٤ - (وصّى آدم) إِذا كَانَ الْإِنْسَان فضوليا دَاخِلا فِيمَا لَا يعنيه متكلفا مَالا يلْزمه من التطفل على أُمُور النَّاس والتهالك فِي الِاشْتِغَال بهَا قيل فلَان وصيى آدم وَقد تُوضَع هَذِه الصّفة مَكَان الْمَدْح كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَكَأن آدم حِين حم حمامه أَوْصَاك وَهُوَ يجود بالحوباء)
(ببنيه أَن ترعاهم فرعيتهم وكفيت آدم عيلة الْأَبْنَاء)
وَمِنْه أَخذ ابو العيناء معنى كَلَامه فِي الْحسن بن سهل وَقد سَأَلَهُ عَنهُ مُحَمَّد
[ ٣٨ ]
ابْن عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ خلف آدم ﵇ فِي وَلَده فَهُوَ يسد خلتهم وينقع غلتهم وَقد رفع الله تَعَالَى للذنيا من شانها إِذْ جعله من سكانها وذوى الْأَمر فِيهَا
وَلما نعى الْحسن إِلَيْهِ قَالَ لَئِن أتعب المادحين لقد أَطَالَ بكاء الباكين وَلَقَد كَانَ بَقِيَّة وَفِي النَّاس بَقِيَّة فَكيف الْآن وَقد أودت الْبَريَّة
٤ - (شهرة آدم) يضْرب بهَا الْمثل وحقت قَالَ أَبُو عبد الله بن الْحجَّاج من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى بعض الرؤساء وَهُوَ يشكو بوابا لَهُ أنكرهُ وَلم يَأْذَن لَهُ
(خادمكم يشكو وَقد جَاءَكُم غلظة بوابكم الْخَادِم)
(أنكرنى عَنْكُم على زَعمه فَلم أزل فِي عجب دَائِم)
(لأننى بَين بنى آدم مذ خلقُوا أشهر من آدم)
٤٣ - (سفينة نوح) قَالَ النَّبِي ﷺ (إِن عترتى كسفينة نوح من ركب فِيهَا نجا وَمن تَأَخّر عَنْهَا هلك) وَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو عُثْمَان الخالدى فَقَالَ من قصيدة
(أعاذل إِن كسَاء التقى كسانيه حبى لأهل الكساء)
(سفينة نوح فَمن يعتلق بحبلهم يعتلق بالنجاء)
وَقد تضرب سفينة نوح مثلا للشىء الْجَامِع لِأَن نوحًا حمل فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ أثنين كَمَا يضْرب الْمثل فِي ذَلِك الْمَعْنى بِجَامِع سُفْيَان قَالَ بعض العصريين
[ ٣٩ ]
(يَا طَبِيبا منجما وفقيها شَاعِرًا شعره غذَاء الرّوح)
(فَهُوَ طورا كَمثل جَامع سُفْيَان وطورا يحْكى سفينة نوح)
وَقَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة زعم بعض الْمُفَسّرين وَأَصْحَاب الْأَخْبَار أَن أهل سفينة نوح كَانُوا قد تأذوا من الفأر فعطس الْأسد عطسته فَخرج من مَنْخرَيْهِ زوج سنانير فَلذَلِك السنور أشبه شىء بالأسد وسلح الْفِيل زوج خنازير فَلذَلِك الْخِنْزِير أشبه شَيْء بالفيل
قَالَ كيسَان لأبى عُبَيْدَة ينبغى أَن يكون ذَلِك السنور هُوَ آدم السنانير وَتلك السنورة حواءها فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَضحك مِنْهُ ألم تعلم أَن لكل جنس من الْحَيَوَانَات آدم وحواء فَضَحِك الْقَوْم من ذَلِك
٤٤ - (غراب نوح) يضْرب مثلا للرسول الذى لَا يعود أَو يبطىء عَن ذى الْحَاجة من غير إنْجَاح وَذَلِكَ أَن نوحاعليه السَّلَام أرسل الْغُرَاب من السَّفِينَة ليَأْتِيه بِخَبَر المَاء فاشتغل بميته وجدهَا وَلم يعد إِلَى نوح حَتَّى أرسل مَكَانَهُ الْحَمَامَة فَجَاءَتْهُ بالْخبر
قَالَ الجاحظ يُقَال فِي الْمثل فلَان لَا يرجع حَتَّى يرجع غراب نوح كَمَا يَقُول أهل الْبَصْرَة حَتَّى يرجع نشيط من مرو وكما يَقُول أهل
[ ٤٠ ]
الْكُوفَة حَتَّى يرجع مصقلة من سجستان وكما تَقول الْعَرَب حَتَّى يئوب القارظ العنزى
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي قصَّة لَهُ
(وندمان بعثت بِهِ رَسُولا فأهمل حاجتى كغراب نوح)
(رأى فِي الدَّيْر بَدْرًا مستنيرا فساعده على دين الْمَسِيح)
٤٥ - (عمرونوح) يضْرب مثلا فِي الطول قَالَ وهب بن مُنَبّه كَانَ عمر نوح ﵇ ألف سنة لِأَنَّهُ بعث إِلَى قومه وَهُوَ ابْن خمسين سنة ولبث يَدعُوهُم إِلَى أَن مَضَت تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ سنة فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾
ويروى أَنه عَاشَ ثَلَاثَة قُرُون وَعمر فيهم وهم لَا يجيبونه وَلَا اتبعهُ مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل كَمَا ذكره عز ذكره قَالَ ﴿وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل﴾
وَقد أَكثر النَّاس التَّمْثِيل بعمر نوح نظما ونثرا قَالَ مُحَمَّد بن مكرم لِأَحْمَد ابْن إِسْرَائِيل
(قل لِأَبْنِ إِسْرَائِيل يَا أَحْمد عمرك فِي الْعَالم لَا ينْفد)
[ ٤١ ]
(إِن زَمَانا أَنْت مستوزر فِيهِ زمَان عسر أنكد)
(يالبد الدَّهْر وياعوجه أَنْت كنوح عمره سرمد)
وَقَالَ آخر
(يحْتَاج راجى نوالهم ابدا إِلَى ثَلَاث بِغَيْر تَكْذِيب)
(كنوز قَارون أَن تكون لَهُ وَعمر نوح وصبر أَيُّوب)
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(لتموتن وَإِن عمرت مَا عمر نوح)
(فعلى نَفسك نج إِن كنت لابد تنوح)
وقرأت للصاحب فصلا من كتاب لَهُ إِلَى أَبى مُحَمَّد العلوى علق بحفظى مِنْهُ فِي ذكر نوح صَاحبه وَكَانَ بعث بِهِ رَسُولا إِلَيْهِ وَأما صلته ولى بره بوسميه وإنفاذه للتهنئة نوحًا أبقى الله سيدى بَقَاء سميه فقد أطَاع فِيهِ خلقا طالما وردنا حياضه فارتوينا من كرم غمر وقصدنا رياضه فرعينا من شرف دثر
٤٦ - (مقَام إِبْرَاهِيم) يضْرب مثلا لكل مَكَان شرِيف ومقام كريم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ ويروى أَنه كَانَ فِيهِ أثر عَقِبَيْهِ وأصابعه فَمَا زَالَت الْأمة تمسحه حَتَّى خفى الْأَثر
وَمن أحسن مَا سَمِعت فِي ضرب الْمثل بِهِ مَا أنْشدهُ أَبُو إِسْحَاق الصابى لعلى بن هَارُون بن على بن يحيى المنجم فِي ابْن أَبى الحوارى وَقد عرفت لَهُ سقطة وثئت رجله مِنْهَا
(كَيفَ نَالَ العثار من لم يزل مِنْهُ مُفِيدا فِي كل خطب جسيم)
[ ٤٢ ]
(أَو ترقى الْأَذَى إِلَى قدم لم تخط إِلَّا إِلَى مقَام كريم)
(لمقام النَّبِي أَحْمد أَو مثل مقَام الْخَلِيل إِبْرَاهِيم)
٤٧ - (نَار إِبْرَاهِيم) يضْرب بهَا الْمثل فِي الْبرد والسلامة ويروى أَن إِبْرَاهِيم ﵇ لما قذف فِي النَّار بعث الله لَهُ ملك الظل فَكَانَ يحدثه ويؤنسه فَلم تصل النَّار إِلَى أَذَاهُ مَعَ قربه من طباع ذَلِك الْملك قَالَ الله عز ذكره ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم﴾
وَقد شبه بهَا ابْن الرومى الْخمر فَقَالَ
(وعاتقة زفت لنا من قرى كوثى تلقب أم الدَّهْر بل بنته الْكُبْرَى)
(رَأَتْ نَار إِبْرَاهِيم أَيَّام أوقدت وَصَارَت من الْأَوْصَاف أوصافها الْحسنى)
(حكت نورها فى بردهَا وسلامها وباتت بِطيب لَا يوازى وَلَا يحْكى)
وتعاطى ابْن المعتز هَذَا التَّشْبِيه فأوجز حَيْثُ قَالَ
(ومشمولة قد طَال بالقنص لبثها حكت نَار إِبْرَاهِيم فِي اللَّوْن وَالْبرد)
ولنار إِبْرَاهِيم مَكَان آخر من بَاب النيرَان فِي هَذَا الْكتاب
٤٨ - (صحف إِبْرَاهِيم) قَالَ وهب بن مُنَبّه أنزل الله على إِبْرَاهِيم عشْرين صحيفَة كلهَا أَمْثَال وَعبر وتسبيح وتحميد وَكَانَ مِمَّا فِيهَا أَيهَا الْملك الْمُسَلط الْمَغْرُور الْمُبْتَلى إِنِّي لم أَبْعَثك لِتجمع الدُّنْيَا بَعْضهَا إِلَى بعض ولتبنى الْمَدَائِن والحصون ولكنى بَعَثْتُك لِترد عَنى دَعْوَة الْمَظْلُوم فإنى لَا أردهَا وَلَو كَانَت من كَافِر وفى بعض الرِّوَايَات إِنَّهَا ردَّتْ إِلَى السَّمَاء فَلم يبْق فِي أيدى النَّاس مِنْهَا شىء
وَقد يضْرب بهَا الْمثل فِي الشَّيْء الْمَتْرُوك المنسى كَمَا قَالَ الصاحب فِي رِسَالَة
[ ٤٣ ]
لَهُ إِلَى بعض إخوانه ونسيتنى وَمَا كَانَ حقى أَن أنسى وطويتنى فِي صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى
٤٩ - (ضيف إِبْرَاهِيم) يضْرب مثلا للضيف الْكَرِيم لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي قصَّته ﴿هَل أَتَاك حَدِيث ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن إِبْرَاهِيم قَامَ عَلَيْهِم بِنَفسِهِ ثمَّ مَا لبث أَن جَاءَ بعجل سمين فقربه إِلَيْهِم وَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ
وَمن كَرَامَة الضَّيْف تَعْجِيل قراه قَالَ الشَّاعِر
(أسأتم وأبطأتم على الضَّيْف بالقرى وَخير الْقرى للنازلين الْمُعَجل)
وقرأت فِي أَخْبَار الْحُسَيْن الْجمل المصرى أَنه دخل على قادم من مَكَّة وَعِنْده قوم يهنئونه وَبَين أَيْديهم أطباق من الْحَلْوَى وَلَيْسَ يمد أحد مِنْهُم يَده إِلَيْهَا فَقَالَ وَالله يَا قوم لقد ذكرتمونى ضيف إِبْرَاهِيم قَالُوا وَكَيف فَقَرَأَ ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة﴾ ثمَّ قَالَ كلوا رحمكم الله فضحكوا من قَوْله وأكلوا وَأكل مَعَهم
٥٠ - (تحفة إِبْرَاهِيم) هى اللَّحْم ويحكة أَن الشعبى دخل على صديق لَهُ فتحدثا سَاعَة فَلَمَّا أَرَادَ الْقيام قَالَ لَهُ لَا نتفرق إِلَّا عَن ذواق فَقَالَ الشّعبِيّ أتحفنى بِمَا عنْدك وَلَا تتكلف لى مَالا يحضرك فَقَالَ أى التحفتين أحب إِلَيْك تحفة إِبْرَاهِيم أم تحفة مَرْيَم قَالَ الشّعبِيّ أما تحفة إِبْرَاهِيم فعهدى بهَا السَّاعَة وَأُرِيد تحفة مَرْيَم فَدَعَا لَهُ بطبق من رطب وَإِنَّمَا عَنى بتحفة إِبْرَاهِيم اللَّحْم لِأَن فِي قصَّته ﴿فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾
[ ٤٤ ]
﴿فقربه إِلَيْهِم قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ وعنى بتحفة مَرْيَم الرطب لِأَن فِي قصَّتهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾
٥ - (وعد إِسْمَاعِيل) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الصدْق لِأَن الله عز ذكره أثنى عَلَيْهِ بِصدق الْوَعْد فَقَالَ ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾
وَكَانَ الْعَلَاء بن صاعد وعد البحترى مائَة دِينَار يصله بهَا فَلَمَّا حصل مِنْهَا على الْخلف كتب إِلَيْهِ أبياتا مِنْهَا
(الْمِائَة الدِّينَار منسية فِي عدَّة أوسعتها خلفا)
(لَا صدق اسماعيل فِيهَا وَلَا وَفَاء إِبْرَاهِيم إِذْ وفى)
(إِن كنت لَا تنوى نجاحالها فَكيف لَا تجعلها ألفا
٥ - (نَاقَة صَالح) هى نَاقَة الله الَّتِى تقدم ذكرهَا فِي الْبَاب الأول وَيُقَال لَهَا نَاقَة صَالح وَكَثِيرًا مَا يضْرب الْمثل بهَا من يُنَبه على بَرَاءَة ساحته أَو خفَّة جرمه فَيَقُول (إنى لم أعقر نَاقَة صَالح)
٥٣ - (رُؤْيا يُوسُف) تضرب مثلا للرؤيا الصَّحِيحَة الصادقة إِذْ كَانَ ﵇ رأى فِي الْمَنَام وَهُوَ ابْن اثنتى عشرَة سنة أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَهُ سجدا فَلَمَّا قصها على أَبِيه يَعْقُوب ﵇ قَالَ لَهُ ﴿يَا بني لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك فيكيدوا لَك كيدا إِن الشَّيْطَان للْإنْسَان عَدو مُبين﴾ فَلَمَّا كَانَ من شَأْنه مَا كَانَ وَملك مصر وَدخل عَلَيْهِ إخْوَته
[ ٤٥ ]
وَأَبَوَاهُ خروا لَهُ سجدا قَالَ ﴿يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾
وَلما قَالَ المهدى لِعبيد الله بن أَبى عبيد الله الْكَاتِب وَكَانَ مُتَّهمًا بالزندقة قد رَأَيْت لَك رُؤْيا قبيحة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيست برؤيا يُوسُف فَغَضب المهدى وَأنْشد
(ومطلع من نَفسه مَا يسره عَلَيْهِ من اللحظ الخفى دَلِيل)
(إِذا الْمَرْء لم يبد الذى فى ضَمِيره ففى اللحظ والألفاظ مِنْهُ رَسُول)
٥٤ - (ذِئْب يُوسُف) يضْرب مثلا لمن يرْمى بذنب جناه غَيره وَهُوَ برىء الساحة مِنْهُ قَالَ أَبُو عبيد الله بن الْحجَّاج الْكَاتِب
(قد أذْنب الْقَوْم وألزمته كَأَنَّهُمْ أَوْلَاد يَعْقُوب)
(إِذْ جعلُوا يُوسُف فِي جبه وأوقعوا الذَّنب على الذيب)
قَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عَلْقَمَة إِن اسْم الذِّئْب الذى أكل يُوسُف رغمون فَقيل لَهُ إِن يُوسُف لم يَأْكُلهُ الذِّئْب وَإِنَّمَا كذبُوا عَلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجاؤوا على قَمِيصه بِدَم كذب﴾ قَالَ فَهَذَا اسْم الذِّئْب الذى لم يَأْكُلهُ قبل فينبغى أَن يكون هَذَا الأسم لجَمِيع الذئاب فَإِن الذئاب كلهَا لم تَأْكُله
وللبديع الهمذانى من فصل لَهُ كذب الْقَمِيص لَا ذَنْب للذيب فى تِلْكَ الأكاذيب
٥٥ - (قَمِيص يُوسُف) أجْرى الله تَعَالَى أَمر يُوسُف من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه على ثَلَاثَة أقمصة أَولهَا قَمِيصه المضرج بِدَم كذب والثانى قَمِيصه الذى
[ ٤٦ ]
قد من دبر وَالثَّالِث قَمِيصه الذى ألْقى على وَجه أَبِيه فَارْتَد بَصيرًا وَلكُل من هَذِه الأقمصة مَوضِع من ضرب الْمثل وإجراء النادرة
فيروى أَن إخْوَة يُوسُف لما قَالُوا لأبيهم ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا فَأَكله الذِّئْب﴾ قَالَ لَهُم أرونى قَمِيصه فأروه إِيَّاه مضرجا بِالدَّمِ غير ممزق فَقَالَ تالله مَا رَأَيْت ذئبا أحلم من هَذَا وأرفق أكل ابنى وَلم يمزق قَمِيصه
وأنشدنى أَبُو عبيد الله المرزبانى فِي كِتَابه كتاب المستنير لأبى الشيص
(وقائلة وَقد بصرت بدمع على الْخَدين منهمر سكوب)
(أتكذب فِي الْبكاء وَأَنت خلو قَدِيما مَا جسرت على الذُّنُوب)
(جفونك والدموع تجول فِيهَا وقلبك لَيْسَ بِالْقَلْبِ الكئيب)
(نَظِير قَمِيص يُوسُف يَوْم جَاءُوا على لباته بِدَم كذوب)
(فَقلت لَهَا فدَاك أَبى وأمى رجمت لسوء ظَنك بالغيوب)
وَأما الْقَمِيص الثانى فلأبى الْحَارِث جميز فِيهِ نادرة طريفة وهى أَنه رئى فِي ثِيَاب متخرقة فَقيل لَهُ أَلا يكسوك مُحَمَّد بن يحيى فَقَالَ لَو كَانَ لَهُ بَيت مَمْلُوء إبرا وجاءه يَعْقُوب وَمَعَهُ الْأَنْبِيَاء شُفَعَاء وَالْمَلَائِكَة ضمنا يطْلب مِنْهُ إبرة ليخيط بهَا قَمِيص يُوسُف الذى قدمن دبر مَا أَعَارَهُ إِيَّاهَا فَكيف يكسونى
ونظم هَذَا الْمَعْنى من قَالَ
(لَو أَن دَارك أنبتت لَك واحتشت إبرا يضيق بهَا فنَاء الْمنزل)
(وأتاك يُوسُف يستعيرك إبرة ليخيط قد قَمِيصه لم تفعل)
[ ٤٧ ]
وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(وَقد زعمت جمل بأنى أردتها على نَفسهَا تَبًّا لذَلِك من فعل)
(سلوا عَن قَمِيص مثل شَاهد يُوسُف فَإِن قميصى لم يكن قد من قبل)
وَأما الْقَمِيص الثَّالِث فَهُوَ مثل سَائِر فِي لطف الْموقع كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب المتنبى
(كَأَن كل سُؤال فِي مسامعه قَمِيص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب)
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الخالدى للوزير المهلبى وَذكر معز الدولة
(إِن غبت أودعك الْإِلَه حياطة وَإِذا قدمت أباحك الترحيبا)
(وَيكون من مقة كتابك عِنْده كقميص يُوسُف إِذْ أَتَى يعقوبا)
ولبلغاء المترسلين لاسيما أهل الْعَصْر مِنْهُم فِي التَّمْثِيل بِهَذَا الْقَمِيص نكت وغرر وَمن أحْسنهَا فصل للأمير السَّيِّد أَبى الْفضل من رِسَالَة إِلَى أَبِيه وصل كتاب مَوْلَانَا فعددت يَوْم وُرُوده عيدا أعَاد عهد السرُور جَدِيدا ورد طرف الحسود كليلا وَقد كَانَ حديدا وَلم أشبه فِي غهداء الرّوح ورد الشِّفَاء وتلاقى الرّوح بعد أَن أشفت على الْمَكْرُوه كل الإشفاء إِلَّا بقميص يُوسُف حِين تَلقاهُ يَعْقُوب من البشير وألقاه على وَجهه فَنظر بِعَين الْبَصِير فكم أوسعته لثما واستلاما والتقطت مِنْهُ بردا وَسلَامًا حَتَّى لم يبْق فِي الصَّدْر غلَّة إِلَّا بردتها وَلَا غمَّة فِي النَّفس إِلَّا طردتها وَلَا شَرِيعَة من الْأنس إِلَّا رويت مِنْهَا وَقد وردتها
وَمِنْهَا فصل لبّى الْعَبَّاس الضبى وصل كتاب مَوْلَانَا فَكَانَ ﵀ عِنْد أَيُّوب وقميص يُوسُف عِنْد أجفان يَعْقُوب
٥٦ - (حسن يُوسُف) يضْرب بِهِ الْمثل فِي شعراء الْعَرَب والعجم
وفى الْخَبَر أَن يُوسُف أعْطى نصف الْحسن فَكَانَ النّصْف لَهُ وَالنّصف لسَائِر النَّاس وَمَا الظَّن عَن النسْوَة لما ﴿رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾
وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أحسن أهل زَمَانه حَتَّى إِنَّه كَانَ أحسن من أَخِيه مُحَمَّد الْأمين وَهُوَ الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الْحسن فَكَانَ يُقَال لأبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان وسيمر ذكره فِي مَوْضِعه من الْكتاب
٥٧ - (سنو يُوسُف يضْرب بهَا الْمثل فِي الْقَحْط والشدة وَكَانَت سبعا متواترة قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ اشْدُد وطاتك على مصر وَابعث فيهم سِنِين كسنى يُوسُف) فَاسْتَجَاب الله دعاءه حَتَّى شووا الْجلد وأكلوا الْقد
وَمن قصَّة سنى يُوسُف أَنه كَانَ ﷺ قد أعد فى سنى الخصب من الْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر الْحُبُوب فِي الأهراء والخزائن مَا يسع أهل مصر وَغَيرهم فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السنون الشداد جعل يُوسُف يبيعهم فى السّنة الأولى بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير حَتَّى استغرق دَرَاهِم مصر ودنانيرها ثمَّ باعهم فِي الثَّانِيَة بالحلى والجواهر حَتَّى لم يبْق فِي أيدى النَّاس شىء مِنْهَا ثمَّ باعهم فى الثَّالِثَة بالمواشى وَالدَّوَاب حَتَّى أحتوى عَلَيْهَا كلهَا ثمَّ باعهم فِي الرَّابِعَة بالعبيد وَالْإِمَاء حَتَّى لم يبْق لأَحَدهم عبد وَلَا أمة ثمَّ باعهم فى الْخَامِسَة بالضياع وَالْعَقار والدور حَتَّى جمع بَين ملك مصر وملكها ثمَّ باعهم فِي السَّادِسَة بأولادهم حَتَّى استرقهم ثمَّ باعهم فى السَّابِعَة برقابهم حَتَّى لم يبْق بِمصْر حر وَلَا حرَّة إِلَّا صَار عبدا وَصَارَت أمة لَهُ ثمَّ إِنَّه ﷺ قَالَ إنى لم أملك مصر لأملك أَهلهَا
[ ٤٨ ]
٥٦ - (حسن يُوسُف) يضْرب بِهِ الْمثل فِي شعراء الْعَرَب والعجم
وفى الْخَبَر أَن يُوسُف أعْطى نصف الْحسن فَكَانَ النّصْف لَهُ وَالنّصف لسَائِر النَّاس وَمَا الظَّن عَن النسْوَة لما ﴿رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾
وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أحسن أهل زَمَانه حَتَّى إِنَّه كَانَ أحسن من أَخِيه مُحَمَّد الْأمين وَهُوَ الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الْحسن فَكَانَ يُقَال لأبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان وسيمر ذكره فِي مَوْضِعه من الْكتاب
٥٧ - (سنو يُوسُف يضْرب بهَا الْمثل فِي الْقَحْط والشدة وَكَانَت سبعا متواترة قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مصر وَابعث فيهم سِنِين كسنى يُوسُف) فَاسْتَجَاب الله دعاءه حَتَّى شووا الْجلد وأكلوا الْقد
وَمن قصَّة سنى يُوسُف أَنه كَانَ ﵇ قد أعد فى سنى الخصب من الْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر الْحُبُوب فِي الأهراء والخزائن مَا يسع أهل مصر وَغَيرهم فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السنون الشداد جعل يُوسُف يبيعهم فى السّنة الأولى بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير حَتَّى استغرق دَرَاهِم مصر ودنانيرها ثمَّ باعهم فِي الثَّانِيَة بالحلى والجواهر حَتَّى لم يبْق فِي أيدى النَّاس شىء مِنْهَا ثمَّ باعهم فى الثَّالِثَة بالمواشى وَالدَّوَاب حَتَّى أحتوى عَلَيْهَا كلهَا ثمَّ باعهم فِي الرَّابِعَة بالعبيد وَالْإِمَاء حَتَّى لم يبْق لأَحَدهم عبد وَلَا أمة ثمَّ باعهم فى الْخَامِسَة بالضياع وَالْعَقار والدور حَتَّى جمع بَين ملك مصر وملكها ثمَّ باعهم فِي السَّادِسَة بأولادهم حَتَّى استرقهم ثمَّ باعهم فى السَّابِعَة برقابهم حَتَّى لم يبْق بِمصْر حر وَلَا حرَّة إِلَّا صَار عبدا وَصَارَت أمة لَهُ ثمَّ إِنَّه ﵇ قَالَ إنى لم أملك مصر لأملك أَهلهَا
[ ٤٩ ]
وَلم أبرهم لأجفوهم فَأعْتقهُمْ كلهم ورد عَلَيْهِم أَمْوَالهم وأملاكهم وَأَوْلَادهمْ فَذَلِك قَول الله ﷿ ذكره ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض﴾
٥٨ - (ريح يُوسُف) يضْرب مثلا فِيمَا يحس بِهِ من أثر الشىء السار كَمَا يحْكى أَن آدم بن عمر بن عبد الْعَزِيز اسْتَأْذن على يَعْقُوب بن الرّبيع وَهُوَ على الشَّرَاب فَأمر بِرَفْعِهِ وَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل قَالَ ﴿إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ فَضَحِك يَعْقُوب وَأمر برد الشَّرَاب ونادمه يَوْمه
٥٩ - (عَصا مُوسَى) قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾
قَالَ الجاحظ من يَسْتَطِيع أَن يدعى الْإِحَاطَة بِمَا فِي قَول مُوسَى ﴿ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾ إِلَّا بالتقريب وَذكر مَا خطر على البال ولكننى سأذكر جملا تدخل فِي بَاب الْحَاجة إِلَى الْعَصَا فَمِنْهَا أَنَّهَا تحمل للحية وَالْعَقْرَب وَالذِّئْب والفحل الهائج فِي زمن هيج الفحول ويتوكأ عَلَيْهَا الشَّيْخ الدالف والسقيم المدنف والأقطع الرجل والأعرج فَإِنَّهَا تقوم مقَام الرجل الْأُخْرَى وتنوب للأعمى عَن قائده وتتخذ محراكا للتنور وهى لدق الجص والحشيش والسمسم ولخبط الشّجر وهى للقصار والمكارى فَإِنَّهُمَا يتخذان المخاصر من عصى قصار فَإِذا طَال الشوط وبعدت الْغَايَة استعانا فى عدوهما
[ ٥٠ ]
وهرولتهما فى أَضْعَاف ذَلِك لاعتمادها على وَجه الأَرْض وهى تعدل من ميل المفلوج وتقيم من ارتعاش المحموم ويتخذها الراعى لغنمه وكل رَاكب لمركبه وَيدخل الرجل عَصَاهُ فى عُرْوَة المزود ويمسك بِيَدِهِ الطّرف الآخر وَرُبمَا كَانَ أحد طرفيها فِي يَد رجل والطرف الآخر فِي يَد صَاحبهَا وَعَلَيْهَا حمل ثقيل وَتَكون إِن شِئْت وتدا فِي حَائِط وَإِن شِئْت ركزتها فِي الفضاء قبْلَة وَإِن شِئْت جَعلتهَا مظلة وَإِن شِئْت جعلت فِيهَا زجا فَكَانَت عنزة وَإِن زِدْت فِيهِ فَجَعَلته سِنَانًا كَانَت عكازة وَإِن زِدْت فِيهَا شَيْئا كَانَت مطردا وَإِن زِدْت فِيهَا شَيْئا كَانَت رمحا وَإِن أردْت كَانَت سَوْطًا وسلاحا ومخصرة
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بعصا مُوسَى فَأحْسن وأبدع ابْن الرومى حَيْثُ قَالَ
(مديحى عَصا مُوسَى وَذَلِكَ أننى ضربت بِهِ بَحر الندى فتضحضحا)
(فياليت شعرى إِن ضربت بِهِ الصَّفَا أيبعث لى مِنْهُ جداول سيحا)
(كتلك الَّتِى أندت ثرى الأَرْض يَابسا وأبدت عيُونا فى الْحِجَارَة سفحا)
(سأمدح بعض الباخلين لَعَلَّه إِن اطرد المقياس أَن يتسمحا)
وَلَو لم يفترع غير هَذَا الْمَعْنى الْبكر لَكَانَ أشعر النَّاس إِذْ شبه مديحه بعصا مُوسَى الَّتِى ضرب بهَا الْبَحْر فيبس وَضرب بهَا الْحجر فانبجس وَذَلِكَ ان ابْن الرومى مدح جوادا فبخل فَقَالَ سأمدح بَخِيلًا فَلَعَلَّهُ أَن يجود على هَذَا الْقيَاس
وَمن مليح مَا قيل فى عَصا مُوسَى قَول أَبى الطّيب الشعيرى من أهل الشَّام
(قل لمن يحمل الْعَصَا حَيْثُ أَمْسَى وأصبحا)
[ ٥١ ]
(مَا حوتها يَد امرىء بعد مُوسَى فأفلحا) وظرف من قَالَ
(علمت يَا مشاجع بن حارثه أَن الْعَصَا فى الوحل رجل ثَالِثَة)
٦٠ - (نَار مُوسَى) تضرب مثلا للشىء الهين الْيَسِير يطْلب فيوجد بِسَبَبِهِ العلق النفيس وَالْغنيمَة الْبَارِدَة قَالَ ابْن عَائِشَة كن لما لَا ترجو أَرْجَى مِنْك لما ترجو فَإِن مُوسَى ذهب يقتبس النَّار فَكَلمهُ الْملك الْجَبَّار وَقد أعدت ذكر هَذِه النَّار فِي بَاب النيرَان من هَذَا الْكتاب
٦ - (يَد مُوسَى) يشبه بهَا مَا يُوصف بِحسن الْبيَاض وشعاع النُّور لقَوْل الله تَعَالَى فى قصَّة مُوسَى ﵇ ﴿اسلك يدك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾
قَالَ بعض أهل الْعَصْر فى الْغَزل
(لَك صدغ كَأَنَّهُ قلب فِرْعَوْن وَوجه كَأَنَّهُ يَد مُوسَى)
(وفم قد أَتَى ببرهان عِيسَى فَهُوَ بالطيب مِنْهُ يحيى النفوسا)
واخترع ابْن طَبَاطَبَا العلوى فِي ذكر هَذَا الْبيَاض معنى آخر أحسن فِيهِ على إساءته قَالَ لأبى على بن رستم
(أَنْت أَعْطَيْت من دَلَائِل رسل الله آيا بهَا عَلَوْت الرءوسا)
(جِئْت فَردا بِلَا أَب وبيمناك بَيَاض فَأَنت عِيسَى ومُوسَى)
٦ - (بَقِيَّة قوم مُوسَى) يضْرب بهم الْمثل فى الملال وَقلة الصَّبْر لأَنهم لم يصبروا على طَعَام وَاحِد كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وَقوم مُوسَى فى الزَّمَان البائد لم يصبروا على طَعَام وَاحِد)
[ ٥٢ ]
وَقَالَ أَبُو نواس
(أتيت فؤادها أَشْكُو إِلَيْهِ فَلم أخْلص إِلَيْهِ من الزحام)
(فيامن لَيْسَ يكفيها خَلِيل وَلَا ألفا خَلِيل كل عَام)
(أَرَاك بَقِيَّة من قوم مُوسَى فهم لَا يصبرون على طَعَام) وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(يَا قوم لم أهجركم لملالة حدثت وَلَا لمقال واش حَاسِد)
(لكننى جربتكم فوجدتكم لَا تصبرون على طَعَام وَاحِد)
٦٣ - (لطمة مُوسَى) تضرب مثلا لما يسوء أَثَره وفى أساطير الْأَوَّلين أَن مُوسَى سَأَلَ ربه أَن يُعلمهُ بِوَقْت مَوته ليستعد لذَلِك فَلَمَّا كتب الله لَهُ سَعَادَة المحتضر أرسل إِلَيْهِ ملك الْمَوْت وَأمره بِقَبض روحه بعد أَن يُخبرهُ بذلك فَأَتَاهُ فى صُورَة آدمى وَأخْبرهُ بِالْأَمر فَمَا زَالَ يحاجه ويلاجه وَحين رَآهُ نَافِذ الْعَزِيمَة فى ذَلِك لطمه فَذَهَبت مِنْهَا إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَهُوَ إِلَى الْآن أَعور وَفِيه قيل
(يَا ملك الْمَوْت لقِيت مُنْكرا لطمة مُوسَى تركتك أعورا)
وَأَنا برىء من عُهْدَة هَذِه الْحِكَايَة
٦٤ - (خَليفَة الْخضر) يُقَال للرجل إِذا كَانَ جوالا فى الْأَسْفَار جَوَابا للأفاق فلَان خَليفَة الْخضر كَمَا قَالَ أَبُو تَمام فى نَفسه
(خَليفَة الْخضر من يأوى إِلَى وَطن فى بَلْدَة فظهور العيس أوطانى) ثمَّ قَالَ
(بِالشَّام قومى وبغداد الْهوى وَأَنا بالرقتين وبالفسطاط إخوانى)
[ ٥٣ ]
(وَمَا أَظن النَّوَى ترْضى بِمَا صنعت حَتَّى تُسَافِر بى اقصى خُرَاسَان)
قَالَ القاضى ابو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز أما الْخضر فَالنَّاس فى امْرَهْ فريقان مُنكر ومكذب ومقر ومصدق ومعظم أهل الشَّرَائِع والنبوات يثبت عينه وَإِن اخْتلف فى نَعته وَإِنَّمَا يُنكره خَواص من متكلمى الْإِسْلَام ومتخصصى الْملَل فَأَما عوام ملتنا والسواد الْأَعْظَم من أهل الكتابيين وَالْمَجُوس فهم على افْتِرَاق الْمذَاهب بهم فى اسْمه وَصفته وفى زَمَانه ومدته مطبقون على إِثْبَات عبد لله صَالح حى على الدَّهْر مَمْدُود لَهُ فى الْأَجَل جوال فى الأَرْض مغيب الشَّخْص عَن الْأَبْصَار وَرُبمَا تجَاوز جهال هَذِه الْأُمَم إِلَى تثبيت أُمُور هى أبعد من الْعُقُول وأذهب فى طَرِيق الاستحالة كاستتاره عَن الْعُيُون وَهُوَ حَاضر وقصورها عَنهُ وَهُوَ شَاهد وقطعه الْأَمْكِنَة الْبَعِيدَة فى الْأَزْمِنَة الْيَسِيرَة وتصوره عِنْد ذكر كل من ذكره ومثوله بِحَضْرَة كل من دَعَا باسمه وَإِن اخْتلفت بهم الْأَمَاكِن وَتَبَاعَدَتْ بَينهم الْمسَافَة حَتَّى إِنَّه ليَكُون فى أقْصَى الْمشرق وَعند مُنْتَهى الْعِمَارَة وفى مُنْقَطع الترب ومسقط الشَّمْس من آخر الْمغرب فى وَقت وَاحِد وَرُبمَا طوى مَا بَينهمَا فى قدر رَجَعَ الْبَصَر وزمان امتداد الطّرف إِلَى أكاذيب شنيعة وحماقات عَجِيبَة وَرب سَفِيه ماجن وخليع مارد قد استغوى ضعفه قوم فأعد لَهُم أثرا فى صَخْرَة أَو موطىء قدم على صفحة أَرض فَادّعى أَن رجلا حسن الْهَيْئَة والشارة جميل الرواء والسحنة عطر الثَّوْب وَالْبزَّة قد ظهر فى مَوضِع كَذَا أَو على جبل كَذَا ثمَّ أَرَاهُم ذَلِك الْأَثر فَلم يشك الْقَوْم أَن الْخضر ظهر لَهُ وَأَن نعْمَة من الله أهديت إِلَيْهِ وكرامه من كراماته أفيضت عَلَيْهِ فاتخذوا ذَلِك الماجن إِمَامًا وَتلك الْبقْعَة مشهدا ومثابا
وَأكْثر الروَاة وَالْعُلَمَاء على أَنه صَاحب مُوسَى الذى قَالَ لَهُ مُوسَى ﴿هَل﴾
[ ٥٤ ]
أتبعك على أَن تعلمن مِمَّا علمت رشدا)
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا كَانَ السَّبَب فِي امتداد عمره وَتَأَخر يَوْمه وَالْعلَّة فى خلوده واتصال حَيَاته أَنه كَانَ على مقدمه ذى القرنين ثمَّ اقتحم الظُّلُمَات وطالبا فِيهَا عين الْحَيَاة الَّتِى من جرع من مَائِهَا جرعة عَاشَ مخلدا وَلم يذقْ الْمَوْت أبدا
قَالُوا فَبَيْنَمَا هم بَين أطباق الظُّلُمَات وفى جو لَا تتخلله الْأَنْوَار إِذْ هجم الْخضر على تِلْكَ الْعين فَشرب مِنْهَا حَتَّى اكْتفى وَلحق ذُو القرنين الْعين وَقد غارت فَلم يجد لَهَا أثرا فانكفأ رَاجعا وَغَابَ عَنهُ الْخضر سائحا وَالله أعلم
٦٥ - (صَبر أَيُّوب) قصَّته فِي الْبلَاء وَالصَّبْر عَلَيْهِ مَشْهُورَة والمثل بهَا سَائِر قَالَ ابْن لنكك
(نَحن من الدَّهْر فِي أَعَاجِيب فنسأل الله صَبر أَيُّوب)
(أقفرت الأَرْض من محاسنها فابك عَلَيْهَا بكاء يَعْقُوب)
٦٦ - (حوت يُونُس) يشبه بِهِ النهم الأكول الْجيد الالتقام والالتهام كَمَا يشبه بعصا مُوسَى كَمَا كتب أَبُو الْخطاب الصابى إِلَى عز الدولة أَبُو مَنْصُور بختيار على سَبِيل المطايبه وَأمره أَن يتَخَيَّر من أطايب مَا يقرب إِلَيْهِ وَلَا يتَعَذَّر هضمه وَلَا يبطىء استمراؤه وَأَن يعْتَمد صُدُور الدَّجَاج وخواصر الحملان ويتجنب شحوم الكلى فَإِنَّهَا تمنع من الإمعان وَأَن يحاكى حوت يُونُس فِي جودة الالتقام وثعبان مُوسَى فِي سرعَة الالتهام ويبادر الطّرف باستراطه ويسبق النَّفس بازدراده
[ ٥٥ ]
٦٧ - (درع دَاوُد) قَالَ الله ﷿ فِي قصَّة دَاوُد ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد أَن اعْمَلْ سابغات وَقدر فِي السرد﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ كَانَ الْحَدِيد فِي يَده كالعجين فِي يَد أحدكُم وَقَالُوا فِي قَوْله ﴿وَقدر فِي السرد﴾ أى لَا تضيق ثقب مسامير الدروع فتخرق وَلَا توسعها فتفلق
قَالُوا وَلم يكن قبل دَاوُد دروع وَإِنَّمَا كَانَت صَفَائِح من حَدِيد مَضْرُوبَة وَهُوَ أول من عَملهَا ولبسها وألبسها قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(وَعَلَيْهِمَا مسرودتان قضاهما دَاوُد أمتن من سوابغ تبع)
وَأحسن السلامى فى قَوْله من قصيدة لعضد الدولة
(ألبستهم نسج دَاوُد فنلت بهم ملك ابْن دَاوُد إِذْ دَانَتْ لَهُ الْأُمَم)
٦٨ - (نَغمَة دَاوُد) يضْرب بهَا الْمثل فِي الطّيب وَكَانَ ﵇ إِذا قَامَ فِي محرابه يقْرَأ الزبُور عكفت عَلَيْهِ الْوَحْش وَالطير تصغى إِلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ ابْن الرومى فِي ذمّ صياد يَرْمِي بقوس البندق وَلَا يخطىء بإصابته
(تستأنس الطير إِلَى قوسه كَأَنَّهَا محراب دَاوُد)
وَقَالَ أَبُو على الْبَصِير فى جَارِيَة قارئة اسْمهَا سكر
(أسكرتنى سكرا بِغَيْر شراب وَأَتَتْ إِذْ أَتَت بِأَمْر عُجاب)
(لم ترجع بِآيَة من كتاب الله حَتَّى نسيت أم الْكتاب)
(أذكرتنى بصوتها صَوت دَاوُد يقرى الزبُور فِي الْمِحْرَاب)
[ ٥٦ ]
وَقَالَ بعض الْعَرَب
(لَهَا حكم لُقْمَان وَصُورَة يُوسُف ونغمة دَاوُد وعفة مَرْيَم)
(ولى سقم أَيُّوب وغربة يُونُس وأحزان يَعْقُوب ووحشة آدم)
٦٩ - (مَزَامِير دَاوُد) حدث أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج قَالَ سَأَلت عَطاء عَن قِرَاءَة الْقُرْآن على ألحان الْغناء والحداء فَقَالَ لَا بَأْس فقد حَدَّثَنى عبيد الله بن عُمَيْر الليثى أَنه كَانَ لداود مَزَامِير يزمر بهَا إِذا قَرَأَ الزبُور فَكَانَ إِذا اجْتمع عَلَيْهِ الْإِنْس وَالْجِنّ والوحش وَالطير أبكى من حوله قَالَ ابْن الْحجَّاج
(هَذَا ومعشوقتى مجنجنة أطيب من جنجن بطنبور)
(لَهَا غناء أشجى إِذا نغمت من صَوت دَاوُد بالمزامير) وَقَالَ الْمبرد مَزَامِير آل دَاوُد كَأَنَّهَا ألحانهم وأغانيهم
وَقَالَ غَيره إِن طيب صَوته ونعمة نغمته شبها بالمزامير وَلَا مَزَامِير وَلَا معازف هُنَاكَ وَالله أعلم
٧٠ - (خَاتم سُلَيْمَان) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الشّرف والعلو ونفاذ الْأَمر وَذَلِكَ أَن ملكه زَالَ عَنهُ بِعَدَمِهِ وعاوده مَعَ عوده والقصة فِيهِ معروفه سائرة وَيُقَال إِنَّه كَانَ معْجزَة لَهُ كَمَا كَانَت عَصا مُوسَى من معجزاته وَبِه اقْتدى الْمُلُوك بعده فى اتِّخَاذ خَوَاتِم الْمُلُوك ودواوين الْخَاتم
٧ - (جن سُلَيْمَان) لما سخر الله تَعَالَى لِسُلَيْمَان الْجِنّ وَالشَّيَاطِين وجعلهم يصدرون عَن رَأْيه ويتصرفون عَن أمره أضيفوا إِلَيْهِ فَقيل جن سيمان وشياطين سُلَيْمَان كَمَا قَالَ البحترى
[ ٥٧ ]
(كَأَن جن سُلَيْمَان الَّذين ولوا إبداعها فأدقوا فى مَعَانِيهَا) وَقَالَ غَيره لبَعض الْمُلُوك
(شيدت قصرا عَالِيا مشرفا بطالعى سعد ومسعود)
(كَأَنَّمَا يرفع بُنْيَانه جن سُلَيْمَان بن دَاوُد)
(لَا زلت مَسْرُورا بِهِ بَاقِيا على اخْتِلَاف الْبيض والسود)
وَأنْشد الجاحظ للنابغة
(إِلَّا سُلَيْمَان إِذْ قَالَ المليك لَهُ قُم فى الْبَريَّة فاحددها عَن الفند)
(وخيس الْجِنّ إنى قد أَذِنت لَهُم يبنون تدمر بالصفاح والعمد)
ثمَّ قَالَ وَأهل تدمر يَزْعمُونَ أَن ذَلِك الْبناء بنى قبل زمن سُلَيْمَان بِأَكْثَرَ من قدر مَا بَيْننَا الْيَوْم وَبَين زمن سُلَيْمَان قَالُوا وَلَكِنَّكُمْ إِذا رَأَيْتُمْ بنيانا عجيبا وجهلتم مَوضِع الْحِيلَة فِيهِ أضفتموه إِلَى الشَّيَاطِين وَلم تعانوه بالفكر وَأنْشد للعرجى
(سدت مسامعها لقرع مراجل من نسج جن مثله لَا ينسج)
وَقَالَ الأصمعى السيوف المأثورة هى الَّتِى يُقَال إِنَّهَا من عمل الْجِنّ وَالشَّيَاطِين لِسُلَيْمَان فَأَما الْقَوَارِير والحمامات فَذَلِك مَا لَا شكّ فِيهِ وَقَالَ البعيث
(بنى زِيَاد لذكر الله مصنغة من الْحِجَارَة لم تعْمل من الطين)
(كَأَنَّهَا غير أَن الْإِنْس ترفعها مِمَّا بنت لِسُلَيْمَان الشَّيَاطِين)
وَأحسن مَا حوضر بِهِ عَن شياطين سُلَيْمَان قَول أَبى الْقَاسِم غَانِم بن أَبى الْعَلَاء الأصفهانى فى مرثية الصاحب
(يَا كافى الْملك مَا وفيت حَقك من مدح وَإِن طَال تقريظ وتأبين)
(فت الصِّفَات فَمَا يرثيك من أحد إِلَّا وتزيينه إياك تهجين)
[ ٥٨ ]
(مَا مت وَحدك بل قد مَاتَ من ولدت حَوَّاء طرا بل الدُّنْيَا بل الدّين)
(هذى نواعى الْعلَا مذمت نادبة من بعد مَا ندبتك الْحور وَالْعين)
(تبكى عَلَيْك العطايا والصلات كَمَا تبكى عَلَيْك الرعايا والسلاطين)
(قَامَ السعاة فَكَانَ الْخَوْف أقعدهم واستيقظوا بعد مَا نَام الملاعين)
(لَا يعجب النَّاس مِنْهُم إِن هم انتشروا مضى سُلَيْمَان فانحل الشَّيَاطِين)
٧ - (سير سُلَيْمَان) يضْرب بِهِ الْمثل فِي السرعة لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿ولسليمان الرّيح غدوها شهر ورواحها شهر﴾
ويروى أَنه كَانَ يسير فى يَوْم وَاحِد من إصطخر فَارس إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَبِه ضرب الْمثل سلم بن عَمْرو حَيْثُ قَالَ للهادى وَقد ركب الْبَرِيد من جرجان إِلَى بَغْدَاد لما بلغه وَفَاة الْمَنْصُور
(لما أَتَت خير بنى هَاشم خلَافَة الله بجرجان)
(أسْرع فى الأَرْض وَقد سَارهَا يحْكى لنا سير سُلَيْمَان)
وَمن الْمسير الْمَذْكُور فى الْعَرَب مسير حُذَيْفَة بن بدر وسيمر ذكر ذَلِك فى الْكتاب فى مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٧٣ - (ملك سُلَيْمَان) يضْرب بِهِ الْمثل فى الاتساع والانبساط وَذَلِكَ أَنه ملك ملكا لَا ينبغى لأحد من بعده وفى عوده إِلَيْهِ بعد ذَهَابه وزواله يَقُول الشَّاعِر
(قد زَالَ ملك سُلَيْمَان فعاوده وَالشَّمْس تنحط فى المجرى وترتفع)
٧٤ - (حمَار عُزَيْر) يجرى ذكره فى عدَّة مَوَاضِع فَمِنْهَا أَنه يضْرب
[ ٥٩ ]
مثلا للمنكوب فينتعش لِأَن الله تَعَالَى أَحْيَاهُ بعد مائَة عَام من مَوته قَالَ الصاحب فى أَبى مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عُزَيْر لما استوزر بعد النكبة حمَار عُزَيْر ذَاك لَا ابْن عُزَيْر
وَنظر الْفضل بن عِيسَى الرقاشى إِلَى حمَار فاره تَحت سلم بن قُتَيْبَة فَقَالَ قعدة بني وبذله جَبَّار ذهب إِلَى حمَار عُزَيْر وَعِيسَى
وَقَالَ بعض المتعصبين للحمار والقائلين بفضله وَكَيف لَا أحب شَيْئا أَحْيَاهُ الله بعد مَوته قبل الْحَشْر يعْنى حمَار عُزَيْر
وَحكى الجاحظ عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان قَالَ قَالَ مُوسَى للخضر أى الدَّوَابّ أحب إِلَيْك قَالَ الْفرس وَالْحمار لِأَنَّهُمَا من مراكب الْأَنْبِيَاء قَالَ الجاحظ أما الْفرس فمركب أولى الْعَزْم من الرُّسُل وكل من أمره تَعَالَى بِحمْل السِّلَاح وقتال الْكفَّار وَأما الْبَعِير فمركب هود وَصَالح وَشُعَيْب وَمُحَمّد ﷺ وَأما الْحمار فمركب عُزَيْر وَعِيسَى ﵇ ٥ ﷺ
٧ - (طب عِيسَى) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَنَّهُ كَانَ يبرىء الأكمه والأبرص وَيحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله
وَمن أَمْثَال الْعَرَب فلَان يتطبب على عِيسَى بن مَرْيَم قَالَ المتنبى
(فآجرك الْإِلَه على عليل بعثت إِلَى الْمَسِيح بِهِ طَبِيبا)
وَقَالَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ
(وَمَا كنت فى تركيك إِلَّا كتارك طهُورا وراض بعده بِالتَّيَمُّمِ)
(وراوى كَلَام يقتفى إِثْر بَاقِل وَيتْرك قسا جانبا وأبن أهتم)
(وذى عِلّة يأتى طَبِيبا ليشتفى بِهِ وَهُوَ جَار للمسيح بن مَرْيَم)
[ ٦٠ ]
٧٦ - (دم يحيى بن زَكَرِيَّا) قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء قيل لنا فى دَار فلَان نَاس قد اشتملوا على سوءة لَهُم وهم جُلُوس على خمرة وَعِنْدهم طنبورة فَدَخَلْنَا عَلَيْهِم فى جمَاعَة من رجال الحى فَإِذا فَتى جَالس فى وسط الدَّار وَأَصْحَابه حوله وهم بيض اللحى وَإِذا هُوَ يقْرَأ عَلَيْهِم دفتر شعر فَقَالَ الذى كَانَ سعى بهم السوءة فى ذَلِك الْبَيْت فَإِن دخلتموه عثرتم بهَا قَالَ فَقلت لَا وَالله لَا كسفت فَتى أَصْحَابه شُيُوخ وفى يَده دفتر علم وَلَو كَانَ فى ثَوْبه دم يحيى بن زَكَرِيَّا ﷺ
اخْتلفُوا فى مقتل يحيى هَل هُوَ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَو بِغَيْرِهِ
وَعَن سعيد بن الْمسيب قدم بخت نصر دمشق فَإِذا هُوَ بِدَم يحيى بن زَكَرِيَّا يغلى فَسَأَلَ عَنهُ فأخبروه فَقتل على دَمه سبعين ألفا فسكن وَقد طعن فى صِحَة هَذَا القَوْل
٧٧ - (بردة النَّبِي) يضْرب بهَا الْمثل فى البلى والخلوقة فَيُقَال أعتق من الْحِنْطَة وَمن بردة النَّبِي ﷺ وهى الَّتِى كساها رَسُول الله ﷺ كَعْب بن زُهَيْر ﵁ لما أنْشدهُ قصيدته الَّتِى مِنْهَا
(نبئت أَن رَسُول الله أوعدنى وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول)
فاشتراها مُعَاوِيَة مِنْهُ بستمائة دِينَار فَلم يزل الْخُلَفَاء يتداولونها تبركا بهَا إِلَى يَوْمنَا هَذَا
وَمن ظريف التَّمْثِيل بهَا قَول جعيفر الموسوس فى رجل استوهبه جعيفر دراعة لَهُ فَقَالَ قد لبسهَا ابى وَأَنا أكره أَن يلبسهَا أحد بعده
[ ٦١ ]
(سَأَلته دراعة لباسها يحسن بى)
(فَقَالَ لى أكره أَن تلبسها بعد أَبى)
(وَقد رأى الْبردَة من يلبسهَا بعد النَّبِي)
٧٨ - (دَاء الْأَنْبِيَاء) قَالَ الجاحظ وَمن المفاليج إِدْرِيس النَّبِي وروى أَن الفالج من أمراض الْأَنْبِيَاء قَالَ وَلَا أعرف إِسْنَاد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَمثل هَذَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرِّوَايَة عَن الثِّقَات إِلَّا مَا حدث بِهِ عباد بن كثير الخزاعى عَن الْحسن بن ذكْوَان عَن عبد الْوَاحِد بن قيس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (دَاء الْأَنْبِيَاء الفالج واللقوة)
قَالَ الجاحظ وَأكْثر مَا يعترى الفالج المتوسطين فى الْأَسْنَان لِأَن الشَّبَاب كثير الْحَرَارَة والشيخوخة كَثِيرَة اليبس فَأكْثر مَا يعترى بَين هذَيْن السنين
٧٩ - (فقر الْأَنْبِيَاء) يُقَال ذَلِك لِأَن فقراءهم أَكثر من أغنيائهم والفقر شعار الصَّالِحين
ويروى أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء شكا لله تَعَالَى شدَّة الْفقر فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ هَكَذَا أجْرى أَمرك عندى أفتريد أَن أُعِيد الدُّنْيَا من أَجلك على أَنه لَا يجوز وصف الْأَنْبِيَاء بالفقر كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لِأَن تَركهم الدُّنْيَا عَن قدرَة وَحَدِيث الْفقر لَا أصل لَهُ
وَقَالَ البحترى
(فقر كفقر الْأَنْبِيَاء وغربة وصبابة لَيْسَ الْبلَاء بِوَاحِد)
[ ٦٢ ]
الْبَاب الثَّالِث فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين
خطّ الْمَلَائِكَة
طَاوس الْمَلَائِكَة
غسيل الْمَلَائِكَة
قوط الْمَلَائِكَة
سيرة الْمَلَائِكَة
جنَاح الْمَلَائِكَة
جنَاح جِبْرِيل
حَرْبَة ابى يحيى
سحر هاروت
رماح الْجِنّ
ديك الْجِنّ
كلاب الْجِنّ
ذَبَائِح الْجِنّ
جند إِبْلِيس
إِبْلِيس الأباليس
صديق إِبْلِيس
قبح الشَّيْطَان
خطوَات الشَّيْطَان
أَصَابِع الشَّيْطَان
رقى الشَّيْطَان
مكيال الشَّيْطَان
ظلّ الشَّيْطَان
لطيم الشَّيْطَان
مخاط الشَّيْطَان
بريد الشَّيْطَان
وكر الشَّيْطَان
حبائل الشَّيْطَان
خمر الشَّيْطَان
رُءُوس الشَّيَاطِين