ولما فرغ المهدي من قصره بعيساباذ ركب في جماعة للنظر إليه، فدخله مفاجأة، وأخرج كل من هناك من الناس، وبقي رجلان خفيا عن أبصار الأعوان؛ فرأى المهدي أحدهما وهو دهش لا يعقل. فقال: من أنت؟ قال: أنا أنا أنا أنا. فقال: من أنت؟ ويلك! قال: لا أدري لا أدري لا أدري لا أدري. قال: ألك حاجة؟ قال: لا لا لا لا. قال: أخرجوه، أخرج الله روحه. فلما خرج قال المهدي لغلامه: اتبعه إلى منزله، وسل عنه، فإني أراه حائكًا، فخرج الغلام يقفوه.
[ ٤٦ ]
ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب جريء، ولسان طلق؛ وقال: رجل من أبناء دعوتك. قال: فما جاء بك إلى هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء، وأتمتع بالنظر إليه، وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول البقاء، وتمام النعمة، ونماء العز، والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال: نعم! خطبت ابنة عمي فردني أبوها وقال لي: لا مال لك، والناس إنما يرغبون في الأموال، وأنا لها وامق، وإليها تائق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألفًا. قال: يا أمير المؤمنين؛ قد وصلت فأجزلت الصلة، وأعظمت المنة؛ فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وآخر أيامك خيرًا من أولها، وأمتعك بما أنعم به عليك، وأمتع رعيتك بك.
فأمر بتعجيل صلته، ووجه بعض خدمه فقال: سل عن مهنته، فإني أراه كاتبًا، فرجع الرسولان بحصة ما تفرسه المهدي.