تضمَّن كتابُ "الفوائد الغياثيَّة" تلخيصًا وافيًا للقسم الثَّالثِ من مفتاح العلومِ مع إيجازٍ شَديدٍ مَشُوب ببعضِ التَّنبيهاتِ المُهمَّة، والتَّذنيباتِ المُتمّة، والفوائدِ القيِّمة الَّتي زيدت على "المفتاح".
وعليه فإن كتابَ "الفوائد الغياثيَّة" يوازي كتابَ تلخيصِ الخطيب في المَنْزِلةِ؛ فكلاهما مختصرٌ للمفتاح وإن تميَّزَ الثَّاني بالبُعْدِ عن الرُّوح المنطقِيَّة، والتَّوسّع في التَّحليل، والاسْتشهادِ، وبسطِ الآراء، وإبْدَاءِ الاعْتراضاتِ؛ وبخاصَّة على السَّكاكيِّ نَفْسِه؛ متى لم يَقْتَنِعْ برأيه، وهو ما نُفَسِّرُ به ذيوعَ صيته، وكثرة الشّروح حوله مقارنة بمؤلّف صاحبنا.
ويَبْدو لنا -بالمقابل- مختصرُ الإيجيِّ مركّزَ العبارةِ، عميقَ الفكرةِ، ظاهرَ الصَّنعةِ، جيِّد السّبك، لم يغبْ عن مُؤلِّفه -ولو طَرْفة عينٍ- أَنَّه يعدُّ مختصرًا صالحًا للحفظ.
ومَهْما يكن من أمرٍ فقد نال كتابُ الإيجيِّ حظَّه من الفَضْلِ والمكَانةِ، وتلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والرِّضا، وبخاصّة علماءُ المشرقِ، وتواردَ عليه الشُّرَّاحُ من مختلف العُصورِ يفكّون عباراتِه ويَنْشُرون عَبِيرَه.
ومِمَّن صرَّحت كتبُ المؤلّفين بذكْرِهم من أُولئك الشُّرَّاح ممّا يدلُّ على أهميَّةِ الكِتاب ما يلي:
١ - السّيّد عبد الله بن محمد أحمد الحسينِيّ (ت ٧٧٦ هـ).
[ ١ / ٣٣ ]
٢ - شمس الدِّينِ الكرمانيّ (ت ٧٨٦ هـ) (صاحبَ الكتاب الَّذي نحن في صدد تحقيقه).
٣ - شمس الدِّينِ؛ محمَّدِ بن حمزة الفَناريِّ (ت ٨٣٤ هـ).
٤ - محمَّد بن السّيّدِ الشَّريف (علي) الجرجانيّ (ت ٨٣٨ هـ).
٥ - الشّريف مير علي البخاريّ (ت ٩٥٠ هـ).
٦ - السّيّد عيسى بن محمّد الصَّفويِّ (ت ٩٥٣ هـ).
٧ - عصامَ الدِّين؛ أحمد بن مصطفى طاش كبرى زاده (ت ٩٦٨ هـ).
٨ - محمود بنَ محمَّدِ بن شاه الفاروقيّ الجونبوريّ (ت ١٠٦٢ هـ) (١).
وعن قيمة الكتاب العلميّة يقول آخرُ الشّرّاح في مقدِّمة شرحه (٢):
"ولعمري إِنَّه مع تَنَاهيه في الإيجازِ جاوزَ حدَّ السِّحر وإن لم يبلغ الإعجاز، وهو قمين بأن ينمَّق بطباقِ العينِ على طباقِ العين:
فَفِي كُلِّ لَفظٍ مِنْه رَوْضٌ من المُنى وفِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْه عقْدٌ من الدُّرَرِ".
_________________
(١) تنظر هذه الشُّروح، ووصفٌ موجزٌ لبعضها في كشف الظُّنون: (٢/ ١٢٩٩).
(٢) المسمّى: "الفرائد في شرح الفوائد"، وتوجد نسخة خطِّيَّة منه في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء. (ينظر: فهرس مخطوطات المكتبة العربيّة بالجامع الكبير بصنعاء، ص: ٤٦٢). وقول آخر الشّرّاح "الجو نبوريّ" نقلته عن د. عاشق حسين في دراسته لكتاب الفوائد الغياثيَّة: (٣١)، وذكر د. عاشق في معرض حديثه عن الكتاب أنَّه مقسّمٌ إلى قمسين؛ أحدهما ينتهى إلى علم المعاني، والثّاني يحتوي على علم البيان والبديع. وأَنَّه اطلع على الجزء الأَوَّل منه. ينظر: المصدر السّابق: (٣٢).
[ ١ / ٣٤ ]