أَلاَ لا أَرى الأيّامَ يُقضَى عَجِيبُها بِطولٍ، وَلاَ الأحداثَ تُفْنى خُطُوبُها
وَلاَ عِبَرَ الأيّامِ يَعْرِفُ بَعْضَها بِبَعْضٍ مِنَ الأقْوَامِ إلاّ لَبِيبُها
وَلَمْ أَرَ قَوْلَ المرءِ إلاّ كَنَبْلِهِ بهِ وَلَهُ مَحْرُومُهَا وَمُصِيبِها
وَمَا غَبَنَ الأُقْوَامَ مِثْلُ عُقُولُهمْ، ولا مِثْلُها كَسْبًا أفَادَ كَسُوبُها
وَمَا غُبِنَ الأقْوَامُ عن مِثْلِ خُطّةٍ تَغَيّبَ عَنْهَا يَوْمَ قِيلَتْ أَرِيبُها
[ ٧٨٣ ]
وَلا عَنْ صَفَاةِ النِّيقِ زَلّتْ بِنَاعِلٍ، تَرَامى بِهِ أَطْوَادُها وَلُهُوبُها
وَتَفْنِيدُ قَوْلِ المَرءِ شَيْنٌ لِرأْيِهِ، وَزِينَةُ أَخْلاَقِ الرّجَالِ وَظُوبُها
وَأَجْهَلُ جَهْلِ القَوْمِ ما في عَدوّهمْ، وَأَقْبَحُ أَخْلاَقِ الرّجالِ غَرِيبُها
رَأَيْتُ ثِيابَ الحِلْمِ وهي مُكِنّةٌ لذي الحُلْمِ يَعْرَى وَهُو كاسٍ سَلِيبُها
وَلَمْ أَرَ بابَ الشّرّ سَهْلًا لأهْلِهِ وَلاَ طُرُقَ المَعْرُوفِ وَعثًا كَثيبُها
وَأَكْثَرُ مأتى المْرءِ مِنْ مُطْمَأَنّهِ، وَأَكْثَرُ أَسْبابِ الرّجَالِ ضُرُوبُها
وَلَمْ أجِدْ العِيدانَ أَذاءَ أَعينٍ، وَلَكِنّما أَقذاؤهَا ما يَنُوبُها
مِنَ الضّيم أَوْ أَن يركبَ القَوْمُ قَوْمَهم رِدافًا مَعَ الأعداءِ، إلبًا أُلوبُها
[ ٧٨٤ ]
رَمَتني قُرَيشٌ عن قِسيِّ عداوَةٍ، وَحِقْدٍ كَأَنْ لم تَدْرِ أنّي قريبُها
تُوقِّعُ حَوْلي تَارَةً وَتُصيبُني بِنَبْلِ الأذى عَفْوًا، جَزَاها حَسيبُها
وَكَانَتْ سِواغًا إن عَثرت بِغُصّةٍ، يَضيقُ بها ذَرْعًا سواها طَبِيبُها
فَلم أَسْعَ مِمّا كَانَ بيني وَبَيْنَها، وَلَمْ تَكُ عِنْدَي كَالدَّبُورِ جَنُوبُها
ولَمْ أجْهلِ الغَيْثَ الذي نَشَأْت بِهِ، وَلَمْ أَتَضرّعْ أن يجيءَ غُضُوبُها
وَأَصْبَحْتُ من أبوابِهم في خَطيطةٍ، ولا ذَنْبَ للأبوابِ مَرْتٌ جديبُها
[ ٧٨٥ ]
وللأبعَدِ الأقصى تِلاعٌ مَريعةٌ، أَقَامَ بِها مثلَ السّنامِ عَسِيبُها
رَمتْني بالآفاتِ من كلّ جانبٍ، وَبالّرْبياءِ مُرْدُ فِهْرٍ وشِيبُها
بلا ثَبَتٍ إلاّ أُقاويلُ كاذبٍ يُحرِّبُ أُسدَ الغابِ كَفْتًا وُثُوبُها
لَعَمْرِ أبي الأعداءِ بيني وَبَيْنَها لَقَدْ صادفوا آذانَ سَمْعٍ تَجيبُها
فَلَنْ تَجِدَ الآذانَ إلاّ مُطيعَةً لها في الرِّضا، أو ساخطاتٍ قُلُوبُها
أفي كلّ أرضٍ جئتُها أنا كائنٌ لِخَوْفِ بني فِهْرٍ، كأَنّي غريبُها
وَإنْ كُنْتُ في جِذم العشيرةِ أَقْبَلَتْ عليّ وجوهُ القَوْمِ كُرْهًا قُطوبُها
بَني ابنةِ مُرّ! أينَ مُرَّةُ عنكمُ وعنَّا التي شَعبًا تصيرُ شُعوبُها
[ ٧٨٦ ]
وأينَ ابنْهُا عنّا وعنكم، وبعلُها خُزَيمةُ، والأرحامُ وعثًا جؤوبُها
إذا نَحْنُ منكم لم نَنَلْ حقَّ إخوَةٍ على إخوةٍ، لم يخْشَ غِشًّا جُيوبُها
فأيّةُ أرحامٍ يُعاذُ بفضْلِها، وأيّةُ أرحامٍ يُؤدَّى نصِيبُها
لنا الرّحِمُ الدُّنيا وللنّاسِ عِنْدكُمْ سِجالُ رغِيبَاتِ اللُّهَى وَذَنُوبُها
مَلأتُم حِياض المُلحِمينَ عَليكُمُ، وآثاركُم فِينَا تَصُبّ نُدُوبُها
سَتَلْقَوْنَ ما أحبَبْتُمُ في عدوّكُمْ عليكم، إذا ما الخيل ثار عصوبُها
[ ٧٨٧ ]
فَلَمْ أَرَ فيكم سيرةً غيرَ هذِهِ ولا طُعْمَةً إلاّ التي لا أعيبُها
مَلأتم فِجاجَ الأرْضِ عدلًا ورأفةً ويَعْجِزُ عني، غَيْرَ عَجزٍ، رحيبُها
قَطعْتُم لساني عَن عدوّتِنا، لكُم عَقارِبُه تَلداغُها وَدبِيبُها
فأصْبحتُ فَدْمًا مُفحَمًا، وضَريبَتي مُحالِفُ إفحامٍ وعِيٍ ضَريبُها
فأرْحامُنا لا تطْلبنْكم، فإنّها عَوَائِمُ لم يهْجَعْ بليلٍ طَليبُها
إذا نَبَتَتْ ساقٌ من الشّرّ بينَنَا، قَصَدتُم لها حتى يُجَزّ قَضيبُها
لَتَتركُنا قُربَى لُؤيّ بن غالبٍ، كسامةَ إذ أودَتْ وأودَى عتيبُها
[ ٧٨٨ ]
فأيْنَ بَلاءُ الدّينِ عنّا وعنكمُ لكلّ أكفٍ حاقِناتٍ ضريبُها
ولكنكم لا تستثيبون نِعْمةً، وغيرُكمُ من ذي يدٍ يستثيبها
وإنّ لكم للْفَضْلِ فضْلًا مُبرِّزًا، يُقصِّرُ عنكم بالسُّعاة لُغوبُها
جمعنا نفوسًا صادياتٍ إليكمُ، وأفْئِدَةً منّا طويلًا وَجِيبُها
فقائِبَةٌ ما نحنُ يَوْمًا، وَأنْتُمُ بني عبد شمس، أن تفيئوا، وقُوبُها
وهل يَعْدُونْ بينَ الحبيبِ فِراقُهُ، نَعم، داءُ نفسٍ أن يَبينَ حبيبُها
ولكنّ صبرًا عن أخٍ لكَ ضَائِرٍ، عَزاء إذا ما النفسُ حَنّ طَرُوبُها
[ ٧٨٩ ]
رأيْتُ عذابَ الماءِ إن حِيلَ دونَهُ كفاكَ لما لا بُدَّ منه شَريبُها
وَإنْ لم يَكُنْ إلاّ الأسنّةُ مَركبٌ، فلا رأيَ للمَحْمولِ إلا رُكوبُها
يشوبونَ للأقصَين مَعسولَ شِيمةٍ، فأَنَّى لَنَا بالصّابِ أنّى مَشوبُها
كُلوا ما لديكُمْ من سَنامٍ وغَارِبٍ، إذا غيَّبتْ دُودانُ عنكم غُيُوبُها
سَتَذْكرُنا منكُم نُفوسٌ وأَعْيُنْ ذَوَارفُ، لم تَضنَن بدمعٍ غروبُها
إذا وأدَتنا الأرضُ إن هي وأدت وأَفْرخَ من بَيْنِ الأمورِ مقُوبُها
[ ٧٩٠ ]
وأُسكِتَ دَرُّ الفحلِ واسترعَفَتْ بِهِ حَرَاجِيجُ، لم تَلْقَح كِشافًا سَلُوبُها
وبادرها دِفْءُ الكنيفِ، ولمْ يُعِنْ على الضّيْفِ ذي الصّحن المُسِنّ حَلوبُها
[ ٧٩٤ ]