فمما يُستدل به على جودة الفرس في حال سكونه ما ذكر من الأوصاف قبلُ في الأبواب المتقدمة. وقد جَمَع بعضُ أهل الفراسة في الخيل في كلام مختصر مما تقدم ذكره ما يستحسن من صفاتها، فقال: إذا كان الفرس مجتمع الخَلْق، متناسب الأعضاء، صغير الرأس، طويل العنق، غليظ اللَّبة، رقيق المذبح، دقيق الأذنين طويلهما قائمهما، مع شدتهما ولطف طَّيهما كأنهما ورق الريحان وأطراف الأقلام، طويل الخدين أملَسَهُما رقيقهما، معتدل شعر الناصية، ضيَّق القَذال، وهو موضع معقد العذار الناصية، واسع الجبهة، أكحل، العينين، بارز الحدقة، حاد النظر، واسع المنخرين أسودهما، مستطيل مَشقِّ شِدْقيه، مستدير الشفتين رقيقهما، وتكون الشفة العليا إلى الطول قليلًا، دقيق الأسنان مَرْصُوصَهما، طويل اللسان، أحمر اللهاة، واسع الصدر، عظيم اللَّبَبِ، ممتلئَّ القصرة، وهي أصل العنق، ليَّن العُنق طويله، عالي الحارك، قصير الظهر مستويه، عظيم الجنبين والجوف، منطوي الكَشح، سابل الأضلاع، مستوفي الخاصرتين، رحيب الجوف، مقبَّب البطن، مشرف القَطاة، وهو مقعد الفارس، مدوَّر الكَفَل قصيرة مستوية، قصير العَسيب، تامَّ الذيل، أسود الإحليل، واسع المَرَاث، غليظ الفخذين مستديرهما، غليظ عظم الساقين، مستوي الرُّكبتين، لطيف الوظيف، وهو ما فوق الرسغ إلى الركبة، قصير الأرساغ غليظها يابسها، يابس العصَب، محدود العرقوبين، أسود الحوافر وأخضرهما، مدوَّر الكعبين مقعَّبهما، ملتصق السُّنْبُك بالأرض، مرتفع النَّسور صُلْبَهما، ليَّن الشعر، لأن لين الشعر في جميع الحيوان والدواب وفي الجوارح محمود يدل على القوة، ويزيد في الفرس لين الشَّكير، وهو ما حول الناصية وعُرفه من الشعر الصغير الذي يشبه الزَّغَب، وذلك أن تجد لمسِّه تحت يدك مثل القز المندوف، فأن وجدته خشنًا لم يسلم ذلك الفرس من الهجانة.
ويكون مع ذلك كلَّه رافع الرأس، ذكي الفؤاد، نشيطًا عند الركوب والحركة، متدللًا إذا مشى، ينظر إلى الأرض بعينيه مع ارتفاع رأسه.
فإذا اجتمعتْ في فرَس هذه الصفاتُ أو أكثرها لم تَخب الفِراسة فيه عند اختباره.
فصل
ومما يُستدل به على جودته وهو مُعْنق: لِينُ أعطافه، وسموُّ عنقه، واطِّرادُ متنه، وشدة تدافعه، وسرعة قبض رجليه؛ وذلك لشنَجِ نَسَاهُ، وشدة كعبيه وتَمَكُّنِهما. ويستدل على لين أعطافه بأن تكون معاقده كلها وفصوصه وفقار ظهره لينة في تمعُّكهِ وعَنَقِه والتفاته، إلا الكعبين خاصة، فأن لين الكعبين ليس بجيد، لئلا يلتويا في مشيه وعَدْوه.
وإذا كانت أعطافه كما كان ذلك أسرع لتدافعه وأحكم لأمره، ويعُرف تمكُّنُه بأن يكون ما وَلي الأرض من حوافره أشدها أخذًا من الوطء) مقادمها ومآخرها (، وأن تكون بواطن أرساغه لا بالجاسية الحدبة، ولا بالتي تدنو من الأرض فَتَدْمَى في حُضْره.
ويُعرف شَنَجُ نَشَاهُ وشدة كعبيه بشدة تأبُّض رجليه إذا مشى، وشدة وقع حوافر بالأرض وضَرحه بها. وإذا وقف كان مجنَّب الرجلين فيقال فيه) مُوَتَّر الأَنْسى (.
فصل
[ ٢٦ ]
ويُستدلُّ على جودة الفرس في خُضْره بسموّ هاديه، وثبات رأسه، وأن لا يستعين بهما في جريه، وأن تجتمع قوائمه فلا تفترق، ويكون كأنّ يديه في قَرَن ورجليه كذلك. ويبسط ضَبْعيه ويمدّ كَشْحَه، حتى لا يجد مزيدًا قصوا عن يديه وقبضًا من رجليه. والقبض أن لا يمكَّن رجليه من الأرض وإنما يأخذ منهما بأطراف حوافره، ويكون بسرعة قبضه كأن حوافره دُفعا في رُفْغيه، يَمْلخ بيديه، ويضْرَح برجليه في اجتماع، كأنما يرفع بهما قائمة واحدة، ويضبح بصدره، ولا يختلط ولا يلهو عن حُضْره. فذلك هو الجواد الفائق، وفي مثله قال جرير:
وقد قُرِنوا حين جَدَّ الرِّهان بسامٍ إلى البلد الأبعدِ
يقطِّع بالجْرىِ أنفاسَهم بِثَنْيِ العِنان ولم يجهد
وتنظر إلى تطريح قوائمه في الأرض إذا أحضر، فإن كان ما بين آثار حوافره أثنى عشر قدمًا فهو) الذريع الكامل (، وأن زاد على ذلك فهو الذي لا غاية بعده، وإن كان قدر ذلك سبعة أقدام فهو بطئ، وبحَسَبِ ذلك يكون ما بينهما.
ولا يعتبر في الفرس كثرة حركته مع اختلاط قوائمه وتحريكه رأسه واستعانته به، وشدة مرِّه في مرأى الناظر، فيخيل بذلك أنه جواد. وربما رئي الجواد يمر لاهيًا بغير تكلف، كأنه في مرأى الناظر أبطأ منه، فإذا ضم إليه سَبَقه، وذلك لبعد قدر الجواد، واجتماع قوائمه، وسكون رأسه، وسمو عنقه، وقرب قدر المختلط مع انتشار قوائمه، واستعانته برأسه، وبُطء رَجْعِ قوائمه.