قال محمد: أخبرنا أبو عبد الله المفضل بن عبد الله المحبري قال: سألت أبي عن أول من قال الشعر، فأنشدني هذه الأبيات: الوافر
تَغَيّرَتِ البلادُ، ومَن علَيها، فَوَجهُ الأرضِ مُغبَرٌّ قَبِيْحُ
تغيّر كلُّ ذي لونٍ وطَعمٍ، وقلّ بَشاشَةَ الوَجهُ الصّبيحُ
بشاشة: منصوب على التمييز، والتقدير: وقل الوجه الصبيح بشاشةً؛ وحذف التنوين لالتقاء الساكنين: التنوين والألف واللام.
[ ٣٠ ]
وَجَاوَرَنا عَدوٌّ لَيْسَ يَفنى، لَعِينٌ لا يَمُوتُ فَنَسْتَريحُ
أَهابِلُ! إن قُتِلْتَ، فإنّ قلبي عَليكَ اليَومَ مُكْتَئبٌ قَريحُ
ثم سمعت جماعةً من أهل العلم يؤثرون أن قائلها أبونا آدم، ﵇، حين قتل إبنه قابيل هابيل؛ فالله أعلم أكان ذلك أم لا.
وذكر أن إبليس عدو الله أجاب آدم، ﵇، بهذه الأبيات، فقال: الوافر
تَنَحَّ عنِ الجِنانِ وساكينها، ففي الفِردَوْسِ ضَاقَ بِكَ الفسيحُ
وَكُنْتَ بها وزَوْجَكَ في رَخاءٍ، وقلبُكَ من أذَى الدّنيا مَريحُ
فَما بَرِحَتْ مُكايَدتي ومَكري إلى أَنْ فاتَكَ الثّمَنُ الّربيحُ
ولَولا رَحَمةُ الرُّحَمنِ أَمْسَى بِكَفِّكَ مِنْ جِنانِ الخُلدِ ريحُ
وروي أن بعض الملائكة، ﵈، قال هذا البيت: الوافر
لِدُوا للمَوتِ، وابنُوا للخَرابِ فَكُلُّكُمُ يَصيرُ إلى الذهابِ
قال المفضل: وقد قالت الأشعار العمالقة، وعاد، وثمود. قال معاوية ابن بكر بن الحبتر بن عتيك بن قرمة بن جلهمة بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، ﵇، وكان يومئذٍ سيد العمالقة، وقد قدم إليه قيل بن عير، وكانت عاد بعثوه ولقمان بن عاد وفدًا معهما ليستسقوا لهم حين منعوا الغيث، فقال معاوية بن بكر: الوافر
أَلا يا قَيْلُ! وَيْحَكَ! قُمْ فَهَينمْ، لعَلَّ اللَّهَ يَصْبَحُنا غَمامَا
[ ٣١ ]
فَيَسْقي أَرْضَ عادٍ، إنَّ عادًا قَدَ اضْحَوا ما يُبينُونَ الكَلاَمَا
مِنَ العَطَشِ الشَّديدِ بأَرْضِ عادٍ فَقَدْ أَمْسَتْ نِساؤُهُمُ أَيامَى
وإنّ الوَحشَ تأْتيهِمْ جَهارًا، فَما تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهامَا
فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفدِ قَوْمٍ، ولا لُقُّوا التَّحِيَّةَ والسّلامَا
وقال مرثد بن سعد بن عفير، وكان من الوفد، وكان مسلمًا من أصحاب هود، ﵇: الوافر
عَصَتْ عادٌ رَسولَهُمُ، فأَمْسَوا عطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
وَسُيِّرَ وَفْدُهم مِن بَعدِ شَهرٍ، فأَردَفَهُمْ مَعَ العَطَشِ العَماءُ
بِكُفرِهِمُ بِرَبِّهِمُ جَهارًا على آثارِ عادِهِمُ العَفاءُ
أخبرنا المفضل قال: أخبرني أبي عن جدي عن محمد بن إسحق عن محمد ابن عبد الله عن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سمعت عليًا، ﵁، يقول لرجلٍ من حضرموت. أرأيت كثيبًا أحمر، تخالطه مدرة حمراء، ذات أراكٍ وسدرٍ كثير، بموضع كذا وكذا من ناحية حضرموت؟ قال: نعم، إنك لتنعته لي نعت من عاينه، هل رأيته؟ قال: لا، ولكني حدثت عنه. قال الحضرمي: ما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود، ﵇، عند رأسه شجرةٌ تقطر دمًا إما سلم وإما سدر، ثم أنشد: الوافر
عصَتْ عادٌ رَسولَهُمُ، فأمْسَوْا عِطاشًا ما تَبُلّهمُ السّماءُ
وفي مصداق ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي: البسيط
في كُلِّ عامٍ لَنا وَفْدٌ نُسَيِّرُهُمْ، نَخْتارُهمْ حَسَبًا مِنّا وأحلامَا
[ ٣٢ ]
كانُوا كَوَفدِ بني عادٍ أضَلَّهُمُ قَيْلٌ، فأَتبَعَ عامٌ مِنْهُمُ عامَا
عادوا فلمْ يجدوا في دارِ قَوْمِهِمُ، إلاّ مغانيَهُمْ قَفْرًا وآرامَا
ومن ذلك قول مبدع بن هرم من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح، ﵇، وكان من مسلمي ثمود، فقال يذكر الناقة وفصيلها: الوافر
وَلاذَ بِصَخْرَة مِنْ رأسِ رَضْوَىَ، بأعلى الشِّعْبِ مِنْ شَعَفٍ مُنيفِ
فَلاذَ بها لِكَيْلا يَعْقِرُوهُ، وَفي تَلْواذِهِ مَرُّ الحُتُوفِ
بِأَسْهُمِ مُصْدِعٍ، شُلَّتْ يَداهُ، تَشُقُّ شِعَأفَهُ شَقَّ الخَنيفِ
ثَكَلْتُمْ أُمَّهُ؛ وَعَقَرْتُمُوهُ، ولم يُنْظَرْ لَهْفُ اللهيفِ
الخنيف: جنس من ثياب الكتان، وهي الخنف، واحدها خنيف. ومصدع: الذي رمى الناقة قبل أن يعقرها قدار.
وقال مبدع، حين أخذته الصيحة: نعوذ بالله من ذلك.
فكانَتْ صَيحَةً لم تُبْقِ شَيئًا بوادي الحِجرِ وانْتَسَفَتْ رِياحَا
فَخَرَّ لِصَوتِها أَجْيالُ رَضوَى، وَخَرَّبَتِ الأشاقِرَ والصِّفاحَا
وأدْرَكَتِ الوُحُوشَ فكَتَّفَتْها، ولم تَتْرُكْ لطائرِها جَنَاحَا
ونُجِّي صالحٌ في مُؤْمنيهِ، وطُحْطِحَ كُلُّ عاديٍّ فَطاحَا
[ ٣٣ ]
قال: وأخبرني أبو العباس الوراق الكاتب عن أبي طلحة موسى بن عبد الله الخزاعي قال: حدثنا بكر بن سليمان عن محمد بن إسحاق قال: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب أنه سمع رسول الله، ﷺ، وهو يخطب الناس على المنبر، ويذكر الناقة والذي عقرها. قال: فقام إليها رجلٌ أحمر، أزرق، عزيزٌ، منيعٌ في قومه مثل زمعة بن الأسود فعقرها.