﵇؛ حيث إنّ لفظه لم يتجاوز زيادة التَّقرير؛ فكان صالحًا لكلا الوجهين. على أن الآية تصلح أن تكون مثالًا للوجوه الثّلاثة المتقدّمة. أَمَّا الوجه الأوَّل: "عدمُ علم المخاطب أو غيره إلا بالصّلة"؛ فلإمكان عدم علم الرّسول - ﷺ - باسمها. أمَّا الوجه الثاني: "استهجان التّصريح"؛ فلأنه يستهجن في الآيات القرآنية التصريح باسم المرأة الطّالبة للبغاء. وقد صرَّح صاحب المفتاح عقب إيراده الآية بما يدلّ على ذلك؛ حيث قال ص (١٨١): "والعدول عن التّصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيرًا". =
[ ١ / ٣٣٢ ]
الخامسُ: توجُّه الذِّهن (١) لما سيردُ عليه من الخبر عن الموصول؛ مُنتظرًا لِوُروده (٢) عليه (٣) حتَّى يأخذ (٤) منه (٥) مكانه إذا وَرَد -كما هُو المشهُور في لسانِ القومِ (٦): "الْمَحْصُولُ بَعْد الطلَبِ أَعَزُّ مِن المُنْسَاقِ بِلا تَعبٍ"- يقول الشَّاعر (٧):
والذِي حَارَتِ (٨) البَرِيَّةُ فِيهِ حَيَوانٌ مُسْتَحَدثٌ مِنْ جَمَادِ (٩)
_________________
(١) = أَمَّا الوجه الثّالث: "الإخفاء" فلأنه لو صرّح به لعلمه غير المخاطب.
(٢) أي: ذهن السّامع.
(٣) أي: الخبر.
(٤) أي: على الموصول.
(٥) أي: الخبر.
(٦) أي: من ذهن السَّامع.
(٧) تقدّم تخريجه ص (٨٧) قسم التّحقيق.
(٨) البيتُ من الخفيف. وقائله: أحمد بن عبد الله التّنوخيّ؛ المعروف بأبي العلاء المعرّي: قاله ضمن قصيدة يرثي بها فقيهًا حنفيًّا، والبيت في سقط الزّند: (١٢)، وشروح سقط الزّند: (٣/ ١٢٧)، وشرح التّنوير على سقط الزّند؛ لأبي يعقوب يوسف بن طاهر: (١/ ٢١٧)، واستشهد به -في هذا الموضع وفي غيره- السَّكاكيُّ في المفتاح: (١٨٣)، وبدر الدّين بن مالك في المصباح: (١٥)، والقزويني في الإيضاح: (٢/ ٥١)، والطّيبيّ في التّبيان: (٢٤٣)، وهو في المعاهد: (١/ ١٣٥).
(٩) حارت: بمعنى: اختلفت؛ من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ على سبيل المجاز المرسل.
(١٠) اختلف البلاغيّون في موضع الاستشهاد بهذا البيت، وتباينت حوله وجهاتُ نظرهم؛ فمنهم من أورده شاهدًا لكون المسند إليه موصولًا -كما فعل =
[ ١ / ٣٣٣ ]
وهو إِمَّا آدم -﵇-، أو ناقةُ صالحٍ، أو غيرُهما؛ من جمادٍ صار حيوانًا، إذا كان مجازًا للعُقولِ (١).
_________________
(١) = الشَّارح-؛ ومن هؤلاء: السكاكيِّ، وبدر الدِّين بن مالك، والطِّيبي. وفي بيان وجهة نظرهم يقول الطيبي (التّبيان: ٢٤٣): "والاستشهاد به هنا أوقع منه في باب تقديم المسند إليه؛ لما أن التشويق المستحسن إحدى خواصّ الأخبار بالذي؛ لما فيه من الإيهام الّذي هو سبب للتّشويق، وتطويله بالصلة هو سبب استحسانه على أنه مستلزم للتقديم". ومنهم من أورده شاهدًا لتقديم السند إليه؛ كما هو الحال عند القزويني ومن لف لفه ممّن تأخير عنه، وفي بيان وجهة نظرهم يقول القزوينِي: (الإيضاح: ٢/ ٥١): "وأمّا تقديمه فلكون ذكره أهمّ؛ إمَّا لأنه الأَصل ولا مقتضى للعدول عنه، وإما ليتمكن في ذهن السّامع؛ وإن في المبتدأ تشويقًا إليه؛ كقوله: والَّذي حَارَت البرية فِيهِ حَيَوان مُسْتَحْدَثٌ من جَمَاد وهذا أَوْلَى من جعله شاهدًا لكون السند إليه موصولًا؛ كما فعل السَّكاكيُّ". والّذي يترجّح لي -والله أعلم- أن النُّكت البلاغية لا تتزاحم، وليس من مانع على أن يكون البيت شاهدًا على الحالين؛ كما فعله السُّيوطيّ -﵀- في شرح عقود الجمان: ص (١٧، ٢٣)؛ إذ أورده شاهدًا عليهما.
(٢) رجّح سعد الدّين التفتازاني وبعض من جاء بعدَه من البلاغيين أنّ المراد بالحيوان المستحدث من الجماد: الإنسان؛ إما من حيث عوده بعد الفناء، أو حياته بالروح وموته بمفارقتها، بدليل السياق قبل البيت وبعده؛ أما قبله؛ فقوله: بأن أمرُ الإلهِ واختلفَ النَّاس فداعٍ إلى ضَلالٍ وهَادِي وأمّا بعده؛ فقوله: فاللبيبُ اللبيبُ من ليسَ يَغترُّ يكون مَصِيره للفَسادِ =
[ ١ / ٣٣٤ ]
السّادسُ: بناءُ الخبرِ عليهِ [أي: على الموصول] (١) تعظيمًا؛ [أي: تعظيمًا للخبرِ] (٢) نحو:
إِن الذِي سمَكَ (٣) السَّماءَ بَنَى لنا بَيْتًا (٤) دَعَائِمُهُ (٥) أَعَزُّ وَأَطْولُ (٦).
وفيه تعظيمٌ؛ حيثُ كان باني بيته سامكَ السَّماءِ. ونحو:
_________________
(١) = وظاهر أنهم أفادوا في ترجيحهم المتقدِّم من شارح سقط الزند؛ أبو محمّد البطليوسي؛ إذ قال في شرح البيت: (شروح سقط الزند: ٣/ ١٠٠٥): "يريد أنّ الجسم موات بطبعه، وإنما يصير حسّاسًا متحركًا باختيار باتصال النّفس به، فإذا فارقته عند الموت عاد إلى طبعه؛ فالحياة للنَّفس جوهريّة، وللجسم عرضيّة؛ فلذلك يعدم الجسم الحياة إذا فارقته النّفس، ولا تعدمها النفس". ينظر: المطول: (١/ ١٠٧)، معاهد التّنصيص: (١/ ١٣٦).
(٢) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب، وعلى مثله درج الشَّارح.
(٣) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب، وعلى مثله درج الشَّارح.
(٤) السمْكُ: الرَّفع. ينظر: اللِّسان: (سمك): (١٠/ ٤٤٣).
(٥) اختُلف في المراد بالبيت؛ فقيل: الكعبة، وقيل: أهل البيت، والراجح: أن المراد به بيت المجد والشرف؛ لمناسبة الفخر له.
(٦) الدعائم: جمع دِعامة -بالكسر-؛ وهي: عماد البيت الذي يقوم عليه. اللِّسان: (دعم): (١٢/ ٢٠٢).
(٧) البيتُ من الكامل. وقائله: همام بن غالب المعروف بـ "الفرزدق". والبيتُ في ديوانه: (٢/ ٢٠٩)، وفي المعاهد: (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٣٣٥ ]
إن الذِي خَلَقَ الأَشْيَاءَ صَوَّرني نارًا مِنَ البَأسِ في بَحْرٍ (١) مِن الجُودِ (٢)!.
أو تحقيقًا؛ نحو:
إن التي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجرَة بكُوفةِ الجُنْدِ (٣) غَالتْ (٤) ودَّها غُوْلُ (٥)، (٦)
_________________
(١) في اأَصل: "وبحرًا". والصواب من بقيَّة النّسخ، وهو المناسب للسياق.
(٢) البيت من البسيط، ولم أهتد إلى قائله -فيما بين يديَ من المصادر-.
(٣) هي مدينة الكوفة المشهورة، وإنّما أضيفت إلى "الجند" لمقام الجند بها، وهي مِصْر من سواد العراق؛ اختطها المسلمون في السَّنة ١٧ هـ. ينظر: معجم ما استعجم: (٤/ ١١٤١)، ومعجم البلدان: (٤/ ٤٩٠ - ٤٩٤)، والكامل في التاريخ: (٢/ ٣٧٢).
(٤) غالت: أي: أهلكت خفية. من الغَول -بالفتح-؛ وهو الإهلاك الذي لم يُدْر به. ينظر: اللِّسان: (غول): (١١/ ٥٠٧).
(٥) الغُوْلُ -بالضّم-: جنس السعلاة، والجمع: أغوال وغيلان. وقيل: الداهية، وقيل: كل ما اغتال. ينظر: اللِّسان: (غول): (١١/ ٥٠٧)، ومختار الصحاح: (٢٠٢).
(٦) البيتُ من البسيط؛ وهو لعبدة بن الطيب. ورد ضمن قصيدة طويلة في شعره: (٥٩)، وفي المفضّليّات؛ للضبي: (١٣٥)، وفي بهجة المجالس وأنس المجالس؛ للقرطبي: (٧٨١)، كما ورد منفردًا في المفتاح: (١٨٢)، والصباح: (١٧)، والإيضاح: (٢/ ١٧)، والتّبيان: (٢٤٢). وقد أورد أبو زيد في نوادره: (١٥٦) البيت برواية: "بكوفةِ الخُلدِ" على أنه موضع. غير أن البكري نقل ما يدفع ذلك؛ إذْ قال (معجم ما استعجم: ٤/ ١١٤٣): "وقال الأصمعي: إنّما هو بكوفة الجُنْد. والأول تصحيف. وهكذا نقلتُه من خط =
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفيهِ تحقيقُ الخبرِ؛ لأنها إذا هَجَرت وضَرَبت البيتَ بكُوفةِ الجندِ عازمةً للسَّفرِ - كان ودُّها هالكًا. يُقال: غَالته غولٌ: إذا وقعَ في مهلكة.
أَوْ تَعْلِيلًا، نحو (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ (٢). وهذا؛ أي: اختيار الموصولِ لبناءِ الخبرِ عليه تعليلًا قدْ يتبعه تعظيمٌ للمتكلِّم، نحو: "الذي يُرافقني يستحقُّ الإجلال"، أو للسامع؛ نحو: "الذي يُرافقُك (٣) يستحقُّ الإكرام"، أو للمذكور وهو المسند إليه؛ نحو: "الذي عنده السُّلطان يستحقُّ التَّعزير (٤) والتَّوقير"، أو
_________________
(١) = أبي عليّ القالي".
(٢) في ب: "كقوله" ولا اختلاف في المعنى.
(٣) سورة الكهف، من الآية: ١٠٧. وتمامها: ﴿نُزُلًا﴾. وأوضح من التّعليل الّذي نصّ عليه المصنّف أن يكون الغرض: الإيحاء إلى بناء الخبر وأنه من جنس الخبر، قياسًا على المثال الّذي أورده صاحب الإيضاح (١/ ٦٦): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ففي المثال إيحاء إلى وجه بناء الخبر، وأنه من جنس الشّر. وإنّما قلت: "وأوضح من التّعليل" وإن المثال الّذي ذكره الإيجي لا يتضمّن تعليلًا صريحًا ظاهرًا. والله أعلم.
(٤) في الأَصل: "رافق" والصّواب من: أ، ب.
(٥) هكذا في الأصل. وفي أ، ب: "التعظيم" وهما بمعنى متقارب.
[ ١ / ٣٣٧ ]
لغيرهم (١)؛ أي: غير المتكلم والسَّامع والمذكور؛ نحو: قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)؛ فإن في بناءِ كونهم خاسرين على تكذيبهم شُعَيبًا تعريضًا بتعظيمِ المصَدِّقين وتَنْزيههم عن الخُسْران (٣). أو إِهانةٌ عطفٌ على قوله: "تعظيم"؛ نحو: "الذي (٤) يفارقُني أو يُفارقك يستحقُّ الإكرام"، أو: "الذِي عنده الحرافيش" (٥) يستحقُّ اللوم". أو تنبيهًا -بالنَّصْبِ- عطفًا (٦) على قوله: "تعظيمًا"، والرَّفع (٧) عطفٌ (٨) على قوله: "تعظيم" والطاهرُ: أن النَّصبَ أقربُ إلى ما في "المفتاح" (٩)
_________________
(١) في ب: "لغيرها" وهو خطأ ظاهر.
(٢) سورة الأعراف، من الآية: ٩٢.
(٣) الّذي يبدو لي -والله أعلم- أنّ التّعظيم المراد ينصرف إلى شأن نبي الله شعيب؛ إذ أن تكذيبه أوجب هذا الخسران المبين. وهذا التّوجيه هو ما نجده في كتب البلاغيين المتأخّرين مثل: البغية: (١/ ١٦٦)، والمنهاج الواضح؛ لحامد عوني: (٤/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٤) في أ: "إنّ الذي" ولا وجه للتأكيد، ولم يرد في مثال المفتاح.
(٥) الحرافيش أو الخرافيش: أوغادُ الناس وأرذالهم.
(٦) في أ: "عطف" بالرفع.
(٧) في أ: "وبالرفع".
(٨) كلمة: "عطف" ساقطة من: أ.
(٩) وهو قول السكاكي (١٨٢): "وربّما جعل ذريعة إلى التَّنبيه للمخاطب على خطأ".
[ ١ / ٣٣٨ ]
على خطأ (١)؛ نحو (٢):
إن الذينَ تَرَونهم [إِخوانكُمْ] (٣) يَشْفي غَلِيلَ صُدُورِهم أَنْ تُصْرَعُوا (٤).
الغليلُ: حرارةُ العطشِ، والضِّغنُ (٥)، والحقدُ -أيضًا-. أو غيرُها -بالنَّصْبِ والرَّفع، تابعين لرفع التَّنبيه ونصبه-؛ أي: غير المذكورات؛ بنحو: تطييبُ (٦) قلوبِ الفقراءِ، أو غيره؛ يقول الشَّاعرِ (٧):
_________________
(١) في أ، ف: "الخطأ".
(٢) كلمة: "نحو" ساقطة من: أ.
(٣) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ومثبت من: أ، ب، ف.
(٤) البيتُ من الكامل. وقائلُه: عبدة بن الطيب، قاله ضمن قصيدة يعظُ فيها بنيه. والبيت في شعره: (٤٨) وفي المفضليّات: (١٤٧)، حماسة البحتريّ: (١٥٥)، والحيوان: (٤/ ١٦٧) برواية: إن الذي تَرَونَهُمْ خُلانكم يَشْفِي صداعَ رُؤُوسِهم أن تُصْرَعوا ونسب ابن المعتزّ في البديع: (٩٨) هذه الرِّواية إلى جرير، ولم أعثر عليها في ديوانه. واستشهد بالبيت صاحبُ المفتاح: (١٨٢)، والمصباح: (١٧)، والإيضاح: (٢/ ١٥)، والتبيان: (٢٤٢)، وهو في المعاهد: (١/ ١٠٠).
(٥) في أرسمت هكذا: "والظّعن".
(٦) في أ: "تطيب" وهو تحريف بالنقص.
(٧) هكذا -أيضًا- وردت جملة: "كقول الشاعر" ضمن كلام المصنِف في: أ، ب. وليست ضمن ف. والبيتُ من السَّريع، وقائلُه أبو العلاء المعرِّي. قاله ضمن قصيدة يرثي بها جعفر بن =
[ ١ / ٣٣٩ ]
إن الذِي الوَحْشَةُ في دَارِه تُؤْنِسُهُ الرحْمَةُ في لَحْدِهِ
وإنَّما أوردَ السَّكّاكي هذا البيتَ مثالًا للتَّنبيه على معنى آخر غير الخطأ (١)، كعلى (٢) التَّطييب، فعلى هذا هو مثال لما هو قسمٌ للتَّنبيه، وعلى ما فعله المصنِّفُ لما هو قسيم للتَّنبيه (٣).
_________________
(١) = على - ﵁ -. وقد ورد في سقط الزّند: (٢٨)، وشروح سقط الرند: (٣/ ١٢٧)، وشرح التنوير على سقط الزّند: (٢/ ١٠). واستشهد به صاحبُ المفتاح: (١٨٢)، والتبيان: (٢٤٢).
(٢) حيث قال (مفتاح العلوم: ١٨٢): "وربّما جعل ذريعة إلى التّنبيه للمخاطب إلى خطأ؛ كقوله: إن الذين ترونهم أو على معنى آخربم كقولهم: إنّ الذي الوحشة ".
(٣) في الأَصل: "كعلة" والصّواب من: أ، ب. وهو الموافق للسّياق قبله.
(٤) وحاصلُ الخلاف بين المصنِّف والسَّكاكيِّ في الاستشهاد بالبيت يعود إلى سببين رئيسين: الأوَّل: سبب مباشر؛ وهو اختلاف التَّقسيم بينهما -في هذا الموضع-؛ حيث إنّ المصنِّف لم يفرّق بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر مطلقًا، وبين ما يتفرع من الاعتبارات الأخرى؛ فقد جعل المصنِّف التَّعظيم والإهانة مختصا بالتّعليل؛ بينما جعله السَّكاكيُّ من فروع الإيماء إلى وحه البناء مطلقًا. كما أنّ المصنِّف جعل التّعليل مقابلًا للفروع؛ بينما لحظه السَّكاكيّ في الكلّ. وتبعًا لاختلاف التقسيم اختلف إيراد البيت. الثاني: سبب غيرُ مباشر؛ وهو اختلاف المنهج بين المصنّف والسَّكاكيِّ في عرض مباحثهما بعامّة؛ حيث إِن المصنِّف عالج مباحث أحوال المسند إليه وأحوال المسند من خلال الدّمج بينهما -رومًا للاختصار؛ بخلاف السَّكاكيِّ الذي فَصَل بينهما؛ ممّا نتج عنه اختصاص بعض الأحوال إمَّا بالمسند إليه أو بالمسند، وعدم صلاحيّتها للتَّعميم؛ الأمر الذي تعذّر معه -أحيانًا- مسايرة المصنِّف للسكّاكي =
[ ١ / ٣٤٠ ]
وحاصلُه: أن معنى بناءِ الخبرِ على الموصول كونُ الموصولِ مَع صلتهِ بحيثُ يكون بينه وبينَ الخبرِ تعلُّقٌ يقتضِي بناءَه عليه وإسناده إليه، ويكُون هو الباعثُ على الإِخبار، وذلك إِمَّا بالتَّعريض للتَّعظيم؛ نحو: "إن الذِي سمك السَّماءَ"، وإِمَّا بالعَلِّية لميّة (١)، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)، أو آنيَّة (٣)، وهو الذي عبَّر عنه بتحقيق الخَبر، نحو: "إن الّتي ضَرَبت"، وإِمَّا بالرَّدِّ عليه والتَّنبيه على الخطأ، نحو: "إِن الذين ترونهم (٤) "، وإِمَّا بغيرِ (٥) المذكورات، نحو: "إن الذي الوحشة في داره (٦) ". وعلى هذا التَّوجيه لا يَرِدُ اعتراضٌ، فتأَمَّل.
_________________
(١) = بدقّة تامّة.
(٢) عنى بقوله: "لميّة" الشَّيءَ المنتظرَ الوقوع. من "لَمّا". ينظر: اللِّسان: (لمم): (١٢/ ٥٥٣).
(٣) سورة الكهف: من الآية: ١٠٧. وفي أ، ب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
(٤) عنى بقوله: "آنية" الشّيءَ الحائنَ الوقوع. من "أوان" أو "إوان" بمعنى الحين. ينظر: اللّسان: (أون): (١٣/ ٣٩).
(٥) في أ، ب، زيد: "إخوانكم".
(٦) في أ: "لغير".
(٧) قوله: "في داره" ساقط من ب.
[ ١ / ٣٤١ ]