وتمثّلت فيما يلي:
أ - اعتماده -أحيانًا- على بعض الرّوايات الضّعيفة، ممّا أدّى به إلى الوقوع في الإسرائيليّات المنكرة، وظاهر أنّ السّبب في ذلك يرجع إلى اعتماده اعتمادًا كليًّا في تفسير ما يعترضه من آي الذّكر الحكيم على كشّاف الزّمخشريّ؛ ذلك الكتاب الَّذي يموج بالرّوايات الضّعيفة.
ومن ذلك تفسيره "المآرب" في قوله تعالى حكاية عن موسى -﵇-: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٢) بقوله (٣): "وقيل: كان فيها من المآرب الأخرى أنَّه كان يستقي بها فتطول بطول البئر، ويصير
_________________
(١) سورة النّمل: من الآية: ٦٢.
(٢) سورة طه، من الآية: ١٨.
(٣) ص (٣٠٧) قسم التّحقيق.
[ ١ / ١٦٨ ]
شعبتاها دَلوًا، ويكونان شمعتين باللّيل، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأَوْرقت وأَثْمرت، وكان يحملُ عليها زاده وسقاه، فجعلت تُماشيه، ويركزها فينبع الماءُ؛ فإذا رفعها نَضَب، وكانت تقيه الهوامَّ".
وهذا الكلام بقضّه وقضيضه منقول نصًّا عن الزّمخشريّ (١).
ب - إخفاقُه -أحيانًا قليلة- في ربط شرحِه بالكتاب المشروح؛ على النّحو الَّذي سلكه في الدَّمج بينهما؛ فظهر الانقطاع في السّياق تارة، والتّدخّل المخلّ تارةً أخرى.
فمن الأوّل: انشغال الشّارح عن إكمال فكرته الَّتي ساق الحديث من أجلها بشرح بعض المفردات الواضحة، الَّتي لا يفضي إغفال شرحها إلى انغلاق المعنى، كقوله (٢): "الثَّاني: لا تغلط في مثل قول الشَّاعر:
كما أبرقت - أي: صارت ذات برق - قومًا عطاشًا غمامةٌ فلمّا رأوها أقشعت - انكشفت. وقشعته: كشفته، وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزومًا وتعدّيًا -وتجلّت أي ظهرت. لكثرة الْتِبَاس الوصف الحقيقيّ بالاعتباريّ، وانتزاعه من أمرين -مثلًا- مع وجوب الانتزاع من أكثر؛ فتنزع الوصف؛ الَّذي هو وجه التّمثيل مما لا يتمّ المراد به؛ كالمصراع الأوّل ".
_________________
(١) الكشّاف: (٣/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) ص (٦٥٨ - ٦٥٩) قسم التّحقيق.
[ ١ / ١٦٩ ]
فأنت تلحظ كيف أدّى انصرافُ الشَّارحِ عن المعنى المراد، بما لا يستدعيه المقام إلى توزّع البيت الشّعري -جملًا ومفردات- هنا وهناك حتَّى كدت تنسى أنَّه يعرض بيتًا شعريًّا، وكان الأولى به أن يعرض البيت مجرّدًا، ليسارع إلى اقتناص المعنى المراد، ثم لا يعيبه -إن كان لا بدّ شارحًا- أن يؤخّر شرح المفردات عقب تمام المعنى كما هي عادته في أغلب المواضع المشابهة (١).
ومن الثّاني: ما ترتّب على تدخّله من إيهام معنى لم يقصد إليه المصنّف في قوله (٢): "وإمّا للتَّباين؛ أي الفصل إمّا للاتِّحاد وإمّا للتَّباين فتارة لاختلافهما خبرًا وطلبًا كقوله: إلا أن تضمّن إحداهما معنى الأخرى نحو قوله وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وعُدَّ عطفًا على ﴿فَاتَّقُوا﴾ والأظهر؛ أي عند السَّكاكيّ أنَّه على (قل) ".
فظاهر قول المصنّف: "والأَظهر" أنَّه يؤيّد هذا الرّأي، بينما ظاهر قول الشّارح بعده: "أي: عند السَّكاكيّ" اختصاص الرّأي بالسَّكاكيّ دون المصنّف أَوْ الشّارح، وليس الأمر كذلك، إذ لم يورد الشّارح عنه أَوْ عن شيخه رأيًا آخر، بل كشف السّياق فيما بعد موافقة المصنّف للسّكّاكيّ.
_________________
(١) ينظر -على سبيل المثال- ص (٣٥٢ - ٣٥٣) وص (٦٥١ - ٦٥٢) من قسم التحقيق.
(٢) ص (٥٣٨ - ٥٤١) قسم التحقيق.
[ ١ / ١٧٠ ]
وعليه فإن تدخّله بالجملة السّابقة أوقع في فهم خلاف المراد.
وكان الأَوْلَى -إن كان لا بدّ متدخّلًا- أن يقول: "كما حكاه السَّكاكيّ".
ج / خطؤه في نقل بيت شعريّ دون أن يكون ما أورده رواية ذُكرت له. والبيت مشهور عند البلاغيّين. استشهد به الإمام عبد القاهر ومن جاء بعده بما فيهم السَّكاكيّ عمدة المختصر والشّرح. وهو (١):
"وقال: إني في الهوى كاذب انتقم الله من الكاذب".
أَمَّا خطؤه فيه فقد وقع في أوّل البيت؛ حيث قال: "قد قال"، ولم أقف على مصدر متقدّم أَوْ متأخّر أورده بهذا النّقل. وقد يقول معترض: ربّما وقع هذا الخطأ من النّاسخ دون المؤلّف!! فأقول: قد يكون، وربّما كان الأمر كذلك!!، إلّا أنّ جميع نسخ الكتاب على هذا النّقل، الأمر الَّذي يقوّي أن يكون من المؤلّف. والله أعلم.