بَانَ الشَّبَابُ وَأَفْنَى ضُعْفَهُ العُمُرُ، للَّهِ دَرُّكَ أَيَّ العَيْشِ تَنْتَظِرُ
هَلْ أَنْتَ طَالِبُ وِتْرٍ لَسْتَ مُدْرِكَهُ، أَمْ هَلْ لِقَلْبِكَ عن أُلاَّفِهِ وَطَرُ
أَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ آياتٍ، فَقَدْ جَعَلَتْ آياتُ إلْفِكَ بِالوَدْكَاءِ تَدَّثِرُ
أَمْ لاَ نَزَالُ نُرَجّي عِيْشًَا أُنُفًا، لَمْ تُرْجَ قَبْلُ وَلَمْ يُكْتَبْ بِها زُبُرُ
[ ٦٧٥ ]
يلحَى على ذَاكَ أَصْحَابي، فقلتُ لَهُمْ: ذَاكُمْ زَمَانٌ وَهَذا بَعْدَه عُصُرُ
مَنْ لِنَّوَاعِجِ تَنْزُو في أَزِمَّتِها، أَمْ للتَّنائي حُمُولُ الحَيِّ قَدْ بَكَروا
كَأَنَّها بِنَقَا العَزَّافِ قاربُهُ، لَمَّا انْطوَى نَيُّها واخْرَوَّطَ الشَّفَرُ
مَارِيَةٌ لُؤلُؤانُ اللَّونِ، أَوَّدَهَا طَلٌّ، وبَنَّسَ عَنْهَا فَرْقَدٌ خَصِرُ
ظَلّتْ تُمَاحِل عَنْهُ عَسْعسًا لَحِمًا، يَمشي الضَّراء، خَفِيًّا، دُونَهُ النَّظَرُ
[ ٦٧٦ ]
يَرَى لَهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ بِغَفْلَتِها، طَوْرًا، وَطَوْرًا تَسَنَّاهُ، فَتَعْتَكِرُ
في يَوْمِ ظِلٍّ وَأَشْبَاهٍ، وَصَافِيَةٍ شَهْبَا، وثَلْجٍ وَقَطْرٍ، وَقْعُه دِرَرُ
حَتّى تَنَاهَى بِهِ غَيْثٌ وَلَجّ بِهَا بَهْوٌ تَلاَقَتْ بِهِ الآرامُ وَالبَقَرُ
طَافَتْ، وَسَافَتْ قَلِيلًا حَوْلَ مَرْتَعِهِ، حَتَّى انْقَضَى مِنْ تَوَالي إلْفِهَا الوَطَرُ
فَلَمْ تَجِدْ في سَوَادِ اللَّيْلِ رَائِحَةً، إلاَّ سَمَاحِيقَ مِمّا أَحْرَزَ العَفَرُ
ثُمَّ ارْعَوتْ في سَوَادِ اللَّيلِ وادَّكَرَتْ وَقَدْ تَمزَّع صَادٍ لَحْمُهُ دَفِرُ
[ ٦٧٧ ]
ثُمَّ اسْتَمَرّتْ كَبَرْقِ اللَّيْلِ، وانْحَسَرَتْعَنْها الشَّقَائِقُ من نَبْهَانَ، والظُّفُرُ
تَطَايَحَ الطَّلُّ عَنْ أَرْدَافِهَا صُعُدًا، كَمَا تَطَايَحَ عَنْ مَامُوسَةَ الشَّرَرُ
كَأنّمَا تِلْكَ لَمّا أَنْ دَنَتْ أُصُلًا، مِنْ رَحْرحانٍ، وفي أعطافِها زَوَرُ
حَى إذا كَرِبَتْ، واللَّيلُ يَطْلُبُها، أَيْدِي الرَّكَايا عَن اللَّعْبَاءِ تَنْحَدِرُ
حَطَّتْ وَلَوْ عَلِمَتْ عِلْمِي لما عَزَفَتْ حَتَّى تَلَيَّنَ، وَاهٍ كَرُّهَا بَسَرُ
شَيْخٌ شَمُوسٌ إذا مَا عَزَّ صَاحِبُهُ، شَهْمٌ، وَأَسْمَرُ مَحْبُوكٌ لَهُ عُذُر
كَأنَّ وَقْعَتَهُ، لَوْ دَانَ مَرْفِقُها، وَقْعُ الصَّفَا بِأَديمٍ، وَقْعُهُ تَئِرُ
[ ٦٧٨ ]
حَنَّتْ قَلوصي إلى بَابُوسِها جَزَعًا، فَما حَنِينُكَ أم ما أَنْتَ والذِّكَرُ
إخَالُها سَمِعَتْ عَزْفًَا فَتَحْسِبُهُ إهَابَةَ القَسْرِ لَيْلًا حِينَ يَنْتَشِرُ
خُبّي فَلَيْسَ إلى عُثْمَانَ مُرْتَجَعٌ، إلاّ العَداءُ، وإلاّ مُكْنَعٌ ضَرَر
وَانجي، فإني إخالُ النَّاسَ في نَكَصٍ، وَأَنَّ يَحْيَى غَيَاثُ النَّاسِ وَالعَصَرُ
يا يحيَ، يا ابنَ إمَأمِ النَّاس أَهْلَكَنا ضَرْبُ الجُلُود، وعُسرُ المالِ وَالحَسَرُ
إنْ قُمْتَ يا ابنَ أبي العاصي بِحَاجَتِنا، فَما لِحَاجَتِنَا وِرْدٌ ولا صَدَرُ
[ ٦٧٩ ]
مَا تَرْضَ نَرْضَ وإن كَلَّفْتَنَا شَطَطًا، وما كَرِهْتَ فَكُرهٌ عندنا قَذَرُ
نَحْنُ الَّذينَ، إذا ما شِئْتَ أَسْمَعَنَا دَاعٍ، فَجِئْنَا لأيَّ الأمْرِ نَأْتَمِرُ
إنّي أعُوذُ بِمَا عَاذَ النَّبيُّ بِهِ، وَبِالخَلِيفَةِ أن لا تُقْبَلَ العِذَرُ
من مُترفيكم وَأَصْحَابٍ لَنَا مَعَهُمْ، لاَ يَعْدلُونَ، ولا نَأْبَى، فَنَنْتَصِرُ
فإنْ تُقِرّ عَلينا جَوْرَ مَظْلَمَةٍ، لَم تَبْنِ بيتًا على أَمثالها مُضَرُ
لا تَنْسَ يَوْمَ أبي الدَّرْدَاءِ مَشْهَدَنا، وَقَبْلَ ذلكَ أيّامٌ لَنَا أُخَرُ
من يُمْسِ من آلِ يحيَى يمسِ مُغْتَبِطًا في عِصْمَةِ الأمْرِ ما لم يَغْلِبِ القَدَرُ
وَرَّدَةٌ يَوْمَ نَعْتِ المَوْتِ رَايتُهُم حتَّى يَفيء إليها النَّصْرُ والظَّفَرُ
مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ هُمُ للَّهِ خَالصةٌ، قَدْ صَعّدوا بِزِمامِ الأمْرِ، وَانْحَدَرُوا
كَأَنَّهُ، صُبْحَ يَسري القَوْمُ لَيْلَهُمُ، ماضٍ من الهِنْدِوانيّاتِ مُنْسَدِرُ
يعلو مَعَدًّا، ويسْتَسْقي الغمامَ بِهِ، بَدْرٌ تضاءَل فيهِ الشمسُ والقمر
[ ٦٨٠ ]
هل في الثماني من التّسعين مَظلمةٌ، وَرَبُّها لكتابِ اللَّهِ مُسْتَطِر
يكسُونَهُم أصبحيّاتٍ مُحدرَجَةً، إنَّ الشيوخَ إذا ما أَوجعوا ضجِرُوا
حتى يَطِيبُوا لهمْ نفسًا علانيةً عَن القِلاصِ التي من دونِها مَكَرُوا
لَسْنا بِأَجْسَادِ عادٍ في طبائِعنا، لا نَأْلَمُ الشرَّ حتى يَأْلَمَ الحَجَرُ
ولا نصارَآ، عَلَيْنَا جِزْيَةٌ نُسُكٌ، ولا يهودًا طَغَامًا دِينُهم هَدَرُ
إنْ نَحْنُ إلاّ أُناسٌ أهلُ سائمةٍ، ما إن لنا دُونَها حرثٌ، ولا غُرَرُ
مَلّوا البلادَ، وَمَلّتْهم، وأَحزَقَهم ظُلمُ السُّعاةِ، وبادَ الماءُ والشَّجرُ
إن لا تُدارِكْهُمُ تُصْبِحْ ديارُهُمُ قَفرًا، تصيحُ على أَرْجَائِها الحُمَرُ
[ ٦٨١ ]
أدرِكْ نساءً وشِيبًان لا قرارَ لهم إن لم يَكُنْ لك فيما قد لقُوا غِيَرُ
إن العِيابَ التي يُخْفونَ مُشرَجَةٌ فِيهَا البيانُ، ويُلوى دُونَكَ الخِبَرُ
فابْعَثْ إليهم، فحاسِبْهُم مُحاسَبَةً، لا تُخفَ عَيْنٌ على عَيْنٍ ولا أَثَرُ
ولا تَقُولَنّ: زهوًا ما تُخبِّرُني، لم يَتْركِ الشَيْبُ لي زهوًا ولا العَوَرُ
سائلهُمُ حَيْثُ يَبْدي اللَّهُ عَوْرَتَهُمْ: هلْ في قلوبهمُ من خَوْفِنا وَحَرُ؟
[ ٦٨٢ ]