الفصل الثاني: فترة الوعي
من ولاية إسماعيل إلى الثورة العرابية ١٨٦٣-١٨٨٢
أبرز عوامل الوعي:
١- اشتداد الصلة بالثقافة الحديثة:
كان إسماعيل مفتونًا بالحضارة الأوروبية، قد شغف بها منذ كان يدرس في باريس ضمن من بعث بهم محمد علي من أبناء الأتراك والشراكسة، فلما ولي أمر مصر سنة ١٨٦٣م١ أراد أن يهيئ لنفسه جوًّا ملائمًا من الرفاهية الغربية، كما أراد من جهة أخرى، أن يوهم نفسه ويوهم الآخرين بأنه حاكم متحضر، فأكثر من إنشاء القصور، وإقامة الحفلات، والأخذ بمظاهر الترف والبذخ، كما حدث في حفلات افتتاح قناة السويس، كذلك أراد أن يحقق لنفسه ما أمكن من استقلال عن الخلافة في تركيا، فأكثر من الهدايا والرشوات المرسلة إلى الآستانة، لتجنب متاعب الخلافة، وما يحيط بها من مؤامرات، وقد كلفه كل ذلك نفقات ضخمة، وحمله على التورط في ديون كثيرة، مما قوى النفوذ الأجنبي في البلاد.
وكان إسماعيل بالتالي، يرى لزامًا عليه أن يترضى الأجانب بشتى الطرق، ويتملق مشاعرهم بمختلف الأساليب، فأخذ يحاول الظهور بالسلوك الأوروبي، ويدعي السعي لجعل مصر قطعة من أوروبا، وكان من مظاهر ذلك، إعادة البعثات للتعليم في أوروبا٢، وفتح المدارس التي كانت أغلقت في عهدي عباس وسعيد، وقد استغل رفاعة الطهطاوي وتلميذه علي مبارك هذا التظاهر بالإصلاح عند إسماعيل، فوجهاه إلى خدمة الشعب في ميدان التعليم، فعملا على إعادة مدرسة الألسن، وعلى زيادتها بمدرسة الإدارة التي صارت بعد ذلك مدرسة
_________________
(١) ١ اقرأ في تاريخ إسماعيل وعصره: عصر إسماعيل لعبد الرحمن الرافعي. ٢ اقرأ فيما يتصل بالتعليم في ذلك العصر: تاريخ التعليم في مصر -عصر إسماعيل لأحمد عزت عبد الكريم.
[ ٤٥ ]
الحقوق، كذلك عملا على افتتاح كثير من المدارس الابتدائية والثانوية، ونتيجة لدعوة رفاعة إلى تعليم المرأة، افتتحت أول مدرسة للبنات، وحين رأى علي مبارك أن الهوة قد اتسعت بين التعليم الجديد الممثل في المدارس، وبين التعليم القديم الممثل في الأزهر، وأن الأزهر بصورته التي كان عليها في تلك الآونة لم يعد صالحًا لإمداد التعليم الحديث بالمدرسين الأكفاء، والمؤلفين الواعين، أنشأ مدرسة عالية تجمع بين القديم الصالح والجديد الحي، ويكون من أغراضها إمداد الدولة بالمدرسين والمؤلفين المتطورين، وهكذا أنشئت دار العلوم، وافتتحت سنة ١٨٧١ لتمثل اللقاء المتزن بين الثقافتين القديمة والحديثة، ولتخرج من لا نزال نرى تعاقب أجيالهم، وتتابع آثارهم في ميادين التعليم والتأليف، وفي آفاق اللغة العربية وآدابها، والدراسات الإسلامية١.
ولقد ساعد على نشر التعليم الحديث، وعلى طائفة من المثقفين، وإدراكهم أن الجهود الأهلية يجب أن تؤازر الجهود الرسمية؛ فقد تألفت جمعية سميت باسم "اتحاد الشبيبة المصرية" سنة ١٨٧٩، ودعت إلى إنشاء المدارس لتعليم أبناء الشعب٢، وبهذا تعددت المدارس بمختلف المستويات، وخطة الحركة التعليمية خطوات واسعة، وكان لذلك أثره في خلق طبقة كبيرة من المثقفين، كما كان أثره في إنماء الوعي.
_________________
(١) ١ اقرأ في تاريخ دار العلوم تقويم دار العلوم لمحمد عبد الجواد. ٢ انظر تاريخ التعليم في مصر -عصر إسماعيل لأحمد عزت عبد الكريم ص٧٦.
[ ٤٦ ]