٨٠ - (خطّ الْمَلَائِكَة) يكنى بِهِ عَن الْخط الردىء وَلما وصف الله الْمَلَائِكَة بِالْكِتَابَةِ فَقَالَ ﴿كراما كاتبين﴾ قَالَ ﴿وَرُسُلنَا لديهم يَكْتُبُونَ﴾ وَلما كَانَ خطهم غير بَين للنَّاس وأجود الْخط أبينه قيل فى الْكِنَايَة عَن الْخط الردىء خطّ الْمَلَائِكَة
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم الطهمانى الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد يحيى بن مُحَمَّد العلوى يَقُول إِنَّمَا شبه الْخط الردىء بِخَط الْمَلَائِكَة لِأَن أردأ الْخط الرقم وَخط الْمَلَائِكَة رقم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾
٨ - (طَاوس الْمَلَائِكَة) كَانَ عندنَا بنيسابور شيخ يُقَال لَهُ أَبُو بكر الفارسى الْمُذكر يقص وَيذكر وَكَانَ تَفْسِير ابْن الكلبى على طرف لِسَانه
[ ٦٣ ]
وبسبب الْإِسْرَاع فِيهِ وفى الْقِرَاءَة كَانَ يُقَال هُوَ بحذاء الْقُرْآن كِنَايَة عَن حفظه لَهُ وَكَانَ إِذا ذكر جِبْرِيل قَالَ لَهُ طَاوس الْمَلَائِكَة وَمَا أَشك فى أَنه لَيْسَ أَبَا عذرة هَذَا اللقب وَإِنَّمَا هُوَ أَخذ خلفا عَن سلف وَالله أعلم
٨ - (غسيل الْمَلَائِكَة) هُوَ حَنْظَلَة بن أَبى عَامر الأنصارى غسلته الْمَلَائِكَة وَذَلِكَ أَنه خرج يَوْم أحد فأصيب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (هَذَا صَاحبكُم قد غسلته الْمَلَائِكَة) فَسُئِلت عَن ذَلِك امْرَأَته فَقَالَت إِنَّه كَانَ معى على مَا يكون عَلَيْهِ الرجل مَعَ امْرَأَته فأعجلته حطمة بِالْمُسْلِمين منعته عَن الِاغْتِسَال فَخرج فأصيب وَفِيه يَقُول الْأَحْوَص وَكَانَ حَنْظَلَة خَال أَبِيه
(غسلت خالى الْمَلَائِكَة الْأَبْرَار مَيتا أكْرم بِهِ من صريع)
وَقد ذكر الْمبرد نَفرا مِمَّن كَانَ بَينهم وَبَين الْمَلَائِكَة سَبَب فَمنهمْ سعد بن معَاذ هَبَط لمَوْته سَبْعُونَ ألف ملك لم يهبطوا إِلَى الأَرْض قبلهَا وَقبض رَسُول الله ﷺ رجله وَهُوَ يمشى فى جنَازَته لِئَلَّا يطَأ على جنَاح ملك واهتز لمَوْته عرش الله وفى ذَلِك يَقُول حسان
(وَمَا اهتز عرش الله من موت هَالك سمعنَا بِهِ إِلَّا لمَوْت أَبى عَمْرو)
وَكبر عَلَيْهِ رَسُول اله ﷺ تسعا كَمَا كبر على حَمْزَة وشم
[ ٦٤ ]
من تُرَاب قَبره ريح الْمسك
وَمِنْهُم حسان بن ثَابت قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (اهجهم وروح الْقُدس مَعَك) وَقَالَ فى حَدِيث آخر (إِن الله مؤيد حسان بِروح الْقُدس مَا نافح عَن نبيه) وَكَانَ يوضع لحسان مِنْبَر فى مُؤخر الْمَسْجِد يقوم عَلَيْهِ فينافح عَن رَسُول الله ﷺ
وَمِنْهُم عمرَان بن حُصَيْن كَانَ تصافحه الْمَلَائِكَة وتعوده ثمَّ افتقدها فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن رجَالًا كَانُوا يأتوننى لم أر أحسن وُجُوهًا وَلَا أطيب أرواحا مِنْهُم ثمَّ انْقَطَعُوا عَنى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَصَابَك جرح فَكنت تكتمه فَقَالَ أجل قَالَ ثمَّ أظهرته قَالَ قد كَانَ ذَاك قَالَ (أما لَو وَالله أَقمت على كِتْمَانه لزارتك الْمَلَائِكَة إِلَى أَن تَمُوت) وَهَذَا جرح أَصَابَهُ فى سَبِيل الله
وَمِنْهُم جرير بن عبد الله البجلى قَالَ رَسُول الله (يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج خير ذى يمن فَإِن عَلَيْهِ مسحة ملك)
وَمِنْهُم دحْيَة بن خَليفَة الكلبى كَانَ جِبْرِيل يهْبط فى صورته فَمن ذَلِك يَوْم بنى قُرَيْظَة لما انْصَرف رَسُول الله ﷺ من الخَنْدَق هَبَط عَلَيْهِ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أقد وضعت سِلَاحك وَمَا وضعت الْمَلَائِكَة أسلحتها بعد إِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بنى قُرَيْظَة وهأنذا سَائِر إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم فَأمر رَسُول الله ﷺ النَّاس أَلا يصلوا الْعَصْر إِلَّا فى بنى قُرَيْظَة وَجعل يمر بِالنَّاسِ فَيَقُول أَمر بكم أحد فَيَقُولُونَ مر بِنَا دحْيَة بن خَليفَة على بغلة وَعَلِيهِ قطيفة خَز نَحْو بنى قُرَيْظَة فَيَقُول ذَاك جِبْرِيل ثمَّ مر بهم
[ ٦٥ ]
دحْيَة بعد ذَلِك وَكَانَ لَا يزَال بعد ذَلِك الْيَوْم ينزل على صورته كَمَا ظهر إِبْلِيس فى صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم الكنانى وفى صُورَة الشَّيْخ النجدى يَوْم دَار الندوة حِين أَشَارَ بِأَن تَجْتَمِع قُرَيْش فَتضْرب رَسُول الله ﷺ بِسيف وَاحِد وَالله ﷾ أعلم
٨٣ - (قوط الْمَلَائِكَة) قَرَأت وَسمعت أَن بِقرب بَاب آمد صَخْرَة عَظِيمَة فِيهَا صدع يخرج مِنْهُ عين مَاء يشرب مِنْهُ النَّاس والأنعام وَيُقَال لذَلِك الصدع قوط الْمَلَائِكَة والقوط بلغتهم الْفرج
٨٤ - (سيرة الْمَلَائِكَة) أنشدنى أَبُو الْفَتْح البستى لنَفسِهِ فى أَبى سعد ابْن مِلَّة الهروى
(أما الْكَرِيم أَبُو سعد وهمته فقد غَدا فى الْعلَا أعجوبة الْفلك)
(لَو اسْتعَار الورى إكسير سيرته لَكَانَ أجودهم فى سيرة الْملك)
٨٥ - (جنَاح الْمَلَائِكَة) قَالَ الله تَعَالَى فى وصف الْمَلَائِكَة ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع يزِيد فِي الْخلق مَا يَشَاء﴾
٨٦ - (جنَاح جِبْرِيل) وَقد ضرب الْمثل بجناح جِبْرِيل فى الْبركَة والشفاء بعض أهل الْعَصْر فَقَالَ فى وصف رقْعَة فى العيادة وَردت عَلَيْهِ
(أَرقعَة فى عيادتى وَردت أم رقية قد شفت لتعجيل)
(أم عوذة عَن نَبينَا صدرت أم مسحة من جنَاح جِبْرِيل)
٨٧ - (حَرْبَة أَبى يحيى) أَبُو يحيى هُوَ ملك الْمَوْت وانما كنى بِهَذِهِ
[ ٦٦ ]
الكنية كِنَايَة عَن الْمَوْت كَمَا كنى عَن اللديغ بالسليم وَعَن الْمهْلكَة بالمفازة قَالَ الصاحب فى أَخَوَيْنِ مليح وقبيح وَاسم الْمليح مِنْهُمَا يحيى
(يحيى حُلْو الْمحيا وَلَكِن لَهُ أَخ حكى وَجه أَبى يحيى)
وحربة أَبى يحيى يُرَاد بهَا مُقَدّمَة من مُقَدمَات الْمَوْت على جِهَة التَّمْثِيل والاستعارة قَالَ بعض أهل الْعَصْر
(عذيرى من الْأَيَّام مدت صروفها إِلَى وَجه من أَهْوى يَد النّسخ والمحو)
(وأبدت بوجهى طالعات أرى بهَا سِهَام أَبى يحيى مسددة نحوى)
(فَذَاك سَواد الْخط ينْهَى عَن الْهوى وَهَذَا بَيَاض الوخط يَأْمر بالصحو)
٨٨ - (سحر هاروت) يضْرب بِهِ الْمثل وينسب إِلَيْهِ السحر دون صَاحبه ماروت لِأَن الله تَعَالَى بَدَأَ بِهِ فَقَالَ ﴿وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت﴾ وَكَذَلِكَ يُقَال أقصر من يَأْجُوج وَلَا يُقَال من مأجوج قَالَ ابْن برد
(وَكَانَ رَجَعَ حَدِيثهَا قطع الرياض كسين زهرا)
(وَكَأن تَحت لثامها هاروت ينفث مِنْهُ سحرًا)
وَقَالَ عبد الله بن المعتز
(أسترزق الله عطف الْحبّ من رشإ يشوب تذكير عَيْنَيْهِ بتأنيث)
(كَأَن فى طرفه هاروت يقصدنى مِنْهُ بِسحر إِلَى الأحشاء منفوث)
وَقَالَ الصاحب
(لقد ظن بدر التم نقص جماله فبعدا لوجه الْبَدْر مَعَ سوء ظَنّه)
(وَلَو أَن هاروتا رأى سحر عينه تعلم كَيفَ السحر من حد جفْنه)
[ ٦٧ ]
٨٩ - (رماح الْجِنّ) الْعَرَب تسمى الطَّاعُون رماح الْجِنّ وَجَاء فى الحَدِيث (إِنَّه وخز أعدائكم من الْجِنّ)
وَلما كَانَ طاعون عمواس قَامَ عَمْرو بن الْعَاصِ فى النَّاس خَطِيبًا فَقَالَ يأيها النَّاس إِن هَذَا الطَّاعُون قد ظهر وانما هُوَ وخز من الشَّيَاطِين فَفرُّوا مِنْهُ فى الشعاب وَبلغ ذَلِك معَاذ بن جبل فَأنْكر عَلَيْهِ هَذَا القَوْل ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ فِيهِ
قَالَ الجاحظ وَقد كَانَت الطواعين تقع كثيرا فَتَصِير تواريخ كطاعون عمواس وطاعون العذارى وطاعون الْأَشْرَاف وَغَيرهَا وَلما ملك بَنو الْعَبَّاس رفع الله ببركتهم الطواعين والموتان الجارف عَن بنى آدم فَإِنَّهَا كَانَت تحصد فيهم حصدا وفى ذَلِك يَقُول العمانى للرشيد
(قد أذهب الله رماح الْجِنّ وأذهب التَّعْلِيق والتجنى)
يُرِيد أَن مَا كَانَ بَنو مَرْوَان يَفْعَلُونَهُ من مُطَالبَة النَّاس بالأموال وتعذيب عُمَّال الْخراج بِالتَّعْلِيقِ والتجريد قد ذهب
وَقَالَت امْرَأَة قتل ابْنهَا غير أكفائه
(لعمرك مَا خشيت على عدى رماح بنى مُقَيّدَة الْحمار)
(ولكنى خشيت على عدى رماح الْجِنّ أَو إياك حَار)
كَأَنَّهَا قَالَت إِنَّمَا كنت أخْشَى على ابنى طواعين الشَّام أَو الْحَارِث بن مَالك الغسانى فَأَما من يرتبط الْحمير وَلَا يرتبط الْخَيل فَلم أكن أخشاه
وَقَالَ الْمَنْصُور يَوْمًا لأبى بكر بن عَيَّاش من بركتنا أَن رفع عَنْكُم الطَّاعُون فَقَالَ لم يكن الله ليجمعكم علينا والطاعون
[ ٦٨ ]
قَالَ الصولى لما كَانَت سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة وَقع طاعون عَظِيم فى النَّاس بِبَغْدَاد وَمَا جاورها
٩٠ - (ديك الْجِنّ) هُوَ عبد السَّلَام بن رغبان الحمصى شَاعِر مفلق فى الْمُحدثين أدْرك زمَان المتَوَكل حَتَّى قَالَ من قصيدة لَهُ
(حَتَّى حسبت أنو شرْوَان من خدمى وخلت أَن نديمى عَاشر الخلفا)
وَلست أعرف سَبَب تلقيبه بديك الْجِنّ وَيُشبه أَن يكون قَالَ بَيْتا يشْتَمل على ذكر ديك الْجِنّ فلقب بذلك كَمَا لقب كثير من الشُّعَرَاء بأقوال تجرى لَهُم مجْرى الشواذ والنوادر
٩ - (كلاب الْجِنّ) قَالَ الجاحظ أما قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(وَقد هرت كلاب الْجِنّ منا وشذبنا قَتَادَة من يلينا)
فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن كلاب الْجِنّ هم الشُّعَرَاء
٩ - (ذَبَائِح الْجِنّ) فى الحَدِيث أَنه نهى عَن ذَبَائِح الْجِنّ وهى أَن يشترى الرجل الدَّار أَو يسْتَخْرج الْعين وَمَا أشبههما فَيذْبَح لَهَا ذَبِيحَة الطَّيرَة ويضيف جمَاعَة
٩٣ - (جند إِبْلِيس) يُقَال ذَلِك للمجان والخلعاء قَالَ الشَّاعِر
(وَكنت فَتى من جند إِبْلِيس فارتقت بى الْحَال حَتَّى صَار إِبْلِيس من جندى)
٩٤ - (إِبْلِيس الأباليس) قَالَ جرير من قصيدته الَّتِى فِيهَا
(وَابْن اللَّبُون إِذا مالز فى قرن لم يَسْتَطِيع صولة البزل القناعيس)
[ ٦٩ ]
(إنى ليلقى على الشّعْر مكتهل من الشَّيَاطِين إِبْلِيس الأباليس)
وَكَانَت الشُّعَرَاء تزْعم أَن الشَّيَاطِين تلقى على أفواهها الشّعْر وتلقنها إِيَّاه وتعينها عَلَيْهِ وتدعى أَن لكل فَحل مِنْهُم شَيْطَانا يَقُول الشّعْر على لِسَانه فَمن كَانَ شَيْطَانه أَمْرَد كَانَ شعره أَجود
وَبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بِهَذَا الشَّأْن أَن ذكرُوا لَهُم أَسمَاء فَقَالُوا إِن اسْم شَيْطَان الْأَعْشَى مسحل وَاسم شَيْطَان الفرزدق عَمْرو وَاسم شَيْطَان بشار شنقناق وفى مسحل يَقُول الْأَعْشَى
(وَمَا كنت ذَا قَول وَلَكِن حسبتنى إِذا مسحل يبرى لى القَوْل أنطق)
(خليلان فِيمَا بَيْننَا من مَوَدَّة شريكان جنى وإنس موفق) وَقَالَ يذكرهُ
(حبانى أخى الجنى نفسى فداؤه بأفيح جياش العشيات مرجم) وَقَالَ أَيْضا فِيهِ
(دَعَوْت خليلى مسحلا ودعوا لَهُ جهنام جدعا للهجين المذمم) وَقَالَ حسان بن ثَابت
(إِذا مَا ترعرع منا الْغُلَام فَلَيْسَ يُقَال لَهُ من هوه)
(إِذا لم يسد قبل شدّ الْإِزَار فَذَلِك فِينَا الذى لاهوه)
(ولى صَاحب من بنى الشيصبان فحينا أَقُول وحينا هوه)
شيصبان وشنقناق رئيسان عظيمان من الْجِنّ بزعمهم
[ ٧٠ ]
وَلما ادّعى بشار أَن شنقناق يرغب فى مصاحبته ومعاونته قَالَ
(دعانى شنقناق إِلَى خلف بكرَة فَقلت اتركانى فالتفرد أَحْمد)
يَقُول أَحْمد لى فى الشّعْر أَلا يكون عَلَيْهِ معِين فَقَالَ أعشى بنى سليم رد عَلَيْهِ
(إِذا ألف الجنى قردا مشنفا فَقل لخنازير الجزيرة أبشرى)
فجزع بشار لذَلِك كجزعه من قَول حَمَّاد عجرد فِيهِ
(وَيَا أقبح من قرد إِذا مَا عمى القرد)
لِأَنَّهُ كَانَ يعلم مَعَ تغزله أَن وَجهه وَجه قرد وفى زعمهم أَن مَعَ كل شَاعِر شَيْطَانا يَقُول أعشى بنى سليم
(وَمَا كَانَ جنى الفرزدق قدوة وَمَا كَانَ فِيهَا مثل فَحل المخبل)
(وَمَا فى الخوافى مثل عَمْرو وَشَيْخه وَلَا بعد عَمْرو شَاعِر مثل مسحل)
وَقَالَ الفرزدق وَهُوَ يمدح أَسد بن عبد الله القسرى
(ليبلغن أَبَا الأشبال مدحتنا من كَانَ بالغور أَو مروى خُرَاسَان)
(كَأَنَّهَا الذَّهَب الإبريز حبرها لِسَان أشعر خلق الله شَيْطَانا)
وَقَالَ أَبُو النَّجْم
(إنى وكل شَاعِر من الْبشر شَيْطَانه أُنْثَى وشيطانى ذكر)
(فَمَا يرانى شَاعِر إِلَّا استتر فعل نُجُوم اللَّيْل عاين الْقَمَر)
[ ٧١ ]
وَقَالَ آخر
(إنى وَإِن كنت صَغِير السن وَكَانَ فى الْعين نبو عَنى)
(فَإِن شيطانى أَمِير الْجِنّ يذهب بى فى الشّعْر كل فن)
وَقَالَ ابْن ميادة
(وَلما أتانى مَا تَقول محَارب تغنت شياطينى وجن جنونها)
وَقَالَ مَنْظُور بن رَوَاحَة
(فَلَمَّا أتانى مَا يَقُول ترقصت شياطين رأسى وانتشين من الْخمر)
وَقَالَ الزفيان العوافى
(أَنا العوافى فَمن عادانى أذقته بَوَادِر الهوان)
(حَتَّى ترَاهُ مطرق الشَّيْطَان علمنى الشّعْر معلمان)
يعْنى معلما من الْإِنْس ومعلما من الْجِنّ
وَقَالَ أَبُو السمط لعلى بن الجهم
(إِن ابْن جهم فى المغيب يعيبنى وَيَقُول لى حسنا إِذا لاقانى)
(وَيكون حِين أغيب عَنهُ شَاعِرًا ويضل عَنهُ الشّعْر حِين يرانى)
[ ٧٢ ]
(وَإِذا الْتَقَيْنَا ذاد شعرى شعره ونزا على شَيْطَانه شيطانى)
(إِن ابْن جهم لَيْسَ يرحم أمه لَو كَانَ يرحمها لما عادانى)
وَكَانَ الفرزدق يَقُول شَيْطَان جرير هُوَ شيطانى إِلَّا أَنه من فمى أَخبث
وَقيل لجَعْفَر بن يحيى لَو قلت الشّعْر فَقَالَ شَيْطَانه أَخبث من أَن أسلطه على عقلى
٩٥ - (صديق إِبْلِيس) هُوَ عبد الله بن هِلَال الذى يُقَال لَهُ السَّاحر وَكَانَ فى زمن الْحجَّاج وَكَانَ صَاحب شعبذة ونيرنجات يدعى أَن إِبْلِيس يتَرَاءَى لَهُ ويصادقه ويكاتبه ويطلعه على أسراره وَلما قَالَ الْحجَّاج ليحيى بن سعيد بن الْعَاصِ أخبرنى عبد الله بن هِلَال صديق إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة أَنَّك تشبه إِبْلِيس قَالَ وَمَا يُنكر الْأَمِير أَن يكون سيد الْإِنْس يشبه سيد الْجِنّ فَعجب من قُوَّة جَوَابه
٩٦ - (قبح الشَّيْطَان) بلغنى عَن الصاحب أَنه كَانَ يستملح قَول أَبى على الْبَصِير فى أبي هفان ويستطرفه وَكَثِيرًا مَا كَانَ ينشده ويردده
(لى صديق فى خلقَة الشَّيْطَان وعقول النِّسَاء وَالصبيان)
(من تظنونه فَقَالُوا جَمِيعًا لَيْسَ هَذَا إِلَّا أَبَا هفان)
قَالَ الجاحظ إِنَّا وَإِن كُنَّا لم نر شَيْطَانا قطّ وَلَا صُورَة لنا صَادِق ففى إِجْمَاع الْعَرَب وَالْمُسْلِمين وكل من لقيناه على ضرب الْمثل بقبح الشَّيْطَان
[ ٧٣ ]
دَلِيل على أَنه فى الْحَقِيقَة أقبح من كل قَبِيح وَالْكتاب إِنَّمَا نزل على الَّذين ثَبت هَذَا فى طبائعهم غَايَة الثَّبَات قَالَ وَرُبمَا قَالُوا فلَان شَيْطَان على معنى الشهامة والنفاذ لذَلِك قَالُوا لأبى حنيفَة شَيْطَان خرج من الْبَحْر
قَالَ مؤلف الْكتاب قلت فى كتاب يتيمة الدَّهْر فى أَبى الْحسن اللحام هُوَ من شياطين الْإِنْس ورياحين الْأنس
٩٧ - (خطوَات الشَّيْطَان) قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ قَالَ الزّجاج خطوَات الشَّيْطَان طرقه الَّتِى يسلكها أى لَا تسلكوا الطّرق الَّتِى يدعوكم الشَّيْطَان إِلَيْهَا وَقَالَ غَيره أَرَادَ لَا تقتفوا آثاره قَالَ الشَّاعِر
(يَا نابذا لوصايا إلهه خلف ظَهره)
(وتابعا خطوَات الشَّيْطَان فى كل أمره)
(أَرَاك لم تَرَ مَيتا يهوى إِلَى قَعْر قَبره)
٩٨ - (أَصَابِع الشَّيْطَان) كَانَ يُقَال من وَالَاهُ السُّلْطَان صبعه الشَّيْطَان قَالَ الشَّاعِر
(قد كنت أكْرم صَاحب وأبره حَتَّى دهتك أَصَابِع الشَّيْطَان)
(جذ الْإِلَه بنانها وأباءها كم غيرت خلقا من الْإِنْسَان)
٩٩ - (رقى الشَّيْطَان) هى الشّعْر قَالَ جرير لما مدح عمر بن عبد الْعَزِيز فَلم يُعْطه
[ ٧٤ ]
(رَأَيْت رقى الشَّيْطَان لَا تستفزه وَقد كَانَ شيطانى من الشّعْر راقيا)
وَأما قَول الشَّاعِر
(مَاذَا يضر سليمى أَن يلم بهَا مرجل الرَّأْس ذُو بردين وضاح)
(خَز عمَامَته حُلْو فكاهته فى كَفه من رقى إِبْلِيس مِفْتَاح)
فَإِنَّهُ عَنى ب رقى إِبْلِيس كَلِمَات التغزل والخلابة والتجميش وَمَا يجرى مجْراهَا فى معاشرة النِّسَاء
١٠٠ - (مكيال الشَّيْطَان) قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعدْل ميزَان البارىء والجور مكيال الشَّيْطَان كَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يجرى فى الْكَيْل من المجازفة عِنْد الْأَخْذ وَمن التطفيف لَدَى الْأَدَاء فنسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان
١٠ - (ظلّ الشَّيْطَان) الْعَرَب تَقول للمتكبر الضخم ظلّ الشَّيْطَان قَالَ الْحجَّاج لمُحَمد بن سعد بن أَبى وَقاص بَينا أَنْت ياظل الشَّيْطَان أَشد النَّاس كبرا إِذْ صرت مُؤذنًا لفُلَان
١٠ - (لطيم الشَّيْطَان) يُقَال لمن بِهِ لقُوَّة أوشتر يالطيم الشَّيْطَان وَكَانَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ يلقب بذلك
وَلما بلغ عبد الله بن الزبير خبر فتك عبد الْملك بن مَرْوَان بِعَمْرو بن سعيد قَالَ فى خطبَته بلغنَا أَن أَبَا الذبان قتل لطيم الشَّيْطَان ﴿وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَكَانَ عبد الْملك يكنى أَبَا الذبان لشدَّة بخره وَمَوْت الذبان إِذا دنت من فَمه
[ ٧٥ ]
١٠٣ - (مخاط الشَّيْطَان) الخيوط الَّتِى تتراءى فى الْهَوَاء عِنْد شدَّة الْحر يُقَال لَهَا مخاط الشَّيْطَان ولعاب الشَّمْس وخيط بَاطِل وَيُشبه بِهِ مَالا حَاصِل لَهُ وَمَا لَا طائل فِيهِ
وَكَانَ مَرْوَان بن الحكم يُقَال لَهُ خيط بَاطِل لِأَنَّهُ كَانَ طَويلا مضطربا قَالَ الشَّاعِر
(لحا الله قوما أمروا خيط بَاطِل على النَّاس يعْطى من يَشَاء وَيمْنَع)
١٠٤ - (بريد الشَّيْطَان) الوزغ ذكر الجاحظ عَن شريك النخعى عَن جرير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ الوزغ بريد الشَّيْطَان
وفى بعض الْأَخْبَار من قتل وزغة حط الله عَنهُ بهَا سبعين خَطِيئَة وَمن قتل سبعا كَانَ كمن أعتق رَقَبَة
١٠٥ - (وكر الشَّيْطَان) قَالَ النَّبِي ﷺ (إيَّاكُمْ والأسواق فَإِن الشَّيْطَان قد باض فِيهَا وفرخ) على سَبِيل الِاسْتِعَارَة والتمثيل وَقد حذا الصاحب على تشبيهه فَقَالَ فى وصف بعض مَوَاطِن الشَّرّ عش من أعشاش الْعدوان ووكر من أوكار الشَّيْطَان
١٠٦ - (حبائل الشَّيْطَان) قَالَ بعض السّلف احْذَرُوا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ حبائل الشَّيْطَان
[ ٧٦ ]
وَجَاء فى بعض الْأَشْعَار
(إِن النِّسَاء حبائل الشَّيْطَان )
١٠٧ - (خمر الشَّيْطَان) قَالَ يحيى بن معَاذ الرازى الدُّنْيَا خمر الشَّيْطَان فَمن شرب مِنْهَا لم يفق من سكرتها إِلَّا وَهُوَ فى عَسْكَر الْمَوْتَى خاسرا نَادِما وَالله أعلم
١٠٨ - (رُءُوس الشَّيَاطِين) يشبه بهَا مَا يستقبح ويستهول قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ قَالَ الجاحظ لَيْسَ من النَّاس من رأى شَيْطَانا قطّ على صورته وَلَكِن لما كَانَ الله قد جعل فى طبائع جَمِيع الْأُمَم استقباح صُورَة الشَّيْطَان واستسماجه وكراهته وأجرى هَذَا على أَلْسِنَة جَمِيعهم ضرب الْمثل بِهِ فى ذَلِك رَجَعَ بالإيحاش والتنفير وبالإخافة وَالتَّفْزِيع إِلَى مَا جعله فى طبائع الْأَوَّلين والآخرين والشيوخ وَالصبيان وَالرِّجَال وَالنِّسَاء
وَهَذَا التَّأْوِيل أشبه من قَول من زعم من الْمُفَسّرين أَن رُءُوس الشَّيَاطِين نَبَات ينْبت بِالْيمن وَقَول بَعضهم إِن الشَّيَاطِين هَا هُنَا الْحَيَّات
وَحدث الصولى بِإِسْنَاد لَهُ عَن أَبى عُبَيْدَة أَنه قَالَ لما قدمت من الْبَصْرَة وصلت إِلَى الْفضل بن الرّبيع فَسلمت عَلَيْهِ بالوزارة فَضَحِك إِلَى واستدنانى حَتَّى جَلَست بَين يَدي فرشه ثمَّ سألنى وَلَا طفنى واستنشدنى فَأَنْشَدته عُيُون أشعار أحفظها جَاهِلِيَّة فَقَالَ قد عرفت أَكثر هَذِه وَأُرِيد من مليح
[ ٧٧ ]
الشّعْر فَأَنْشَدته مِنْهَا فطرب لَهَا وَضحك وَزَاد نشاطه ثمَّ دخل رجل فى زى الْكتاب لَهُ هَيْئَة فأقعده إِلَى جانبى وَقَالَ لَهُ أتعرف هَذَا قَالَ لَا قَالَ هَذَا عَلامَة أهل الْبَصْرَة أَبُو عُبَيْدَة أقدمناه لنستفيد مِنْهُ وَمن علمه فَدَعَا لَهُ الرجل وقرظه لفعله هَذَا وَقَالَ لى وَالله إنى كنت مشتاقا إِلَيْك وَقد سُئِلت عَن مَسْأَلَة أفتأذن لى أَن أعرفك إِيَّاهَا قلت هَات قَالَ قَالَ الله ﷿ ﴿طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ وَإِنَّمَا يَقع الْوَعْد والإيعاد بِمَا عرف مثله وَهَذَا لم يعرف فَقلت إِنَّمَا كَلمهمْ الله تَعَالَى بِمَا يعْرفُونَ وعَلى كَلَام الْعَرَب أما سَمِعت قَول أمرى الْقَيْس
(أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
وهم لم يرَوا الغول وَلَكِن لما كَانَ أَمر الغول يهولهم أوعدوا بِهِ فَاسْتحْسن الْفضل ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ السَّائِل فعزمت مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت أَن أَضَع كتابا لمثل هَذَا وأشباهه فَلَمَّا رجعت إِلَى الْبَصْرَة عملت كتابى الذى سميته كتاب الْمجَاز وَسَأَلت عَن الرجل فَقيل هُوَ من كتاب الْوَزير وجلسائه يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن دَاوُد الْكَاتِب العبرتانى
[ ٧٨ ]
الْبَاب الرَّابِع فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْقُرُون الأولى
أَحْلَام عَاد
ريح عَاد
أَحْمَر ثَمُود
صَاعِقَة ثَمُود
أكل لُقْمَان
نخوة فِرْعَوْن
صرح هامان
كنوز قَارون
سد الْإِسْكَنْدَر
نوم أَصْحَاب الْكَهْف
جور سدوم
جَوف حمَار