وفد عامر بن جوين الطائي على المنذر بن النعمان الأكبر، جد النعمان بن المنذر؛ وذلك بعد انقضاء ملك كندة، ورجوع الملك إلى لخم، وكان عامر قد أجار امرأ القيس ابن حجر، أيام كان مقيمًا بالجبلين١، وقال كلمته التي يقول فيها:
هنالك لا أعطي مليكًا ظلامةً ولا سوقة حتى يثوب ابن مندله٢
_________________
(١) ١ الجبلان: سلمى وأجأ "كجيل" شرق المدينة، وهما لطيئ، قال رجل من بني سلامان جاور في طيئ: ألفت مساكن الجبلين إني رأيت الغوث يألفها الغريب والغوث قبيلة من طيئ ٢ قال صاحب اللسان: "ابن مندلة رجل من سادات العرب، قال عمرو بن جوين فيما زعم السيرافي، أو امرؤ القيس فيما حكى الفراء: وآليت لا أعطى مليكًا مقادتى ولا سوقة حتى يثوب ابن مندله وقال الميداني في شرح المثل "لا غزو إلا التعقيب" - جـ٢: ص١٣١: "يقال عقب الرجل: وهو أن يغزو مرة ثم يثنى من سنته، وأول من قال ذلك حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار "أبو امرئ =
[ ١ / ٢٧ ]
وكان المنذر ضغنًا عليه؛ فلما دخل عليه قال له: يا عام، لساء مثوًى أثويته ربك وثويك١؛ حين حاولت إصباء طلته٢ ومخالفته إلى عشيره، أما والله لو كنت كريمًا لأثويته مكرمًا موفرًا، ولجانبته مسلمًا؛ فقال له: أبيت اللعن٣ لقد علمت
_________________
(١) = القيس" وذلك؛ لأن الحارث بن مندلة ملك الشام، وكان من ملوك سليح من ملوك الضجاعم "سليح كجريح قبيلة باليمن، والضجاعم كانوا ملوكًا بالشام" وهو الذي ذكره مالك بن جوين الطائي في شعره فقال: هنالك لا أعطي رئيسًا مقادة ولا ملكًا حتى يثوب ابن مندله وكان قد أغار على أرض نجد، وهي أرض حجر بن الحارث هذا، وذلك على عهد بهرام جور، وكان بها أهل حجر فوجد القوم خلوفًا، "الخلوف بالضم: الذين ذهبوا من الحي، ومن حضر منهم أيضًا" ووجد حجرًا قد غزا أهل نجران؛ فاستاق ابن مندلة مال حجر، وأخذ امرأته هند الهنود "وهي هند بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية" ووقع بها فأعجبها، وكان آكل المرار شيخًا كبيرًا، وابن مندلة شابًّا جميلًا؛ فقالت له: النجاء النجاء، فإن وراءك طالبًا حثيثًا، وجمعًا كثيرًا، ورأيًا صلبًا، وحزمًا وكيدًا، فخرج ابن مندلة مغذا إلى الشام "أي مسرعًا"؛ فلما رجع حجر وجد ماله قد استيق، ووجد هند قد أخذت فقال: من أغار عليكم؟ قالوا ابن مندلة، قال: مذكم؟ قالوا: ثماني ليال؛ فقال حجر: لا غزو إلا التعقيب، فأرسلها مثلًا يعني غزوه الأول والثاني. ثم جد في طلب ابن مندلة، حتى دفع إلى واد دون منزل ابن مندلة فكمن فيه، وبعث سدوس بن شبيان؛ فقال له: اذهب متنكرًا إلى القوم حتى تعلم لنا علمهم؛ فانطلق حتى انتهى إلى ابن مندلة، ثم رجع إلى حجر فحدثه بحديث امرأته مع ابن مندلة، فضرب حجر بيده على المرار "والمرار كغراب: شجرة مرة إذا أكلت منها الإبل تقلصت مشافرها" فأكل منها من الغضب، سمته العرب آكل المرار، "وقيل: آكل المرار هو أبوه الحارث"، ثم خرج حتى أغار على ابن مندلة فقتله ثم قتل هندًا وأنشأ يقول: إن من يأمن النساء بشيء بعد هند لجاهل مغرور كل أنثى وإن تبينت منها آية الحب، حبها خيتعور "والخيتعور: كل شيء لا يدوم على حالة واحدة، ويضمحل كالسراب، وكالذي ينزل من الهواء في شدة الحر كمسج العنكبوت". وذكر أبو الفرج الأصبهاني هذه القصة في الأغاني "١٥: ٨٢" ولكنه روى أن الذي أغار على حجر هو زياد بن الهبولة قال: "ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة بن سعد بن سليح القضاعي أغار عليه وهو ملك في ربيعة بن نزار، وكان قد غزا بربيعة البحرين؛ فبلغ زيادًا غزاته فأقبل حتى أغار في مملكة حجر فأخذ مال كثيرًا وسبى امرآة حجر إلى آخر القصة". ١ ثوى المكان وبه: نزل، وأثواه،: أضافه، والمثوى: المنزل، والثوى: كغنى البيت المهيأ له، والضيف وهو المراد هنا. ٢ الطلة العجوز، وصبا الرجل مال إلى الجهل والفتور وأصبته المرأة والمراد حاولت رد عزاء السالف إليه. ٣ أبيت اللعن: تحية جاهلية أي أبيت أن تأتي ما تعلن به.
[ ١ / ٢٨ ]
أبناء أدد١ إني لأعزها جارًا، وأكرمها جوارًا وأمنعها دارًا، ولقد أقام وافرًا، وزال شاكرًا؛ فقال له المنذر: "يا عام، وإنك لتخال هضيبات أجأ ذات الوبار٢، وأفنيات سلمى ذات الأغفار٣، وما نعاتك من المجر٤ الجرار، ذي العدد الكثار٥ والحصن والمهار٦ والرماح الحرار٧، وكل ما مضى الغرار٨، بيد كل مسعر كريم النجار٩؟ قال عامر: أبيت اللعن، إن بين تلك الهضيبات والرعان١٠ والشعاب والمصدان١١ لفتيانًا أبطالًا، وكهولًا أزوالًا١٢، يضربون القوانس١٣ ويستنزلون الفوارس، بالرماح المداعس١٤ لم يتبعوا الرعاء١٥، ولم ترشحهم١٦ الإماء؛ فقال الملك: يا عام لو قد تجاوبت الخيل في تلك الشعاب صهيلًا؛ كانت الأصوات قعقعة١٧ وصليلًا، وفغر الموت١٨، وأعجز الفوت، فتقارشت الرماح١٩ وحمي السلاح، لتساقى قومك كأسًا لا صحو بعدها؛ فقال مهلًا أبيت اللعن، إن شرابنا وبيل،
_________________
(١) ١ هو أدد بن زيد بن يشجب "بضم الجيم" بن عريب "بفتح العين" بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وبنو أدد: هم مذحج وطيئ والأشعر. ٢ الوبار: شجرة حامضة شائكة. ٣ الغفر بالتحريك: صغار الكلأ. ٤ المجر: الجيش العظيم. ٥ الكثير. ٦ الحصن: جمع حصان، وهو الفرس الذكر، والمهار: جمع مهر، وهو ولد الفرس. ٧ الحرار والأحرار: جمع حر، وهو خيار كل شيء. ٨ الغرار: حد الرمح والسهم والسيف. ٩ يقال هو مسعر حرب: أي موقد نارها كأنه آلة لسعر الحرب أي إيقادها، والنجار: الأصل. ١٠ الرعان: جمع رعن "كشمس" وهو أنف يتقدم الجبل، والجبل الطويل ويجمع أيضًا على رعون. ١١ الشعب: بالفتح الجبل، وبالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين، المصد "كشمس وكتف" والمصاد "كسحاب" الهضبة العالية وجمعه أمصدة ومصدان. ١٢ أزوال: جمع زوال، وهو الشجاع. ١٣ القوانس: جمع قونس كجعفر، والقونس والقونوس: أعلى بيضة الحديد. ١٤ المداعس: جمع مدعس، وهو الرمح الذي لا ينثني. ١٥ الرعاء: بالضم والكسر، الرعاة: جمع راع. ١٦ الترشيح: التربية. ١٧القعقعة: حكاية صوت السلاح، وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت. ١٨ فغر الموت فاه: أي فتحه. ١٩ تقارشت الرماح: تداخلت في الحرب.
[ ١ / ٢٩ ]
وحدّنا أليل١، ومعجمنا صليب٢، ولقاءنا صهيب؛ فقال له: يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء٣ على وقع الملاطيس٤؛ فقال: أبيت اللعن، إن صفاتنا عبر المراديس٥؛ فقال: لأوقظن قومك من سنة الغفلة. ثم لأعقبنهم بعدها رفدة لا يهب راقدها، ولا يستيقظ هاجدها٦؛ فقال له عامر: إن البغي أباد عمرا٧، وصرع حجرًا٨، وكانا أعز منك سلطانًا، وأعظم شأنًا، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسًا
_________________
(١) ١ حاد، وألّلَه تأليلًا حدّده. ٢ عجم العود كنصر: إذا عضه ليعرف صلابته من خوره، والمعجم اسم مكان منه وصليب، وهو كناية عن شدتهم ومنعتهم. ٣ صخرة صراء: صماء. ٤ الملطس: كمنبر، والملطاس: المعول الغليظ لكسر الحجارة. ٥ الصفاة: الحجر الصلد الضخم، ويقال ناقة عبر أسفار "بتثليث العين" أي قوية على السفر تشق مامرت به، تقطع الأسفار عليها، وكذا الرجل الجريء على الأسفار الماضي فيها القوي عليها، والمردس والمرداس: شيء صلب عريض تدك به الأرض، ورجسها دكها وردس الحجر بالحجر "كنصر وضرب" كسره، ومعنى العبارة إن صفتنا تحتمل دك المراديس فلا تتحطم تحتها، كناية عن صلابتهم وشدتهم. ٦ الهجود: النوم. ٧ هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وكان يلقب مضرط الحجارة نشدة ملكه، وقوة سياسته "وهو عمرو بن هند" وأمه هند بنت الحارث بن عمرو عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث، وكان سبب قتله أنه قال يومًا لجلسائه: هل تعلمون أن أحدًا من العرب يأنف أن تخدم أمه أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم بن عتاب، وابنها عمرو؛ فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ويسأله أن تزور أمه أمه؛ فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب، ومعه أمه ليلى؛ فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند قومه، أمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعامًا، ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق، وجلس وهو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق، ولأمه هند قبة في جانب السرادق، وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة "وقد قال مضرط الحجارة لأمه إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك؛ فإذا دنا الطرف فاستخدمى ليلى ومريها فتناولك الشيء بعد الشيء؛ ففلعت هند ما أمرها به ابنها؛ فلما استدعى الطرف، قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق. قالت لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، وقالت ليلى: واذلاه يا آل تغلب فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه، ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله، وخرج فنادى يا آل تغلب فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، وساروا فلحقوا بالحيرة "تاريخ الكامل لابن الأثير ١: ١٩٧". ٨ هو حجر بن الحارث "أبو امرئ القيس" وقد تقدم خبره.
[ ١ / ٣٠ ]
ولا أغساسًا١، فهبش وضائعك وصنائعك٢، وهلم إذا بدا لك؛ فنحن الألى قسطوا٣ على الأملاك قبلك، ثم أتى راحلته فركبها، وأنشأ يقول:
تعلم "أبيت اللعن" أن قناتنا تزيد على غمز الثقاف تصعبا٤
أتوعدنا بالحرب؟ أمك هابل رويدًا برقًا، لا أبا لك، خلبا٥
إذا خطرت دوني جديلة بالقنا وجامت رجال الغوث دوني تحدبا٦
أبيت التي تهوى، وأعطيتك التي تسوق إليك الموت أخرج أكهبا٧
فإن شئت أن تزدار فأت تعترف رجالا يذيلون الحديد المعقربا٨
وإنك لو أبصرتهم في مجالهم رأيت لهم جمعًا كثيفًأ وكوكبا٩
وذكرك العيش الخري جلادهم وملهى بأكتاف الدير ومشربا١٠
فأغض على غيظ ولا ترم التي تحكم فيلك الزاعبي المحربا١١
"ذيل الأمالي ص ١٧٩".
_________________
(١) ١ الأنكاس: جمع نكس بالكسر وهو الضعيف، والأغساس: جمع غس بالضم وهو الضعيف أيضًا. ٢ هبش: جمع، والوضائع: جمع وضعية، أثقال القوم وما يأخذه السلطان من الخراج والعشور. والصنائع: جمع صنيعة: يقال هو صنيعة فلان، وصنيعه إذا اصطنعه وأدبه وخرجه ورباه، والمعنى: فتجهز للحرب، وأجمع الأموال اللازمة لذلك واحشد رجالك المدربين على القتنال. ٣ أي جاروا. ٤ الثقاف: ما تسوى به الرماح. ٥ هبلته أمه "كفرح" فقدته، والبرق الخلب: المطمع المخلف. ٦ خطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعة مرة ووضعه أخرى، وجديلة والغوث من طيئ، وتحدب به تعلق، وتحدب عليه تعطف. ٧ الخرج كسبب: لونان من بياض وسواد خرج كفرح فهو أخرج، وظليم أخرج: هو الذي لون سواده أكثر من بياضه كلون الرماد، والكهبة: الدهمة "السواد" أو غبرة مشربة سوادًا، كهب كفرح وكرم فهو أكهب وكاهب. ٨ ازداده: زاره "افتعل من الزيارة" واعترف الشيء عرفه، وأذال ثوبه: إذا أطلق ذيله قال كثير: على ابن أبي العاصي دلاص حصينة جاد المسدى سردها فأذالها والحديد: الدروع، وشيء معقرب: أي معوج معطوف، يريد أنها دروع مزرودة "الزرد والسرد بالفتح: تداخل حلق الدرع بعضها في بعض" والمعنى تجد أبطالًا قد لبسوا الدروع السابغة المزرودة، وهناك معنى آخر وهو: يقال أذال فرسه إذا أهانه، والحديد: أي الفرس الحديد السير أي السريع، والمعقرب الشديد الخلق المجتمعه. وحمار معقرب الخلق أي ملزز مجتمع شديد؛ فالمعنى: تجد أبطالًا يجهدون في ميدان القتال أفراسهم كرًّا وصولًا على الأعداء. ٩ الكوكبة: الجماعة. ١٠ السدير والخورنق: قصران بناهما النعمان الأكبر بالحيرة. ١١ الرمح الزاعبي: هو الذي إذا هز كأن كعوبه يجري بعضها في بعض للنيه، والمحرب: المحدد.
[ ١ / ٣١ ]