ولم يزل النبي، ﷺ، يعجبه الشعر، ويمدح به، فيثيب عليه، ويقول: هو ديوان العرب، وفي مصداق ذلك ما حدثنا به سنيد بن محمد الأزدي عن ابن الأعرابي عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا.
وأخبرنا محمد بن عثمان قال: أخبرنا الحسن بن داود الجعفري عن ابن عائشة التيمي يرفع الحديث قال: قال رسول الله، ﷺ: اللهم من هجاني فالعنه مكان كل هجاءٍ هجانية لعنةً. وعنه عن ابن عائشة قال: قال رسول الله، ﷺ: الشعر كلامٌ من كلام العرب جزلٌ تتكلم به في نواديها وتسل به الضغائن بينها، قال ثم أنشد: المنسرح
قَلّدتُك الشِّعْرَ يا سلامةَ ذا ال إفضالِ، والشيءُ حَيثُما جُعِلا
والشِّعْرُ يَستَنزِلُ الكَريمَ، كما يُنْزِلُ رَعدُ السَّحابةِ السِّيَلا
[ ٣٤ ]
قال: وأخبرنا محمد بن عثمان الجعفري عن عبد الرحمن بن محمد عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: أتى حسان بن ثابت إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله! إن أبا سفيان بن الحارث هجاك، وأسعده على ذلك نوفل بن الحارث وكفار قريش، أفتأذن لي أهجوهم يا رسول الله؟ فقال النبي، ﷺ: فكيف تصنع بي؟ فقال: أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين! قال له: اهجهم وروح القدس معك، واستعن بأبي بكر، فإنه علامة قريش بأنساب العرب، فقال حسان يهجو نوفل بن الحارث: الطويل
وإنّ وُلاةَ المَجدِ مِنْ آلِ هاشمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ، ووالدك العَبْدُ
وما وَلَدَتْ أَبْناءُ زُهرَةَ مِنْهُمُ صَممْيمًا، ولم يلحقْ عَجائزَكَ المَجدُ
فأنتَ لئيمٌ نِيْطَ في آلِ هاشِمٍ، كما نِيْطَ خلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ
قال: فلما أسلم أبو سفيان بن الحارث قال له النبي، ﷺ: أنت مني وأنا منك، ولا سبيل إلى حسان.
وأخبرنا أبو العباس عن أبي طلحة عن بكر بن سليمان يرفع الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال: بلغ النبي، ﷺ، أن قومًا نالوا أبا بكر بألسنتهم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! ليس أحدٌ منكم أمن علي في ذات يده ونفسه من أبي بكر، كلكم قال لي: كذبت، وقال لي أبو بكر:
[ ٣٥ ]
صدقت، فلو كنت متخذًا خليلًا لأتخذت أبا بكرٍ خليلًا. ثم التفت إلى حسان فقال: هات ما قلت في وفي أبي بكر، فقال حسان: قلت يا رسول الله: البسيط
إذا تَذَكّرتَ شَجْوًا مِنْ أَخٍ ثِقَةٍ، فَاذْكُرْ أَخَاكَ أبا بَكرٍ بما فَعَلا
التَّاليَ الثّانيَ المَحْمُود شِيْمَتُهُ، وأَوَّلُ النّاسِ طُرًَّا صَدَّقَ الرُّسُلا
والثّاني اثنَينِ في الغارِ المُنيفِ، وَقَدْ طافَ العدوُّ به إذْ صَعَّدَ الجَبَلا
وكانَ حِبَّ رَسولِ اللَّهِ، قد عَلِموا، مِنَ البَرِيَّةِ، لم يَعْدِلْ به رَجُلا
خَيرُ البَرِيَّةِ أتقاها وَأَرْأَفُها، بَعْدَ النّبيّ، وأوْفاها بما حَمَلا
فقال، ﷺ: صدقت يا حسان، دعوا لي صاحبي! قالها ثلاثًا.
وعن الشعبي قال: لما بلغ رسول الله، ﷺ، أن كعب بن زهير بن أبي سلمى هجاه ونال منه، أهدر دمه، فكتب إليه أخوه بجير بن زهير، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، يعلمه أن النبي، ﷺ، قد قتل بالمدينة كعب بن الأشرف، وكان قد شبب بأم الفضل بن العباس وأم حكيم بنت عبد المطلب، فملا بلغه كتاب أخيه ضاقت به الأرض ولم يدر فيما النجاة، فأتى أبا بكر، ﵁، فاستجاره، فقال: أكره أن أجير على رسول الله، ﷺ، وقد أهدر دمك، فأتى عمر، ﵁، فقال له مثل ذلك، فأتى عليًا، ﵁، فقال: أدلك على أمرٍ تنجو به. قال: وما هو؟ قال: تصلي مع رسول الله، ﷺ، فإذا انصرف فقم خلفه، وقل: يدك يا رسول الله أبايعك! فإنه سيناولك يده من خلفه، فخذ يده فاستجره، فإني أرجو أن يرحمك، ففعل، فلما ناوله رسول الله، ﷺ، يده استجاره، وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
[ ٣٦ ]
البسيط
وقالَ كلُّ خَليلٍ كنتُ آمُلُهُ: لا أُلهينّك إنّي عنكَ مَشغُولُ
فقُلتُ: خلّوا سَبيلي، لا أبا لكُمُ، فكلّ ما قَدّرَ الرّحمَنُ مَفعُولُ
أُنبِئتُ أنّ رسولَ اللَّه أوعَدَني، والعَفوُ عندَ رَسولِ اللَّهِ مأمولُ
فلما فرغ منها قال له النبي، ﷺ: أذكر الأنصار! فقال: الكامل
مَنْ سَرّهُ كَرمُ الحَياةِ فلا يزَلْ في مِقنَبٍ مِنْ صالحي الأنصارِ
النّاظرينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ كالجَمْرِ غيرِ كَليلَةِ الأبصارِ
فالغُرُّ مِنْ غَسَّانَ في جُرْثُومَةٍ أَعْيَتْ مَحافِرها على المنْقارِ
صالوا علَينا يومَ بَدْرٍ صَولَةً دَانَتْ لِوَقْعَتِها جميعُ نِزارِ
وهي طويلة.
وذكر محمد بن عثمان عن مطرف الكناني عن ابن دأب عن أبي لهذم العنبري عن الشعبي بإسناده قال: أنشد نابغة بني جعدة النبي، ﷺ، هذا البيت: الطويل
بَلغنا السّما مَجدًا وجُودًا وسُؤددًا، وإنّا لَنرجو فَوقَ ذلكَ مَظهَرَا
[ ٣٧ ]
فقال النبي، ﷺ: إلى أين، يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنّة بك يا رسول الله! قال: نعم، إن شاء الله، فلما أنشده:
ولا خَيرَ في حِلْمٍِ إذا لم تكن لهُ بَوادِرُ تَحميْ صَفوَهُ أن يُكَدَّرَا
ولا خَيرَ في جَهْلٍ، إذا لم يكن لهُ حَليمٌ، إذا ما أَورَدَ الأمرَ أَصْدَرَا
قال له النبي: ﷺ: لا فض الله فاك! فبنو جعدة يزعمون أنه كان إذا سقطت له سنٌ نبتت مكانها أخرى. وغيرهم يزعم أنه عاش ثلاثمائة عامٍ ولم تسقط له سنٌّ حتى مات: وبإسناده عن سعيد بن المسيب أنه قيل له: إن قبيصة بن ذؤيب يزعم أن الخليفة لا يناشد الأشعار. قال سعيد: ولم لا يناشد الخليفة، وقد نوشد رسول الله، ﷺ، يوم قدم عليه عمرو بن سليم الخزاعي، وكانت خزاعة حلفاء له، فلما كانت الهدنة بينه وبين قريش أغاروا على حي من خزاعة يقال لهم بنو كعب، فقتلوا فيهم، وأخذوا أموالهم، فقدم عمرو على النبي، ﷺ، مستنصرًا فقال: الرجز
يا ربِّ! إنّي ناشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أَبينا وأَبيهِ الأتْلَدَا
نحنُ وَلَدناهم، فَكَانُوا وَلَدَا ثُمَّتَ أَسْلَمْنا، فلَم نَنْزِع يَدَا
إنَّ قُريشًا أَخْلَفوكَ المَوعِدَا، ونَقَضُوا ميثاقَكَ المُؤكَّدَا
[ ٣٨ ]
ونصبوا لي فيكَ داءً رَصَدَا وَبَيَّتونا بالوتير هُجَّدَا
وقتلونا رُكَّعًا وَسُجَّدَا وَزَعَموا أنْ لَسْتَ تدعو أَحَدَا
وهم أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا، فانصرْ، هداك اللَّهُ، نَصْرًا أَيِّدَا
وادعُ عِبادَ اللَّهِ يأْتُوا مَدَدا فيهم رَسُولُ اللَّهِ قد تجَرَّدَا
إنْ سِيمَ خَسفًا وَجهُهُ تَرَبَّدَا في فَيْلَقٍ كالبحرِ يجري مُزبِدَا
قال: فدمعت عينا رسول الله، ﷺ، ونظر إلى سحابةٍ قد بعثها الله فقال: والذي بعثني بالحق نبيًا إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. وخرج بمن معه لنصرهم.
وعن ابن إسحق عن عبد الله بن الطفيل عن أبيه عن جده، أن قرة بن هبيرة ابن عامر بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن وفد على رسول الله، ﷺ، فبايعه وأسلم، فحباه وكساه
[ ٣٩ ]
بردين، وحمله على فرس، واستعمله على قومه، فقال قرة يذكر ذلك، ويذكر ناقته في قصيدة له طويلة: الطويل
حَبَاها رَسولُ اللَّهِ، إذ نزَلَتْ بهِ، وأمكَنَها من نائلٍ غيرِ مُفَندِ
فَما حَملَتْ من ناقَةٍ فوق رَحلِها أبرَّ وأوفَى ذِمّةً مِن مُحَمّدِ
وأكسىَ لبُردِ الحال قبل ابتذالِه، وأعطَى لرأسِ السّابِحِ المتجرّدِ
وأخبرنا المفضل عن أبيه عن جده عن محمد بن إسحق قال: قدم قيس ابن عاصم التميمي على النبي، ﷺ، فقال يومًا، وهو عنده: أتدري يا رسول الله من أول من رجز؟ قال: لا! قال: أبوك مضر كان يسوق بأهله ليلة، فضرب يد عبدٍ له، فصاح: وايداه! فاستوثقت الإبل ونزلت، فرجز على ذلك. ثم قال: يا رسول الله! أتدري من أول صائحة صاحت؟ قال: لا! قال: أمك خندف كانت معها ضرة، فنحت عنها إبنًا لها ليلًا، فجاءت فلم تجده، فكرهت أن تؤذيهم، فاعتزلت، فصاحت عليه. ثم قال: يا رسول الله! أتدري من أول من علم بك من العرب؟ قال: لا! قال: سفيان بن مجاشع الدارمي، وذلك أنه جنى جنايةً في قومه، فلحق بالشام، فكان يأتي حبرًا بها وكان يحدثه فقال له: إن لك لغةً ما هي بلغة أهل البلد، فقال: أجل! أنا رجل من العرب، قال: من أيها؟ قال: من مضر! قال له الراهب: أفر أبشرك؟ قال: بلى! قال: فوالله إن هذا الذي ينتظر خروجه لمن مضر. قال: وما اسمه؟ قال: أنظر في كتبي! فنظر ورجع إليه فقال: إسمه محمد! فرجع سفيان وولد له غلامٌ فسماه محمدًا.
[ ٤٠ ]
قال: فقالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: قال رسول الله، ﷺ، لبعض من حضر: أنشدني كلمتك التي تقول فيها: الطويل
حَيِّ جَميعَ النّاسِ تَسْبِ عُقُولَهُمْ تَحِيَّتَكَ الأدنَى، فقد تَرفَعُ النَّغَل
فإن أظهَرُوا بِشرًا فأَظْهِرْ جزاءَهُ، وإنْ سَتَروا عَنكَ القَبيحَ فلا تَسَلْ
فإنَّ الذي يُؤذيكَ منهم سَماعُهُ، وإنَّ الذي قد قيلَ خلفَكَ لم يُقَلْ
وأخبرنا المفضّل عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب، ﵁، لابنه عبد الرحمن: يا بني! انسب نفسك تصل رحمك، واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك، فإن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقًا ولم يقترف أدبًا.
وعنه عن أشياخه قالوا: قال عمر بن الخطاب، ﵁: إرووا من الشعر أعفه، ومن الحديث أحسنه، ومن النسب ما تواصلون عليه، وتعرفون به. فرب رحمٍ مجهولةٍ قد عرفت فوصلت، ومحاسن الشعر تدل على مكارم الأخلاق وتنهى عن مساويها.
[ ٤١ ]
قال المفضل وقد روي عن الشعبي أنه قال: لو أن رجلًا من أقصى حجرٍ بالشام صار إلى أقصى حجرٍ باليمن، فاستفاد حرفًا من العلم ما رأيت عمره ذهب باطلًا، إذا كان لذلك واعيًا فهمًا.
وروي عن المقنع أنه قال لابنه: يا بني! حبب إلى نفسك العلم حتى ترأمه، ويكون لهوك وسكوتك. والعلم علمان: علمٌ يدعوك إلى آخرتك فآثره على ما سواه، وعلمٌ لتزكية القلوب وجلائها وهو علم الأدب، فخذ بحظك منه.
[ ٤٢ ]
وعن المقنع عن أبيه عن الأصمعي قال: دخلت البادية من ديار فهم، فقال لي رجلٌ منهم: ما أدخل القروي باديتنا؟ فقلت: طلب العلم، قال: عليك بالعلم، فإنه أنسٌ في السفر، وزينٌ في الحضر، وزيادةٌ في المروءة، وشرفٌ في النسب، وفي مثل هذا يقول الشاعر: الكامل
عِيُّ الشَّريفِ يَشِيْنُ مَنصِبَهُ، وابنُ اللَّئيمِ يَزْيْنُهُ الأدَبُ
وعنه عن أبيه عن الأصمعي قال: قدم رجلٌ من فزارة على الخليل بن أحمد وكان الفزاري عييًا، فسأل الخليل مسألةً فأبطأ في جوابها، فتضاحك الفزاري، فالتفت الخليل إلى بعض جلسائه فقال: الرجال أربعة: فرجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاعرفوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافلٌ فأيقظوه؛ ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافلٌ فأيقظوه؛ ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك مائق فاجتنبوه. ثم أنشأ الخليل يقول: الكامل
لو كنتَ تَعلَمُ ما أقولُ عذَرتَني أَوْ كنتُ أَجْهَلُ ما تقولُ عذَلتُكا
لَكِنْ جَهِلتَ مَقَالَتي فَعذَلْتَني وعلِمتُ أَنَّكَ مائقٌ فَعَذَرْتُكا
[ ٤٣ ]
وأخبرنا أبو العباس عن موسى بن عبد الله قال: مر أبو عبيدة معمر بن المثنى برجلٍ ينشد شعرًا، فطول فيه، فقال أبو عبيدة: أما أنت، فقد أتعبت نفسك بما لا يجدي عليك، وما كان أحسن أن تقصر من حفظك في هذا الشعر ما طال! ألم تعلم أن الشعر جوهرٌ لا ينفد معدنه فمنه الموجود المبذول، ومنه المعوز المصون، فعليك بالبحث عن مصونه يكثر أدبك، ودع الإسراع إلى مبذوله كيلا يشغل قلبك، ثم أنشد أبو عبيدة: الوافر
مصونُ الشّعرِ تحفَظُهُ فيكفي، وحَشوُ الشّعرِ يُورِثُك المَلالا
قال المفضل: ولم يبق أحدٌ من أصحاب رسول الله، ﷺ، إلا وقد قال الشعر وتمثل به. فمن ذلك قول أبي بكر الصديق، ﵁، يرثي النبي، ﷺ: الوافر
أَجِدَّكَ ما لعَينِكَ لا تَنامُ كأنَّ جُفُونَها فيها كِلامُ
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: الكامل
ما زِلْتُ مذْ وضَعوا فِراشَ مُحمَّدٍ كَيْما يُمرَّضَ خائفًا أتَوَجَّعُ
وقال علي بن أبي طالب، ﵁: الطويل
أَلا طَرَقَ النَّاعي بِلَيلٍ، فَراعَني وَأَرَّقَني لَمَّا استَقَرَّ مُنادِيَا
وقال عثمان بن عفان، ﵁: المتقارب
فيا عينِ أَبْكي ولا تَسْأَمي، وحُقَّ البُكاءُ على السَّيِّدِ
[ ٤٤ ]