٨٥ - (دَار الندوة) مُشْتَقَّة من الندى والنادى وَهُوَ الْمجْلس يضْرب بهَا الْمثل فى انتياب النَّاس إِيَّاهَا واجتماعهم بهَا وهى دَار قصى ابْن كلاب بِمَكَّة كَانَت تُوضَع فِيهَا الرفادة وَلَا تزوج قرشية وَلَا قرشى إِلَّا بهَا وَلَا يعْقد لِوَاء الْحَرْب إِلَّا فِيهَا ثمَّ تنقلت بهَا الْأَمْلَاك بعده حَتَّى صَارَت فى يَد أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصى وَولده وَآخر من وَليهَا مِنْهُم حَكِيم بن حزَام وَكَانَ ولد فى الْكَعْبَة وَذَلِكَ أَن أمه دخلت الْكَعْبَة مَعَ نسْوَة من قُرَيْش وهى حَامِل بِهِ فضربها الْمَخَاض فى الْكَعْبَة وأعجلها عَن الْخُرُوج فَأتيت بنطع فَوضع تحتهَا فَوضعت حكيما على النطع وَلم يكن يدْخل دَار الندوة أحد من قُرَيْش لمشورة حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ سنة إِلَّا حَكِيم بن حزَام فَإِنَّهُ دَخلهَا وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة وَجَاء الْإِسْلَام وَدَار الندوة بيد حَكِيم فَبَاعَهَا بعد من مُعَاوِيَة بِمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ عبد الله بن الزبير بِعْت مكرمه قُرَيْش فَقَالَ حَكِيم ذهبت المكارم إِلَّا من التَّقْوَى يَا بن أخى إنى اشْتريت بهَا بَيْتا فى الْجنَّة أشهدك أَنى جعلت ثمنهَا فى سَبِيل الله
[ ٥١٨ ]
وَكَانَ حَكِيم أحد الْأَرْبَعَة الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله ﷺ إِن بِمَكَّة أَرْبَعَة من قُرَيْش أَرغب بهم عَن الشّرك وأرغب لَهُم فى الْإِسْلَام قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ عتاب بن أسيد وَجبير بن مطعم وَحَكِيم ابْن حزَام وَسُهيْل بن عَمْرو فرزقوا كلهم الْإِسْلَام
وَكَانَ حَكِيم يفعل الْمَعْرُوف ويصل الرَّحِم ويحض على الْبر عَاشَ فى الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وفى الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة
٨٥ - (دَار أَبى سُفْيَان) يضْرب بهَا الْمثل فى الْأَمْن والأمان وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما فتح مَكَّة وَدخل دَار أَبى سُفْيَان أحب أَن يتألف أَبَا سُفْيَان ويريه كرم الْقُدْرَة فَقَالَ (من دخل دَار أَبى سُفْيَان فَهُوَ آمن) فَقَالَ أَبُو سُفْيَان أدارى يَا رَسُول الله أدارى يَا رَسُول الله قَالَ نعم دَارك يَا أَبَا سُفْيَان فاستمر الْأَمر على ذَلِك
وَلما فتح الْأَمِير الْجَلِيل صَاحب الْجَيْش أَبُو المظفر نصر بن نَاصِر الدّين أدام الله تأييده سرخس ودخلها قَالَ من دخل دَار أَبى سُفْيَان فَهُوَ آمن يعْنى دَار أَبى سُفْيَان السرخسى القاضى فَاسْتحْسن النَّاس هَذِه الْمقَالة
٨٥٣ - (دَار الْبِطِّيخ) يُبَاع فِيهَا جَمِيع الْفَوَاكِه والرياحين وتنسب إِلَى الْبِطِّيخ وَحده وَقد ضرب بهَا ابْن لنكك مثلا فَأحْسن حَيْثُ قَالَ يهجو أَبَا الهندام كلاب بن حَمْزَة الشَّاعِر الْمُقِيم بديار ربيعَة
(أَنْت ابْن كل البرايا لَكِن اقتصروا على ابْن حَمْزَة وَصفا غير تشميخ)
(كدار بطيخ تحوى كل فَاكِهَة وَمَا اسْمهَا الدَّهْر إِلَّا دَار بطيخ)
قَالَ الجاحظ فى كتاب الْأَمْصَار أَكثر الدّور غلَّة ثَلَاث دَار الْبِطِّيخ بسر من رأى وَدَار الزبير بِالْبَصْرَةِ وَدَار الْقطن بِبَغْدَاد
وَقَالَ الصولى كنت يَوْمًا عِنْد عبد الله بن طَاهِر فَجرى بَين يَدَيْهِ ذكر
[ ٥١٩ ]
قصيدة ابْن الرومى النونية الَّتِى فى أَبى الصَّقْر فَقَالَ عبد الله هى دَار الْبِطِّيخ فَضَحِك الْجَمَاعَة فَقَالَ اقْرَءُوا نسيبها فانظروا أهى كَمَا قلت أم لَا وَقد ظرف عبيد الله فَإِن نسيبها قَوْله
(أجنت لَك الوجد أَغْصَان وكثبان فهن نَوْعَانِ تفاح ورمان)
(وَفَوق ذَيْنك أعناب مهدلة سود لَهُنَّ من الظلماء ألوان)
(وَتَحْت هاتيك عناب تلوح بِهِ أطرافهن قُلُوب الْقَوْم قنوان)
(غصون بَان عَلَيْهَا الدَّهْر فَاكِهَة وَمَا الْفَوَاكِه مِمَّا يحمل البان)
(ونرجس يات كسر الطل يضْربهُ وأقحوان مُنِير النُّور رَيَّان)
(الْفَنّ من كل شىء طيب حسن فهن فَاكِهَة شَتَّى وَرَيْحَان)
(ثمار صدق إِذا عَايَنت ظَاهرهَا لَكِنَّهَا حِين تبلو الطّعْم خطان)
(بل حلوة مرّة طورا يُقَال لَهَا أرى وطورا يَقُول النَّاس ذيفان)
وَذكر أَبُو نصر سهل بن الْمَرْزُبَان فى كِتَابه كتاب أَخْبَار الوزراء أَن ابْن الرومى عمل قصيدته فى أَبى الصَّقْر الَّتِى أَولهَا
(أجنت لَك الوجد أَغْصَان وكثبان )
فبلغت الْأَخْفَش فَقَالَ إِذا يكون الْوَزير ملازما لدار الْبِطِّيخ فحكيت كَلمته لِابْنِ الرومى فهجاه بقصيدة ثمَّ عاود رعونته فمزق عرضه بالهجاء فى عدَّة قصائد
٨٥٤ - (حصن تيماء) بَلْدَة بَين الشَّام والحجاز لَهَا حصن يتَمَثَّل بِهِ فى الحصانة يُقَال إِن سُلَيْمَان ﵇ بناه بِالْحِجَارَةِ والكلس فَسَمتْهُ الْعَرَب الأبلق لما يشوبه من الْبيَاض والسواد وَكَانَ ملكه عاديا اليهودى ثمَّ ابْنه السموءل وَفِيه يَقُول الْأَعْمَش
[ ٥٢٠ ]
(وَلَا عاديا لم يمْنَع الْمَوْت مَاله وفرد بتيماء اليهودى أبلق)
(بناه سُلَيْمَان بن دَاوُد حقبة لَهُ أَزجّ صم وطىء موثق)
(يوازى كبيداء السَّمَاء ودونه ملاط ودارات وكلس وَخَنْدَق)
قَوْله أَزجّ صم كَمَا يُقَال دَار بَلَاقِع أى مكبوسة الجوانب بِالْحِجَارَةِ وَغَيرهَا حَتَّى اسْتَوَت بالسطوح وَإِنَّمَا قَالَ أَزجّ صم كَمَا يُقَال دَار بَلَاقِع وبرمة أعشار وثوب أسمال
وَمن أَمْثَال الْعَرَب فى الْعِزّ والمنعة تمرد مارد وَعز الأبلق يعْنى حضن تيماء وَيُقَال لَهُ الأبلق والفرد كَمَا مر ذكره فى شعر الْأَعْشَى
٨٥٥ - (كعبة نَجْرَان) نَجْرَان أقدم بِلَاد الْيمن وَكَانَت لَهَا كعبة تحج فخربت وَضرب بهَا الْمثل فى الخراب وَزَوَال الدولة قَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أحبت الْعَرَب أَن تشارك الْعَجم بالبنيان وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة نَجْرَان وحصن مارد والأبلق الْفَرد وَغير ذَلِك من الْبُنيان
٨٥٦ - (قصر غمدان) أحد الْأَبْنِيَة الْوَثِيقَة للْعَرَب يتَمَثَّل بِهِ فى الحصانة والوثاقة وَكَانَ بِصَنْعَاء الْيمن تسكنه مُلُوك حمير ثمَّ تنقلت بِهِ أَحْوَال أدَّت إِلَى خرابه وتحول الْملك عَنهُ إِلَى قلعة كحلان وَيُقَال إِنَّه بنى قبل غمدان وَأول بِنَاء بنى بعد الطوفان قَالَ الشَّاعِر لعبد الله بن طَاهِر
(اشرب هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا بشاذ مهر ودع غمدان لليمن)
(فَأَنت أولى بتاج الْملك تلبسه من هَوْذَة بن على وَابْن ذى يزن)
٨٥٧ - (قبَّة أزدشير) بجوار فَارس قبَّة عَظِيمَة مشرفة على سَائِر
[ ٥٢١ ]
الْبِلَاد يتَمَثَّل بهَا فى الْعُلُوّ والإشراف والوثاقة بناها أزدشير من الْحِجَارَة وَقدر فِيهَا من الصخر مَا تجَاوز الْحَد فى الْعد وفى الصَّخْرَة مِنْهَا نَحْو ألفى من وأرجح
ويحكى أَن أزدشير بعث بعد الْفَرَاغ من بنائها من يَأْتِيهِ بخبرها فَأخْبرهُ أَن فِيهَا صبيانا يتلاعبون ويتحاربون ويتضاربون فتطير من ذَلِك وَقَالَ اجْعَلُوهَا دَار الاستخراج فَبَقيت على ذَلِك إِلَى الْيَوْم
٨٥٨ - (أهرام مصر) زعم أَبُو معشر المنجم البلخى أَن الْأَوَائِل من الْأُمَم السالفة قبل الطوفان لما علمُوا أَن آفَة سَمَاوِيَّة تصيب النَّاس من الْغَرق والنيران فتأتى على كل شىء من الْحَيَوَان والنبات بنوا فى نَاحيَة صَعِيد مصر أهراما كَثِيرَة بِالْحِجَارَةِ على رُءُوس الْجبَال والمواضع المرتفعة يتحرزون بهَا من المَاء وَالنَّار وَجعلُوا هرمين مِنْهَا أرفعها كل هرم مِنْهَا ارتفاعه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع فى الْهَوَاء مبْنى بحجارة المرمر والرخام غلظ كل حجر وَطوله وَعرضه مَا بَين عشرَة أَذْرع إِلَى ثَمَان مهندم لَا يتَبَيَّن هندامه إِلَّا الحاد الْبَصَر عَلَيْهِ منقور فى الْحجر بِالْكِتَابَةِ الْمسند يَقْرَؤُهُ كل من يقْرَأ الْقَلَم الْمسند فَيقْرَأ كل سحر وكل عجب
وقرىء على بعض الهرمين إنى بنيتهما فَمن كَانَ يدعى قُوَّة فى ملكه فليهدمهما فَإِن الْهدم أيسر من الْبناء فَأَرَادَ الْمَأْمُون هدمهما فَإِذا خراج الدُّنْيَا لَا يقوم بِهِ فَتَركهُمَا ويروى أَن الطَّعَام كَانَ يجمع فيهمَا أَيَّام يُوسُف ﵇
[ ٥٢٢ ]
وَقد خرج الْمثل فى هرمى مصر فى الثَّبَات والقدم والحصانة وذكرهما أعرابى مَعَ جبلى طىء فَقَالَ وَهُوَ يهجو امْرَأَته بالقبح والبرودة والثقل
(ألام على بغضى لما بَين حَيَّة وضبع وتمساح أَتَاك من الْبَحْر)
(تحاكى نعيما زَالَ من قبح وَجههَا وصفحتها لما بَدَت سطوة الدَّهْر)
(هى الضربان فى المفاصل دائبا وَشعْبَة برسام ضممت إِلَى صدرى)
(إِذا سفرت كَانَت لعينك محنة وَإِن برقتْ فالفقر فى غَايَة الْفقر)
(حَدِيث كقلع الضرس أَو نتف شَارِب وغنج كهشم الْأنف عيل بِهِ صبرى)
(وتفتر عَن ثلج عدمت حَدِيثهَا وَعَن جبلى طى وَعَن هرمى مصر)
٨٥٩ - (مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة) إِحْدَى عجائب الدُّنْيَا وَأَصلهَا مبْنى على زجاج والزجاج مَنْصُوب فى ظهر سرطان من نُحَاس فى بطن أَرض الْبَحْر وَبَين المنارة إِلَى يَابِس الأَرْض قناطر من زجاج وفى المنارة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ بَيْتا وَكَانَ فى أَعْلَاهَا مرْآة كَبِيرَة ينظر النَّاظر فِيهَا فيبصر مراكب الرّوم إِذا أَرَادَ ملكهم أَن يُجهز جَيْشًا فِيهَا إِلَى مصر فَإِذا دفعت تِلْكَ المراكب فى الْبَحْر وَرفع الشراع أبصرهَا هَذَا النَّاظر فى الْمرْآة فينذر الْمُسلمين حَتَّى يستعدوا ويأخذوا حذرهم فَاشْتَدَّ ذَلِك على ملك الرّوم فَلَمَّا صَار بعض الْخُلَفَاء إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَجه إِلَيْهِ ملك الرّوم جاسوسا يُعلمهُ أَن فى تِلْكَ المنارة كنوزا لذى القرنين فَأمر بهدمها فَلَمَّا هدمت وقلعت الْمرْآة بَطل الطلسم وَلم يَجدوا الْكُنُوز فتقرر عِنْدهم أَنَّهَا حِيلَة لقلع الْمرْآة وَطلب الجاسوس فَلم يُوجد فَأمر الْخَلِيفَة بِبِنَاء مَا هدم بالجص والآجر وَهُوَ ثلث المنارة وَكَانَ طول هَذِه المنارة ثَلَاثمِائَة ذِرَاع بِذِرَاع الملكى فَيكون أَرْبَعمِائَة وَخمسين ذِرَاعا وهى غَايَة مَا يرفع فى الْهَوَاء من الْبناء
[ ٥٢٣ ]
وَكَانَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول عجائب الدُّنْيَا أَربع مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة عَلَيْهَا مرْآة إِذا جلس الْجَالِس تحتهَا رأى من بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبَينهمَا عرض الْبَحْر وَفرس من نُحَاس بارض الأندلس عَلَيْهِ رجل من نُحَاس قَائِلا بيدَيْهِ كَذَا باسطا يَدَيْهِ أى لَيْسَ خلفى مَسْلَك فَلَا يطَأ مَا خَلفه أحد إِلَّا ابتلعه الرمل ومنارة من نُحَاس عَلَيْهَا فَارس بِأَرْض عَاد فَإِذا كَانَت الْأَشْهر الْحرم هطل مِنْهَا المَاء فَشرب مِنْهُ النَّاس وَسقوا دوابهم وَصبُّوا فى الْحِيَاض فَإِذا انْقَضتْ الْأَشْهر الْحرم انْقَطع ذَلِك المَاء وشجرة من نُحَاس عَلَيْهَا زرزورة من نُحَاس بِأَرْض أرمينية رُومِية إِذا كَانَ أَوَان الزَّيْتُون صفرت الزرزورة النّحاس فتجىء كل زرزورة من الطيارات بِثَلَاث زيتونات ثِنْتَانِ فى رِجْلَيْهَا وَوَاحِدَة فى منقارها فتلقيها عِنْد تِلْكَ الزرزورة فيجتمع من الزَّيْتُون مَا يعصر أهل الرّوم فيكفيهم لإدامهم وسرجهم إِلَى قَابل
وَمن الشَّائِع المستفيض أَن عجائب الدُّنْيَا أَربع مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة وكنيسة الرها وَمَسْجِد دمشق وقنطرة سنجة وَقد ضرب الصاحب الْمثل بمنارة الْإسْكَنْدَريَّة حَيْثُ قَالَ
(زَادَت قرونك يَا عُمَيْر على مساويك الجلية)
(وَأَقل قرن حُزْته كمنارة الإسكندريه)
٨٦٠ - (كَنِيسَة الرها) إِحْدَى عجائب الدُّنْيَا الْأَرْبَع والرها بلد من عمل حران والكنيسة منسوبة إِلَيْهِ وهى فى جربان من الأَرْض متخذة على رُءُوس أعمدة أَرْبَعَة من الرخام بطيقان معقودة بَينهَا وفيهَا من الْعَجَائِب والتصاوير والتزاويق والطلسمات والقناديل الَّتِى تتقد من غير اتقاد مَا يطول ذكره وَقد تقدم كَلَام الجاحظ فى تِلْكَ الْقَنَادِيل
[ ٥٢٤ ]
٨٦ - (مَسْجِد دمشق) هُوَ أثر بنى أُميَّة الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فى الْحسن وَكَانَ كل من خلفائهم يزِيد فِيهِ زِيَادَة ويؤثر أثرا حَتَّى تناهى حسنه وتكاملت جلالته فَصَارَ من عجائب أبنية الدُّنْيَا الْأَرْبَع وَمَا رأى الراءون وَلَا سمع السامعون بِأَحْسَن وَلَا أجل مِنْهُ وَهُوَ منقوش الْحِيطَان والسقوف والأعمدة مرصعة كلهَا بالجواهر ملتهبة بِالذَّهَب مشرقة بألوان الفصوص
وَقَالَ الجاحظ وَهُوَ يمدح بعض الرؤساء وَأما قَول الشَّاعِر
(يزيدك وَجههَا حسنا إِذا مَا زِدْته نظرا)
وَقَول الدمشقيين مَا تأملنا قطّ تأليف مَسْجِدنَا وتركيب محرابنا وَفِيه مصلانا إِلَّا أثار لنا التَّأَمُّل وَأخرج لنا التفرس غرائب حسن لم نعرفها وعجائب صَنْعَة لم نقف عَلَيْهَا وَمَا ندرى أجوهر مقطعاته أكْرم فى الْجَوَاهِر أم تنضيد أَجْزَائِهِ فى الْأَجْزَاء فَإِن ذَلِك معنى مَسْرُوق منى فى وصفك ومأخوذ من كتبى فى مدحك
وَحكى السلامى قَالَ سَمِعت اللحام يَقُول سَمِعت بعض مَشَايِخ جيران مَسْجِد دمشق يَقُول لم تفتنى فِيهِ صَلَاة مُنْذُ عقلت وَلم أدخلهُ فى وَقت من الْأَوْقَات إِلَّا وَقعت عينى من نقوشه وتحاسينه وتزاويقه على شىء لم تقع عَلَيْهِ فِيمَا تقدم وَهَذِه جملَة كَافِيَة
٨٦ - (قنطرة سنجة) سنجة نهر عَظِيم لَا يتهيأ خوضه لِأَن
[ ٥٢٥ ]
قرارة رمل سيال كلما وَطئه إِنْسَان بِرجلِهِ سَالَ بِهِ فغرقه وَهُوَ يجرى بَين حصن مَنْصُور وكيسوم وهما من ديار مُضر وعَلى النَّهر القنطرة العجيبة الَّتِى هى إِحْدَى الْعَجَائِب الْأَرْبَع وَهُوَ طاق وَاحِد من الشط إِلَى الشط والطاق يشْتَمل على مائتى خطْوَة وَهُوَ متخذ من حجر مهندم طول الْحجر عشرَة أَذْرع فى ارْتِفَاع خَمْسَة أَذْرع وَله فرجان وهما طاقان صغيران فى جنب الطاق الْكَبِير إِلَّا أَنَّهُمَا كبيران إِذا أضيفا إِلَى غَيره
٨٦٣ - (غوطة دمشق) إِحْدَى نزه الدُّنْيَا وهى الْأَرْبَع غوطة دمشق ونهر الأبلة وَشعب بوان وصغد سَمَرْقَنْد يضْرب بِكُل مِنْهَا الْمثل فى الطّيب
وَكَانَ الخوارزمى يَقُول قد رَأَيْتهَا كلهَا فَكَانَت غوطة دمشق أطيبها وأحسنها وَلم أميز بَين رياضها المزخرفة بالأنوار والأزاهر وَبَين غدرانها المعمورة بطيور المَاء الَّتِى هى أحسن من الدوارج والطواويس وَلم اشبهها بِالْجنَّةِ وَصورتهَا منقوشة على وَجه الأَرْض وَأما نهر الأبلة فَهُوَ بِالْبَصْرَةِ وحواليه من ميادين النّخل والأترج والنارنج وَسَائِر الْأَشْجَار وفيهَا من أَصْنَاف الزَّرْع وأنواع الخضراوات مَالا ينظر أحسن مِنْهُ وَعَلِيهِ من الْقُصُور المتناظرة والأبنية الرائقة مَا تحار فِيهِ الْعُيُون وتهش لَهُ النُّفُوس وَفِيه يَقُول ابْن عُيَيْنَة
(وَيَا حبذا نهر الأبلة منْظرًا إِذا مد فى أَثْنَائِهِ المَاء أَو جزر)
وَأما شعب بوان من فَارس فَهُوَ الذى يَقُول فِيهِ الْقَائِل
(إِذا أشرف المكروب من رَأس تلعة على شعب بوان أَفَاق من الكرب)
[ ٥٢٦ ]
(وألهاه بطن كالحريرة مَسّه ومطرد بجرى من البارق العذب)
(فبالله يَا ريح الْجنُوب تحملى إِلَى شعب بوان سَلام فَتى صب)
وَفِيه يَقُول المتنبى
(مغانى الشّعب طيبا فى المغانى بِمَنْزِلَة الرّبيع من الزَّمَان)
وَلما نزله عضد الدولة مُتَوَجها إِلَى الْعرَاق وَمَعَهُ أَبُو الْحسن السلامى قَالَ لَهُ قل فى الشّعب فقد سَمِعت مَا قَالَه المتنبى فِيهِ فَعَاد إِلَى خيمته وَكتب
(اشرب على الشّعب وَانْزِلْ رَوْضَة الأنفا قد زَاد فى حسنه فازدد بِهِ شغفا)
(إِذْ ألبس الهيف من أغصانه حللا ولقن الْعَجم من أطياره نتفا)
(وَانْظُر إِلَيْهِ تَرَ الأغصان مثمرة من قارع قرطا أَو لابس شنفا)
(وَالْمَاء يثنى على أعطافها أزرا وَالرِّيح تعقد فى أَطْرَافه شرفا)
وهى قصيدة طَوِيلَة
وَأما صغد سمر قند فَإِن قُتَيْبَة بن مُسلم لما أشرف من الْجَبَل قَالَ لأَصْحَابه شبهوة فَلم يأتو بشىء فَقَالَ قُتَيْبَة كَأَنَّهُ السَّمَاء فى الخضرة وَكَأن قصوره النُّجُوم الزاهرة وَكَأن أنهاره المجرة فاستحسنوا هَذَا التَّشْبِيه وتعجبوا من إِصَابَته
٨٦٤ - (وادى الْقصر) بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ الذى يَقُول فِيهِ الْخَلِيل
(زر وادى الْقصر نعم الْقصر والوادى فى منزل حَاضر إِن شِئْت أوغادى)
[ ٥٢٧ ]
(ترى بِهِ السفن والظلمان حَاضِرَة والضب وَالنُّون والملاح والحادى)
قَالَ الجاحظ من أَتَى هَذَا الوادى وَرَأى الْقصر هَذَا رأى أَرضًا كالكافور وَرَأى ضبابا تحترش وغزالا وسمكا وصيادا وَسمع غناء ملاح فى سفينته وحداء جمال خلف بعيره وفى هَذَا الْمَكَان يَقُول الْخَلِيل أَيْضا
(يَا جنَّة فاقت الْجنان فَمَا يبلغهَا قيمَة وَلَا ثمن)
(ألفتها فاتخذتها وطنا إِن فؤادى لحبها وَطن)
(زواج حيتانها الضباب بهَا فَهَذِهِ كنة وَذَا ختن)
(انْظُر وفكر فِيمَا نطقت بِهِ إِن الأديب المفكر الفطن)
(من سفن كالنعام مقبلة وَمن نعام كَأَنَّهَا سفن)
٨٦٥ - (دير هزقل) يضْرب بِهِ الْمثل لمجتمع المجانين وَيُقَال الْمَجْنُون كَأَنَّهُ من دير هزقل وَذَلِكَ أَنه مأوى المجانين بِإِحْدَى الديارات يشدون هُنَاكَ ويداوون
قَالَ دعبل فى أَبى عباد وَكَانَ رمى بعض كِتَابه بِدَوَاةٍ فَشَجَّهُ بهَا
(أولى الْأُمُور بضيعة وَفَسَاد أَمر يدبره أَبُو عباد)
(سمح على أَصْحَابه بدواته فمزمل ومضمخ بمداد)
(وَكَأَنَّهُ من دير هزقل مفلت حرد يجر سلاسل الأقياد)
وَقيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلا هجاك فَقَالَ من هجا أَبَا عبَادَة على نزقة
[ ٥٢٨ ]
وعجلته جسر أَن يهجونى مَعَ أناتى وعفوى وَكَانَ أَبُو عباد إِذا دخل على الْمَأْمُون يَقُول لَهُ الْمَأْمُون مَا أَرَادَ مِنْك دعبل حَيْثُ قَالَ لَك
(وَكَأَنَّهُ من دير هزقل مفلت)
فَيَقُول أَرَادَ منى الذى أَرَادَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ
(إنى من الْقَوْم الَّذين سيوفهم قتلت أَخَاك وشرفتك بمقعد)
(شادوا بذكرك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الأوهد)
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون إنى عَفَوْت عَنهُ فَلَا تعرض لَهُ وَلَك فى أُسْوَة حَسَنَة
وَكَانَ الْمَأْمُون إِذا أنْشد هَذَا الشّعْر يَقُول فِيهِ سُبْحَانَ الله أما يستحى دعبل من الْكَذِب مَتى كنت خاملا وَبدر الْخلَافَة غذيت وفى حجرها ربيت خَليفَة وَابْن خَليفَة وَآخر خَليفَة
٨٦٦ - (جانبا هرشى) هرشى أكمة بتهامة يسلكها الْحَاج وَلها طَرِيقَانِ من جانبيها أَيهمَا سلك كَانَ صَوَابا فَيضْرب بهما الْمثل لِلْأَمْرِ لَهُ بَابَانِ وينشد
(خُذُوا جنب هرشى أوقفاها فَإِنَّمَا كلاجا نبى هرشى لَهُنَّ طَرِيق)
[ ٥٢٩ ]
الْبَاب الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْبلدَانِ والأماكن من فنون شَتَّى
خراج مصر
كتَّان مصر
حمير مصر
قَرَاطِيس مصر
تفاح الشَّام
زجاج الشَّام
زَيْت الشَّام
عود الْهِنْد
سيوف الْهِنْد
ياقوت سر نديب
برود الْيمن
سيوف الْيمن
ثِيَاب الرّوم
عنبر الشحر
دَجَاج كسكر
سكر الأهواز
ورد جور
عسل أصفهان
بسط أرمينية
برود الرى
طين نيسابور
سبج طوس
قشمش هراة
ثِيَاب مرو
فلوس بُخَارى
كواغد سمر قند
طرائف الصين
مسك تبت