٥٢١ - قَوْلهم حَسبك من شَرّ سَمَاعه
مَعْنَاهُ كَفاك يالقول عارًا وَإِن كَانَ بَاطِلا
والمثل لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية
وَمن حَدِيثه أَن الرّبيع بن زِيَاد ساوم قيس بن زُهَيْر بدرع فَأَخذهَا مِنْهُ ووضعها بَين يَدَيْهِ وَهُوَ رَاكب ثمَّ ركض بهَا وَلم يردهَا على قيس فَعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية أم الرّبيع وَهِي تسير فِي ظعائن من بني عبس فاقتاد جملها ليرتهنها بالدرع فَقَالَت لَهُ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ فعل رجل أَيْن ضل حلمك أترجو أَن تصطلح أَنْت وَبَنُو زِيَاد وَقد أخذت أمّهم فَذَهَبت بهَا يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ النَّاس ماشاءوا وَإِن حَسبك من شَرّ سَمَاعه فأرسلتها مثلا فَعرف قيس صَوَاب قَوْلهَا وخلى سَبِيلهَا وطرد إبِلا لبني زِيَاد فَقدم بهَا مَكَّة وباعها من عبد الله بن جدعَان الْقرشِي وَقَالَ قيس بن زُهَيْر
(ألم يَأْتِيك والأنباء تنمي بِمَا لاقت لبون بني زِيَاد)
(ومحبسها على الْقرشِي تشرى بأدراع وأسياف حداد)
(كَمَا لَا قيت من حمل بن بدر وَإِخْوَته على ذَات الإصاد)
(هم فَخَروا عَليّ بِغَيْر فَخر وردوا دون غَايَته جوادي)
(وَكنت إِذا منيت بخصم سوء دلفت لَهُ بداهية نآد)
[ ١ / ٣٤٤ ]
(بداهية تدق الصلب مِنْهُ وتقصم أَو تجوب عَن الْفُؤَاد)
(وَكنت إِذا أَتَانِي الدَّهْر يَوْمًا بداهية شددت لَهَا نجادي)
(أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي إِلَى جَار كجار أبي دواد)
وجار أبي دواد الْحَارِث بن همام الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ أَبُو دواد فِي جواره فَخرج صبيان الْحَيّ يَلْعَبُونَ فِي غَدِير فغمسوا ابْن أبي دواد فِيهِ فَقَتَلُوهُ فَخرج الْحَارِث فَقَالَ لَا يبْقى فِي الْحَيّ صبي إِلَّا غرق فِي الغدير فَأخذ أَبُو دَاوُد ديات كَثِيرَة
٥٢٢ - قَوْلهم الْحَدِيد بالحديد يفلح
يَقُول إِن الصعب لَا يلينه إِلَّا الصعب والفلح الشق فلحت الشَّيْء شققته
وَيُقَال لزارع الْفَلاح لِأَنَّهُ يشق الأَرْض والأفلح المشقوق الشّفة الْعليا وَكَانَ عنترة يُسمى الفلحاء لشق كَانَ فِي شفته وَالِاسْم الفلح والفلح أَيْضا الْفَلاح وَهُوَ الْبَقَاء والفوز بِالْخَيرِ أَفْلح الرجل فَهُوَ مُفْلِح
وَفِي الْقُرْآن ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾
وَمثل هَذَا الْمثل قَول زِيَاد
(النبع يقرع بعضه بَعْضًا)
قَالَ الْأَصْمَعِي وَمثل هَذَا امثل قَوْلهم (إِن على أختك تطردين)
قَالَ الشَّاعِر
[ ١ / ٣٤٥ ]
(قوما بَعضهم يقتل بَعْضًا لَا يفل الْحَدِيد إِلَّا الْحَدِيد)
٥٢٣ - قَوْلهم حلب الدَّهْر أشطره
يضْرب مثلا للرجل الْعَالم بالدهر والأشطر جمع شطر وَأَصله فِي حلب النَّاقة لِأَنَّك تحلب شطرًا ثمَّ تحلب الشّطْر الآخر
وَالْمعْنَى أَنه جرب الدَّهْر فِي جَمِيع أَحْوَاله
وَمن قَالَ حلب الدَّهْر شطريه فَإِنَّهُ أَرَادَ الْخَيْر وَالشَّر والنفع والضر قَالَ لَقِيط بن يعمر
(مَا زَالَ يحلب هَذَا الدَّهْر أشطره يكون مُتبعا طورًا ومتبعا)
وَمن هَذَا الْبَيْت أَخذ زِيَاد قَوْله إِنَّا سسنا وساسنا السائسون وجربنا وجربنا المجربون وألنا إيل علينا فَمَا وجدنَا خيرا من لين فِي غير ضعف وَشدَّة فِي غير عنف وَفِي هَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر
(لن يدْرك الْمجد أَقوام وَإِن كرموا حَتَّى يذلوا وَإِن عزوا لأقوام)
(ويشتموا فترى الألوان سافرة لاصفح ذل وَلَكِن صفح أَحْلَام)
٥٢٤ - قَوْلهم حلبتها بالساعد الأشد
يضْرب مثلا للرجل يَأْخُذ حَقه بالغلبة
والساعد مُذَكّر والذراع
[ ١ / ٣٤٦ ]
مؤنث وهما شَيْء وَاحِد
وَمن الْأَمْثَال فِي التَّقْوَى والتشدد وركوب الهول قَول الأول
(لم يبْق من طلب الْعلَا إِلَّا التَّعَرُّض للحتوف)
(فلأقذفن بمهجتي بَين الأسنة وَالسُّيُوف)
(ولأطلبن وَلَو رَأَيْت الْمَوْت يلمع فِي الصُّفُوف)
(ولربما نفع الْفَتى نوش الاسنة وَالسُّيُوف)
٥٢٥ - قَوْلهم حور فِي محارة
قَالَ الْعلمَاء مَعْنَاهُ محير فِي مَوضِع يتحير فِيهِ وَقيل حور رجل فِي محارة أَي هُوَ كل يَوْم فِي نُقْصَان يُقَال حَار الشَّيْء إِذا نقص وَإِذا رَجَعَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (نَعُوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور) قَالَ أَرَادَ النُّقْصَان بعد الزبادة
وَقيل الانتقاض بعد الاسْتوَاء وَمن قَوْلهم كار الْعِمَامَة إِذا سواهَا على رَأسه فحارت أَي انْقَضتْ وَقيل (حور فِي محارة) هَالك فِي مَوضِع يهْلك فِيهِ والحور الْهَلَاك قَالَ العجاج
(فِي بِئْر لَا حور سرى وَمَا شعر )
وَيُقَال رجل حور أَي هَالك كَمَا يُقَال رجل بور وَالْجمع وَالْوَاحد فِيهِ سَوَاء وَفِي الْقُرْآن ﴿قوما بورًا﴾ فَجمع وَقَالَ ابْن الزِّبَعْرَى
[ ١ / ٣٤٧ ]
(يَا رَسُول الْإِلَه إِن لساني رانق مَا فتقت إِذا أنابور)
فَوحد والحور أَيْضا جمع أحور وحوراء وَرُوِيَ (نَعُوذ بِاللَّه من الْحور بعد الْكَوْن) من قَول الْعَرَب حَار بعد مَا كَانَ أَي كَانَ على حَالَة جميلَة فحار عَنْهَا مَعْنَاهُ رَجَعَ وَيُقَال للعود الَّذِي تَدور عَلَيْهِ البكرة محور لِأَنَّهُ يرجع إِلَى حَالَته الأولى بعد الدوران
وَقيل الكور الِاجْتِمَاع وَمَعْنَاهُ نَعُوذ بِاللَّه من الْخُرُوج عَن الْجَمَاعَة بعد الْحُصُول فِيهَا
٥٢٦ - قَوْلهم حمَار استأتن
يضْرب مثلا للرجل الْعَزِيز يصير ذليلًا أَي كَانَ حمارا فَصَارَ أَتَانَا وَنَحْوه قَول الشَّاعِر
(وَلَقَد اراني والأسيود تخافني فأخافني من بعد ذَاك الثَّعْلَب)
٥٢٧ - قَوْلهم الْحمى أضرعتني لَك
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يضْطَر صَاحبه إِلَى الخضوع
والمثل لعَمْرو بن معد يكرب قَالَه لعمر بن الْخطاب ﵁ أَخْبرنِي أَبُو أَحْمد عَن ابْن عَرَفَة عَن أَحْمد بن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ حَدثنِي رجل من ولد سرحة الْغِفَارِيّ أَن عَمْرو بن معد يكرب قدم على عمر بن الْخطاب فَسَأَلَهُ عَن سعد
[ ١ / ٣٤٨ ]
ابْن أبي وَقاص فَقَالَ أَعْرَابِي فِي نمرته عاتق فِي حجلته أَسد فِي تامورته نبطي فِي جبايته قَالَ كَيفَ علمك بِالسِّلَاحِ قَالَ بَصِير قَالَ فَأَخْبرنِي عَن النبل قَالَ منايا تخطىء وتصيب قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الرمْح قَالَ أَخُوك وَرُبمَا خانك قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الترس قَالَ هُوَ الْمِجَن وَعَلِيهِ تَدور الدَّوَائِر قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّيْف قَالَ عِنْده قارعت أمك الثكل قَالَ بل أمك قَالَ بل أُمِّي والحمى أضرعتني لَك
قَالَ أَبُو هِلَال ﵀ أَي الْإِسْلَام أذلني لَك وَلَو كَانَ فِي جَاهِلِيَّة لم تجسر أَن ترد عَليّ
والنمرة كسَاء أسود تلبسه الْأَعْرَاب والعاتق الْجَارِيَة الشَّابَّة وَصفه بِالْحَيَاءِ والتامورة هَاهُنَا الأجمة وَقَوله نبطي فِي جبايته وَصفه بالاستقصاء فِي جباية الْخراج
٥٢٨ - قَوْلهم الحفائظ تحلل الأحقاد
يضْرب مثلا للرجل يغْضب لحميمه وقريبه وَإِن كَانَ مشاحنًا لَهُ وَقيل لبَعْضهِم مَا تَقول فِي ابْن الْعم قَالَ عَدوك وعدو عَدوك
والحفيظة الْغَضَب قَالَ الْقطَامِي
(أَخُوك الَّذِي لَا تملك الْحس نَفسه وترفض عِنْد المحفظات الكتائف)
يَقُول العدوات تتفرق فتذهب عِنْد الحفائظ والارفضاض التَّفَرُّق
والكتائف العدوات الْوَاحِدَة كتيفة والمحفظات الْأُمُور الَّتِي تحفظ
[ ١ / ٣٤٩ ]
النَّاس أَي تغضبهم والحس الرقة يُقَال حسست لَهُ أحس حسا
وَقَالَ عويف القوافي
(تخلت لَهُ نَفسِي النَّصِيحَة إِنَّه عِنْد الشدائد تذْهب الأحقاد)
وَمن ذَلِك قَوْلهم (آكل لحمي وَلَا ادْعُه لآكل) وَفد مره ذكره
٥٢٩ - قَوْلهم حميم الرجل أَصله
يضْرب مثلا للرجل يعجب بأَهْله وَلِلْقَوْمِ يمدحون أَخَاهُم ويعجبون بِهِ وَمثله قَول الْعَامَّة من يمدح الْعَرُوس إِلَّا أَهلهَا وَمِنْه أَيْضا قَوْلهم (زين فِي عين وَالِد وَلَده)
وَقَوْلهمْ (كل فتاة بأبيها معجبة) وَقيل لعمر بن عبد الْعَزِيز لَو بَايَعت لابنك عبد الْملك وَكَانَ فَاضلا فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن يُقَال زين فِي عين وَالِد وَلَده لفَعَلت وَقَالَ الشَّاعِر
(زين فِي عين حاسديه كَمَا زين فِي عين وَالِد وَلَده)
وَمن هَاهُنَا أَخذ أَبُو تَمام قَوْله
(ويسيء بِالْإِحْسَانِ ظنا لَا كمن هُوَ بِابْنِهِ وبشعره مفتون)
وَالْحَمِيم الْقَرِيب يُقَال فلَان أحم إِلَيّ من فلَان أَي أقرب ومجاز الْكَلَام حميم الرجل من هُوَ من أَصله يَعْنِي أَقَاربه
[ ١ / ٣٥٠ ]
٥٣٠ - قَوْلهم الْحَلِيم مَطِيَّة الجهول
مَعْنَاهُ أَن الْحَلِيم يحْتَمل جهل الجهول وَلَا ينتصف مِنْهُ وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك وَإِن لم يكن مِنْهُ قَول النَّابِغَة
(فَإِن مَطِيَّة الْجَهْل الشَّبَاب )
وَأَخذه أَبُو نواس فَقَالَ
(كَانَ الشَّبَاب مَطِيَّة الْجَهْل )
وَنَحْو الْمثل قَول الشَّاعِر
(وَإِنَّمَا الْحلم ذل أَنْت عارفه والحلم عَن قدرَة ضرب من الْكَرم)
وَقيل لبَعْضهِم مَا الْحلم قَالَ الذل تصبر عَلَيْهِ
٥٣١ - قَوْلهم الْحَمد مغنم
يَقُولُونَ الْحَمد مغنم والمذمة مغرم مَعْنَاهُ أَنَّك إِذا أفدت فحمدت فقد اسْتَفَدْت وغنمت وَإِذا نلْت فذممت فقد غرمت وخسرت وَلم يذهب من مَالك مَا كسبك حمدًا وجنبك ذمًا وَقَالَ زُهَيْر فِي تَعْظِيم شَأْن الْحَمد
[ ١ / ٣٥١ ]
(فَلَو أَن حمد النَّاس يخلد لم تمت وَلَكِن حمد النَّاس لَيْسَ بمخلد)
(وَلَكِن فِيهِ باقيات وراثة فزود بنيك بَعْضهَا وتزود)
وَقَالَ غَيره
(لَوْلَا الثَّنَاء كَأَنَّهُ لم يُولد )
وَقَالَ آخر
(وَإِن قَلِيل الذَّم غير قَلِيل )
وَقَالَ ابْن دُرَيْد
(وَإِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث دهره فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعى)
وَقيل ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي
وَقَالَ آخر
(فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم بأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد)
وَقَالَ سعية الْيَهُودِيّ
(ارْفَعْ ضعيفك لَا يحربك ضعفه يَوْمًا فَتُدْرِكهُ العواقب قد نمى)
(يجْزِيك أَو يثني عَلَيْك وَإِن من أثنى عَلَيْك بِمَا فعلت فقد جزى)
٥٣٢ - قلوهم حِيلَة من لَا حِيلَة لَهُ الصَّبْر
مَعْنَاهُ أَن من لم يقدر أَن ينفع نَفسه بِدفع الْمَكْرُوه عَنْهَا قدر أَن يصبر
[ ١ / ٣٥٢ ]
فيكسبها الْمَنْفَعَة فِي ثَوَاب الصَّبْر وَحسن الأحدوثة فِي ملك النَّفس
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْمُصِيبَة للصابر وَاحِدَة وللجازع اثْنَتَانِ وَإِن شرا من الْمُصِيبَة سوء الْخلف عَلَيْهَا يَعْنِي الْجزع وَقَالَ غَيره
(وَهل جزع يجدي عَليّ فأجزع )
وَقَالَ آخر
(صَبرنَا لَهَا حَتَّى تبوخ وَإِنَّمَا تفرج أَيَّام الكريهة بِالصبرِ)
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ قَالَ عَم ابى الصَّبْر شرية تثمر أرية والأرية الْعَسَل والشرية الحنظل
وَقَالَ آخر الصَّبْر مَطِيَّة لَا تكبو وَإِن عنف عَلَيْهِ الزَّمَان
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قيل
(أرى الصَّبْر مَحْمُودًا عَنهُ مَذَاهِب فَكيف إذاما لم يكن عَنهُ مَذْهَب)
(هُوَ الْمَهْرَب المنجي لمن أحدقت بِهِ نَوَائِب دهر لَيْسَ عَنْهُن مهرب)
وَقيل
(فالوا صبرت وَمَا صبرت جلادةً لَكِن لقلَّة حيلتي أتصبر)
(لَا تنهني عَنْهُم فتغريني بهم فلربما ينْهَى العذول فيأمر)
[ ١ / ٣٥٣ ]
٥٣٣ - قَوْلهم الحزم حفظ مَا وليت وَترك مَا كفيت
الْمثل لأكم بن صَيْفِي يحث بِهِ على ترك مَالا يَعْنِي مَعَ الْمُحَافظَة على مَا يَعْنِي
قَالَ أَبُو هِلَال ﵀ وَلَا أعرف شَيْئا أَشد على الأحمق من تَركه مَالا يعنيه واشتغاله بِمَا يعنيه على أَن فِيمَا يَعْنِي شغلًا عَمَّا لَا يَعْنِي
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن دُرَيْد قَالَ حَدثنَا الرياشي قَالَ حَدثنَا عمر بن بكير قَالَ حَدثنَا الْهَيْثَم بن عدي عَن ابْن عَبَّاس عَن الشّعبِيّ قَالَ قدم علينا الْأَحْنَف بن قيس مَعَ مُصعب بن الزبير فَمَا رَأَيْت شَيْئا يستقبح إِلَّا وَقد رَأَيْت فِي وَجه الْأَحْنَف مِنْهُ شبها كَانَ أصعل الرَّأْس أحجن الْأنف أغضف الْأذن باخق الْعين ناتىء الوجنة مائل الشدق متراكب الْأَسْنَان خَفِيف العارضين أحنف الرجل وَلكنه إِذا تكلم جلى عَن نَفسه
فَأقبل يفاخرنا ذَات يَوْم بِالْبَصْرَةِ ونفاخره بِالْكُوفَةِ فَقُلْنَا الْكُوفَة أَعلَى وأفسح فَقَالَ لَهُ رجل وَالله مَا أشبه الْكُوفَة إِلَّا بشابة صَبِيحَة الْوَجْه كَرِيمَة النّسَب لَا مَال لَهَا فَإِذا ذكرت أذكر حَاجَتهَا كف عَنْهَا وَمَا أشبه الْبَصْرَة إِلَّا بِعَجُوزٍ ذَات عوارض مؤشرة موسرة فَإِذا ذكرت فَذكر يسارها رغب فِيهَا فَقَالَ الْأَحْنَف أما الْبَصْرَة فأسفلها قصب وأوسطها خشب وأعلاها رطب نَحن أكثرعاجا وساجا وديباجا
[ ١ / ٣٥٤ ]
وبرذونًا هملاجًا وَجَارِيَة مغناجًا وَالله مَا أَتَى الْبَصْرَة أحد إِلَّا طَائِعا وَلَا خرج مِنْهَا إِلَّا كَارِهًا يجر جرًا
فَقَامَ شَاب من بكر بن وَائِل فَقَالَ للأحنف يَا أَبَا بَحر بِمَ بلغت فِي النَّاس مَا بلغت فوَاللَّه مَا أَنْت بأجملهم وَلَا بأشرفهم وَلَا بأشجعهم قَالَ يَا بن أخي بِخِلَاف مَا أَنْت فِيهِ قَالَ وَمَا (مَا أَنا فِيهِ) قَالَ بتركي مَا لَا يعنيني من أَمرك اذا شغلت بِمَا لَا يَعْنِيك من أَمْرِي
وَقَالَ الشَّاعِر
(وَلَا نعترض لِلْأَمْرِ تكفى شئونه وَلَا تنصحن الا لمن هُوَ قابله)
٥٣٤ - قَوْلهم حلأت حالئة عَن كوعها
يضْرب مثلا فِي حذر الْإِنْسَان على نَفسه ومدافعته عَنْهَا أَي اتَّقى متق على نَفسه
وَأَصله فِي الَّتِي تحلأ الْأَدِيم فتضعه على كوعها ثمَّ تسحاه بالسكين فَإِن أَخْطَأت قطعت كوعها
والكوع طرف الزند الَّذِي يَلِي الْإِبْهَام والكرسوع طرفه الَّذِي يَلِي الْخِنْصر والحل قلع اللَّحْم عَن الْأَدِيم
٥٣٥ - قَوْلهم حرَّة تَحت قُرَّة
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يظْهر وَتَحْته أَمر خَفِي والحرة الْعَطش والقرة
[ ١ / ٣٥٥ ]
الْبرد
وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء رَمَاه الله بِالْحرَّةِ تَحت القرة يعنون الْعَطش مَعَ الْبرد
وَنَحْو الْمثل قَول الشَّاعِر
(أرى خلل الرماد وميض جمر خليق ان يكون لَهُ ضرام)
٥٣٦ - قَوْلهم حبك الشَّيْء يعمي ويصم
قَالَه رَسُول الله ﷺ
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا ابْن أبي دواد قَالَ حَدثنَا كثير بن عبيد قَالَ حَدثنَا بَقِيَّة وَأَبُو حَيْوَة وَمُحَمّد بن حَرْب عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم عَن خلف بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الثَّقَفِيّ عَن بِلَال ابْن أبي الدَّرْدَاء عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (حبك الشَّيْء يعمى ويصم) أَرَادَ أَن حبك للشَّيْء يعميك عَن مساويه ويصمك عَن اسْتِمَاع العذل فِيهِ فَأَخذه الشَّاعِر فَقَالَ
(وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا)
وَقَالَ آخر
(خرجت غَدَاة النَّحْر أعترض الدمى فَلم أر أحلى مِنْك فِي الْعين وَالْقلب)
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي أحسن رزقته أم الْحبّ يعمي مِثْلَمَا قيل فِي الْحبّ)
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة
(زعموها سَأَلت جاراتها وتعرت يَوْم حر تبترد)
(أكما ينعتني تبصرنني عمركن الله أم لَا يقتصد)
(فتضاحكن وَقد قُلْنَ لَهَا حسن فِي كل عين من تود)
(حسد حملنه من حسنها وقديمًا كَانَ فِي النَّاس الْحَسَد)
وَقَالَ غَيره
(يَا من يلوم عَلَيْهِ انْظُر بعيني إِلَيْهِ)
(فلست تَبْرَح حَتَّى تصير ملك يَدَيْهِ)
٥٣٧ - قَوْلهم الْحَرِيص يصيدك لَا الْجواد
يَقُول إِن الَّذِي لَهُ هوى وحرص فِي حَاجَتك هُوَ الَّذِي يقوم بهَا لَك لَا الْقوي عَلَيْهَا من غير أَن يكون لَهُ حرص على قَضَائهَا وَهوى لنجح السَّعْي فِيهَا وَقَرِيب مِنْهُ قَوْلهم لَا يرحل رحلك من لَيْسَ مَعَك أَي لَيْسَ مَعَك هَوَاهُ وَلَا لَهُ بك عناية وَنَحْوه قَوْلهم (أَسَاءَ كَارِه مَا عمل) وَقد مر فِي الْبَاب الأول وَنَحْو الْمثل
(وَلَا يبلغ الْحَاجَات إِلَّا المثابر )
ويصيدك أَي يصيد لَك مثل كَا ووزنه اي كال لَهُ وَوزن لَهُ
[ ١ / ٣٥٧ ]
٥٣٨ - قَوْلهم الْحَرْب غشوم
وَذَلِكَ أَنَّهَا تنَال بالمكروه من لم يكن لَهُ فِيهَا جِنَايَة وَمثله قَول الشَّاعِر
(فَإِن الْحَرْب يجنبها أنَاس وَيصلى حرهَا قوم برَاء)
وَقَرِيب من هَذَا الْمَعْنى قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي وَهُوَ أَجود مَا وصفت بِهِ الْحَرْب
(ألم تعلمُوا مَا ترزأ الْحَرْب أَهلهَا وَعند ذَوي الأحلام مِنْهَا التجارب)
(لَهَا السَّادة الْأَشْرَاف تأتى عَلَيْهِم فتهلكهم والسابحات النجائب)
(ونستلب المَال الَّذِي كَانَ ربه ضنينًا بِهِ وَالْحَرب فِيهَا الحرائب)
فَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ
(وَالْحَرب مُشْتَقَّة الْمَعْنى من الْحَرْب )
وَقَالَ معن بن أَوْس
(دَعَاني يشب الْحَرْب بيني وَبَينه فَقلت لَهُ لَا بل هَلُمَّ الى السّلم)
(وإباك وَالْحَرب الَّتِى لَا اديمها صَحِيح وَلَا تنفعك تَأتي على وغم)
(فَلَمَّا أَبى خليت فضل عنانه إِلَيْهِ فَلم يرجع بحزم وَلَا عزم)
[ ١ / ٣٥٨ ]
(فَكَانَ صريع الْخَيل أول وهلة فبعدًا لَهُ مُخْتَار جهل على علم)
٥٣٩ - قَوْلهم الْحر يُعْطي وَالْعَبْد يألم قلبه
ويروى (وَالْعَبْد بيجع استه) وَمَعْنَاهُ أَن العَبْد لَا يجود ويشق عَلَيْهِ جود الْحر وَهَذَا أبعد غايات الْبُخْل
٥٤٠ - قَوْلهم حَال الجريض دون القريض
يضْرب مثلا للمعضلة تعرض فتشغل عَن غَيرهَا
والمثل لِعبيد بن الأبرص وَكَانَ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء جعل لنَفسِهِ يَوْم بؤس فِي كل سنة فَكَانَ يركب فِيهِ فَيقْتل كل من لقِيه فَاسْتَقْبلهُ عبيد بن الأبرص مرّة فِيهِ فَقَالَ لَهُ مَا ترى يَا عبيد فَقَالَ (المنايا على الحوايا) فَذَهَبت مثلا فَقَالَ لَهُ أنشدنا من قريضك فَقَالَ (حَال الجريض دون القريض) ثمَّ قَالَ
(أقفر من أَهله عبيد فاليوم لَا يُبْدِي وَلَا يُعِيد)
ثمَّ قَالَ
(فأبلغ بني وأعمامهم بِأَن المنايا هِيَ الوارده)
[ ١ / ٣٥٩ ]
(فأقسم ان مت ماضرني وَإِن عِشْت مَا كنت بِي واجده)
قَالَ لَهُ الْمُنْذر وَيلك أنشدنا فَقَالَ
(هِيَ الْخمر تكنى الطلا كَمَا الذِّئْب يكنى أَبَا جعده)
يَقُول إِن الذِّئْب وَإِن كَانَت كنيته حَسَنَة فَإِن فعله قَبِيح يضْرب مثلا للرجل يظْهر لَك اكراما هُوَ يُرِيد غائلتك
ثمَّ أَمر بِهِ فذبح
ويروى هَذَا الحَدِيث لَهُ مَعَ أبي كرب الغساني وَكَانَ لَهُ فِي كل سنة يَوْم بؤس فَعرض لَهُ عبيد فِي يَوْم بؤسه فَقَالَ لَهُ مَا تَقول يَا عبيد فَقَالَ (أتتك بحائن رِجْلَاهُ) قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ (من عز بز) قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ (لَا يرحل رحلك من لَيْسَ مَعَك) قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ (بلغ الحزام الطبيين) فَذَهَبت كَلِمَاته أمثلا
وامر بِهِ فذبح
٥٤١ - قَوْلهم حَتَّى يجْتَمع معزى الفزر
يضْرب مثلا للشَّيْء الذَّاهِب الَّذِي لَا يقدر على تلافيه ورده
وَأَصله ان سعد بن زيد بن مَنَاة بن تَمِيم وَهُوَ الفزر قَالَ لِابْنِهِ هُبَيْرَة بن سعد سرح معزال وارعها قَالَ (وَالله لَا أرعاها سنّ الحسل) قَالَ يَا صعصعة اسرح فِيهَا قَالَ (لَا أسرح فِيهَا ألوة الْفَتى هُبَيْرَة) فَذَهَبت كلمتاهما مثلين فَغَضب سعد فَلَمَّا أصبح غَدا بالمعزى إِلَى عكاظ وَقَالَ إِن هَذِه معزاي لَا يحل لرجل أَن يدع أَخذ وَاحِدَة مِنْهَا وَلَا يحل لَهُ أَن يجمع بَين اثْنَتَيْنِ فانتهبها النَّاس وذهبوا بهَا فَقيل لما لَا يُرْجَى ارتجاعه (حَتَّى يجْتَمع معزى الفزر)
[ ١ / ٣٦٠ ]
وَقَوله (ألوة الْفَتى هُبَيْرَة) أَي على يَمِين هُبَيْرَة لَا أسرح فِيهَا
والألوة والألية الْيَمين وآلى الرجل يولي إِذا حلف
وَفِي الْقُرْآن ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم﴾ وَسَنذكر سنّ الحسل فِي الْبَاب الثَّامِن إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحده وَقَالَ شبيب بن البرصاء
(وَمرَّة لَيْسُوا نافعيك وَلنْ ترى لَهُم مجمعا حَتَّى ترى غنم الفزر)
٥٤٢ - قَوْلهم حَتَّى يؤوب المنخل يتَمَثَّل بِهِ فِي الْيَأْس عَن الشَّيْء
وَقيل المنخل هُوَ القارظ الْعَنزي وَقد مر ذكره
والمثل مَأْخُوذ من قَول النمر بن تولب
(وَقَوْلِي إِذا مَا اطلقوه عَن بعيرهم تلاقونه حَتَّى يؤوب المنخل)
يُرِيد أَنه قد كبر وَعجز عَن طلب الْأَشْيَاء فَإِذا غَابَ عَن عينه شَيْء خشِي عَلَيْهِ الْفَوْت لما يرى من عَجزه عَن الطّلب بِهِ
وَكَانَ أهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ (حَتَّى يرجع نشيط من مرو) ونشيط مولى لِعبيد الله بن زِيَاد بنى لَهُ دَارا فَلم يرضها وَأمر بهدمها فهرب نشيط إِلَى مرو وَأمر عبيد الله بِبِنَاء دَار أُخْرَى فَلَمَّا فرغ مِنْهَا أَمر فصور فِي دهليزه كلب وَأسد وكبش وَقَالَ أَسد كالح وكلب نابح وكبش ناطح
وصور على بَابهَا رُءُوس أَسد مقطعَة فَمر بهَا أَعْرَابِي فَقَالَ إِن صَاحبهَا لايتم لَهُ سكناهَا لَيْلَة فَأخذ وَحمل إِلَى عبيد الله
[ ١ / ٣٦١ ]
فَقَالَ احْبِسُوهُ حَتَّى ننزلها ونقلته فِيهَا وَنقل إِلَيْهَا مَتَاعه
فهر كلب فَضَحِك الْأَعرَابِي وَقَالَ وَالله لَا يسكنهَا أبدا فَمَا أَمْسَى النَّاس حَتَّى قدم رَسُول ابْن الزبير إِلَى قيس بن السكن ووجوه أهل الْبَصْرَة ودعاهم إِلَى طَاعَته فَأَجَابُوهُ وهرب عبيد الله ثمَّ دَعَا الْأَعرَابِي وَقَالَ لَهُ من أَيْن قلت مَا قلت قَالَ رَأَيْت رُءُوس أَسد قد قطعت فَقلت قوى ملك قد ذهبت وسلطان قد انْقَطع وَرَأَيْت الْكَلْب يهر على من يدخلهَا فَأَطْلقهُ
وَأهل الْكُوفَة يَقُولُونَ (حَتَّى يرجع مصقلة من طبرستان) وَهُوَ مصقلة بن هُبَيْرَة وَكَانَ سَبَب هربه من الْكُوفَة أَنه كَانَ أردشير خره من قبل عَليّ ﵁ فجَاء معقل بن قيس بسبي بني نَاجِية وَكَانُوا قد ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فصاحوا إِلَى مصقلة يَا أَبَا الْفضل اُمْنُنْ علينا فاشتراهم بثلاثمائة ألف دِرْهَم وأعتقهم وَخرج إِلَى عَليّ ﵁ فَدفع إِلَيْهِ مِائَتي ألف دِرْهَم وهرب إِلَى مُعَاوِيَة ﵁ فَقَالَ عَليّ ﵁ قبح الله مصقلة فعل فعل السَّيِّد وفر فرار العَبْد وَلَو أَقَامَ ورأيناه قد عجز لم نَأْخُذهُ بِشَيْء
وَأَجَازَ عتق من أعتق ففتش عَليّ دَار مصقلة فَوجدَ فِيهَا سِلَاحا فَقَالَ
(أرى حَربًا مفرقةً وسلمًا وعهدًا لَيْسَ بالعهد الوثيق)
ثمَّ هدمها فَقَالَ يحيى بن مَنْصُور
(قضى وطرًا مِنْهَا عَليّ فَأَصْبَحت إمارته فِينَا أَحَادِيث كَاذِب)
فبناها لَهُ مُعَاوِيَة بعد
وَقَالَ مصقلة حِين لحق بِمُعَاوِيَة
[ ١ / ٣٦٢ ]
(تركت نسَاء الْحَيّ بكر بن وَائِل وأعتقت سبيا من لؤَي بن غَالب)
(وَفَارَقت خير النَّاس بعد مُحَمَّد لمَال قَلِيل لَا محَالة ذَاهِب)
وَيَقُولُونَ (حَتَّى يَزُول عوارض) وَهُوَ جبل عَلَيْهِ قبر حَاتِم الطَّائِي و(حَتَّى يشيب الْغُرَاب)
وَفِي الْقُرْآن (حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط)
٥٤٣ - قَوْلهم حبقة حبقه ترق عين بقه
يُقَال ذَلِك للرجل إِذا تكبر وأعجبته نَفسه
والمثل لعَلي ﵁ قَالَه وَهُوَ يصعد الْمِنْبَر يَأْمر نَفسه بالتواضع
وترق تفعل من الرقي أَي ترق يَا عين بقة يَعْنِي نَفسه يُرِيد تصغيرها إِلَيْهَا
٥٤٤ - قَوْلهم حتفها تبحث ضَأْن بأظلافها
وَهُوَ مثل قَوْلهم كالباحث عَن الشَّفْرَة
يُرَاد بِهِ الرجل يبْحَث عَمَّا يكره فيستخرجه على نَفسه
قَالُوا والمثل لحريث بن حسان الشَّيْبَانِيّ
وَأَصله أَن رجلا غيب شفرةً لَهُ فِي الأَرْض ثمَّ طلبَهَا ليذبح بهَا كَبْشًا فَلم يجدهَا فَبينا الْكَبْش ينزو ضرب بِيَدِهِ فأثارها فذبحه بهَا الرجل
والشفرة السكين العريض وَكَذَلِكَ المدية وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
[ ١ / ٣٦٣ ]
(وَكَانَ كعنز السوء قَامَت بظلفها إِلَى مدية تَحت التُّرَاب تثيرها)
وَقَالَ غَيره
(وَكَانَ كعنز يَوْم جَاءَت لحتفها إِلَى مدية مدفونة تستثيرها)
٥٤٥ - قَوْلهم الْحق أَبْلَج وَالْبَاطِل لجلج
يُرَاد بِهِ أَن الْحق منكشف وَالْبَاطِل ملتبس
يُقَال انبلح الصُّبْح إِذا انْكَشَفَ وَمِنْه سمي الكشفة بَين الحاجبين بلجة
واللجلج من قَوْلهم تلجلج فِي القَوْل إِذا تتعتع فِيهِ وَلم يسْتَوْف الْعبارَة عَن مَعْنَاهُ قَالَ الشَّاعِر
(ألم تَرَ أَن الْحق تَلقاهُ أبلجا وَأَنَّك تلقى بَاطِل القَوْل لجلجا)
وَيُقَال لجلج اللُّقْمَة فِي فِيهِ إِذا أدارها وَلم يسغها قَالَ الشَّاعِر
(يلجلج مُضْغَة فِيهَا أنيض أصلت فَهِيَ تَحت الكشح دَاء)
وَقَالَ بَعضهم الْحق أَبْلَج وَطَرِيق الصدْق مَنْهَج ومسلك الْبَاطِل اعوج وَقَالَ الشَّاعِر
(فَإِن الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء وَلَا تخفى الْخِيَانَة والخلاب)
[ ١ / ٣٦٤ ]
٥٤٦ - قَوْلهم الْحق مغضبة
يُقَال ذَلِك للرجل تصدقه عَن الْأَمر فيغضب
وَرُوِيَ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ تركني الْحق وَمَالِي من صديق
وَيَقُولُونَ الْحق مر وألزمته مر الْحق وَقلت
(حُلْو حلاوة وصل عَاد فائته مر مرَارَة حق حل واجبه)
٥٤٧ - قَوْلهم حبيب جَاءَ على فاقة
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يغشاك وَبِك إِلَيْهِ حَاجَة
والفاقة إِلَى الشَّيْء الْحَاجة إِلَيْهِ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الشَّاعِر
(خَلِيل أَتَانِي نَفعه وَقت حَاجَتي إِلَيْهِ وَمَا كل الأخلاء ينفع)
وَقيل خير السخاء مَا وَافق الْحَاجة وَخير الْعَفو مَا كَانَ مَعَ الْقُدْرَة
٥٤٨ - قَوْلهم حَيْثُ لَا يضع الراقي أَنفه
هَكَذَا رَوَاهُ الْأَصْمَعِي وَرَوَاهُ غَيره (جرحه حَيْثُ لَا يضع الراقي أَنفه)
قَالَ وَيضْرب مثلا للشَّيْء لَا دَوَاء لَهُ وَمثله قَوْلهم (غادر وهيا لَا يرقع)
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَقَالَ الْأَصْمَعِي مَعْنَاهُ أَنه لَا يقرب وَلَا يدني مِنْهُ وَأَصله أَن ملسوعًا لسع فِي استه فَلم يقدر الراقي على الْقرب مِمَّا هُنَاكَ
٥٤٩ - قَوْلهم حرك خشاشه
مَعْنَاهُ ألحق بِهِ أذية
وَأَصله فِي الْبَعِير تحرّك خشاشه فيألم والخشاش الْعود الَّذِي يدْخل فِي أنف الْبَعِير فَإِذا كَانَ ذَلِك من حَدِيد أَو صفر فَهُوَ برة وَالْجمع بَرى والبرة أَيْضا الخلخال وَالْجمع برين والخشاش أَيْضا الرجل الشجاع الْخَفِيف والخشاش الصَّغِير الرَّأْس كل ذَلِك بِكَسْر الْخَاء وَأما الخشاش بِالْفَتْح فالنذل من كل شَيْء مثل الرخم من الطير وَمَا لَا يصطاد مِنْهَا
٥٥٠ - قَوْلهم الْحسن أَحْمَر
مَعْنَاهُ أَن المَال الَّذِي فِيهِ الْجمال لَا يكْسب إِلَّا بِجهْد وَشدَّة يحمر مَعَه الْوَجْه فالأحمر كِنَايَة عَن الْجهد والشدة وَمِنْه قَوْلهم (موت أَحْمَر) أَي موت فِي شدَّة وَجهد قَالَ مُسلم
(قوم إِذا أَحْمَر الهجير من الوغى جعلُوا الجماجم للسيوف مقيلآ)
يَعْنِي إِذا أَحْمَر ألوان الْقَوْم فِي الهجير مِمَّا يلقون من الشدَّة والصعوبة فَأَما قَول الشَّاعِر
[ ١ / ٣٦٦ ]
(هجان علتها حمرَة فِي بياضها تروق بِهِ الْعَينَيْنِ وَالْحسن أَحْمَر)
فَإِنَّهُ يَعْنِي أَن الْحسن فِي حمرَة اللَّوْن مَعَ الْبيَاض دون الصُّفْرَة وَغَيرهَا من الألوان وَمِنْه قَول الآخر
(فادخلي فِي الْحمر إِن الْحسن أَحْمَر )
٥٥١ - قَوْلهم حلبت حلبتها وأقلعت
قرأناه على أبي عَليّ بن أبي حَفْص عَن جَعْفَر عَن ابْن دُرَيْد عَن أبي حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي بِالْحَاء وَرَوَاهُ غَيره بِالْجِيم
وَيضْرب مثلا للرجل يغْضب ويصخب ثمَّ يسكت من غير أَن يكون لَهُ تَغْيِير وَقَالَ ثَعْلَب يضْرب مثلا للرجل يَأْخُذ الشَّيْء وَيذْهب ويدعك وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عندنَا
٥٥٢ - قَوْلهم حر انتصر
يضْرب مثلا للرجل يظلم فينتقم
وَأَصله رمز من رموز الْعَرَب قَالُوا
[ ١ / ٣٦٧ ]
وجدت الضبع تَمْرَة فاختلسها الثَّعْلَب فلطمته فلطمها فتحاكما إِلَى الضَّب فَقَالَت يَا أَبَا الحسل قَالَ (سميعًا دَعَوْت) قَالَت جئْنَاك نحتكم إِلَيْك قَالَ (فِي بَيته يُؤْتى الحكم) فَقَالَت إِنِّي التقطت تَمْرَة قَالَ (حلوًا جنيت) قَالَت إِن الثَّعْلَب أَخذهَا قَالَ (حَظّ نَفسه بغى) قَالَت لطمته قَالَ (أسفت والبادي أظلم) قَالَت فلطمني قَالَ (حر انتصر) قَالَت اقْضِ بَيْننَا قَالَ (حدث حديثين امْرَأَة فَإِن لم تفهم فَأَرْبَعَة)
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد عَن الْجَوْهَرِي عَن أبي زيد عَن أبي عبيد الله بن إِسْحَاق الْعَطَّار عَن مُعَاوِيَة بن حَفْص الْحِمصِي عَن الْأَعْمَش قَالَ لما قدم خَالِد بن الْوَلِيد تَلقاهُ ابْن بقيلة فَقَالَ لَهُ خَالِد من أَيْن أَقبلت وَيلك قَالَ من ورائي قَالَ فَأَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أَمَامِي قَالَ فَمن أَيْن خرجت قَالَ من بطن أُمِّي قَالَ فَمن أَيْن أقْصَى أثرك قَالَ من صلب أبي قَالَ فَفِيمَ أَنْت قَالَ فِي ثِيَابِي قَالَ فعلى أَي شَيْء انت قَالَ على الأَرْض قَالَ أبن كم انت قَالَ ابْن رجل وَاحِد قَالَ مَا أجبتني عَمَّا سَأَلت عَنهُ قَالَ مَا أَجَبْتُك إِلَّا عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ قَالَ كم أَنى عَلَيْك قَالَ سِتُّونَ وثلاثمائة سنة قَالَ أفتعقل قَالَ نعم وأقيد قَالَ فَأخْبرنَا عَن أعجب مَا أدْركْت قَالَ أدْركْت مَا بَين الْحيرَة إِلَى الشَّام قرى منظومة وَإِن الْمَرْأَة لتَضَع مكتلها على رَأسهَا وَفِي يَديهَا مغزلها فَمَا تمسه حَتَّى يمتلىء من الْفَوَاكِه ثمَّ أَدْرَكته خرابًا يبابًا وَهِي الدول بَين عباد الله وبلاده
وَأدْركت الْبَحْر وَإِن سفنه لترفأ إِلَى نجفنا هَذَا ثمَّ أَدْرَكته يَابسا قَالَ
[ ١ / ٣٦٨ ]
فَأَخْبرنِي بِأَفْضَل المَال قَالَ أَرض خوارة فِيهَا عين خرارة قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ فرس فِي بَطنهَا فرس يتبعهَا فرس قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن الْإِبِل قَالَ حمال وسقاء قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن الْغنم قَالَ لَيْسَ ذَاك بِشَيْء ذَاك طَعَام قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن الذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ ذَاك الَّذِي إِن تركته لم يزدْ وَإِن أَقبلت عَلَيْهِ لم تدر مَا بَقَاؤُهُ عنْدك قَالَ فَمَا هَذِه الْحُصُون الَّتِى اراها قَالَ بنيناها للسفيه حَتَّى يَجِيء الْحَلِيم مثلك فينزلها
قَالَ وَإِنَّمَا سمي بقيلة لِأَنَّهُ جَاءَ فِي ثَوْبَيْنِ أخضرين وَإِنَّمَا كَانَ اسْمه عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن عبد الْمَسِيح الغساني
وَمثله مَا رُوِيَ أَن عدي بن أَرْطَأَة أَتَى إِيَاس بن مُعَاوِيَة قَاضِي الْبَصْرَة وعدي أميرها فَقَالَ لَهُ يَا هَناه أَيْن أَنْت قَالَ بَيْنك وَبَين الْحَائِط قَالَ اسْمَع مني قَالَ للاستماع جَلَست قَالَ إِنِّي تزوجت امْرَأَة قَالَ (بالرفاء والبنين) قَالَ وشرطت لأَهْلهَا أَلا أخرجهَا من بَيتهمْ قَالَ أوف لَهُم بِالشّرطِ قَالَ وَأَنا الْآن أُرِيد الْخُرُوج قَالَ فِي حفظ الله قَالَ اقْضِ بَيْننَا قَالَ قد فعلت
٥٥٣ - قَوْلهم حلف بالسمر وَالْقَمَر
قَالَ الْأَصْمَعِي السمر الظلمَة وَسميت سمرا لأَنهم كَانُوا يَجْتَمعُونَ فِي الظلماء فيسمرون أَي يتحدثون ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سمي الحَدِيث سمرًا وَمَعْنَاهُ أَنه حلف بِرَبّ النُّور والظلمة
[ ١ / ٣٦٩ ]
٥٥٤ - قَوْلهم الْحَاج والداج
الْحَاج الَّذِي يزور الْبَيْت والداج الَّذِي يخرج للتِّجَارَة يُقَال مَا حج وَلكنه دج وَقيل الداج الَّذين يدبون فِي أثر الْحَاج
٥٥٥ - قَوْلهم حَيَاء كحياء مارخة
يضْرب مثلا لمن يستحي مِمَّا لَا يستحى مِنْهُ
وَأَصله أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا مارخة نزلت بِقوم فقدموا لَهَا قرى فَقَالَت أستحي أَن أُصِيب مِنْهُ وَخرجت عَنْهُم فباتت لَيْلَتهَا جائعة تسرى
٥٥٦ - قَوْلهم حن قدح لَيْسَ مِنْهَا
يضْرب مثلا للرجل يدْخل نَفسه فِي الْقَوْم لَيْسَ مِنْهُم
وَلما قَالَ عقبَة بن أبي معيط يَوْم بدر حِين أَرَادَ النَّبِي ﷺ قَتله أأقتل من بَين قُرَيْش قَالَ عمر ﵁ (حن قدح لَيْسَ مِنْهَا) فَمَا أَدْرِي أقاله مبتدئًا أَو تمثله والقدح وَاحِد القداح الَّتِي يستقسم بهَا الأزلام والقدح ايضا السهْم قبل ان يراش وينصل
[ ١ / ٣٧٠ ]
٥٥٧ - قَوْلهم حَتَّى يرجع السهْم على فَوْقه
يُقَال لَا أفعل ذَاك حَتَّى يرجع السهْم على فَوْقه أَي لَا أَفعلهُ أبدا لِأَن السهْم إِذا رمي بِهِ مضى قدمًا وَلم يرجع على فَوْقه وَنَحْوه قَول الشَّاعِر
(إِذا زَالَ عَنْكُم أسود الْعين كُنْتُم كرامًا وَأَنْتُم مَا أَقَامَ ألائم)
وأسود الْعين جبل
يَقُول إِذا زَالَ هَذَا الْجَبَل عَن مَوْضِعه كرمتم
وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يَزُول الْجَبَل وَأَنْتُم لَا تكرمون أبدا وَمِنْه قَوْله ﷿ ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ مَعْنَاهُ أَن الْجمل لَا يدْخل فِي سم الْخياط وَأَن هَؤُلَاءِ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة
٥٥٨ - قَوْلهم حياك من خلا فوه
يضْرب مثلا للرجل تكَلمه وَهُوَ مشتغل عَنْك لَا يجيبك
وَأَصله أَن رجلا سلم على رجل يَأْكُل فَلم يحيه فَلَمَّا أساغ الطَّعَام اعتذر إِلَيْهِ فَقَالَ (حياك من خلا فوه) أَي رد سلامك من لَيْسَ فِي فَمه لقْمَة تشغله
٥٩٥ - قَوْلهم حيل بَين العير والنزوان
يُقَال ذَلِك للرجل يُحَال بَينه وَبَين مُرَاده
والمثل لصخر بن عَمْرو اخى
[ ١ / ٣٧١ ]
الخنساء أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا ابْن دُرَيْد عَن أبي حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة وحدثناه عَن غير هَؤُلَاءِ قَالَ غزا صَخْر بن عَمْرو بني أَسد بن خُزَيْمَة فاكتسح إبلهم فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخ فَرَكبُوا فَالْتَقوا بِذَات الأثل فطعن أَبُو ثَوْر الْأَسدي صخرًا فِي جنبه وأفلت الْخَيل وَلم يقعص مَكَانَهُ فجوي مِنْهَا وَمرض حولا حَتَّى مله أَهله فَسمع امْرَأَة تَقول لامْرَأَته سلمى كَيفَ بعلك قَالَت لَا حَيّ فيرجى وَلَا ميت فينعى قد لَقينَا مِنْهُ الْأَمريْنِ
وَمر بهَا رجل وَهِي قَائِمَة وَكَانَت ذَات خلق وأوراك فَقَالَ لَهَا أيباع الكفل قَالَت نعم عَمَّا قَلِيل فَسَمعَهَا صَخْر فَقَالَ أما وَالله لَئِن قدرت لأقدمنك قبلي وَقَالَ لَهَا ناوليني السَّيْف أنظر هَل تقله يَدي فناولته فَإِذا هُوَ لَا يقلهُ وَرُوِيَ أَيْضا أَن أم صَخْر سُئِلت عَنهُ فَقَالَت لَا نزال بِخَير مَا دَامَ فِينَا فَقَالَ
(أرى أم صَخْر لَا تمل عيادتي وملت سليمى مضجعي ومكاني)
(فَأَي امرىء سَاوَى بِأم حَلِيلَة فَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقًا وهوان)
(أهم بِأَمْر الحزم لَو أستطيعه وَقد حيل بَين العير والنزوان)
(وَمَا كنت أخْشَى أَن أكون جَنَازَة عَلَيْك وَمن يغتر بالحدثان)
(فللموت خير من حَيَاة كَأَنَّهَا معرس يعسوب بِرَأْس سِنَان)
ونتأت من جنبه قِطْعَة مثل كبد فقطعها فيئس من نَفسه فَقَالَ
(أجارتنا إِن الخطوب تنوب على النَّاس كل المخطئين تصيب)
[ ١ / ٣٧٢ ]
(أجارتنا إِن تسأليني فإنني مُقيم لعمري مَا أَقَامَ عسيب)
(كَأَنِّي وَقد أدنوا لحز شفارهم من الصَّبْر دامي الصفحتين نكيب)
يَعْنِي بَعِيرًا أوحمارا
ثمَّ مَاتَ فَدفن إِلَى جنب العسيب وَهُوَ جبل بِقرب الْمَدِينَة فقبره هُنَاكَ معلم
٥٦٠ - قَوْلهم حرا أَخَاف على جاني الكمأة
يضْرب مثلا للرجل يخَاف أمرا وَغَيره أخوف عَلَيْهِ
وَمن الْعَجَائِب أَنَّك تخَاف اللص على مَالك فتستظهر على حفظه بغلق الْأَبْوَاب وَإِقَامَة الْحجاب وَرفع الْحِيطَان وترصيص الْبُنيان وتنسى الدَّهْر الَّذِي يدْرك بِلَا طلب ويعلق بِلَا سَبَب قَالَ الشَّاعِر
(فأخلف وأتلف إِنَّمَا المَال عارة فكله مَعَ الدَّهْر الَّذِي هُوَ آكله)
وَقَالَ آخر
(فَانْظُر إِلَى الدَّهْر هَل فَاتَتْهُ بغيته فِي مطمح اللسر أَو فِي مسبح النُّون)
وَلآخر
(ألم تدر ان الله فَوق المعاقل )
[ ١ / ٣٧٣ ]
٥٦١ - قَوْلهم حبذا المنتعلون من قيام
يُرَاد بِهِ حبذا الَّذين بهم بَقِيَّة من قُوَّة أَو شباب اَوْ إنقاذ عزم أَو ثقوب رَأْي
وَأَصله أَن امْرَأَة شَابة كَانَت تَحت شيخ فرأت شبَابًا ينتعلون من قيام فَقَالَت (حبذا المنتعلون من قيام) فَقَالَ الشَّيْخ أَنا أنتعل قَائِما فَقَامَ لينتعل فضرط فَقَالَت (من ادّعى الْبَاطِل أنجح بِهِ) أَي انجح الْبَاطِل بِهِ خَصمه
٥٦٢ - قَوْلهم حَبل فلَان يفتل
مَعْنَاهُ أَن أمره مقبل وَفِي مَعْنَاهُ نجمه صاعد وَقد رفع علمه وَعلا امْرَهْ وسما طرفه وروى زنده وَصعد جده وطالت يَده واشتدت عضده وَأكْثر كَلَام الْعَرَب مَحْمُول على الِاسْتِعَارَة وأجوده أحْسنه اسْتِعَارَة وَبَيَان هَذَا مشروح فِي كتَابنَا الموسوم بصنعه الْكَلَام
٥٦٣ - قَوْلهم حكمك مسمطًا
يُرَاد بِهِ حكمك مُرْسلا أَي احتكم وَخذ حكمك قَالَ أَبُو بكر خُذ حَقك مسمطًا أَي سهلًا وأظن أَصله من قَوْلهم سمطت الجدي إِذا كشطت مَا عَلَيْهِ من الشّعْر فَيكون ذَلِك أسهل من السلخ وَيُقَال سمط الْفَارِس درعه عَلَيْهِ إِذا ألْقى طرفها على عجز فرسه اَوْ علقها سَرْجه وسماط الْقَوْم صفهم
[ ١ / ٣٧٤ ]
٥٦٤ - قَوْلهم حبيب إِلَى عبد سوء محقده
هَكَذَا جَاءَ وَلَعَلَّ المحقد لُغَة فِي المحتد وروى عَن أبي لؤلؤة أَنه كَانَ يرى اسْتِخْدَام الْعَرَب الْعَجم فَيَقُول لقد فتت الْعَرَب كَبِدِي فتمادت بِهِ الْحَسْرَة والكمد وَالْغَضَب للعجم إِلَى أَن قتل عمر ﵁ وَقتل مَكَانَهُ
٥٦٥ - قَوْلهم حبذا التراث لَوْلَا الذلة
يضْرب مثلا للشَّيْء فِيهِ خصْلَة محمودة وخصال مذمومة وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا مَاتَ أَقَاربه ورث أَمْوَالهم فاستغنى إِلَّا أَنه يبْقى فَردا بِلَا نَاصِر
وعَلى حسب ذَلِك قَول الشَّاعِر
(ذهب الْكِرَام فَسدتْ غير مسود وَمن الشَّقَاء تفردي بالسؤدد)
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا المفجع قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي عَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ كَانَ الْحَضْرَمِيّ بن عَامل بن موالة الْأَسدي عَاشر عشرَة من إخْوَته فماتوا جَمِيعًا فورثهم فَقَالَ جُزْء بن مَالك يَا حضرمي ورثت إخْوَتك فَأَصْبَحت نَاعِمًا جذلًا فَأَنْشَأَ الْحَضْرَمِيّ يَقُول
(يزْعم جُزْء وَلم يقل جللا أَنى تزوجت نَاعِمًا جذلا)
(إِن كنت أزننتني بهَا كذبا جُزْء فلاقيت مثلهَا عجلا)
[ ١ / ٣٧٥ ]
(أفرح أَن أرزأ الْكِرَام وَأَن أورث ذودًا شصائصا نبْلًا)
(كم كَانَ من إخوتي إِذا احْتضرَ الفرسان تَحت الْعَجَاجَة الأسلا)
(من سيد ماجد أخي ثِقَة يُعْطي جزيلًا وَيضْرب البطلا)
(إِن جِئْته خَائفًا امنت وَإِن قَالَ سأحبوك نائل فعلا)
وَكَانَ لجزء تِسْعَة إخْوَة فجلسوا جَمِيعًا على رَأس بِئْر يصلحونها فانخسفت بإخوته فَبلغ ذَلِك الْحَضْرَمِيّ فَقَالَ إِنَّا لله كلمة واقفت قدرا واورثت حقدا
وَنَحْو ذَلِك قَول بَعْص بني أَسد
(ومحتضر الْمَنَافِع أريحي نبيل فِي معاوزه طوال)
(عَزِيز عزة فِي غير فحش ذليل للذليل من الموَالِي)
(جعلت وساده إِحْدَى يَدَيْهِ وَتَحْت جمائه خشبات ضال)
(ورثت سلاحه وورثت ذودًا وحزنًا دَائِما أُخْرَى اللَّيَالِي)
الْجَمَّاء الشَّخْص والمعاوز الثِّيَاب الَّتِي يتبذل فِيهَا الْوَاحِد معوز والذود الْجَمَاعَة القليلة من إناث الْإِبِل والضال السدر الْبري
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَول أبي دواد
(لَا أعد الإقتار عدمًا وَلَكِن فقد من قد رزثته الاعدام)
[ ١ / ٣٧٦ ]
٥٦٦ - قَوْلهم الحَدِيث ذُو شجون
وَهُوَ على حسب مَا تَقول الْعَامَّة الحَدِيث يجر بعضه بَعْضًا
والمثل لضبة ابْن أد أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الكاغدي عَن الْعَقدي عَن أبي جَعْفَر عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ قَالَ الْمفضل كَانَ لضبة بن أد ابْنَانِ يُقَال لأَحَدهمَا سعد وَالْآخر سعيد فَخَرَجَا فِي طلب إبل لَهُ فلحقها سعد فَرجع بهَا وَلم يرجع سعيد وَكَانَ ضبة يَقُول إِذا رأى شخصا تَحت اللَّيْل مُقبلا (أسعد أم سعيد) فَذَهَبت مثلا فِي مثل قَوْلهم أنجح أم خيبة أخير أم شَرّ ثمَّ خرج ضبة يسير فِي الْأَشْهر الْحرم وَمَعَهُ الْحَارِث بن كَعْب فمرا على سرحة فَقَالَ الْحَارِث لقِيت بِهَذَا الْمَكَان شَابًّا من صفته كَذَا فَقتلته وَأخذت بردا كَانَ عَلَيْهِ وسيفًا فَقَالَ ضبة أَرِنِي السَّيْف فَأرَاهُ فَإِذا هُوَ سيف سعيد فَقَالَ ضبة (الحَدِيث ذُو شجون) مَعْنَاهُ أَن الحَدِيث لَهُ شعب وشجون الْوَادي شعبه وَيُقَال لي بمَكَان كَذَا شجن أَي حَاجَة وَهوى وَقيل (الحَدِيث ذُو شجون) يضْرب مثلا للرجل يكون فِي أَمر فَيَأْتِي أَمر آخر فيشتغله عَنهُ فَقتل ضبة الْحَارِث فلامه النَّاس وَقَالُوا قتلت فِي الشَّهْر الْحَرَام فَقَالَ (سبق السَّيْف العذل) فأرسلها مثلا وَمَعْنَاهُ قد فرط من الْفِعْل مَالا سَبِيل إِلَى رده قَالَ الفرزدق
(أأسلمتني للْمَوْت أمك هابل وَأَنت دلنظى الْمَنْكِبَيْنِ بطين)
[ ١ / ٣٧٧ ]
الدلنظى الغليظ يُقَال رجل دلنظىً ودلنظى ينون وَلَا ينون ودلاظ فِي مَعْنَاهُ وَقيل هُوَ شَدِيد الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ
(خميص من الود المقرب بَيْننَا من الشررا بِي القصريين سمين)
(فَإِن كنت قد سالمت دوني فَلَا تقيم بدار بَيت الذَّلِيل يكون)
(وَلَا تأمنن الْحَرْب إِن اشتغارها كضبة إِذا قَالَ الحَدِيث شجون)
اشتغارها هيجها ومفاجأتها وإمكانها وَيُقَال شغر بِرجلِهِ إِذا أمكن يَقُول تفاجئك كَمَا فاجأت ضبة
وَكَانَت بنت مُعَاوِيَة متزوجة بِابْن لزياد ففخرت عَلَيْهِ فَقَالَ زِيَاد مَا أقبح الْفَخر بعد الشغر يَعْنِي رفع الرجلَيْن عِنْد النِّكَاح
وَقيل الحَدِيث ذُو شجون وشجونه أحسن مِنْهُ وَقيل فِي مثل آخر (الحَدِيث أنزى من الظبي) أَي يفتح بعضه بَعْضًا
٥٦٧ - قَوْلهم حدث حديثين امْرَأَة فَإِن لم تفهم فأربعه
يضْرب مثلا لسوء الْفَهم وَظَاهره خلاف بَاطِنه وَحَقِيقَته أَنَّهَا إِن لم تفهم حديثين كَانَت من أَلا تفهم أَرْبَعَة أقرب وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِنَّمَا هُوَ إِن لم تفهم فاربع أَي أمسك وَذَلِكَ غلط وَحَدِيث الْمثل قد تقدم
٥٦٨ - قَوْلهم حدأ حدأ وَرَاءَك بندقة
يُقَال ذَلِك للرجل يفزع بعدوه
وحدأ وبندقة قبيلتان من قبائل الْيمن
[ ١ / ٣٧٨ ]
وَكَانَت بندقة أوقعت بحدأ وقْعَة اجتاحتها فَكَانَت تفزع بهَا ثمَّ صَار مثلا لكل شَيْء يفزع بِشَيْء
٥٦٩ - قَوْلهم حسبتك من غنى شبع ورى
الْمثل لامرىء الْقَيْس بن حجر وَهُوَ مِمَّا نقم عَلَيْهِ وَنسب فِيهِ إِلَى تنَاقض القَوْل وَذَلِكَ أَنه قَالَ
(أَلا إِلَّا تكن إبل فمعزىً كَأَن قُرُون جلتها العصي)
(فتملأ بيتنا أقطًا وَسمنًا وحسبك من غنى شبع وري)
بعد أَن قَالَ
(فَلَو أنني أسعى لأدنى معيشة كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل وَقد يدْرك الْمجد المؤثل أمثالي)
فَذكر مرّة أَنه لَا يقنع بِأَدْنَى معيشة حَتَّى ينَال الْملك وَالْمجد المؤثل وَهُوَ الَّذِي لَهُ أصل ثَابت وَذكر أُخْرَى أَن الشِّبَع والري يكفيانه
وَفسّر على وَجه آخر وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ الْجُود بِمَا فضل عَن الْحَاجة يَقُول جد بِمَا عنْدك واقنع بالشبع والري ففيهما كِفَايَة
وَالْكَلَام على الْمَعْنى الأول أدل
[ ١ / ٣٧٩ ]
٥٧٠ - قَوْلهم حنت فَلَا تهنت
يُقَال ذَلِك لمن حن إِلَى مَكْرُوه من الْأَمر يدعى عَلَيْهِ بألا يتهنأ بِهِ إِذا وجده
وَقد ذكر أَصله فِي الْبَاب الثَّالِث
٥٧١ - قَوْلهم حَرَامًا يركب من لَا حَلَال لَهُ
وَأَصله أَن جبيلة بن عبد الله القريعي أغار على إبل جرية بن أَوْس بن عَامر من بني الهجيم فاطردها غير نَاقَة حرَام كَانَت فِيهَا فركبها جرية فِي أثر الْإِبِل فَقيل لَهُ أتركبها وَهِي حرَام فَقَالَ (حَرَامًا يركب من لَا حَلَال لَهُ) فلحقها فبارزه جبيلة فطعنه جرية فَقتله وَذهب أَصْحَاب جبيلة بِالْإِبِلِ فَقَالَ جرية
(إِن تَأْخُذُوا إبلي فَإِن جبيلكم عِنْد المزاحف ثَوْبه كالخيعل)
(أنحى السنان على محَاسِن زوره إِذْ جَاءَ يزدلف ازدلاف المصطلي)
(نرمي برمحينا خصَاصَة بيتنا زَالَت دعامة أَيّنَا لم ينزل)
(إِذْ يَنْسلونَ بِذِي العراد وفاتني فرسي وَلَا يحزنك سعي مضلل)
[ ١ / ٣٨٠ ]
٥٧٢ - قَوْلهم حمير الْحَاجَات
يَقُولُونَ اتخذوه حمير الْحَاجَات أَي امتهنوه فِي جليل أَمر ودقيقه وحمير تَصْغِير حمَار
٥٧٣ - قَوْلهم حذوا النَّعْل بالنعل والقذة بالقذة
يضْرب مثلا فِي تشابه الشَّيْئَيْنِ يُقَال جزاه حَذْو النَّعْل بالنعل والقذة بالقذة أَي بِمثل فعله وَهُوَ مثله حَذْو النَّعْل بالنعل والقذة بالقذة
والقذة الريشة الَّتِي تركب على السهْم وَسَهْم أقذ لَا ريش عَلَيْهِ ومقذوذ مريش و(مَا أصبت مِنْهُ أقذ وَلَا مريشًا) أَي لم أصب مِنْهُ شَيْئا وَنَحْو الْمثل
قَول الشَّاعِر
(النَّاس مثل زمانهم قد الْحذاء على مِثَاله)
(وَرِجَال دهرك مثل دهرك فِي تصرفه وحاله)
(فالبس اخاك على التصنع والتفاوت من فعاله)
(فالطرف يكبو مرّة وَهُوَ الْجواد على اعتلاله)
[ ١ / ٣٨١ ]
٥٧٤ - قَوْلهم حسبتني مضللًا كعامر
يضْرب مثلا للرجل يُرِيد اختداعك وَقد خدع غَيْرك قبلك وَلَا نَعْرِف عَامِرًا هَذَا
٥٧٥ - قَوْلهم حبلك على غاربك
يُقَال ألقيت حبله على غاربه إِذا تركته يذهب حَيْثُ يُرِيد وَأَصله أَنهم إِذا أَرَادوا إرْسَال النَّاقة فِي الرَّعْي ألقوا جديلها على غاربها لِئَلَّا تبصره فيتنغص عَلَيْهَا مَا ترعاه
وَالْغَارِب مقدم السنام ثمَّ صَار غارب كل شَيْء أَعْلَاهُ وَمثله قَوْلهم (خلة درج الصب) وَقَوْلهمْ للْمَرْأَة (اذهبي فَلَا أنده سربك) أَي لَا أرد إبلك
والسرب إبل الْحَيّ أجمع
[ ١ / ٣٨٢ ]
٥٧٦ - قَوْلهم حب شَيْئا إِلَى الْإِنْسَان مَا منع
حب الي بِكَذَا وَحب الي كَذَا أَي مَا احبه الي و(شَيْئا) نصب لِأَنَّهُ فِي معنى التَّعَجُّب وَقَالَ سَاعِدَة بن جؤية
(هجرت غضوب وَحب من يتَجَنَّب )
يَقُول حب بهَا إِلَيّ متجنبةً
والمثل من قَول عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بالقس
أنشدنا أَبُو أَحْمد قَالَ أنشدنا ابْن الْأَنْبَارِي قَالَ أنشدنا عبد الله بن خلف قَالَ أنشدنا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ أنشدنا مُصعب الزبيرِي
(يَا دين قَلْبك مِمَّن لست ذاكره إِلَّا ترقرق مَاء الْعين أَو همعا)
(أَدْعُو إِلَى هجرها قلبِي فيتبعني حَتَّى إِذا قلت هَذَا صَادِق نزعا)
(وَزَادَنِي كلفًا بالحب أَن منعت وَحب شَيْئا إِلَى الْإِنْسَان مَا منعا)
(كم من دني لَهَا قد صرت أتبعه وَلَو صَحا الْقلب عَنْهَا كَانَ لي تبعا)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الشَّاعِر
(رَأَيْت النَّفس تكره مَا لَدَيْهَا وتطلب كل مُمْتَنع عَلَيْهَا)
[ ١ / ٣٨٣ ]
٥٧٧ - قَوْلهم حب الْمَدْح رَأس الضّيَاع
قَالَه الأكثم بن صَيْفِي وَمَعْنَاهُ مَعْرُوف وَقَالَ عمر ﵁ فلدح الذبخ
٥٧٨ - قَوْلهم حولهَا ندندن
هُوَ من أَمْثَال رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ أَعْرَابِي (لَا أعرف مَا دندنتك ودندنة معَاذ أَنا أُرِيد الْجنَّة) أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (حولهَا ندندن) أَي إِيَّاهَا نطلب بِهَذِهِ الدندنة
[ ١ / ٣٨٤ ]