[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ربِّ يسِّر.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ على خير خلقِه محمّد وآله أجمعين، وبعدُ؛
فيقول العبدُ، أصغرُ عبادِ الله -تعالى- محمَّدُ بن يوسف الكرمانيّ؛ أعلى اللهُ منزلَه، ومنزلَته في الْمَنزلَيْن!، ورفع مكانَه، ومكانتَه في المَكَانَيْن! -:
قال الأستاذُ (١):] (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)
الحمدُ للهِ الِّذي خَلَقَ الإنسانَ.
- الحمدُ: الثناءُ على الجميلِ على جهةِ التَّعظيمِ. وهو بِاللِّسانِ وحده.
والشُّكْرُ على النِّعمة خاصَّة؛ لكن يعمُّ اللِّسانَ والجنانَ
_________________
(١) إذا أطلق الكرماني -﵀- لفظة: "الأستاذ" فإِنَّه يعني بذلك شيخه الإيجيّ -كما ثبت لي من نقولات كثيرة في المخطوط- وقد سبق ذكر ذلك في الدّراسة ص (١١٩).
(٢) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل. ومثبتٌ من أ.
(٣) هكذا -أيضًا- وردت البسملة عند المصنِّف في ف. ولم ترد في أ. وزيد بعدها في ب: "وبه نستعين".
[ ١ / ٢٠٧ ]
والأركانَ (١). فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه (٢).
والحمدُ قد يترتَّب على الفضائِل (٣). والشُّكرُ لا يكون إلَّا للفواضل (٤).
أَلْهمَهُ (٥) المعاني، وعلمه البيان؛ فيه من حُسْنِ المطْلع وبراعةِ الاسْتهلال ما لا يَخْفَى (٦).
_________________
(١) وذلك بأن يُثني الشَّاكر على الْمُنعِم باللسان، والاعتقاد، والعمل. وقد جمعها الشَّاعر في قوله: أفَادَتْكُمُ النَّعمَاءُ مَنِّي ثَلاثةً يَدِي، وَلِسَانِي، والضمير لمُحَجَّبَا
(٢) فعلى هذا يكونُ الحمدُ أعمَّ من الشُّكر مورِدًا؛ لوروده على غير الإنعام. واُخصَّ منه مصدرًا؛ لاخْتصاصه باللسان دونه. والعكسُ بالعكسِ.
(٣) الفضائل: جمع فضيلة؛ وهي: الدَّرجة الرَّفيعة، من الفضل ضدَّ النَّقص. ينظر: اللسان (فضل): (١١/ ٥٢٤). واراد بالفضائلِ: الخصال اللّازمة للإنسان غير المتعدية عنه؛ كالعلم والشَّجاعة.
(٤) الفواضلُ: جمعُ فاضلة؛ وهي: اليدُ الجميلة، ومنه أفْضل الرَّجل على فلان وتفضَّل؛ بمعنى: أناله من فضلِه، وأحسنَ إلىه. يُنظرُ: مادَّة: (فضل): اللّسان (١١/ ٥٢٥)، وأساس البلاغة: (٢/ ٢٦). وأراد: الخِصَال المتعدِّية من إنسانٍ، إلى غيره؛ كالعطاء وغيره.
(٥) الإلهام: ما يُلقى في الرُّوع. اللِّسان (لهم): (١٢/ ٥٥٥).
(٦) من ذلك ما ذكره أحدُ شُرَّاح الفوائد الغياثية إذ قال (شرح الفوائِد "مخطوط" مجهول المؤلف؛ ل: ٣): "هذا الطلع يشتملُ على أنواع من الحُسْن:
(٧) أنَّه افتتح كلامه. مما افتتح به ﷾ كلامَه المجيد؛ الّذي فإنْ حُسْنًا كلامَ البُلَغَاء طُرّا. =
[ ١ / ٢٠٨ ]
والصلاة على نبيِّه محمدٍ الذي أُنزلَ إليه (١) القرآن معجِزًا، أَبْكمَ بِهِ فُصَحَاءَ بني عدنان (٢)، وعلى آلهِ وأصحابهِ أهلِ الرحمةِ والرّضوان.
وبعدُ:
فهذا مُختصرٌ في عِلْمي (٣) المعاني والبيان؛ يتضمَّن مقاصدَ مفتاح
_________________
(١) = ٢ - أن فيه تلميحًا إلى ما رَوَى أبو هريرةٍ - ﵁ -: "كل كَلامٍ لَا يُبْدأ فيه بالحَمدُ للهِ فَهو أجْذَم".
(٢) أن فيه اقْتباسًا من قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ (٣) عَلمَهُ الْبَيَان﴾ [الرحمن: ٣، ٤].
(٣) أن فيه ترقِّيًا لطيفًا إلى إلهام المعاني؛ ثُمَّ مِنه إلى تعليمِ البيان. فإن الله خلقَ الإنسان أولًا، ثم ألْهمه المعاني التي ينتفعُ بها
(٤) إنّه ضَمّنه ما سيق الكلام لأجله؛ ويُسمَّى: براعة الاستِهلال".
(٥) كذا في الأصل، ف. وفي أ، ب: "عَليه".
(٦) هو أحد من تقفُ عندهم أَنسابُ العرب. ويَتفق المؤرخون على أنه من ولد إسماعيل -﵇-؛ إلَّا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جُهلت جُملة. إلىه تُنْسب مُعظمُ قبائل الحجاز، ومن نسله الرَّسولُ محمّد ﷺ. ينظر ترجمته في: تاريخ الطبري: (٢/ ٢٧١)، جمهرة أنساب العرب: (٧)، الأعلام: (٤/ ٢١٨). وإنَّما خصَّ فصحاء بني عدنان -دون غيرهم-؛ لأنهم أفصحُ العرب على الإطْلاق؛ فيلزم إبكام غيرهم بالطريقِ الأوْلَى.
(٧) في الأصل، أ، ب: "عِلْم" بالإفراد، والمثْبتُ من ف. والتّثنية أولى من الإفراد=
[ ١ / ٢٠٩ ]
العُلوم (١)، لا أَفرادَ مسائلهِ، وآحادَ دلائله. سمَّيتُه بـ: "الفوائد الغياثيّة"، منسوبةً إلى الوزيرِ بن الوزيرِ بن
_________________
(١) = لأمورٍ، منها: أ- أن كل واحد منهما: "المعاني، البيان" -وإنْ تلازما- علم مستقلّ بذاته، فالتثنية أصدق عليهما؛ بخلاف من أثبت الإفراد؛ فإنَّه يتحتَّم عليه أن يصرفه إلى الجِنْس أَوّلا "علم البلاغة"، ومن ثم إلى عِلمي المعاني والبيان. ومن وجهٍ آخر يلزمه -أيضًا- تقدير محذوف قبل كلمة "البيان"، ليستقيم الكلام وهو كلمة "وعلم"؛ فيكون الكلام هكذا: "فهذا مختصر في علم المعاني وعلم البيان، وما لا يحتمل التقدير أَوْلَى مما يحتمل التقدير. لذا كانت التثنية أَوْلَى. ب- ما ذكره المصنّف من أنّ كتابَه مُختصر "يتضمّن مقاصد مفتاح العلوم؛ وقد صرّح صاحب الفتاح "السَّكاكيّ" بالتَّثنية؛ إذ قال (مفتاح العلوم: ١٦١): "القسم الثالث في علمي المعاني والبيان" فتأَكد إثباتها قياسًا للفرع على الأصل.
(٢) أي: مقاصد القسم الثالث من مفتاح العلوم، لأبي يعقوب السَّكاكي؛ أطلق اسم الكلّ وأراد به الجزء. هذا هو الرّأي الرّاجح. وقد ذكر أحدُ الشُّرَّاح رأيًا آخر إضافة إلى ما تقدّم؛ وهو أن المختصر "يتضمن مقاصد المفتاح نفسه؛ وهو ما يشتمل عليه القسم الثالث إذ هو المقصود بالذات من المفتاح، وما تشتمل عليه سائر الأجزاء؛ من سوابقه ولواحقه- وسيلة إليه". شرح الفوائد الغياثية. مجهول: (٤ / أ). ولا شكّ أن هذا الرأي مرجوحٌ مجانبٌ للصَّواب؛ لأنَّ الفوائد الغياثية لم تشتمل إلَّا على مهمّات القسم الثّالث لا مجموعها. ولو كان الأمر كما ذكر لوجب استيعاب القسم الثّالث بتمامه. وليس كذلك. يقول طاشكبرى زاده دافعًا هذا الرّأي (شرح الفوائد الغياثية: ٥): "ولا توهمنّ أنّه أَراد بمفتاح العلوم: المجموع، وبالمقاصد: القسم الثّالث؛ بناء على أنَّه العُمدة =
[ ١ / ٢١٠ ]
الوزيرِ (١)، الذي ما وَسع في طَرفِ العالمين (٢) إدراك طرف عَظمتهِ، وما وَضَعَ الزَّمانُ أَمرًا إلَّا بَعد مشيئَتِه، الدّستورِ، الأعلمِ، الأعظَمِ، سلطانِ وزراءِ العالم، غياثِ المستغيثين، خُلاصةِ الماءِ والطِّينِ (٣)، غِياث الدُّنيا والدِّين، رشيدِ الإسلامِ والمسلمين (٤).
_________________
(١) = القصوى من بين سائره؛ لأَنَّه لا يلائم المقام".
(٢) "ابن الوزير" الثانية ساقطة من ب. والوزير بن الوزير بن الوزير هو غياث الدّين محمد ابن سلطان الوزراء رشيد الدّين. استوزره أبو سعيد خان آخر ملوك الدّولة الإيلخانيّة. كان رجلًا صالحًا، تقيًّا، عادلًا، محبًّا للعلم. وإليه نسب بعض العلماء مؤلّفاتهم. ينظر: تاريخ أدبيّات إيران: (٣/ ٤٦) "باللُّغة الفارسيّة".
(٣) الطرف: طَرف العين. اللّسان (طرف): (٩/ ٢١٣). وأضاف الطّرف إلى العالمين من باب الاستعارة؛ تقويةً للمعني، ومبالغةً في المدح.
(٤) عبارة: "غياث المستغيثين والطين" ساقطة من أ.
(٥) في ظاهر قول الشّارح: "الذي ما وسع والمسلمين" مغالاة في الإطراء، ومجاوزة في المدح والثّناء؛ بل تضمّنت بعض جمل القول ما ينافي التّوحيد -في الظّاهر-. منها: وصفه ممدوحه بأنّ الزّمان لا يضع أمرًا إلّا بعد مشيئته، فالمشيئة المطلقة لله -﷾-. "والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله؛ ولا قدرة له على أن يشاء شيئًا إلّا إذا كان الله قد شاءه؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. فتح المجيد شرح كتاب التّوحيد: (٤٧٢). ومنها: وصفه الممدوح بأنه: "غياث المستغيثين"، و"غياث الدُّنيا والدّين".=
[ ١ / ٢١١ ]
سقاهُ (١) الله شَآبيبَ (٢) الرِّضوانِ!، وكساهُ (٣) جلابيبَ (٤) الغفران!، تيمُّنًا (٥) باسم منْ ألقى إليه الدَّهرُ قيادَه. القِيادُ: حَبْلٌ تُقاد به الدَّابَّة. وقامَ بأمرِ المُلكِ بأيْدٍ، فيه مُبالغةٌ في جدِّه واجتهادِه به. فأقامَه وما آده؛ أي: ما أَتعبَه (٦). بابُه قِبْلةُ الحاجاتِ، يُطْوى إليه كُلُّ فَج عميقٍ (٧)، الفجُّ:
_________________
(١) = فالاستغاثة بهذا الإطلاق لا تكون إلّا لله -﷾-؛ فهو المتفرّد بذلك، قال -تعالى-: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢]. ثمّ من هو الوزير بن الوزير بن الوزير -وإن سما- بجانب صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين حتى يوصف بأنّه خلاصة الماء والطين!!. وهذا حكم على ظاهر تعبيره، ولم يفصح عن مراده فيه.
(٢) في الأصل: "سقاهما" بالتثنية، والضواب من: أ.
(٣) الشآبيبُ: جمع شُوبوب؛ وهو: الدّفعة من المطر وغيره. اللِّسان: (شأب): (١/ ٤٨٠).
(٤) في الأصل: "كساهما" بالتّثنية، والصّواب من: أ.
(٥) الجلابيبُ: جمع جِلْباب؛ وهو قميص، أو إزار يُشتمَلُ به. ينظر: اللِّسان: (جلب): (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٦) طلبًا لليمين والبركة؛ وهذا تعليل للتّسمية بـ "الفوائد الغياثية".
(٧) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: من الآية/ ٢٥٥].
(٨) في الأصل تأخرت كلمة "عميق"، وفصل بينها وبين موصولها بتفسير كلمة (الفجّ). وتقديمها تبعًا لما جاء في: أ، ب، ولكون وصل السياق أبلغ في إيضاح المعنى. وقوله: "كُل فجٍّ عميقٍ" اقْتباسٌ جُزئي من قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي الناسِ بِالْحَجِّ =
[ ١ / ٢١٢ ]
الطريقُ الواسع بين الجبلينِ. ويُلْوى إليه أعناقُ الآمالِ من كلّ بلدٍ سحيقٍ (١). يُعَفَّرُ؛ أي: يُمَرَّغُ في التُّرابِ، في فنائه، أي: فيما امتدَّ من جوانب دارِه. جِباهُ الصّيَدِ، وهو جمع الأَصيَد. وَهُو (٢) الذي يرفع رَأسَه كِبْرًا. ومنه قيلَ للملِك: أَصيَدُ. ويَتزاحمُ لاسْتسلامِ (٣) عتبته (٤) شِفاةُ الصناديدِ. استسلمَ الحجرَ، أي: لَمِسَه (٥)، إمَّا بالقُبْلة، أَوْ باليَد. وفي بَعض النُّسَخ: "لاستلامِ"؛ والْمعنى هو الْمَعنى. [و] (٦) الصَّناديدُ: حمعُ الصِّنديد (٧)، وهو: السَّيِّد الشُّجاع.
وامتثالًا له؛ عطفٌ على قوله: (تيمّنًا)؛ حين أمرَ بتلخيصِ مُستودعاته، وتجريدها عن فَضْفاض عباراتهِ المنمنَمَةِ.
الفَضْفَضَةُ: سَعَةُ الثوبِ والدِّرع والعيشِ؛ يقالُ: ثوبٌ فَضْفَاضٌ، أي: واسِع.
_________________
(١) = يَأتوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُل ضَامِرٍ يأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ [الحجّ: الآية / ٢٧].
(٢) السحيق: البعيدُ. اللسان: (سحق): (١/ ١٥٤).
(٣) في أ، ب: "هو".
(٤) في ف: "لاسْتلام"؛ وهي رواية بعض نسخ المتن كما ذكر الشّارح عقب ذلك.
(٥) العتبة: هي أُسْكفةُ الباب التي تُوطأ. وقيل: هي ما يَعْلوه. ينظر مادّة (عتب)؛ اللسان: (١/ ٥٧٦)، مختار الصحاح: (١٧٣).
(٦) في أ: "مسه".
(٧) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(٨) في أ: "صِنْدِيد".
[ ١ / ٢١٣ ]
ونَمنم الشَّيءَ نَمنَمه؛ أي: نَقَّشَه (١) وزَخْرَفه. وثوْبٌ مُنَمنَمٌ؛ أي: مُوَشَّى.
الَّتي تَسْتَميلُ؛ أي: العبَارات. النُّفوسَ بحُسْنِها (٢)، وتشغلُ بريِّق شفيفها ومُؤنق تفويفها.
راقني الشَّيءُ يروقني: [أي] (٣) أعجبني. والرَّوق جاء. بمعنى: الصَّفاء -أيضًا-.
والشّفَيفُ: الرَّقيقُ؛ بحيثُ يُرى ما خَلْفَه.
ومُؤنق: اسْم فاعلٍ منْ آنقني الشَّيءُ؛ إذا (٤) أعجَبني.
والتَّفْويف: التَّخطيط؛ بُرْدٌ مُفوَّفٌ؛ أي: فيه خُطُوط بيض.
عن مُشاهدةِ الخرائدِ (٥)؛ جمع (٦) خريدةٍ؛ وهي: الحيِيَّةُ من النِّساء (٧).
_________________
(١) في: أ، ب: "رقشه"، وكلاهما بعني واحد. ينظر: اللِّسان: (نمم): (١٢/ ٥١٣).
(٢) في ب جاء سياقُ العبارة هكذا: "التي" أي العبارات. التي تَسْتميلُ النُّفوسَ بحُسنها. وتكرار المتن يحول دون استقامته.
(٣) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ومثبت من: أ، ب. وعليه درج الشّارح.
(٤) في أ، ب: "أي".
(٥) هكذا في الأصل، ف. وفي أ: "عن مُشاهدة مَشَاهد خَرائدِها".
(٦) هكذا ابتدأ الشّارح في الأصل، وهو الموافق لما بعده. وفي أ، ب زيد قبله: "الخرائد".
(٧) ذكر أحدُ الشُّرَّاح معنى آخر للخرائد غير ما ذكره المصنف؛ فقال (شرح الفوائد الغياثيّة لمجهول ٦ / أ): "الخريدة العذراء، ومنه لؤلؤةٌ خريدةٌ، أي: غير مثقوبة"، ثمّ علَّق عليه بقوله: "وحملها على هذا المعنى -ها هنا- أبلغ، ليفيد أَن النُّفوس =
[ ١ / ٢١٤ ]
المُتجَلْبِبَة بها (١). وقد قُرئ -أيضًا- على المصنّف (٢) - بدل قوله: "مُشاهدة": "محاسنِ الخرائد" (٣). والتَّمتّع؛ عطفٌ على قوله: "مُشاهدة". بلطائفِ خِلَقِهنَّ؛ جَمع الخِلْقة؛ وهي -بالكَسْر - (٤) الفِطرة. وشمائلهنَّ؛ جمع شِمال؛ وهو الخُلُق. لِيَجْتَليَها (٥)؛ يتعلّق بقوله: "أَمَر" غاية له (٦)، ويحتملُ -أيضًا- كونه غايةً لقوله: "امتِثَالًا" (٧). وهي غَوَانٍ؛ جملةٌ معترضِةٌ؛ جمع غَانيةِ؛ وهي: الجاريةُ الّتي غَنِيَتْ بزوجها؛ أي: استغنت به عَن غيره. وقد يكَونُ للّتي (٨) غَنِيَت بحُسنها وجمالها عن الحليّ. مرفوضة السِّتر (٩)، مرفوعةَ الحجابِ، مُمَاطةَ اللّثام، مَنْضُوَّةَ
_________________
(١) = أعرضت عن ملاحظة المعاني المستودعة فيه بِالكُلية؛ حتّى بقيت أبكارًا؛ لميلها إلى العبارات بحسنها، واشتغالها بزينتها".
(٢) أي: المتلحّفة بها، والضّمير في "بها" عائدٌ إلى العبارات.
(٣) متى أطلق الشّارح كلمة: "المصنّف" فإنّه يعني بها شيخه الإيجيّ -رحمهما الله-.
(٤) العبارة في أ: " قوله: (عن مشاهدة مشاهد خرائدها): عن مشاهدة محاسن الخرائد"، وفي ب: " قوله: (مشاهدة الخرائد): محاسن الخرائد".
(٥) في أ: "بكسر الخاء".
(٦) اِجْتلى الشيءَ: نظر إليه. اللسان: (جلا): (١٤/ ١٥١).
(٧) والمعنى على هذه الغاية: أَمَر بتلخيصِ مستودعاته، وتجرِيدِ خرايدِ معانيه عن جلْباب عباراته المزينة؛ لينظر إليها مكشوفةً.
(٨) والمعنى على هذه الغاية: اِمتثلتُ أمرَه بتلخيص مسستودعاته؛ ليتحقّق الاجتلاء.
(٩) في أ، ب: "الّتي".
(١٠) أي: متروكة ما يُستتر به، والرَّفض: التَّرك. اللِّسان: (رفض): (٧/ ١٥٦).
[ ١ / ٢١٥ ]
الجلباب (١)؛ فيقْضِيَ منها وطَرَه (٢) في أَقْصر مُدَّةٍ (٣). ولا يُعَرِّج: عطفٌ على قوله: "لِيجْتليها"، [أَوْ على قوله: "فيقضي"] (٤). والتَّعريجُ على الشَّيءِ: الإقامةُ عليه، يُقالُ: "عَرَّج فُلانٌ على المنْزلِ"، إذا حَبَسَ مَطيّتَهُ عليه وأَقام. أي: لئلَّا يَكثُر توقُّفُه عليه. ولا يُقيم عَليها إلّا إناخة (٥) راحلٍ مُشَمِّرٍ عن ساق الجدِّ؛ شَمَّر عن ساقه، وشَمَّر (٦) في أمره (٧)؛ أي:
_________________
(١) أي: مخلوعة الثوب. يُقال: نضا ثوبه عنه نضْوًا: إذا خلَعه وألقاه. اللِّسان: (نضا): (١٥/ ٣٢٩)، ومنه قول امرئ القيس: "فجئتُ وَقَد نَضَّتْ لنَوم ثِيابَها". ديوانه: (١٤).
(٢) الوطر: الحاجة. ينظر: اللِّسان: (وطر): (٥/ ٢٨٥). وقضَى فُلانٌ وطَرَه؛ أي: فرَغ من حاجته. وجملة: "فيقضي منها وطره " مقتبسة من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(٣) في قله الإيجي -﵀-: "عن مشاهدة في أقصر مدة" دقّة في إبراز المعنى، وتمكينٌ له في ذهن المتلقِّي -ممّا يدل أنه تملّك ناصية البيان-؛ فقد استعار الخرائد للمعاني، ثم عقبها بصفات مُلائمة لها؛ منطقيّة التسلسل، متدرّجة الإثارة؛ فهي: مكشوفة الأسْتار أوّلًا، ومرفوعة الحجاب ثانيًا، ومنحَّاة اللِّثام ثالثًا، ومخلوعة الثِّياب رابعا، ليقرّر من ذلك كلّه سهولة الوصول إلى المعنى المراد؛ كما وشت الصفات المتتابعةُ بسهولة الوصول إلى الموصوف.
(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب، ومثبت من: أ.
(٥) النَّوْخَةُ: الإقامة ومنه أناخَ البعيرَ، أي: أبركة فبَرك. ينظر: اللِّسان (نوخ): (٣/ ٦٥).
(٦) في الأصل: "وَشَمَّرها". وفي ب: "شمرة". والمثبت من: أ؛ وهو الموافق لما في الصّحاح واللِّسان. ينظر: الصِّحاح: (٢/ ٦٠٤)، واللِّسان: (٤/ ٤٢٧) (شمر).
(٧) في أ: "أموره".
[ ١ / ٢١٦ ]
خفَّ. أي: إلَّا إقامةً (١) قليلةً على جناح الاستعجال (٢). لتدبُّر، متعلِّق بقوله: "لا يُعَرِّج". لطائفِ كتابِ اللهِ وفوائدِه، والغوصِ: عطفٌ على قوله: "لتدبُّر". في تيَّار بحارِ عويصاتِه؛ لاسْتخراجِ فرائده: التَّيَّارُ: الموج. والعويصُ: ما يصعُبُ استخراجُ معناه؛ اعتاص عليه الأَمرُ؛ أي: الْتَوى. والفريدةُ: الدُّرَّة الكبيرة (٣). والله -تعالى- أَسألُ أن ينفعَ (٤) به (٥)، إِئَه خير موَفِّق ومُعين.
وهو (٦) مرتَّبٌ على مقدِّمة وفصلين؛ لأَن البحثَ فيه إمَّا أن يكون بحيث [إِن] (٧) الأبحاثَ الآتية موقوفةٌ عليه، أَوْ لا؛ الأوّل: المقدِّمة. والثاني: إمَّا أن يكون من حيث الإفادة، أَوْ من حيث كيفيَّة الإفادة؛ الأَوَّل: الفصل (٨) الّذي في المعاني. والثاني: الفصل الذي في البيان (٩).
_________________
(١) في أزيادة: "خفيفةً"، والمعنى تام بدونها.
(٢) في أزيادة: "خفيفًا" ولا وجه بها.
(٣) في الأصل، ب: "الدّرّ الكبيرُ". والمثبت من: أ. وهو المناسب للإفراد والتَّأنيث قبله.
(٤) في ب: "يُنتفع".
(٥) الضَّمير في "به" عائدٌ إلى المختصر الَّذي صرّح به في أوّلِ الكلامِ: "وبعد فهذا مختصر ".
(٦) عائدٌ إلى المختصر -أيضًا-.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب، ومثبت من: أ.
(٨) في أزيادة: "الأَوَّل" ولا وجه لها.
(٩) ذكر بعضُ شُرَّاحِ الفوائدِ عباراتٍ أُخرى لانحصار المختصر في البحوث الثلاثة المتقدّمة، منها: =
[ ١ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١ - "أنَّ المذكورَ في المختصر إمَّا أن يكون من قبيل مقاصد علم البلاغة أَوْ لا. الثانِي: المقدِّمة. والأوَّلُ إن كان الغرضُ منه الاحترازَ عن الخطأ في تطبيق الكلام لمقتضى الحال؛ فهو: الفَصل الأوَّلُ. وإلَّا فإنْ كان الغرضُ منه الاحترازَ عن الخطأ في إيراد الكلام على مراتب الوضوح بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال؛ فهو: الفصل الثّاني". شرح الفوائد الغياثية. طاش كبري زاده: (٨).
(٢) "أن المبحوثَ عنه في المختصر إِمَّا أن يكون مَقْصودًا بالذات، أَوْ لا. والثاني يجب أن يتوقف عليه المقصود بالذات -وإلا كان ذِكْرُه عبثًا-؛ وهو: المقدِّمة. والأوّل إن كان البحثُ فيه عن إفادة التَّراكيب لمعانيها العقليَّة -أي: الّتي لا يُكتفى في فهمها مجرّد الوضع-؛ فهو: الفصل الأوّل الباحث عن علم المعاني. وإنْ كان البحثُ فيه عن كيفيّة إفادتها لها بحسب الجلاء والخفاء؛ فهو الفصل الثّاني الباحث عن علم البيان". شرح الفوائد. مجهول (٧: أ- ب). وجميع تلك العبارات -وإن اختلفت ألفاظها- تدور حول معنى واحد، خلاصته ما ذكره المصنّف ﵀!.
[ ١ / ٢١٨ ]
المقدِّمة
[ ١ / ٢١٩ ]