بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الواحد بلا كيفية تقع بها الإحاطة، والأزليّ بلا وقت تنسب الصفات إليه، حمدًا يورد من جليل نعمه، وجزيل قسمه، مشربًا عذبًا ومَسحبًا رحبًا، وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر، وأينع ثمر، وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليما.
وبعد فسح الله لنا في مدّتك، ووفقنا لما نؤثره من خدمتك، فإنَّا رأيناك بأشعار المحدثين كلِفًا، وعن القدماء والمخضرمين منحرفًا، وهذان الشريجان هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني فدخلوه، وأنهجوا لهم طرق الإبداع فسلكوه، أمَا سمعتَ، زاد الله قدرك علوا ورفعةً وسموًّا، قول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً إليها شفيتُ النَّفس قبلَ التندُّمِ
ولكن بكتْ قبلي فهيَّج لي البكا بُكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمِ
ومن أمثالهم السائرة: ما ترك الأوَّل للآخر شيئًا، إلاَّ أنَّ أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتَّى قال يصف قصيدةً له:
لا زلت من شكريَ في حلة لابسُها ذو سلب فاخرِ
يقول من تقرعُ أسماعَه كم ترك الأوَّلُ للآخرِ
ومن المعنى الأول قول عنترة: " هل غادر الشعراء من متردّم؟ "
[ ١ / ١٥ ]
أي ما تركوا كلامًا لمتكلّم. فإذا كان عنترة - وهو في الجاهلية الجهلاء، وإمام الفصاحة الفصحاء - يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة؟ فلسنا بقولنا هذا، أيدك الله، نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم. إلاَّ أنَّا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسومًا تبعها من بعدهم، وعوَّل عليها مَن قفا أثرهم، وقلَّ شعرٌ من أشعارهم يخلو من معانٍ صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، ونحن - أطالَ اللهُ في العزّ بقاءك، وكبت بالذل أعداءك - نضمّن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومَن تبعهم من المخضرمين، ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي النَّاس فلا نذكر منها إلاَّ الشيء اليسير ولا نُخليها من غرر ما رويناه للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت، والإجازات إذا عنّت، ونتكلم عن المعاني المخترعة والمتبعة ولا نجمع نظائر البيت في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع، بل نجعل ذلك في موضع ذكره، وإن كنا نعلم أنك - أدام الله تأييدك - أعلمُ بما نحمله إليك، ونعرضه عليك، منّا. ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تُريناه، وتسألنا عنه، من دقيق المعاني وطرائف السرقات. ولقد تأتَّى لك - أيدك الله - في بيتَي أبي تمام والبحتري على غموض المعنى وبُعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنَّه يطَّرِد لسواك ولا يعنُّ لغيرك، وهو أنك - أيد الله عزّك - قلت لنا: من أين أخذ البحتري قوله:
رَكِبا القَنا من بعد ما حملا القنا في عسكر متحامل في عسكرِ
فلم يكن عندنا فيه شيء غير الاستحسان والتقريظ، فعرّفتنا - أيدك الله - أنَّه مأخوذ من قول أبي تمام:
رعَته الفيافي بعد ما كانَ حِقبة رَعَاها وماءُ الرَّوض ينهلُّ ساكِبُهْ
ولا نعرف في النظر أدقّ من هذا ولا ألطف إلاَّ أنَّا نوفّي الخدمة حقَّها بما نتكلّفه من الاختيار والكلام على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٦ ]
قال المهلْهِل بن ربيعة:
بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرٍ نُغاديكم بمُرهفةِ النِّصالِ
لها لونٌ من الهاماتِ جَونٌ وإن كانت تُغادَى بالصّقالِ
ونبكي حين نذكركم عليكم ونقتلُكُم كأنَّا لا نُبالي
أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى، ومثله قول الحُصَين بن الحُمَام المرّي:
نفلِّقُ هامًا من رجالٍ أعزَّةٍ علينا وهُم كانوا أعقَّ وأظلَما
وأخذه بعضهم فقال:
قوْمي همُ قتلوا أُميمَ أخي فإذا رمَيتُ أصابني سهمِي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَللًا ولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عظمِي
وأخذه مالك بن مطفوق السعديّ فقال:
قتلْنا بني الأعمام يوم أوارَة وعزَّ علينا أن نكون كذلِكا
هُم أحرَجونا يوم ذاك وجرَّدوا علينا سُيوفًا لم يكنَّ بواتِكا
وأخذه حرب بن مِسعر فقال:
ولمَّا دعاني لم أُجِبْه لأنَّني خشيتُ عليه وقعةً من مُصمِّم
فلمَّا أعاد الصَّوت لم أكُ عاجزًا ولا وكِلًا في كلّ دَهْياءَ صَيْلَم
عطفتْ عليه المُهْر عطفةَ مُحرج صؤولٍ ومن لا يغشِم النَّاسَ يُغشَم
وأوجرتُهُ لَدْن الكسوب مقوّمًا فخرَّ صريعًا لليدَين وللفَم
وغادرتُهُ والدَّمعُ يجري لقتله وأوداجُهُ تجري على النحر بالدَّمِ
فأخذا هذا المعنى ديك الجن فقال في جارية كان يحبها فقتلها:
قمرٌ أنا استخْرجتُهُ من دُجْنة لبليَّتي وجلوتُهُ من خِدرِهِ
فقتلتُهُ وله عليَّ كرامةٌ ملء الحشا وله الفؤادُ بأسرِهِ
عهدي به مَيْتًا كأحسنِ نائمٍ والحزنُ ينحرُ عَبرتي في نحرِهِ
وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام في قوله:
قدِ انْثَنى بالمنايا في أسنَّتِهِ وقد أقامَ حياراكم على اللَّقَمِ
جذلانُ من ظفر حرَّانُ أن رجعتْ أظفارُهُ منكمُ مخضوبةً بدَمِ
ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله:
إذا احْتربَتْ يومًا ففاضت دماؤها تذكَّرتِ القربى ففاضت دموعُها
بيت البحتري أطرف وأبدع من بيت المهلهل إلاَّ أنَّه أرشده إلى المعنى ودلَّ عليه. ومثله القتَّال الكلابي:
فلمَّا رأيتُ أنَّه غيرُ منتهٍ أمَلْتُ له كفّي بلَدْن مقوّمِ
فلمَّا رأيتُ أنَّني قد قتلتهُ ندِمتُ عليه أيَّ ساعة مندَمِ
ولبعضهم:
أتتْني آية من أُمّ عمرو فكدتُ أغَصّ بالماء القراحِ
فما أنسَى رسالتها ولكن ذليلٌ من ينوءُ بلا جناحِ
قوله: " ذليلٌ من ينوء بلا جناح " من الأمثال الجياد المختارة.
قال الحكم بن عبدل الأسديّ:
إذا كنتَ جارًا خائفًا ومُحوِّلا لاقيتَ عمرانَ بن ورقاءَ فانْزلِ
هو الغيث والشَّهر الحرام وضامن لك الدَّهر إن أخنى عليك بكلكلِ
قال عمرو بن برَّاقة الهَمْداني:
تقول سُليمى لا تعرّضْ لتَلْفَة وليلُك عن ليل الصَّعاليك نائمُ
وكيف ينام الليل مَن جُلَّ مالِهِ حُسام كلون الملح أبيضَ صارِمُ
كذَبتم وبيتِ الله لا تأخذونها مُراغمة ما دام للسَّيف قائمُ
متى تجمع القلبَ الذكيّ وصارما وأنفًا حمِيّا تجتنبْكَ المظالمُ
ومَن يطلبِ المال الممنّع بالقنا يعشْ ماجدًا أو تخترِمْه الخوارِمُ
مثله:
ومن يطلبِ المالَ الممنّع بالقنا يعشْ مُثرِيًا أو يُودِ فيما يمارسُ
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً صبَرنا لها إنَّا كرامٌ دعائمُ
وننصرُ مولانا ونعلمُ أنَّه كما النَّاسُ مجرومٌ عليه وجارِمُ
وكنتُ إذا قوم غزوني غزوتُهم فهلْ أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ
قال يزيد خذَّاق العبدي:
فَلَت عينَها عنِّي سَفاهًا وراقَها فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ
دهينُ القفا يُدني تبيعةَ سيفه وما كلُّ أصحابِ السُّيوفِ نجيبُ
قوله: " فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ " نهاية في الهجاء، وإنَّما خصَّ بقوله أضياف الشتاء للكِنّ والصلاء وما يضيف في الشتاء من العرب إلاَّ المبرّز في السماحة لكَلَب البرد وصفر البيوت لأنه يريد أن يحصر عياله ويخرج من بيته ماشيته ليتَّسع المكان على ضيفه. وأخرى إن الزاد عندهم في الشتاء قليل وفي الصيف كثير.
قال الغطَمَّش الضبّي:
إنِّي وإن كانَ ابنُ عمِّيَ عاتبا لمقاذِفٌ من دونِهِ وورائِهِ
[ ١ / ١٧ ]
ومفيدُه نصري وإن كانَ امرأ متزَحزِحًا في أرضِهِ وسمائِهِ
وإذا اكْتَسى ثوبًا جميلًا لم أقلْ يا ليت أنَّ عليَّ مثلَ ردائِهِ
قال كِنار بن صُريم الجرميّ:
أرد الكتيبة مفلولةً وقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانب أذُمُّ العشيرة مُغتابَها
قوله: " وقد تركت لي أحسابَها " معنى جيد، ذكَر أنَّه هزم أعداءه فصارت مفاخرهم له بهزيمته إياهم.
وأنشد لبعض الأعراب:
أرى كلّ أرض دمَّنتها وإن مضت لها حججٌ يزداد طيبًا ترابُها
ألم تعلمنْ يا ربّ أن ربَّ دعوة دعوتُك فيها مُخلصًا لو أُجابُها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحتْ بوادي القرى ما ضرَّ غيري اغترابُها
مثله للبحتري:
لعمرُ الرسومِ الدارساتِ لقد غدت بريّا سُعاد وهي طيبةُ العرفِ
مثله للنُّميري:
تضوَّعَ مِسكًا بطنُ نعمانَ أن مشت به زينبٌ في نسوةٍ عَطراتِ
مثله لأبي تمام:
لولا نسيم ترابها لم تُعرفِ
قوله: يزداد طيبًا ترابها مثل قول جميل:
[ ١ / ١٨ ]
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً بأبطحَ فيّاحٍ بأسفله محلُ
يفوح علينا المسكُ منه وإنّما به المسكُ أن جرَّتْ به ذيلها جمْلُ
ولبعضهم:
واستودعتْ نشرها الديارَ فما تزدادُ إلاَّ طيبًا على القِدَمِ
ومن هنا أخذ العباس بن الأحنف قوله:
جرى السيلُ فاستبكانيّ السيلُ إذ جرى وفاضتْ له من مقلتيَّ غروبُ
وما ذاك إلاَّ حين خبِّرتُ أنّه يمرُّ بوادٍ أنت منه قريبُ
يكون أُجاجًا دونكم فإذا انتهى إليكم تلقَّى طيبكم فيطيبُ
أخذه ابن المعتز فقال:
فلما انتهى قول السلام وردُّه لفظن حديثًا عطَّرته الملافظُ
أبو العباس الأعمى:
ليت شعري أفاح رائحة المس ك وما إن إخالُ بالخيف إنْسي
أنشد ابن الأعرابي:
على الميْتِ من بطن الجزيرة كلما مررْنا به أو لم نمرَّ سلامي
وما ذاك إلاَّ أنَّ زينب جرَّرتْ به الذيلَ لم تنزل لدار مُقامِ
كأنَّ تِجَارًا تحمل الطيبَ عرَّسوا به ثمَّ فضوا ثَمَّ كلَّ خِتامِ
وهذا كثير في أشعارهم قديمًا ومحدثًا. وأحسنُ ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
وأنتِ التي حبَّبتِ شغبًا إلى بَدى إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهُما
حللتِ بهذا حلّة بعد حلّة بهذا فطاب الواديان كلاهُما
ومثله لأبي نواس:
لمن دِمنٌ تزداد حُسنَ رسوم على طول ما أقوتْ وطيبَ نسيمِ
[ ١ / ١٩ ]
عبد الله بن ثعلبة الأزدي:
فلئن عمرتُ لأشفيَ نَّ النفسَ من تلك المساعي
ولأعلمنَّ البطن أ نَّ الزادَ ليس بمُستطاعِ
أما النهارَ فرائيٌّ قومي بمرقبة يفاعِ
في قَرَّة هلكٍ وشو كٍ مثلِ أنياب الأفاعي
ترد السباعُ معي فتح سبني السباعُ من السباعِ
أخذ أبو تمام هذا المعنى فجوَّده وظرف كلامه بقوله:
أنقَّ مع السباع الماء حتَّى لَخالته السباعُ مع السِّباعِ
سُويد بن أبي كاهل:
ذريني أشب عمِّي براحٍ فإنني أرى الدهرَ فيه فرجة ومضيقُ
وما أنا إلاَّ كالزمان إذا صحا صحوتُ وإن ماق الزمانُ أموقُ
هذا مثل قول بعض الطالبيين:
إذا عقل الدهرُ لم تلقني جهولا وأجهلُ إما جَهِلْ
وما الحزم إلاَّ لدى نشوةٍ تباكر بالكأس قبل العذَلْ
أخذ هذا الشاعر معنى هذين البيتين في تفسير هذين.
أعرابي:
فلو كنتُ في الدَّار التي تعرفانها مرِضتُ إذًا ما غاب عنّي معلِّلي
هنالك لو أنِّي اعتللتُ لعادني عوائدُ من لم يأتِ منهن يُرسلِ
هذا مثل قول مالك بن الرَّيب:
وبالرمل منِّي نسوةٌ لو شهدنَني بكين وفدَّين الطبيب المداويا
ومثل قول جرير أيضًا:
إن لا يكن لك بالمصرَين باكية فرُبَّ باكية بالرَّملِ معوالِ
القتَّال الكلابي:
إذا هبَّتِ الأرواحُ كانَ أحبُّها إليَّ التي من نحو نجدٍ هبوبُها
وإنِّي ليدعوني إلى طاعة الهوَى كواعبُ أترابٌ مِراض قلوبُها
كأنَّ الشفاه الحوّ منهن حُمِّلتْ ذرَى بَرَد ينهلّ عنها غروبُها
بهنَّ من الداء الَّذي أنا عارف وما يعرف الأدواء إلاَّ طبيبُها
طُرَيح الثقفيّ:
أصلحتَني بالجود بل أفسدتَني وتركتَني أتسخَّطُ الإحسانا
من جاد بعدك كانَ جودُك فوقه لا كانَ بعدك كائنًا من كانا
أبو محجن الثقفي:
نعاهدُ أطرافَ القنا فنَفِي لها إذا لم تُضرَّج من دمٍ أن تُحطَّما
حرامٌ علينا أن نشيمَ سيوفَنا ولم تروَ من أعناقِ أعدائنا دَمَا
ومن البيت الأول أخذ بشار قوله:
إذا أُكرهَ الخطّي فينا وفيهم جرى ماؤه في لامنا وتحطَّما
وهذا معنى حسن غير متسع في الشعر. والأصل فيه قول الأسعر الجعفي:
وإذا حملتُ حملت غير مهلِّل وإذا طعنتُ كسرت رمحي أو مضَى
وأخذه البحتري فجوّد في قوله:
ألْوَى إذا طعنَ المدجّجَ تلَّهُ لي ديه أو نثر القناةَ كُعوبَا
وردّه في موضع آخر في صفة السيف فقال:
وكنتَ متى تجمعْ يمينَك تهتِكِ ال ضّريبة أو لا تُبق للسيف مضرِبَا
وأخذه أيضًا المَرْيَميُّ في استعارة فقال:
إذا غمزا قناةَ البغي قامتْ بأدْنَى الغمزِ أو طارت شظَايا
أُحَيحة بن الجَلاَح الأوسي:
وقد علِمتْ سراةُ الأوسِ أنِّي من الفتيانِ أعدلُ لا أميلُ
وقد أعددتُ للحدثان حِصنًا لو أنَّ المرءَ تنفعُهُ العقولُ
لعمرُ أبيك ما يُغني مكاني من الفتيان زِمّيل كسُولُ
فهل من كاهل أودِيْ إليه إذا ما كانَ من قدَر نزولُ
يراهنُني فيرْهَنُني بَنيهِ وأرهنُهُ بنيَّ بما أقولُ
لما يَدري الفقيرُ متى غناه وما يدري الغنيُّ متى يَعيلُ
[ ١ / ٢٠ ]
وما تَدري إذا أجمعْتَ أمرًا بأيِّ الأرض يُدركك المقيلُ
وما تَدري إذا أنتجتَ سقبا لأيِّ النَّاس ينتقلُ الفصيلُ
وما تدري إذا أنتجتَ شَولًا أتلقَح بعد ذلك أم تُحيلُ
أما قوله: " بأي الأرض يُدركك المقيلُ " فأخذه من قول الله ﷿:) وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ (. وأما قوله: " وما تدري إذا أنتجت سقبًا " البيت قريب من قول الحارث ابن حلزة اليشكري:
لا تكسَعِ الشَّولَ بأغبارِها إنَّك لا تَدري من الناتِجُ
مالك بن كعب الأوسيّ:
مَعاذَ إلهي أن تقولَ حليلتي ألا فرَّ عنِّي مالكُ بنُ أبي كعبِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرى لي مُقاتِلًا وأنجُو إذا غُمَّ الجبانُ من الكربِ
عليَّ لجاري ما حيِيتُ ذِمامةٌ وأعرف ما حقُّ الرَّفيق على الصَّحبِ
ولا أُسمعُ الندمانَ شيئًا يُريبُهُ إذا الكأسُ دارت بالمدام على الشَّرْبِ
وكانَ أبي في المحْلِ يُطعمُ ضيفَه ويُرْوي نَدَاماه ويصبرُ في الحربِ
ويمنع مولاه ويُدرك تَبْلَه وإن كانَ ذاك التّبل في مطلَب صعبِ
وإذْ ما منعتُ المالَ منكم لضِنّةٍ فلا يَهْنِني مالي ولا ينمُ لي كسْبي
وله أيضًا:
ولا خيرَ في مولَى يظلّ كأنَّه إذا ضِيمَ مولاه أكبَّ على غُنمِ
حريصٍ على ظلم البَريّ مخالف عن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
حسود لِذِي القربى كأنَّ ضلوعَه من الغِشّ للأدنينَ ضُمَّت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّتْ به الحربُ عضة وأبعد شيء جانبًا منك في السِّلمِ
فذاك كغثِّ اللَّحمِ ليس بنافع ولا بدَّ يومًا أن يُعَدَّ من اللَّحمِ
عمرو بن الإطنابة:
أبَتْ لي عفَّتي وأبَى بلائي وأخْذِي الحمدَ بالثمن الرَّبيحِ
وإعطائي على المكروه مالِي وإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ مكانكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي
لأدفعَ عن مآثِرَ صالحاتٍ وأَحمِي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
أما قوله يخاطب نفسه: " وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ " فعليه فيه متعلّق لأنه ذكر نفسه بالجبن، وأنَّها تدعوه إلى الفرار، وأنَّه يقهرها بصبره، وفي الشعر مثل هذا كثير على العيب الَّذي قدمنا ذكره.
وله أيضًا:
ذُلُلٌ ركابي حيث شئتُ مشايعي لٌبِّي أَروعُ قطا المكان الغافلِ
أظليم ما يُدريك كم من خُلَّةٍ حسنٍ مدامعُها كظبيةِ حابلِ
قد بتُّ مالِكَها وشاربَ قهوةٍ دِرياقة أَروَيتُ منها واغِلي
صهباءَ صافيةٍ ترى ما دونها قعرَ الإناءِ تُضيءُ وجهَ الناهِلِ
إنِّي من القوم الذين إذا انْتَدَوا بَدَأوا بحقِّ اللهِ ثمَّ النائلِ
المانعين من الخنا جاراتِهم والحاشدين على طعام النازلِ
والخالطين فقيرَهم بغنيِّهم والباذِلين عطاءهم للسائلِ
والضاربين الكبشَ يَبْرُق بَيضُه ضربَ المُهَجهَج عن حِياضِ الناهلِ
قد أخذ في هذه الأبيات أشياء وأُخذ منه أشياء، فما أخَذ قوله: " ذلل
[ ١ / ٢١ ]
ركابي حيث شئت " البيت، وهذا البيت بأسره لعنترة إلاَّ أنَّا قد وجدنا مثل هذا في أشعارهم أشياء كثيرة، فمن ذلك قول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيَّهم يقولون لا تهلِكْ أسًى وتجمَّلِ
ولطرفة بن العبد مثله حرفًا بحرف، إلاَّ أنَّه جعل مكان " تجمَّل " تجلّدِ ".
ومن تصفَّح أشعار العرب رأى من هذا عجائب. وهم يسمونه التوارد وهو عندنا سرقة لا محال. وممَّا أخذه أيضًا قوله: " قد بتُّ مالكها وشارب قهوة " البيت، وهذا بأسره للبيد، إلاَّ أنهما في عصر واحد، فلا ندري أيّهما أخذ من صاحبه. وأخذ أيضًا قوله: " صهباء صافية ترى ما دونها قعر الإناء "، وتمام البيت من قول الأعشى:
تُريكَ القذَى من دونِها وهْيَ دونَه
إلاَّ أنَّه لم يأتِ بمثل كلام الأعشى ولا قاربه.
وأما ما أُخذ منه فقوله: " والخالطين غنيَّهم بفقيرهم "، والبيت الآخر أخذه منه حسان بن ثابت مصالتة فقال:
والخالطين غنيّهم بفقيرهم والمنعمين على الفقيرِ المُرمِلِ
والضاربين الكبشَ يبرُق بَيضُهُ ضربًا يَطيحُ به بنان المَفْصِلِ
وهذا أقبح ما يكون من الأخذ، وليس هو من التوارد الَّذي يذكرونه
[ ١ / ٢٢ ]
لأنَّ ابن الإطنابة من الأوس وحسان من الأنصار، وهما من قبيلة واحدة، وكان ابن الإطنابة أقدم من حسان، فلذلك قلنا أخذَه منه أخذًا.
قيس بن الخَطيم:
إذا المرءُ لم يُفضِلْ ولم يلقَ نجدةً مع القوم فليقعُدْ بصُغرٍ ويبعدِ
وَذِي شيمةٍ عَسراءَ يكرَه شيمتي فقلتُ له دعْني ونفسَك أرْشِدِ
فإنِّي لأغنَى الناسِ عن كلِّ واعظ يرى النَّاسَ ضُلاّلا وليس بمُهتدِي
وله أيضًا:
كأنَّا وقد أَجلَوا لنا عن نسائِهم أُسودٌ لها في غِيل خفّان أشبُلُ
كأنَّ رُؤوسَ الدارعين إذا التقتْ كتائبُنا تَتْرَى مع الليل حنظَلُ
أخذ مروان بن أبي حفصة المصراع الآخر من البيت الأول فقال:
بنو مَطَر يوم اللقاء كأنَّهم أسود لها في غيل خَفّانَ أشبُلُ
أبو قيس بن الأسْلَت:
رَقودُ الضّحى صِفرُ الحشَى منتَهَى المُنَى قَطوفُ الخُطى تمشي الهُوَينا فتُبهَرُ
خفيضة أعلَى الصَّوتِ ليست بسَلْفَع ولا نَمَّةٍ خرَّاجةٍ حين تظهَرُ
ويُكرمْنَها جاراتُها فيزرنَها وتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتُعذَرُ
وليس بها أن تَستَهِينَ بجارةٍ ولكنَّها من ذاك تَحْيا وتَحصَرُ
قيس بن الخطيم:
وكنتُ امرءًا لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةً أُسبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
وكانت شجَى في الحَلْقِ ما لم أثَرْ بها فأُبتُ بنفس قد أُصيب دواؤُها
وإنِّي لدَى الحربِ العوانِ موكَّل بتَقْديم نفسٍ ما أُريدُ بقاءها
متَى يأتِ هذا الموتُ لا تُلفَ حاجةٌ لنفسيَ إلاَّ قد قضيتُ قضاءها
وله أيضًا:
فما روضةٌ من رياض القَطا كأنَّ المصابيحَ حَوذانُها
بأحسنَ منها ولا مُزنةٌ دَلوحٌ تكشَّفُ أَدْجانُها
وعَمرةُ من سَرَواتِ النِّسا ءِ تنفَحُ بالمِسكِ أرْدانُها
عَمرةُ التي ذكرها أُمُّ النعمان بن بشير الأنصاري، وكانت له صحبة. وروى بعضهم أنَّ النعمان بن بشير غاب عن المدينة غيبة طويلة، ثمَّ قدِمها، فقال: أسمعوني من أغانيكم، فجاءوه بمغنِّية فاندفعت تغنِّي:
أجَدَّ بعَمرة غُنْيانُها أتَهْجُرُ أم شأنُنا شانُها
وعمرةُ من سروات النِّسا ءِ تنفَحُ بالمسك أردانُها
فأَومى إليها جماعة من حضر المجلس أن تُخفي. وفطن النعمان لذلك، فقال: دعوها فما قالت إلاَّ جميلًا.
[ ١ / ٢٣ ]
قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الاثنينِ سِرٌّ فإنَّهُ بِنَثٍّ وتكثيرِ الحديث قمينُ
سَلى مَن جَليسي في الندِيِّ ومألَفي ومَن هو لي عند الصَّفاءِ خَدِينُ
وإنْ ضيَّع الإخوانُ سرًّا فإنَّني كتومٌ لأسرارِ العشيرِ أمينُ
أَعِزّ على الباغي ويغلظُ جانبي وذو القَصد أحْلَوْلِي له وأَلينُ
سُوَيْد بن صامت الأنصاري:
وقد علمتْ سراةُ الأوسِ أنِّي إذا ما الحربُ تَحتدِمُ احْتِداما
أَحوطُ دِمارَهم وأَعفُّ عنهم إذا لم يشْدُدِ الورِعُ الحِزامَا
وأغشَى هامةَ البطل المُذَكِّي جُرازًا صارمًا عَصْبًا حُساما
إذا ما البِيض يومَ الرَّوع أبدَتْ محاسنَها وأبرزَتِ الخِداما
أتَتْني مالك بليوثِ غابٍ ضراغمَ لا يرون القتلَ ذَامَا
معاقِلُهم صوارمٌ مرهفاتٌ يُساقون الكماةَ بها السِّمامَا
ومردية صبرتُ النَّفسَ منها على مكروهها كيْ لا أُلامَا
لأكشفَ كُربةً وأُفيدَ غنمًا وأمنعَ ضيمَ جاري أن يُضامَا
قيس بن الخطيم:
تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غمامةٍ بدَا حاجبٌ منها وضنَّت بحاجبِ
ولم أرَها إلاَّ ثلاثًا على مِنًى وعهدي بها عذراءُ ذاتُ ذوائبِ
فتلك التي كادتْ ونحنُ على مِنًى تحُلُّ بنا لولا نجاءُ الركائبِ
قال الحاتميّ: أخذ هذا المعنى أخذًا خفيًّا من امرئ القيس في قوله: " قيد الأوابد " وهو قوله: " نجاء الركائبِ ".
ومثلكِ قد أصبَيتُ ليست بكَنَّة ولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
أرِبتُ بدفع الحربِ حتَّى رأيتُها على الدَّفع لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
ولمَّا رأيتُ الحربَ شَبَّ أُوارُها لبِستُ مع البردَين ثوبَ المحاربِ
وكنت امرأ لا أبعثُ الحربَ ظالمًا فلمَّا أبَوْا أشعلتُها كلَّ جانبِ
إذا ما مرَرْنا كانَ أسوَأ فَرِّنا صدودَ الخدود وازْوِرارَ المناكبِ
صدودَ الخدودِ والقنا متشاجِرٌ ولا تبرحُ الأقدامُ عند التضاربِ
يُعَرَّين بِيضًا حين نلقَى عدوَّنا ويُغْمَدنَ حُمرًا ناحِلاتِ المضاربِ
فإن غبتُ لم أُغفَل وإن كنت شاهدًا تجدني شديدًا في الكريهة جانبي
قوله: " وإن غبت لم أغفل " ضد قول جرير:
ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيم ولا يُستأذَنون وهم شهودُ
أخذ قوله بشار: " تبدت لنا كالشَّمس " البيت، في قوله:
قامت تَصَدَّى إذ رأتْني وحدي كالشَّمس بين الزِّبْرِجِ المُنقدِّ
ضنَّتْ بخدٍّ وجلَتْ عن خدّ ثمَّ انثنَتْ كالنفَس المرتَدِّ
وما قصَّر بشار في هذا المعنى، بل جوَّده وزاد.
وقوله: " فتلك التي كادت ونحن على منًى " البيت، يريد: أنا نظرنا إليها ونحن سائرون، فلولا أن الإبل، لما شُغلنا بالنظر إليها، سارت ونحن لا نعلم لكُنَّا قد نزلنا. وفيه قول آخر، وهو أنَّا كنا محرمين فكدنا، بنظرنا إليها إن نحلَّ فيفسد إحرامنا. وشبيه بهذا قول الشاعر:
وتستوقفُ الركْبَ العِجَال بطَرفها فما أحدٌ يمضي من القوم أو تمضِي
وقال آخر:
أغرَتْ بموضع أخمصَيها طرفَها تحثو التراب بنظرة المسترعَفِ
أخذَت بألحاظِ الركاب فلَعْلَعَتْ متقدّمًا منهم على متخلّفِ
وقوله: " ومثلك قد أصبيتُ " البيت: معنى جيد في الحفاظ، وقد أخذه بعض المحدثين فقال:
قالت وقلتُ تحرَّجي وصِلِي حبلَ امرئٍ بوصالكم صبِّ
واصِلْ إذن بَعلي فقلتُ لها الغدرُ شيء ليس من شَعْبي
ثِنتان لا أصْبُو لوصلِهما عِرسُ الخليل وجارةُ الجنبِ
أمَّا الصَّديق فلستُ خائنَه والجارُ أوصاني به ربِّي
هذا جيد، إلاَّ أنَّ الأول أجود، لأنه جمع ما احتاج إليه من الكنة والجارة وامرأة الصاحب في بيت واحد، وهذا أتى بالجارة وامرأة الصاحب في أبيات ولم يذكر الكنة، وهذا المعنى كثير في أشعارهم قديمًا ومحدثًا.
وقوله: " لما رأيت الحرب شبَّ أوارُها " البيت، أراد بالبردَين الشجاعة والشباب، ويجوز أن يكون أراد بهما ثوبيه. فأمَّا قوله: " ثوب المحارب " فهو الدرع لا محالة، ثمَّ قال في ذكر الفرار ما لم يقله أحد، جودة وحسن لفظ وصحة معنى. وقوله في ذكر السيوف: " ناحلات المضارب " شبيه بقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
قوله: " إذا ما فرَرْنا " والبيت الَّذي بعده مأخوذ من قول الأعشى في يوم ذي قار:
ما في الخدودِ صدودٌ عن وجوههم ولا عن الطَّعن في الَّلبَّات منحرَفُ
وقال عبد الله بن رواحة في جواب قيس بن الخطيم عن شعره هذا الشعر:
إذا غُيِّرت أحسابُ قوم وجدتَنا إلى مشْعَرٍ فيها كرامُ الضرائبِ
قوله: " إذا غيّرت " البيت، أي أن يشِحُّوا بعد الجود لما صاروا إليه من الشدَّة والجهد في سنة قد تقدم ذكرها في الشعر.
نُدافعُ عن أحسابِنا بتلادِنا لمُفْتَقِر أو سائل الحقِّ واجبِ
وأعمَى هدَتْه للسَّبيل حُلُومُنا وخصمٍ أقَمنا بعدَ تَلْجيج شاغبِ
ومُعتركٍ ضَنكٍ ترى القومَ وسطَه مشَينا له مشيَ الجِمالِ المَصاعبِ
أخذ قوله: " مشينا له " من النابغة في قوله:
إذا نزلوا عنهنَّ للضَّرب أَرْقَلوا إلى الموتِ إرقالَ الجِمال المَصاعبِ
وقال رفاعة بن خالد الواقفي من الأنصار:
لا مهاذير في النَّديِّ ولا ينْ فكُّ فيه لهم ندى وسماحُ
منهم الذائدُ الكتيبة بالسَّيْ فِ كما يكشفُ السَّحابَ الرياحُ
فيهم للمُلايِنِينَ أناةٌ وطِماحٌ إذا يُراد الطِّماحُ
ومداريكُ للذُّحول مَبا ذيلُ إذا قلَّ في السِّنين اللّقَاحُ
الرواية: القلاح.
وقال قيس بن رفاعة:
إن نُصبحِ اليومَ قد خفَّتْ مجالسُنا والموتُ أمرٌ لهذا النَّاس مكتوبُ
فقد غَنِينا وفينا سامِرٌ غَرِدٌ وصارخٌ كأَتِيِّ السَّيلِ مرهوبُ
وقال نَهيك بن أُساف:
لعمري لقد أكرمتُ ندبة وابنَها ولكن عِرقَ السوءِ في المرءِ غالبُه
فلسنا وإن قلتِ السَّفاهةَ والخنا بأوَّل من يَثْروه يومًا أقاربُه
ولو قلتِ بالمعروف أنبأتِ أنَّنا إذا الكبشُ لاحتْ في الصَّباح كواكبُه
نطاعنُهُ حتَّى نُصرَّعَ حولَه ونمشي إلى أبطالِهِ فنضاربُه
وقال قيس بن رفاعة:
وخيلٍ بعضُها حربٌ لبعض بحرِّ طرادها أُصُلًا صَليتُ
وفتيانٍ أطاعوا اللهوَ عندي فآبوا حامدين وما خَزيتُ
ولم أَعْتِمْ حلال القوم هَمِّي أُعدِّدُ بالأصابع ما رُزيتُ
متى ما يأتِ يومي لا تجدْني بمالي حين أبذلُهُ شَقيتُ
ولا بموفِّرٍ شيئًا عليه من الحقّ الملطّ إذا اجْتُديتُ
وقال القتَّال الكلابي:
لقد ولدتْ عوفَ الطعان ومالكا وعمرو العُلى والحارث المتنَجّبَا
رجالٌ بأيديها دماءٌ ونائلٌ يكادُ على الأعداءِ أنْ يتَحلّبَا
ومن هذا أخذ البحتري قوله:
وصاعقة في كفّه ينكفي بها على أرؤس الأبطالِ خمس سحائبِ
يكاد النَّدَى منها يفيض على العِدى مع السَّيف في ثِنيَيْ قنا وقواضبِ
والبحتري وإن كان أخذ المعنى وأتى به في بيتين، فقد جوَّد وأحسن، وفاقَ على وِفاق الأول بما أبدع في المعنى الأول وزاد، لأنه صيّر السيف صاعقةً، فيجوز أن يكون أراد حديدة من صاعقة، على ما يحكي بعض النَّاس في الصواعق، ويجوز أن يكون شبَّه السيف بالصاعقة لحدَّته، وأنَّه يتلف ما مرَّ به، ثمَّ ذكر أنَّه ينكفي به على أرؤس الأبطال خمس سحائب، يعني أصابع الممدوح. ومن النادر في هذا البيت أنَّه صيَّر السحائب مع الصاعقة، إذ كانا من جنس واحد. وتقول الفلاسفة: إنَّ الصواعق تكون مع السحائب الصَّيفيَّة دون الأمطار المطبقة في الشتاء. وممَّا يقوي هذا القول قول لبيد يرثي أخاه أَرْبَد وقد أحرقته الصاعقة:
أخشَى على أربدَ الحُتوفَ ولا أرهبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسدِ
وهذان الكوكبان من منازل القمر، مطلعهما في آخر الرَّبيع وأول الصيف. وهذا هو الحذق في الشعر وأخذ معانيه، ومَن أخذ المعنى هذا الأخذ فهو أحقُّ به ممَّن ابتدعه. وقد شرحنا أمر المعاني شرحًا شافيًا في رسالتنا التي ذكرنا فيها شعر أبي نواس، فلذلك لم نشرح ههنا إلاَّ اليسير. وبعد وقبل فقد سبق البحتري جميع الشعراء في هذا المعنى حُسنًا وملاحة وصحة وفصاحة.
وكان القتَّال الكلابي أحد فُتَّاك العرب، وهو ممَّن كان يطرده قومه لكثرة جناياته، فروي أنَّه سلك في بعض الأودية، وكان مسلكًا ضيّقًا، فبينا هو فيه إذا هو بأسد مفترش ذراعيه على الطريق، ولم يعلم حتَّى هجم عليه، فخشي أن يرجع فيبادره، فلم يجد مقدمًا إلاَّ بقتله. فانتضى سيفه وحمل على الأسد فقتله وقال:
أتتكَ المنايا من بلادٍ بعيدة بمنخرِق السّربال عَبْلِ المناكبِ
أخي العرف والإنكار يعلوكَ وقعةً بأبيضَ سقَّاطٍ وراءَ الضَّرائبِ
هذا البيت في صفة السيف نهاية في الجودة. ولولا كثرة ما ذكر به السيف واتّساعه في أيدي النَّاس لأثبتنا منه ههنا بقطعة صالحة إلاَّ أنَّه مشهور كثير فلذلك تركنا ذكره.
وللقتَّال أيضًا يهجو قومًا ويذكر أنَّ لهم عددًا وسلاحًا ولكنَّهم لا يثبتون في الحرب لمن قاتلهم بل ينهزمون ولا يثبتون:
أفي كلّ يوم لا تزال كتيبةٌ عقيلية يَهفُو عليكم عقابُها
وأنتم عديد في حديد وشَفْرة وغابِ رماح يكْسِفُ الشَّمس غابُها
فما الشَّرُّ كلّ الشرّ لا خيرَ بعده على النَّاس إلاَّ أن تَذِلَّ رِقابُها
وقال أيضًا:
ويَبيتُ يَسْتَحيي الأمورَ وبطنُه طَيّانُ طَيَّ البرد يحسبُ جائعا
من غير ما عُدْمٍ ولكن شيمة إنَّ الكرامَ هم الكرامُ طبائعا
وقال حُميد بن ثور الهلالي ووجّه صاحبين له إلى عشيقته فأوصاهما وصيَّة ما فوقها زيادة، وعرَّفهما من التلطّف والحيَل أمورًا ما أتى أحد بمثلها ولا قارب وهو:
[ ١ / ٢٤ ]
خليليَّ إنِّي مُشتكٍ ما أَصابَني لتَسْتَثْبِتا ما قدْ لقيتُ وتعَلمَا
أَمنتُكما إنَّ الأمانةَ من يخنْ بها يحتملْ يومًا من اللهِ مأثَما
فلا تُفشيا سرًّا ولا تخذُلا أخًا أبَثَّكما منه الحديثَ المكتّما
لتتَّخذا لي باركَ اللهُ فيكما إلى آلِ ليلى العامريَّةِ سُلَّما
وقُولا إذا وافيتُما أرضَ عامر وجاوزتُما الحيَّين نَهدا وخَثعما
نَزِيعانِ من جَرم بن رَبّانَ أنَّهم أبَوْا أن يُريقوا في الهَزاهِزِ محجَما
وسِيرا على نِضوَيكما وتقصَّدا ولا تحمِلا إلاَّ زِنادا وأسهُما
وإن كانَ ليلًا فالْوِيا نسبَيْكما وإن خفتُما أن تُعرفا فتلَثَّما
وزادًا قليلًا خَفِّفاهُ عليكما ولا تُبدِيا سرًّا لقومٍ فيُعلَما
وقولا خرجْنا تاجرَين فأبطأَتْ ركابٌ تركناها بتَثْليثَ قُوَّما
ومُدَّا لهم في السَّومِ حتَّى تمكّنا ولا تسْتَلِجَّا صفقَ بيع فتُلزَما
فإن أنتُما اطْمَأنَنْتُما وأمِنتُما واخليْتُما ما شئتُما فتكلّما
وقولا لها ما تأمُرينَ بصاحب لنا قد تركتِ القلبَ منه مُتيَّما
أبيني لنا أما رَحَلْنا مطِيَّنا إليكِ فلم نبلُغْكِ إلاَّ تجشُّما
فجاءَا ولمَّا يقضِيَا ليَ حاجة إليها ولمَّا يجْعَلا الأمرَ مُبرَما
فما لهما من مرسَلَين لجاجة أسَافًا من المال التِلادِ وأَعْدَما
أما قوله: " وقولا إذا وافيتُما " البيت، وقوله: " نزيعان " البيت بعده فمن طريف الهجاء ودقيقه وممضّه؛ وذلك أنَّه ذكر قومًا فقال: هم لا يقتُلون ولا يقتَلون فليس أحد من العرب يطلبهم بوتر ولا طائلة، فلذلك أمر صاحبيه
[ ١ / ٢٥ ]
بالانتساب إليهم لئلا يذكرا غيرهم من القبائل فيكون الَّذي يسألهما عن نسبهما يطلب تلك القبيلة التي ذكراها بطائلة فيقتلهما. وهذا من غريب الهجاء وبديعه. وشبيه به قول الآخر:
إذا الله عادى أهلَ لُؤم ودِقَّة فعادَى بني العَجلان رهطَ ابن مُقبلِ
قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّة ولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
ولا يرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّة إذا صدرَ الوُرَّادُ عن كلِّ منهلِ
يريد أنهم لا يستطيعون أن يغدِروا ولا يظلِموا أحدًا ولا يرِدون الماء حتَّى يصدر النَّاس عنه لضعفهم وذلَّتهم، وهذا مثل قول بنْتي شعيب لموسى ﵉ وقد سألهما عن وقوفهما والنَّاس يسقون، وقد قالتا له: " لا نَسقي حتَّى يصدرَ الرِّعاءُ " فهؤلاء نساء وحقهم الضعف عن مقاومة الرجال.
وشبيه بهذا المعنى قول الأعجم:
وبشكر لا تستطيع الوفاءَ وتعجِز بشكرُ أن تغدِرا
فهذا ذكر أن الغدر في طباعهم إلاَّ أنهم يعجزون عنه لذلّهم وقهر النَّاس لهم. وذُكر أن بني العجلان استعْدَوْا عمر بن الخطَّاب على الَّذي هجاهم بالشعر الَّذي ذكرناه وقالوا: هجانا هجاء ما هُجيت العرب بأقبح منه. فقال لهم: أنشدوني ما قال فيكم، فأنشدوه:
قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّة ولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
فقال: ليتَ الخطَّاب وأهل بيته وجميع بني عديّ بن كعب بهذه الصفة، لا يغدرون ولا يظلمون، ما أرى بأسًا، هِيه، فقالوا:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّة إذا صدر الوُرَّادُ عن كلّ منهل
فقال: ذاك أصفى للماء وأجَمّ له، ما أرى بأسًا ولا على قائل هذا
[ ١ / ٢٦ ]
الشعر عقوبة ولم يُعدِهم عليه. وعُمر كان أعلم بالشعر من قائله ولكنَّه أراد بهذا معنًى. وأمَّا قول حميد بعد وصيته لصاحبيه بما ذكرناه: " ومدَّا لهم في السَّومِ " البيت فنهاية في التيقظ.
وأمَّا قوله وقد عاد إليه رسولاه بغير قضاء حاجة: " فما لهما من مرسلَين " البيت، فقد جوَّد لهما إذ كانا يستوجبان أضعاف ما دعا عليهما به لتقصيرهما مع وصيته إياهما واحتياطه في توجيههما، ولشتَّان بينهما وبين صاحبة ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:
وبعثْنا طَبَّة عالمةً تخلِط الجدَّ مِرارًا باللَّعبْ
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لها وتُراخي عند سَورات الغضبْ
هذه بلغت بغير وصية كلّ ما نفس صاحبها، وهذان لم يبلغا، مع وصية صاحبهما، شيئًا.
ولحميد في هذا الشعر بيت قد أكثرت الشعراء في القديم والمحدث في معناه فما فيهم أحدٌ أتى به إلاَّ دون بيت حُميد، وهو قوله:
أرَى بَصَري قد خانني بعد صحَّةٍ وحسبُك داءً أن تصِحَّ وتسْلَما
هذا بيت قد جمع مع صحة المعنى جودة اللفظ وحسن التقسيم وملاحة الكلام، وإن كان أخذه ممن قبله فقد زاد عليه لأنَّ النمر بن تولب أول من أتى بهذا المعنى في قوله:
ودعوتُ ربِّي بالسَّلامة جاهدًا ليُصحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
وهذا البيت وأن كان الأول فبيت حميد أحسن كلامًا وأجود وصفًا. وروي أن ابن عباس سمع منشدًا ينشد بيت النمر هذا فقال: لا إله إلاَّ الله، ما أعجب هذا! كلام العرب متشبك بعضه ببعض. قال النبي ﷺ: " لو لم يُوكل
[ ١ / ٢٧ ]
بابن آدم غير الصحة والسلامة لأوشكا أن يُتلفا "، فالنبي ﷺ أتى بهذا المعنى منثورًا وأتى به الشاعر منظومًا. وقد ذكر جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين هذا المعنى فبعضهم قارب وبعضهم قصّر. والأجود من كل ما قيل في هذا الباب بيت حميد. ولبعض المتقدمين فيه:
ويهوَى الفتَى طول السَّلامة جاهدًا فكيف يُرى طولَ السَّلامة يفعَلُ
هذا وإن كان قائله متقدمًا فهو دون ما ذكرنا، لأنه لم يبيِّن المعنى كما بيَّنه غيره، ولهذا قيل: المعنى لمن اخترعه، فإن زاد عليه الآخذ له فهو أحقّ به، وإن قصَّر عنه فإنَّما فضح نفسه. وقد جوَّد أبو العتاهية هذا المعنى في قوله:
نهوَى من الدُّنيا زيادتَها وزيادةُ الدُّنيا هي النقصُ
وقال أيضًا:
أسرَعَ في نقصِ امرئٍ تمامُه
وفي مثله يقول الآخر:
وتحسِب أنَّ النقصَ فيك زيادة وأنت إلى النقصان حين تزيدُ
ولو ذهبنا إلى استغراق جميع ما في هذا الباب لطال واتَّسع.
وقال حميد أيضًا:
لياليَ أبصارُ الغواني وسَمعُها إليَّ وإذ رِيحي لهنَّ جَنوبُ
وإذ ما يقولُ الناسُ شيء مُهوَّنٌ عليَّ وإذ غصنُ الشَّبابِ رطيبُ
فلا يُبعدِ اللهُ الشَّبابَ وقولَنا إذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
فإنَّ الَّذي يشفيكَ ممَّا تضمَّنَتْ ضلوعكَ من وجدٍ بها لطبيبُ
وإنَّ الَّذي منَّاك أن تسعف النَّوى بها بعد أيَّام الصِّبى لكذوبُ
أما قوله في ذكر النساء: " وإذ ريحي لهن جنوبُ " فإن الجنوب عند العرب أحمد من الشمال لأنها تجلب المطر ويكون معها السحاب، والشمال تقطع السحاب ولا يكون مع أكثرها مطر ولذلك فضَّلوا الجنوب على الشمال.
[ ١ / ٢٨ ]
وأما قوله:
فلا يبعد الله الشبابَ وقولَنا إذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
فمن أملح الكلام وأطرفه وأرقّه ولو لم يكن فضائل الشباب غير ما ذكر الشاعر في هذا البيت لكفاه، ولم نعلم أحدًا أتى بأحسن من هذا المعنى واللفظ في تذكر عهد الصبا وأيام البطالة. وشبيه بقوله: " إذا ما صبونا " البيت، قول بعضهم:
أتانا بها حمراءَ يحلفُ أنَّها طبيخٌ فصدَّقْناه وهو كَذوبُ
فهلْ هي إلاَّ ليلةٌ غاب نحسُها أواقِعُ فيها الذّنبَ ثمَّ أتوبُ
ومثله قول أبي نواس:
لو شئتَ لم نبرحْ من القُفْصِ نشربُها حمراء كالحُصِّ
نسرق هذا اليومَ من ربّنا وإنَّما يُعفَى عن اللِّصِّ
وشبيه به بيت قرأناه في هيكل دير مَتَّى وهو:
سقِّنا يا غلام في هيكل الدَّيْ رِ شرابًا يختاره الرّهبانُ
هاتِها كالعقيق حمراءَ وليَجْ هَدْ علينا بجهده رمضانُ
هو يومٌ مكانَ يومٍ ويعفو الل هُ عنَّا فربُّنا منَّانُ
[ ١ / ٢٩ ]
ولحميد أيضًا من قصيدة:
قضَى اللهُ في بعضِ المكاره للفتى برُشدٍ وفي بعض الهوَى ما يُحاذرُ
ألم تعلمِي أنِّي إذا الإلفُ قادَني سوى القَصد لا أنقادُ والإلفُ جائرُ
وقد كنت في بعض الصَّباوة أتَّقي أمورًا وأخشَى أن تدور الدَّوائرُ
وأعلمُ أنِّي إن تغطَّيتُ مرَّةً من الدَّهر مكشوفٌ غِطائي فناظرُ
وما خلتنا إذ ليس يحجِزُ بيننا وبين العِدَى إلاَّ القنا والحوافرُ
ووصل الخُطَى بالسَّيف والسَّيف بالخطَى إذا ظنَّ أنَّ السيفَ ذو السيفِ قاصرُ
إلى أن نزلنا بالفضَاء وما لنا به معقِلٌ إلاَّ الرّماح الشّواجرُ
أما قوله: " قضى الله في بعض المكاره " البيت، فمثل من أمثال العرب جيّد، وذلك أنَّه لم يقل: " قضى الله في المكاره " فيجمعها كلها فصيَّر الرشد في بعضها وكذلك في بعض الهوى، وهو مثل قول الله سبحانه:) وعسَى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم (فالله ﷿ إنَّما ذكر شيئًا من أشياء كثيرة، وكذلك الشاعر جعل في بعض الكره رشدًا، وفي بعض الهوَى حذَرًا، وقد قال بعض المحدثين في هذا المعنى وجوَّد:
توكَّلْ على الرحمن في كلِّ حاجةٍ طلبتَ فإنَّ اللهَ يقضي ويقْدرُ
وقد يهلِكُ الإنسانُ من وجه أمْنِه وينجو بإذن الله من حيثُ يحذَرُ
وأما قوله: " ووصل الخطى بالسيف " البيت، فمأخوذ من قول الأنصاريّ:
إذا قَصرتْ أسيافُنا كان وصلُها خطانا إلى أعدائنا فنُضارِبُ
ومن قول الآخر:
نصلُ السيوفَ إذا قصُرن بخَطْونا قُدما ونُلحقهنَّ إن لم تَلْحقِ
وهذان البيتان أجود من بيت حميد لفظًا وحسنا. وروي أنَّ فتى من الأزد دفع إلى المهلّب بن أبي صفرة سيفًا له وقال: يا عمّ! كيف ترى سيفي هذا؟ فقال له المهلّب: سيفك جيد إلاَّ أنَّه قصير، فقال له الفتَى: أُطوِّله يا عمّ بخَطوي، فقال له: والله يا ابن أخي إنّ المشي إلى الصين أو إلى أقصى أذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة. لم يقل المهلّب هذا جبنًا بل على ما توجب الصورة، إذ كانت تلك الخطوة قرينة الموت. وقوله: " إلى أن نزلنا بالفضاء " البيت. فجيِّد نادر، وقد عوَّل ابن الرومي عليه في قوله:
حلُّوا الفضاءَ ولم يبنوا فليس لهم إلاَّ القنا وإطارُ الأفْقِ حيطانُ
ولحميد أيضًا، وقد روى بعض العلماء هذا الشعر لليلى الأخيلية:
إنَّ الخَليعَ ورهطَه من عامر كالقلب أُلبِس جؤجؤًا وحَزيما
لا تُسرعنّ إلى ربيعة إنّهم جمعوا سوادًا للعدوّ عظيما
شعبًا تفرَّق من جِماع واحد عَدَلتْ مَعدًّا تابعًا وصميما
فاقْصِر بذَرعك لو وطئتَ بلادهم لاقَتْ بِكارتُك الحِقاقُ قُروما
وتعاقبتك كتائبُ ابن مُطرِّف فأرتْك في وضَح النهار نجوما
ومشقَّقٌ عنه القميصُ تخالُه وسطَ البيوتِ من الحياء سقيما
حتَّى إذا رُفِع اللِّواء رأيتَه تحتَ اللواء على الخميس زعيما
وإذا تُساءُ وجدتَ منهم مانعًا فُلْجًا على سخط العدوِّ مقيما
أو ناشئًا حدثًا يُحكِّم مثلَه صُلعُ الرجال توارثَ التحكيما
الَّذي لا شك فيه أن هذا الشعر لليلى الأخيلية، لأنها كانت كثيرة المدح لآل مطرِّف العامريّين حتَّى ضرب بذلك البحتري مثلًا في شعره فقال وذكر جيشًا:
لو أنَّ ليلى الأخيلية عاينَتْ أطرافه لم تُطْرِ آل مُطرِّفِ
أما قوله: " ومشقق عنه القميص " البيت، والَّذي بعده، فمن جيِّد الكلام وفاخر المدح، وهم يمدحون الرَّجُل السيّد والمرأة الحسناء بالسقم والضعف، وليس يريدون السقم بعينه، ولكن يريدون الانكسار، فإذا وصفوا الرَّجُل بذلك أرادوا أنَّه ساكن الأطراف، والنظر العاقل والحلم، فإذا هيِّج للحرب زال عنه ما نعتوه به. وإنَّما يصفونه بهذه الصفة في حال السلم لا في الحرب. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. وقول ليلى أو حُميد الَّذي ذكرناه من أجود ما قيل فيه، ولقد جوَّد الآخر في قوله:
إذا غدا المسكُ يجري في مفارقهم راحوا كأنَّهُمُ مرضى من الكَرمِ
وقال آخر:
وعلى الثنيَّة من خُزيمةَ سادةٌ يتمارَضون تمارُضَ الأُسْدِ
وأما ذكرهم المرأة بذلك فيريدون الترفّه والنعمة والحياء كما قيل:
ضعيفةُ كرِّ الطرفِ تحسِبُ أنَّها قريبةُ عهدٍ بالإفاقة من سُقْمِ
وقال مسلم بن الوليد في هذا المعنى فجوَّد:
ضعيفة أثناء التَّهادي كأنَّما تخافُ على أحشائها أن تقطّعا
وهذا وأشباهه كثير في الشعر.
وقولها: " أو ناشئًا حدثًا " البيت، تريد بذلك غلامًا حدثًا إلاَّ أنَّه قد ساد فهو يحكم على الصُلع من الرجال وهم الكهول والمشائخ فلا يردُّ حكمه لأنه من أهل بيت شرف فقد ورث سؤددهم ومآثرهم. ومثله قول الخنساء:
رفيعُ العماد ورِيّ الزِنا دِ ساد عشيرتَه أمْردا
ومثله لآخر:
وإذا سألت الجودَ أين محلُّه فالجودُ تِربُ القاسم بن محمّدِ
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةً يا قُرب ذلك سؤددًا من مَولدِ
ومثل هذا قول الآخر:
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةً ولِداتُه عن ذاك في أشغال
قعدَتْ بهم همّاتُهم وسَمتْ به همَمُ الملوك وسورةُ الأبطال
ولسعيد بن هاشم الخالدي هذا المعنى إلاَّ أنَّه قد زاد فيه وهو قوله:
ساد في مَيعة الشباب وأبْهى الزَّ هْرِ ما لاح في الغُصون الرطابِ
وقال جِران العَود النُّميري، ولا يعرف في نسيب الأعراب وغزلهم أحسن ألفاظًا من هذه القصيدة ولا أملح معاني، والمختار منها قوله:
ذكرتَ الصبا فانهلَّتِ العينُ تذرِفُ وراجعَك الشوقُ الَّذي كنتَ تعرفُ
وكان فؤادي قد صحا ثمَّ هاجَه حمائمُ وُرق بالمدينة هُتَّفُ
فبتّ كأنَّ العينَ أفنانُ سِدرةٍ عليها سقيط من ندى الليل ينطُفُ
أُراقبُ لَوحًا من سهيل كأنَّه إذا ما بدا من آخر الليل يَطرفُ
فلا وجدَ إلاَّ مثلَ يومَ تلاحقَتْ بنا العيسُ والحادي يشُلُّ ويعطفُ
وفي الحيِّ مَيلاءُ الخمار كأنَّها مَهاةٌ بهجْل من ظباءٍ تعطَّفُ
تقولُ لنا والعيس صُعّر من السرى فأخفافها بالجندل الصُّمّ تقذِفُ
حُمِدتَ لنا حتَّى تمنّاكَ بعضُنا وقلنا أخو هزلٍ عن الجدّ يصدفُ
وفيكَ إذا لاقَيتنا عَجْرفيَّة مِرارًا وما نهوى الَّذي يتعَجْرفُ
فمَوعدُك الوادي الَّذي بين أهلنا وأهلِكَ حتَّى نسمعَ الديكَ يهتِفُ
ويكفيك آثارٌ لنا حين نلتقي ذُيولٌ نُعفيها بهنّ ومُطرَفُ
فنُصبحُ لم يُشْعَر بنا غيرَ أنّه على كلّ حالٍ يحلفون ونحلِفُ
فأقبلنَ يمشينَ الهُوَينا تهاديًا قِصارَ الخُطا منهنَّ رابٍ ومرجَفُ
فلمّا هبطن السهلَ واحتلنَ حيلةً ومن حيلة الإنسان ما يتخوفُ
حملن جِرانَ العَود حتَّى وضعنَه بعلياء في أرجائها الجنُّ تعزِفُ
فبِتْنا قُعودًا والقلوبُ كأنّها قطًا شُرَّع الأشراكِ ممّا نخوَّفُ
علينا النَّدى طورًا وطورًا يرشُّنا رذاذٌ سرى من آخر الليل أوطَفُ
يُنازعْننا لَذًّا رخيمًا كأنَّما عواثرُ من قطر حداهُنَّ صَيِّفُ
رقيق الحواشي لو تسمَّعَ راهبٌ ببُطنانَ قولًا مثلَه ظلَّ يرجفُ
ولمّا رأينَ الصبحَ بادرنَ ضوءه كمَشي قطا البطحاء أو هُنّ أقطَفُ
وما أُبنَ حتَّى قُلن يا ليت أنَّنا تُرابٌ وأنَّ الأرض بالناس تُخسَفُ
فأصبَحْنَ صَرعى في الحجال كأنّما سقاهنّ من ماءِ المدامة مُرقَفُ
يبلّغُهنَّ الحاجَ كلُّ مكاتَب طويل العصا أو مُقعدٌ يتزحَّفُ
رأى ورقًا بيضًا فشدَّ حَزيمَه لها فهو أمضى من سُليكٍ وألْطَفُ
ولن يستهيمَ الخرّد البيضَ كالدمَى هِدانٌ ولا هِلباجةُ الليل مُقرفُ
ولكن رفيقٌ بالصِّبا متطوّف خفيف لطيف سابغُ الذَّيلِ أهيفُ
يُلمُّ كإلمامِ القُطاميِّ بالقَطا وأسرعُ منه لَمَّة حين يخطفُ
فأصبح في حيث التقينا غُدَيّة سِوارٌ وخَلخال وبُردٌ مُقوَّفُ
أما قوله: " فبتُّ كأنَّ العينَ أفنانُ " البيت، فمن أحسن ما قيل في الدمع وأجوده وأطرفه. وشبيه به قول الآخر:
لعينُك يوم البَين أسرعُ واكِفًا من الفَنَنِ الممطُور وهْوَ مَروحُ
وقال هذا البيت قد جوّد أيضًا وزاد على من تقدّمه وأتى بعده، وذاك أنَّه لم يرضَ أن يكون دمعه مثل الفنن، وهو الغصن، الَّذي يقع المطر على ورقه فهو يجري حتَّى قال: " وهو مَروح " أراد أن الريح تحرّكه فهو لا يهدأ من القطر. وليس بعد هذا نهاية في تحادر الدمع وسرعته.
وقوله: " أراقب لوحًا من سهيل " البيت، مليح التشبيه صحيحه لأنه من تأمّل رآه كأنَّه عين تطرِف.
وقوله يصف قولها له: " وفيك إذا لاقيتَنا عجرفيَّة " البيت، يقال إنَّ النساء يملن إلى من كانت فيه دعابة ولهو ولا يملن إلى غير ذلك، فذكر جران العَود عنهن أنهنَّ قلن له: لستَ على ما وُصفت لنا لأنَّ فيك عجرفيَّة، وقد وُصفت لنا بغيرها حتَّى تمنَّيناك وما نحبّ الَّذي يتعجرف. ويُذكر أن كُثيّرًا أنشد بعض نساء الأشراف قوله:
وكنتُ إذا ما جئتُ أجلَلْن مَجلسي وأعرضْنَ عنه هَيبة لا تَجهُّما
يُحاذرنَ منِّي نبوَةً قد عرفْنَها قديمًا فما يضحكنَ إلاَّ تبسُّما
فقالت له: يا ابن أبي جُمعة، أبهذا القول تدَّعي الغزل؟ والله ما نال وصلنا وحظي بودّنا إلاَّ من يجري معنا كما نريد ويجعل الغيَّ، إذا أردناه، رشدًا. قم لعنك الله، فقام منقطعًا. وإلى قولها نظر البحتري فقال:
ولا يؤدِّي إلى المِلاحِ هوَى من لا يرَى أنَّ غيّه رشدُ
[ ١ / ٣٠ ]
وقوله: " ويكفيك آثار لنا حين نلتقي " البيت، معنى مليح، وقد اشترك فيه جماعة من الشعراء فأوَّل ذلك امرؤ القيس في قوله:
فقمتُ بها أمشي تجرُّ وراءنا على إثْرِنا أذيالَ مرطٍ مُرحَّلِ
وقال ابن المعتز:
فقمتُ أفرش خدِّي في الطريقِ له ذلًاّ وأسحب أكمامًا على الأثَرِ
ولابن المعتز في هذا المعنى زيادة حسنة على من تقدَّمه.
وقوله: " فنصبح لم يشعر " البيت، كلام طريف وكذب مليح لأنه قال لا بدَّ من تهمة تلحقنا فنحلف أنَّا لم نفعل ويحلفون أنَّا قد فعلنا.
وقوله: " فأقبلن يمشين " البيت، من أحسن ما يكون في صفة المشي. وقد أكثرت الشعراء في هذا الباب، فمن مليحه قول بعضهم:
يمشينَ مشيَ قطا البطاح تأوُّدا قُبَّ البطون رواجح الأكفالِ
وإنَّما شبَّهوا مشي المرأة بمشي القطاة لأن فيها سرعةً وتأوُّدا.
وقال المنخَّل:
ودفعتُها فتدافَعَتْ مشيَ القطاة إلى الغَديرِ
وللأعشى في المشي شيء حسن وأشياء يُفرط فيها. فمن الجيد قوله:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارِضُها تمشي الهُوَينا كما يمشي الوجى الوجِلُ
كأنَّ مشيتَها من بَيت جارَتها مرُّ السَّحابة لا رَيثٌ ولا عَجَلُ
وقد شبَّه بشار بن برد خفقان القلب بالكرة في نزوها وهو قوله:
كأنَّ فؤادَه كُرة تنَزَّى حَذارَ البَين إن نفع الحذارُ
وهذا لعمري تشبيه جيد ومعنى صحيح. وقال الآخر، وهو غير هذا المعنى، فجوَّد:
كأنَّ فؤادي في مخاليب طائر إذا ذُكرتْ ليلى يشُدُّ به قَبضَا
هذا ذكر أن فؤاده، إذا ذُكرت عشيقته، قُبض عليه ولم يذكر أنَّه شديد الخفقان، وهو يدخل في هذا المعنى أو يقاربه. وقد قال بعض المحدثين من أهل الموصل في هذا المعنى فجوَّد وأحسن وزاد وأورد معنى ثانيًا وهو قوله:
كأنَّ قلبي وشاحاها إذا خَطَرت وقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ
هذا ذكر أن قلبه مثل وشاحي صاحبته قلقًا وتحرّكًا، ثمَّ أتى وزاد في المعنى بقوله: " إذا خَطَرت " ليكون أشد للحركة؛ ثمَّ أتى بمعنى وهو قوله: " وقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ " وقد ذكر أنَّ قَلبها غير خافقٍ ولا قلق، والقُلبُ السِوار. وهم يصفون المرأة بضيق السوار والخلخال وقلة حركتهما، فهذا الشاعر ذكر قَلبه بالقلق وقلبَ من يحبّ بالسكون فزاد وجوَّد.
وأما قوله في ذكر الحديث وحسنه: " ينازعننا لذَّا " البيت، والَّذي بعده فهو حسن نادر إلاَّ أنَّ الشعراء في الحديث أكثروا من جيّده، ومن حَسَنه قول القطاميّ:
[ ١ / ٣١ ]
فهنَّ ينبِذْنَ من قول يُصبنَ به مواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَّادي
يقتُلنَنا بحديث ليس يفهمُه من يتَّقينَ ولا مكنونُهُ بادِي
ومن مليح هذا المعنى قول بشار:
وحديثٍ كأنَّه قطع الرَّو ضِ زَهَتْه الصّفراءُ والحمراءُ
ذكر أنَّ حديثها مثل الرياض في ملاحتها وأنَّه يجمع جِدًّا وهزلًا.
وقال بشار أيضًا:
ولها مَضحكٌ كنَور الأقاحي وحديث كالوشْي وشيِ البرُودِ
وله أيضًا:
دعَتْني حين شِبتُ إلى المعاصي محاسنُ زائر كالرِّيم غَضِّ
كأنَّ كلامَه يوم التقيْنَا رَمِيٌّ خَدَّ في طولي وعَرضي
وله أيضًا:
حوراء إن نظرت إلي كَ سقتكَ بالعينينِ خَمرا
وكأنَّ رجعَ حديثِها قطَعُ الرِّياض كُسينَ زَهْرا
وقال بعض ولد أسماء بن خارجة الفزاريّ:
وحديث ألذُّهُ وهو ممَّا يونق السَّامعين يوزَنُ وَزْنا
منطِقٌ صائب وتلحن أحْ يانًا وأحلى الحديثِ ما كانَ لَحْنا
ذكر أنَّها تحدّث بحديث يُفهم ثمَّ تخشى نمَّ من يحضر من الوشاة فتلحَنُ لهم بمعنى يعرفه وإشارة يقف عليها لا يعرفها غيرها وغيره. قال الله تعالى:) ولتعرفَنَّهم في لحن القول (، أي في معنى القول، يقال: هذا لحن بني فلان، أي لغة بني فلان.
[ ١ / ٣٢ ]
ومن أجود ما قيل في هذا الحديث قديمًا وحديثًا قول ابن الرومي:
وحديثُها السِّحرُ الحلال لو أنَّه لم يجْنِ قتلَ المسلم المتحرِّز
إن طالَ لم يُمْلَل وإن هي أوجزَتْ ودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ
شركُ القُلُوب ونزهة ما مثلها للمطمئنّ وعُقلةُ المُستوفِزِ
هذا نهاية ما قيل في هذا الباب. وقد تناول ابن الرومي قوله: " ودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ " من بعض المتقدمين، وهو قوله:
من الخفِراتِ البِيض ودّ جليسُها إذا ما قضَتْ أحدوثةً أن تعيدَها
ومن مليح ما قيل في الحديث أيضًا قول بعض الأعراب:
وحديثها كالغيث يسمعُهُ راعِي سنينَ تتابَعَتْ جَدْبا
فأصاخَ يرجو أن يكون حَيًا ويقول من فَرَحٍ هَيَ رَبَّا
وقال آخر:
وإنَّا ليجري بيننا حين نلتقي حديث كتسبيح المريضَين مُزعجُ
حديث لوَ أنَّ اللَّحمَ يُولَى ببعضه غريضًا أتى أصحابَه وهْوَ منضَجُ
هذا ذكر أنَّه إذا خلَى بمن يحبّ يجري بينهما من التشاكي أحرّ من النار. ومثله قول الآخر:
تقول لي وهي تحُفُّ الهودجا قولًا جميلًا حَسَنًا سَمَلّجا
لو طُبخَ اللَّحمُ به لأنضَجَا
والقول في الحديث كثير، ولو استقصينا جميع ما فيه لخرج كتابنا عن الغرض الَّذي قصدنا له.
وقوله: " ولمَّا رأين الصبح بادرن " البيت والَّذي بعده فهو شبيه بقول بشار:
حتَّى إذا بعث الصَّباح فراقنا ورأينَ من وجه الظَّلام صُدودا
جرتِ الدُّموع وقلن فيك جلادة عنَّا ونكره أن تكون جليدا
ومثله قول عبد الصمد بن المعذّل:
فضحكنَ في وجهِ الدُّجى وبكَينَ في وجهِ الصَّباحْ
يريد أنهن اشتهين طول الليل ليتمتَّعن بالحديث، وبيت عبد الصمد أحسن ممَّا تقدَّمه وأعذب ألفاظًا.
وقوله: " فأصبحنَ صرعى في الحِجال " البيت، مأخوذ من امرئ القيس:
فأصبحتُ معشوقًا وأصبح بَعلُها عليه القتامُ كاسفَ الظّنِّ والبالِ
وقوله: " يبلّغن الحاجَ " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه يُرسل إلى من يهوى بمن لا يُؤبَهُ له. وقوله: " مكاتب " أي ضعيف. ويجوز أن يكون قد كاتب هذا الرسول عن نفسه فهو يسأل النَّاس في مكاتبته، فليس ينكر دخوله البيوت وكلامه النساء. وقوله: " أو مقعد يتزحَّفُ " أراد أيضًا ضعيفًا، وهذا مثل قول الفرزدق:
فأبلغَهنَّ وحيَ القَول عنِّي وأدخلَ رأسَهُ تحتَ القِرامِ
ضعيفُ ذو خُرَيِّطَةٍ بهيم من المُتَلَقِّطي قرَدَ القُمامِ
وصفه أيضًا بالضعف والمسكنة وإنَّه يلقط القَرَد، وهو ما يقع من الصوف، في خُريِّطة معه.
وقوله: " فأصبح في حيث التقينا " البيت، أراد أنَّا تجاذبنا وتعاركنا فتكسَّرت الإسورة والخلاخيل وتحرَّقت الثياب، فمن أتى موضع التقائنا وجد فيه ما قلنا، وهذا مثل قول عبد بني الحسحاس:
فكم قد شقَقْنا من رداءٍ مَطرف ومن برقع عن طِفلةٍ غَير عانسِ
إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالبُرد برقعٌ دواليكَ حتَّى كلُّنا غيرُ لابسِ
وقال جران العَود:
كأنَّني يومَ حثَّ الحاديان بهم مرنَّح من سلافِ الخمر معلولُ
يومَ ارتحلتُ برَحْلي قبل بَرذَعتي والقلبُ مستوهِلٌ بالبين مشغولُ
ثمَّ اغْترزْتُ على كوري لأدفعَه إثْر الحُمول الغوادي وهو معقولُ
لم يبقِ من كبِدي شيئًا أعيشُ به طولُ الصَّبابةِ والبِيض العطابيلُ
ممَّن يجول وشاحاها إذا انصرفتْ ولا تجولُ بساقَيها الخلاخيلُ
يرنو إليها ولو كانوا على عجَلٍ بالشِّعب من مكَّة الشِّيبُ المثاكيلُ
أما قوله: " ثمَّ اغْترزْتُ على كوري " البيت، فلا يكون في الطيش والدهش وشغل القلب بالبَين مثله؛ لأنه ذكر أنَّه جعل رحله على جَمَله قبل برذعته ثمَّ ركبه وأثاره وبعثه في السير وهو لا يعلم أنَّه معقول دهشًا لما ناله من فراق من يحبّ. وإلى هذا نظر أبو تمام في قوله:
أَظَله البين حتَّى أنَّه رجُلٌ لو مات من شغله بالبين ما علِمَا
على أن جران العود أتى بما يمكن ويقوم في العقل وأتى أبو تمام بما لا يكون، إلاَّ أنَّه إغراق جيّد.
وقوله: " يرنو إليها ولو كانوا " البيت، نهاية في معناه، فهو قد جمع محاسن كثيرة، لأنه قد " يرنو إليها ولو كانوا على عجل " فجعل العجلان وغير العجلان في النظر إليها بمنزلة واحدة. ثمَّ قال: " بالشِّعب من مكَّة " أي أنهم في الحرم، ومن كان في الحرم كان خاشع القلب غاضّ الطرف. ثمَّ قال: " الشيبُ " والأشيب قلما يلتفت إلى شيء من اللهو من جهات، أما إحداها فلِما مضى من عمره، والأخرى أنَّ الأشيب أتقَى من الشاب. وأخرى أنَّ الأشيب يستحيي من الغزل أكثر ممَّا يستحيي الشباب. ثمَّ قال: " المثاكيل " والثاكل يشتغل بثكله عن النظر إلى الحسن والقبيح لا سيما إذا كان أشيب ثاكلًا، فقد يئس من الولد لكبره وعلوّ سنّه. والأوَّل في هذا المعنى قيس بن الخطيم في قوله:
ديار الَّتي كادت ونحن على منًى تَحُلُّ بنا لولا نجاء الركائبِ
وقد ذكرنا هذا البيت ونظائره في صدر كتابنا هذا. وبيت جران العود هذا الَّذي قدمناه ذكره أجود من كلّ ما عُمل في هذا المعنى وأشدّ إغراقًا.
وقال مسكين الدارميّ:
ونارٍ دعوتُ المعتفين بضوئها فباتوا عليها أو هَدَيتُ بها سَفْرَا
تضرَّمُ في ليل التِّمام وقد بدتْ هوادي نجوم الليل تحسبُها جمْرَا
وضيفٍ يخوض الليل خوضًا كأنَّما يخوض به حتَّى تأوّبني بحرَا
وكم من كريم بوَّأَتْهُ رِماحُهُ فتاة أُناس لا يسوق لها مهرَا
وما أنكحونا طائعين بناتهم ولكن نكحناها بأرماحنا قسرَا
وكائن ترى فينا من ابن سبيئةٍ إذا لقيَ الأبطالَ يطعنُهم شزْرَا
فما ردّها فينا السباء وضيعةً ولا عرِيَتْ فينا ولا طبخت قِدرَا
ولكن جعلناها كخير نسائنا فجاءتْ بهم بِيضًا غطارِفة زُهرَا
إذا لم تجدْ بُدًّا من الأمر فأتِهِ رحيبَ الذراعِ لا تضيقَنْ به صدرَا
ولا تأمن الخُلانَ إلاَّ أقلّهم عليك إذا كانت صداقتهم مكرَا
وإنِّي امرؤ لا آلفُ البيتَ قاعِدًا إلى جنبِ عِرْسي لا أفارقُها شِبرَا
ولا مُقسمٌ لا تبرحُ الدَّهرَ بينَها لأجْعلَه قبل المماتِ قبرَا
إذا هي لم تُحصِنْ أمامَ فنائها فليس يُنجِّيها بِنائي لها قصرَا
ولا حامل ظنِّي ولا قالَ قائل على غيرةٍ حتَّى أُحيط به خُبرَا
وهَبْني امرأ راعيتُ ما دمتُ شاهدًا فكيف إذا ما غِبتُ من بيتها شَهرَا
[ ١ / ٣٣ ]
أما قوله: " وكم من كريم " البيت، فإليه نظر أبو تمام في قوله:
لم تطلُعِ الشَّمسُ منهم يومَ ذاك على بانٍ بأهلٍ ولم تغربْ على عَزَبِ
إلاَّ أن بيت أبي تمام أجود بناءً ورصفًا. وأمَّا ذكره النساء بما ذكر فلا نعلم أنَّ أحدًا ذكرهن بأحسن من ذلك ولا أجود. ويقال إنَّ عبد الملك ابن مروان سابق بين ابنَيه، مسلمة والوليد، وكانت أُم مسلمة أُم ولد وأُم الوليد عبسيَّة، فسبق الوليد مسلمة فقال رجلٌ من أخوال الوليد من بني عبس: أحسن. والله يا أمير المؤمنين الَّذي يقول:
نهيتُكم أن تحملوا هُجناءَكم على خيلكم يوم الرِّهان فتُدرَكوا
وما يستوي المرءان هذا ابن حُرَّة وهذا ابن أُخرى طُهرها متشرَّكُ
فتصطكُّ فخذاه ويرعش كفُّه ويلقى على الأعواد لا يتحرَّكُ
وأدركْنَه جدَّاتُه فخَلَجْنَه أَلا إنَّ عرق السُّوء لا بدَّ مُدركُ
فأعجب عبد الملك هذا القول لميله إلى الوليد، فقال مسلمة، وسمع الكلام: كذب يا أمير المؤمنين، بل أحسن من هذا وأصوب قول مسكين الدارميّ، وذكر الأبيات التي قدَّمنا ذكرها قبل هذا، فتعجب النَّاس من ذكاء مسلمة في ذلك الوقت وقلَّة دهشه.
وأمَّا أبياته في ذكر قلَّة الغيرة، فقد ردَّ مثلها في موضع آخر من شعره وهو:
أَلا أيُّها الغائر المستَشيطُ علامَ تغارُ إذا لم تُغَرْ
فما خيرُ عِرس إذا خِفتَها وما خَير بيت إذا لم يُزَرْ
تغارُ على النَّاس أن يَنظروا وهل يفتِنُ الصالحاتِ النظَرْ
فإنِّي سأُخلي لها بيتَها فتحفَظ لي نفسَها أو تَذَرْ
وما نعلم أن أحدًا من الشعراء سهَّل ترك الغيرة غير هذا. ونظنّه كأنَّه يقول بالإباحة، وإلاَّ فأيّ شيء دعاه إلى هذا القول الَّذي يأنف منه الأحرار.
ولقد روي أنَّ بعض العلويَّة قال في هوى له:
ولمّا بدا لي أنّها لا تُحبُّني وليس هواها عن فؤادي بمُنجلي
تمنَّيتُ أن تهوى سِوايَ لعلَّها إذا عرفَتْ طعم الهوَى أن تَجودَ لي
فجاء رجل يسأل عنه فقال: ما فعل المتديِّثُ في شعره؟ فهذا عيب عليه ما قال في غير زوجته، ونُسب إلى التديُّث بما قال. ولقد عيب على القائل:
أهيمُ بدعدٍ ما حييْتُ فإن أمُتْ فوا حزَنًا من ذا يَهيمُ بها بَعْدي
فقال له بعض من سمع هذا البيت: وما يهمّكَ ممَّن ينيكها بعدك؟ ولشتَّان بين مسكين الدارميّ في إغفاله تفقد امرأته وتركه الغيرة عليها وبين الَّذي يقول:
إذا كنتَ ذا عِرس تضِنُّ بوصلها فلا تُخرجنْها تبتغي ليلةَ القَدْرِ
ولا تُدخلِ الحمَّامَ عِرسكَ أنَّني أخاف من الحمَّام قاصمةَ الظَّهْرِ
وإلى هذا أشار أبو عليّ البصير في قوله:
دهَتْك بعلّة الحمَّام خِشُفٌ ومال بها الطريق إلى سعيدِ
أرى أخبارَ بيتك عنك تخفى فكيف وليتَ أعمالَ البريدِ
وإلى هذا نظر عثمان بن سعدان بقوله:
سألَتْ زوجَها الخروجَ إلى الحَ قِّ ويا رُبَّ باطل في الحقوقِ
واستقامتْ على الطريق إلي هِ ساعة ثمَّ عرَّجتْ في الطريقِ
لم تخَفْ فتنة الفُتونَ لما في قلبها من تلهُّب وحريقِ
وأقامت بمأتم اللهو لا مأ تم شقِّ الجيوب والتخريقِ
ويروى أن جميل بن معمر كان يقول: ما رأيتُ مصعب بن الزبير يمشي بالبلاط إلاَّ لحقتْني الغيرة على بثينة وهي بالجِناب، وبينهما مسيرة عشر ليال للراكب المجِدّ المُسرع. ويقال إنّه لم يُرَ في الدُّنيا رجلٌ كان أغْيَر من مالك بن طوق. تزوَّج امرأة من بني تغلب فجاء أخوها يزورها فأقام سنة حتَّى وصل إلى من أدّى رسالته إليها.
ولمسكين الدارميّ أيضًا:
أرى كلَّ ريح سوف تسكنُ مرةً وكلَّ سماء لا محالة تُقْلِعُ
وإنِّيَ والأضيافَ في بُردة معًا إذا مات نصفُ الشَّمس والنصف يَنزِعُ
أحدِّثُه إن الحديث من القِرى وتعرفُ نفسي أنّه سوف يَهجعُ
قوله: " وإنِّي والأضياف في بردة معًا " البيت، حسن جدًّا، وذلك أنَّ
[ ١ / ٣٤ ]
البرد في الشتاء أشدّ ما يكون طرفَي النهار، فهو قوله: " إذا مات نصف الشَّمس " أراد آخر النهار وقد غاب نصف الشَّمس وهو الَّذي مات، والنصف الَّذي ينزع هو الَّذي بقي منها، وهذا استعارة في نهاية الحسن والجودة.
وأما قوله: " أحدّثه إن الحديث من القرى " جيد حسن، وتمام الكرم عندهم مضاحكة الضيف ومحادثته وطلاقة الوجه. ومن أمثالهم: إنّ الحديثَ من القِرى طرفٌ. وقال الآخر:
أُضاحكُ ضيفي قبلَ إنزال رحلِه ويُخصِبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخِصبُ للأضياف أن يكثُر القِرى ولكنَّما وجهُ الكريم خَصيبُ
وله أيضًا:
ناري ونارُ الجار واحدة وإليه قَبلي تُنزَل القِدْرُ
ما ضرَّ جارًا لي أُجاورُه أن لا يكون لبابِه سِتْرُ
أعمى إذا ما جارتي ظهرَتْ حتَّى يُغيِّبَ جارتي الخِدْرُ
ذكر بعض الرواة أن امرأة مسكين خاصَمتْه ونسبَتْه إلى البخل، فقيل لها: أليس هو القائل:
ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تُنزل القِدرُ
قالت: صدقَ، النار والقدر لجاره، وإليه تُنزل قبله لأنه صاحبُها؛ وهو أيضًا لا يشعل نارًا مخافة أن يراها ضيفٌ فيأتيَها، فعجب كلّ من حضر لتأتِّيها وحسن جوابها.
[ ١ / ٣٥ ]
وله أيضًا:
إنِّي لأغلاهُمُ باللَّحمِ قد علموا نِيًّا وأرخَصُهم لحمًا إذا نَضِجا
لا تجعلنّي كأقوامٍ علمتهم لم يظلموا لبَّةً يومًا ولا ودَجَا
ولا أُري صاحبي هجرانَ زوجته ولا أُحدِّثُها السوآتِ إن خرجَا
أُديمُ ودِّي لمن دامتْ مودِّتهُ وأمزُج الودّ أحيانًا لمن مزجَا
يا رُبَّ أمرَين قد فرَّقتُ بينهما من بعد ما اشتبها في الصَّدر واعْتلَجا
وأقطعُ الخرقَ بالخَرقاءِ لاهيَة إذا الكواكبُ كانت للدُّجى سُرُجا
قوله: " إنِّي لأغلاهم باللحم " البيت، معنى مليح دقيق، وهو أنَّه لا يُطمع في إبله ولا غنمه لعزَّته، فإذا ذبح وطبخ أرخَص، أي أطعم الضيوفَ وغيرهم. ومثل هذا قول شبيب بن البرصاء:
وإنِّي لأُغلي اللَّحم نِيًّا وأنَّني لممَّن يُهينُ اللَّحم وهْوَ نَضيجُ
والمعنى يحتمل وجهًا آخر، وهو أن أُغلي اللحم عند الشراء، فإذا طبخته أرخصته واخترتُ هذا المعنى من قول أبي نواس:
أُغالي بها حتَّى إذا ما ملكتُها أَهنتُ لإكرامِ الخليل مَصونَها
ومثله أيضًا:
إنَّ بَذْلي لها لبذلُ جواد واقتنائي لها اقتناءُ شحيحِ
وقريب من هذا المعنى قول الآخر:
يا عين جودي بدمعٍ لا نفاد له وابْكي فتى الجود والهَيجاء مسروقا
مَن لا يخامره جبن ولا بخلٍ ولا يَبيت لدَيه اللَّحمُ موشوقا
هذا ذكر أنَّ هذا الرَّجُل لا يقدَّد اللَّحم، فيدخره، بل يطبخه طريًّا ويُطعمه للأضياف وغيرهم.
وقوله: " لا تجعلنِّي كأقوام علمتهم " البيت، أراد أنهم لم يذبحوا ناقة وهم ظالمون لها، إذا نُحرت الناقة وهي غير عليلة فهي مظلومة، وكذلك السِّقاء إذا أُخذ زُبده قبل أن يستحكم فهو مظلوم، وكذلك كلّ شيء فعلوه قبل استحكامه فهو عندهم مظلوم، قال الشاعر يهجو رجلًا:
لا يظلِم الوَطْبَ لابن العمِّ يَصبَحُه ويظلم العمّ وابن العمّ والخالاَ
وله أيضًا:
فما زال لي مثل الغزال وسابحٌ وخطَّارة غبّ السرى من عياليا
أُقاسمهُمُ للمالِ في القُلّ والغنى ويدفع عنهنَّ السِّنين احْتِياليا
فهذا لأيَّام الطِّراد وهذه للهوَى وهذي يُسِّرتْ لارتحاليا
وإنِّي لأسْتَحيي أخي أن أرَى له عليَّ من الحقِّ الَّذي لا يرى لِيَا
قوله: " فهذا لأيَّام الطِّراد " البيت، حسن التقسيم محكم الصنعة. ذكر أن فرسه لأيام الحرب، وجاريته لأيام السلم، وناقته لرَحله. وهذا شبيه بقول رجل سافر عن امرأته، فاشترى جارية وفرسًا، وأقام بالبلد الَّذي سافر إليه، فكتبت إليه امرأته تستبطِئُه، فكتب إليها:
أَلا أَقْرِها منِّي السَّلام وقل لها غنِيتُ وأغْنَتْني الجُمانةُ والوردُ
شديد مناطِ المنكبَين إذا جرى وبَيضاء مِبْهاجٌ يُزيِّنها العِقدُ
فهذا لأَيَّام الطِّراد وهذه لحاجة نفسي حين ينصرف الجندُ
هذا يقرب من شعر مسكين الَّذي قدَّمنا ذكره إلاَّ أنَّه أجود من هذا، لأنَّ مسكينًا ذكر ثلاثة أشياء في بيت واحد، وهذا ذكر شيئين في ثلاثة أبيات فبينهما تفاوت بعيد.
وأما قوله: " وإنِّي لأسْتَحيي أخي " البيت، فهو من أمثال العرب الجياد. وقد روي هذا البيت لجرير. ويروى أيضًا لعبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇. وضدّ هذا المعنى قولهم: إذا عزّ أخوك فهُن. وحكى بعضهم أنَّه قرأ على باب النوبهار ببلخ، مكتوب: يقول بعض الحكماء: إذا عزّ أخوك فهُنْ، وتحته مكتوب: كذب العديم لا الحكيم، إذا عزّ أخوك فأَهِنه. ومثل هذا قول ابن المعتز:
ولا إذا عزّ أَخ أَذِلُّ
ومثل الأول قول عبد الصمد بن المعذّل:
إذا عزّ يومًا أخو ك في بعض أمر فهُنْ
وقال أيضًا:
وإنِّي لا أحِلُّ ببطن واد ولا آوي إلى البيت الصغيرِ
وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناري ولا أدعو رُعاتي بالصَّفيرِ
قوله: " لا أحلُّ ببطن واد " يقول: بيتي على اليفاع وفيه ينزل الكرماء لإيقاد النيران في الليل من أجل الضيوف؛ وإنَّما ينزل بالأودية البخلاء لتخفَى نيرانهم عن طرّاق الليل.
قوله: " ولا آوي إلى البيت الصغيرِ " يريد أنَّ بيتي في الفخر بيت كبير واسع. ومثله قول النابغة: " يا دار مَيَّةَ بالعلياء "، يقول: إنَّ بيتها في الفخر بيت عالٍ، هذا الَّذي ذُكر من تفسير بيت النابغة لم يقبله أحدٌ من أهل العلم. والَّذي ذكره الأصمعيّ وغيره في تفسيره أنَّه جعله بالعلياء ليكون بمنجاة من السَّيل. وكيف يريد بيت الفخر وهو يقول: " أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ ".
قوله: " وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناري " يريد إنِّي لا أجعلُ ناري صغيرة مثل العين الخوصاء وهي الصغيرة، من ذلك قولهم عن ابن عباس أنَّه قال: ما رأيتُ معاوية يخوِّص عينَه في وجه أحد ويقول له: هات يا أخ، إلاَّ رحمةً عِلمًا من معاوية أنَّه قد انتهز فرصةً.
وقال الرَّبيع بن أبي الحُقَيق اليهودي:
أبلغ أبا ثابتٍ عنِّي مغلغَلَةً والجهلُ شرّ قعودٍ كانَ مرتحلا
أنا ابنُ عمّك إن نابتْك نائبةٌ ولستُ منك إذا ما كعبُك اعْتدَلا
وقال أيضًا:
لسنا إذا جارتْ دواعي الهوَى نحكمُ حكمَ الجائرِ المائلِ
واصْطَرَعَ القومُ بألبابِهم وأَنصتَ السَّامعُ للقائلِ
لا نجعلُ الباطلَ حقًّا ولا نَلِط دون الحقِّ بالباطلِ
وقال أيضًا:
إذا ماتَ منَّا سيِّدٌ قام بعده له خلَفٌ بادي السِّيادةِ بارعُ
من أبنائنا والغصن ينضُر فرعُهُ على أصله والعِرق للمرءِ نازعُ
وإنَّا لتغشانا الجدوبُ فما نُرَى تُقَرِّبُنا للمُدنياتِ المطامعُ
وقال أيضًا:
ومن يكُ عاقلًا لم يلقَ بُؤسًا يُنِخْ يومًا بِساحته القَضاءُ
تُعاورهُ بناتُ الدَّهرِ حتَّى تُثلِّمه كما ثلمَ الإناءُ
وكلُّ شديدة نزلتْ بحيٍّ سيأتي بعد شِدَّتها رخاءُ
فقل للمتَّقي غرضَ المنايا توقَّ وليس ينفعكَ اتِّقاءُ
فما يُعطَى الحريصُ غِنًى بحرص وقد يَنمِي لدى الجود الثَّراءُ
يُريد المرءُ أن يلقَى نعيمًا ويأبَى الله إلاَّ ما يشاءُ
وقال مهرب الغامديّ بل هي لنهشل بن حري:
أرى الدَّهر لا يرعَى على أهل ثروة خؤونًا ويبدأ أهلَه بعقُوقِ
فمن يكُ نَصبًا للمنون وريبها يكن بحِمام الموت غير سبوقِ
وكم قد رأينا من مُلوك وسُوقة وعيش لذيذ للعيون أنيقِ
مضى فكأن لم يغن بالأمس أهله وكلُّ جديد صائر لخُلوقِ
وقال الحارث بن عوف الغامديّ:
فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتي وعاقبةُ الأصاغِرِ أن يَشيبوا
وما كبرتُ فائدتي بغَدْرٍ كفاني في الفوائد ما يطيبُ
أبَى لي ذاكمُ خالي وعمِّي وفضلُ المال والصَّدرُ الرحيبُ
قوله: " فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتي " في نهاية التعزِّي والتسلِّي عن الشباب. يريد: إنِّي ما أُصبت بالشيب وحدي فأغتمّ، ولكن قد أُصبت مع غيري، فهذا يُسلِّي عنِّي. ومثل هذا ما أنشدنا ابن دريد لبعض الأعراب:
[ ١ / ٣٦ ]
أَنحن ذمَمْناها أم النَّاس كلّهم سُقُوا شِرْبَهم منها برَنْقٍ مُكدَّرِ
وقد يجزَع الإنسانُ يُنكبُ وحده وإن تكُن البلوى مع النَّاس يصبِرِ
وقال فراص الغامديّ:
ويَوم كأنَّ المصطلين بحرّه وإن لم يكن جمرٌ قيامٌ على الجمرِ
صبَرنا له حتَّى يَبُوخ وإنَّما تُفرَّج أيَّام الكريهة بالصبرِ
ومَن عدّ مسعاةً فلا يكذِبنَّها ولا يكُ كالأَعمى يقول ولا يدري
وقال معقر الأزديّ:
أَلا مَن لعَين قد نآها حميمُها وأَرَّقها بعد المنام همومُها
وباتتْ لها نفسانِ شتَّى هواهما فنفسٌ تعزِّيها ونفسٌ تلومُها
ومُستنبح بعد العشاء دعوتُهُ على ساعة من سمعة يَستديمُها
دعا دعوةً من بعد أوَّل هجعة من الليل والظَّلماء خُوصٌ نجومُها
رفعتُ له بالكفِّ نارًا يشبُّها على المجدِ معروفٌ بها ما يَريمُها
وقمتُ إلى البَرْك الهواجد فاتَّقتْ مرابيعُ أمثال الجراثيم كومُها
قوله: " وباتت لي نفسان شتى " البيت، مثل قول الآخر:
أَلا إنَّ لي نفسَين نفسٌ تقول لي تمتَّعْ بليلى ما بدا لكَ لينُها
ونفسٌ تقول اسْتَحيِ من طلب الصّبا ونفسك لا تطرح على مَن يُهينُها
وقال صاحب الأزديّ:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ وصباحُها وإلاَّ طلوعُ الشَّمس ثمَّ رواحُها
وإلاَّ صروفُ الدَّهر بالمرءِ مرَّة ذلولًا ومرّا سعيُها ومراحُها
تُقرِّبُ ما ينأى وتُبعدُ ما دنا إلى أجَلٍ ُيفضي إليه انشراحُها
ويسعى الفتَى فيها وليس بمُدركٍ هواه سوى ما غرَّ نفسًا طماحُها
أخذ أبو ذؤيب قوله: " هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ " البيت بأسره فقال:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ ونهارُها وإلاَّ طلوع الشَّمس ثمَّ غِيارُها
وقال عبيد السلاميّ:
وكلُّ قرينٍ ذي قرين يودُّه سيفجَعُهُ يومًا من الدَّهر فاجِعُ
وإنِّي لصرَّامٌ ولم يخلقِ الهوَى جميلٌ فراقي حين تبدو الشَّرائِعُ
وإنِّي لأستَبْقي إذا العسرُ مسَّني بشاشة وجهي حين تبلَى المنافِعُ
مخافةَ أن أقلَى إذا جئتُ سائلًا ويرجعَني نحو الرِّجال المطامِعُ
وأعرضُ عن أشياء لو شئتُ نلتُها حياءً إذا ما كانَ فيها مقادِعُ
ولا أدفَع ابنَ العمّ يمشي على شَفًا ولو بلغَتْني من أذاهُ الجنادِعُ
ولكن أُواسيهِ وأنسَى ذنوبَه لترجِعَه يومًا إليَّ الرَّواجِعُ
وحسبُك من ذُل وسوء صنيعةٍ معاداةُ ذي القُربى ولو قيل قاطِعُ
فأَلْبس ثراكَ الأهلَ تسلمْ صدورُهم فلا بدَّ يومًا أن يروعَك رائِعُ
فتبلُوَ ما أسلفتَ حتَّى تردَّه إليك الجوازي وافرًا والصنائِعُ
فإن تكُ تعفُو يُعفَ عنك وإن تكن تُقارعُ بالأخرى تُصبْكَ القوارِعُ
وقال عبد الله بن ثعلبة الأزديّ:
إنِّي إذا نادَى المنادي ليلةً إحدى ليالي الدَّهر لم أتعللِ
أسعَى إليه ولا يراني قاعدًا بين القعودِ مع النِّساءِ الغزَّلِ
فلعلَّ ما أُدعى لما أنا فاعلٌ ولمَ الحياةُ إذا امرؤ لم يفعلِ
وقال قتادة بن طارق الأزديّ:
فإنْ أنأَ أو أقربْ فإنِّي لحافظٍ لحقِّ ابن عمِّي حين يضعُف ناصرُهْ
ولا أتصدَّى للملوك ولا يُرَى عدوّ ابن عمِّي لي رفيقًا أُسايرُهْ
وواللهِ لا أُعطَى يدًا عن مذلَّة أذَلُّ بها ما يمَّمَ البيت سائرُهْ
وقال شراحيل بن قيس بن جعال:
أليسَ أحقَّ النَّاسِ أن يدعَ الصّبا وينهَى عن الجهل الكريمُ المُجرّبُ
من الأوَّلين عالج الفقرَ والغنَى وكلَّ ضُروعِ الدَّهر ما زال يحلبُ
وقال غيره:
أهنيد إنَّ الموتَ مدركُ من مشَى ما إنْ له منجًا ولا متأخَّرُ
ولقد رأيتُ من الحوادث عبرةً والدَّهر ذو عِبَرٍ لمن يتدبَّرُ
ولا تَخشعي للنائبات وسلّمِي إنَّ الزَّمان بأهله يتغيَّرُ
وقال الوليد بن عريض بن جبلة الكنديّ:
وكلُّ فتى وإنْ كره المنايا سيَحدوه إلى المكروه حادي
إذا ما المجدُ ضلَّ ديارَ قوم هداهُ لكِندة الأخيار هادي
ترى للمجد وسطَهم بيوتًا طِوالا غير واهية العمادِ
وقال شريك بن أبي الأعقل التجيبيّ:
ومستعجِل والمكثُ أدنى لرشدِه ولم يدْرِ في اسْتعجاله ما يُبادرْ
تُهيِّبكَ الأسفارَ من خشية الرَّدَى وكائنْ رأينا من ردٍ لا يسافِرُ
ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتى كمُدبره ألفَيتَه لا يدامِرُ
هذا أوّل من أتى بهذا المعنى وهو قوله: " تهيِّبك الأسفار " البيت، وقد أكثرت الشعراء بعده فيه. فمن جيد ذلك قول الشاعر:
تقول سُليمى لو أقمتَ لسرَّنا ولمْ تدْرِ أنّي للمَقام أُطوِّفُ
لعلَّ الَّذي خوَّفْتِنا من ورائنا يُصادفهُ من بعدنا المتخلِّفُ
ومثله:
وخافَت على التَطواف فَوتي وإنَّما تُصابُ غِرارُ الوحش وهي رُتوعُ
وهذا البيت في نهاية الجودة، وهو للمحدثين. والقول في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا، ومن سبيلنا الاختصار، لا سيما ما كان مشهورًا في أيدي النَّاس.
وقوله " ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتى " البيت، جيد صحيح، وأخذه ابن الرومي فقال:
ألا من يُريني غايتي قبلَ مذهبي ومن أينَ والغايات بعد المذاهبِ
وهذا المعنى كثير جدًّا. وقال ابن غزالة:
لا يُؤثلُ الدَّهر من صرف الرَّدَى أحدًا والموت إن أكُ منه هاربًا لحِقا
وكلّ باكٍ سيُبكَى ليس منفلِتًا من المنيَّة إمعانًا ولا شفقَا
كذلك الدَّهر لا يرعَى على أحد والمرءُ رهنٌ لريب الدَّهر مذ خُلِقا
وقال آكل المُرَار:
رُبَّ همٍّ جَشَمتُه في هواكُم وبَعيرٍ تركتُهُ محسورِ
وغُلام كلفتُه دَلج اللَّي لِ فأضحَى يَميد كالمخمورِ
إنَّ من غرَّه النساءُ بشيء بعد هندٍ لجاهلٌ مغرورُ
حلوة العين واللسان ومُ رُّ كلّ شيء يُجِنّ منها الضميرُ
وقال الحارث بن مريم الوادِعيّ:
فما نفخ روض ذي أقاح وحَنوة وذي ورَقٍ من قُلَّةِ الحَزنِ عازبِ
ولا ريح فَغْوٍ أو خُزامَى وحَنوة أَرشَّتْ عليه سارياتُ السَّحائبِ
بأَطيبَ من فيها إذا ما تقلَّبتْ مع اللَّيل وَسْنَى جانبًا بعد جانبِ
وقال أيضًا:
إذا انكشفَتْ عنها عجاجةُ مَعركٍ لحين تعَاديها بدت حولها شقرا
وكنَّا إذا ما اسْتمطرونا لحادثٍ رعَدْنا فأمطَرنا مثقّفةً سُمرا
نجودُ بها في كلِّ قسر كريهة لأعدائنا حتَّى يلينوا لنا قسرا
وقال الحشيش بن عبد الله الوادِعيّ:
إنِّي إذا ما خفتم ورغِبْتُم فأنا الحبيبُ لديكُم والمصطفَى
عجبًا عجبتُ لمن يدنِّسُ عِرضَه ويصون حلّتَه ويحميها الأذَى
الثوب يبلَى ثمَّ يُشرَى غيرُه والعِرضُ بعد هلاكه لا يُشترَى
ابن الرقاع العامليّ:
لا خيرَ في الخَبِّ لا تُرجَى فواضلُه فاسْتَمطِروا من قريش كلَّ منخدِعِ
تخالُ فيه إذا حاولتَهُ بلَهًا عن ماله وهْوَ وافي العقلِ والورعِ
ولبعض الشعراء في يزيد بن المهلّب لمَّا انهزم عنه النَّاس يوم العَقر، وقد بايعوه على الموت:
كلّ القبائل بايعوك على الَّذي تدعو إليه طائعينَ وسارُوا
حتَّى إذا حمِيَ الوغَى وجعلتَهم نصْبَ الأسنَّةِ أسْلموك وطارُوا
إنْ يقتلوك فإنَّ قتلكَ لم يكن عارًا عليك ورُبَّ قتلٍ عارُ
ابن الدمينة:
أيا ربّ أدعوك العشيَّةَ مخلِصًا لتعفُوَ عن نفس كثيرٍ ذنوبُها
قضيتَ لها بالبخل ثمَّ ابتَلَيْتها بحبِّ الغواني ثمَّ أنت حسيبُها
خليليَّ ما من حَوبة تَرَيانها بجسميَ إلاَّ أُمّ عمرو طبيبُها
أهُمُّ بجذِّ الحبلِ ثمَّ يردُّني تذكُّرُ ريَّا أُمّ عمرو وطيبُها
وبردُ ثناياها إذا ما تغوَّرتْ نجوم يشفّ الواجدين غيوبُها
وقد زعموا أنَّ الرياحَ إذا جرتْ يمانيَّةً يشفِي المحبّ دبيبُها
وقد كذبوا لا بل يزيد صبابةً إذا كانَ من نحو الحبيب هبوبُها
فيا حبَّذا الأعراض طاب مقيلها إذا مسَّها قَطْر وهبَّت جنوبُها
أما قوله: " قضيت لها بالبخل " البيت، فإليه نظر القائل:
[ ١ / ٣٧ ]
أَيا ربّ تخلُقُ ما تخلُقُ وتنهَى عبادَك أنْ يَعشَقوا
وأحسن منه قول الحسن المشرك الموصلي في هذا المعنى، وبه لقِّب المشرك:
أَيا ربّ تخلُق أقمارَ ليلٍ وقضبانَ بانٍ وكثبان رملِ
وخشفان إنسٍ تصيدُ القلوبَ بألفاظِ سحرٍ وألحاظ قتلِ
وتُبدِع في كلِّ خدٍّ بورْدٍ وفي كلِّ قدٍّ بشَكْل ودَلِّ
وتنهَى عبادَك أن يعشَقوا فيا حاكمَ الحُكمِ إذا حُكْمُ عدلِ
وقوله: " وقد زعموا أنَّ الرياح إذا جرت " البيت، والبيت الَّذي يليه ضد ما ذكره كثير من الشعراء لأن بعضهم يقول:
إذا الريح من أرض الحجاز تنسَّمت وجدتُ لمَسراها على كبدي بَرْدا
على كبدٍ قد كاد يُبدي بها الهوَى صدوعًا وبعض القوم يَحسبني جَلْدا
وقال آخر:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانب به آل مَيٍّ هاج وَجدي هبوبُها
قريبة عهد بالحبيب وإنَّما هوى كل نفس حيث كان حبيبُها
قيل: قوله يشبه قولَ المجنون:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجتِ من نَجد لقد زادني مسراكِ وجْدًا على وجْدِ
وهذان المعنيان في أشعارهم كثير جدًّا.
وقال ذو الرمّة:
أما والَّذي حجَّ الملبُّون بيتَه سِراعًا ومولَى كلّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القِلاصِ الأُدْم تَدمى أُنوفها بنخلَةَ والساعين حول المناسكِ
لئن قطعَ اليأس الحنينَ فإنّه رَقوءٌ لتَذْراف الدُّموع السوافكِ
لقد كنتَ أهوى الأرضَ ما يستفزُّني لها الوجدُ إلاَّ أنّها من دياركِ
أحبُّك حُبًّا خالطَتْه نصيحةٌ وإنْ كنتِ إحدى اللاوِيات المواعِكِ
أَلا من لقلب لا يزال كأنَّه من الوجدِ شكَّته صدورُ النَّيازِكِ
وللعَين ما تنفكُّ تَجري شؤونُها على إثْرِ حادٍ حين حادرت سالكِ
الصلمّان العبديّ:
قالتْ أُمامةُ ما تَبقَى دراهِمُنا وما بنا سرَفٌ فيها ولا خُرُقُ
إنَّا إذا اجتمعتْ يومًا دراهمُنا ظلَّتْ إلى طرُق الخَيرات تستبقُ
فلا تخافي علينا الفَقر وانتظرِي سَيبَ الَّذي بالغنى من عنده نثِقُ
إنْ يفْنَ ما عندنا فالله يرزقُنا ومَن سِوانا ولسْنا نحن نرتزقُ
حُطايط اليربوعيّ:
أرِيني جوادًا ماتَ هُزْلًا لعلَّني أرى ما تَرَينَ أو بخيلًا مُخلَّدا
ذرِيني يكن مالي لعِرضي جُنَّة يقي المالُ عِرضي قبلَ أن يتبدَّدا
ذرِيني أكُنْ للمالِ ربًّا ولا يكن ليَ المالُ ربًّا تَحمَدِي غِبَّه غدا
بعض الأعراب:
أَلا أَبلغْ لئيم بني نُمَير بأنَّ الريحَ أكرمُ منك جارا
تُغذِّينا إذا هبَّتْ شمالًا وتملأُ عينَ حافِظكُم غُبارا
هذا الشاعر يذكر أنَّ رجلًا من بني نمير كانت له نخل قد أقام لها حافظًا يمنع أن يتناول أحدٌ منها شيئًا، وكانت الشمال إذا هبَّت نفضت الرطب، فالتقطه هذا الشاعر، لأنَّ الريح تشغل الحافظ عن الحفظ وتغضّ من بصره.
أبو الجويرية العبديّ، يرثي من قُتل بالعقر من آل المهلّب:
نساء بكتْ آل المهلّب حُسَّرا توالَت عليهنَّ المصائب والثكلُ
يطاوعن من أوصى وأوجف في البكا وإن قيل مهْلًا قيل ما بعدهم مهلُ
وآلَينَ لا يُبقينَ وجْهًا لحُرَّة عن اللطم حتَّى تمَّحي الحَدَق النُّجلُ
يُشَقِّقْنَ عنهنَّ الجيوبَ كآبةً ولهفًا على أُسدٍ أُتيح لها القتلُ
إذا شبَّ شَغبٌ أو تشاجرَ منطقٌ فعندهم فيه الحكومةُ والفصلُ
مَعاطِيّ يستسْقِي الفقيرُ بسَيْبهم كأنَّ أديمَ الأرض بعدهم محلُ
جِذْل الطعان:
فمن برِئتْ جريرتُكم إليه فإنِّي من جريرتكم سقيمُ
ظلمتُم فاصْبروا للشرّ إنَّا سنصبرْ إنّه الحسبُ الكريمُ
وشرُّ الجازعين إذا أُضيعَتْ قوادمُ ريشه الفزِعُ الظَلومُ
وكنّا قاعدين أقَمتمونا على حسد فقد قُمنا فقوموا
ومن لا رغمكم فيه فإنِّي برُغمكمُ وحربكمُ زعيمُ
أعرابيّ من بني أسد:
يا قبر بين بيوت آل محرِّق جادت عليك رواعِدٌ وبُروقُ
هل تنفعنّك دمنة مرعيةٌ فيها أداء أمانة وحُقوق
ذهبتْ بك الأيامُ عنّا بعدما كادتْ بك الأرضُ الفضاءُ تضيقُ
حتَّى السماء فكنت قربَ نجومها ولئن بلغتَ نجومَها لحقيقُ
الجراح بن عبد الله بن جوشن الغطفاني، وقتلت بنو سليم أباه وعرضوا عليه الديّة، فأباها ثمَّ قتل قاتل أبيه وقال:
شفَيتُ أُوارًا من غليل وجدتُه على القلب منه مُستسِرّ وظاهِرُ
ألا ليت قبرًا بين داراتِ مُطرقٍ يُحدِّثُه عنّي الأحاديث جابِرُ
وقالوا بَديل من أبيك وتتَّدي فقلتُ كريمٌ لم تلِدني الأباعِرُ
ألم ترَ أنّ المالَ يُذهبُ دَثْرَه تغيُّر أحوال وتبقى معائرُ
وقال يحرِّض ابنَي أخيه وقد قُتل أبوهما أخوه:
رأيتُكما يا بنَي أخي قد سَمِنتُما ولا يدركُ الآثارَ إلاَّ الملوَّح
وأمُّكما قد أصبحتْ وهيَ أيِّم تخيَّر في خطّابها أين تَنكِح
جَحش بن نُصَيب، أحد بني عبد الله بن غطفان:
ويوم بوادي اليعمرِيَّة لم نزَلْ على الماءِ حتَّى أسْلمَ الماء غامرُه
وقرن تركتُ الطيرَ تَحجلُ حوله تحرَّكُ رِجْلاه وقد مات سائرُه
تركتُ يزيدَ يحفز الموتُ روحَه انثُّ عليه الغدرَ والرمحُ شاجرُه
قوله " حتَّى أسلم الماء غامره " يقول هزمناهم فملكنا ماءهم لهزيمتنا إياهم.
وقوله " انثّ عليه الغدر والرمح شاجره " زعم أنّه طعن رجلًا غادرًا فلمّا طعنه ذكّره غدرَه.
أعرابيّ وأقاد السلطان أخًا له يقال له زيد بقتيل قتله اسمه أيضًا زيد:
علا زيدُنا يوم الوغى رأسَ زيدِكم بأبيَضَ من ماء الحديد
فإن تقتلوا زيدًا بزيد فإنّما أقادكم السلطان بعد زمان
آخر قريب من معناه:
فإن تضربونا بالسِّياط فإنَّنا ضربْناكم بالبيض يوم الصرائمِ
وإنْ تَحلقوا منّا الرؤوس فإنَّنا حلقْنا رؤوسًا باللِّحى والغلاصمِ
عبّاد بن أنف الكلب الصيداوي من بني أسد:
دفَعْنا طريفًا بأطرافنا وبالرّاح عنَّا ولم تدفعونا
فلمْ يبقَ إلاَّ التي حاولوا وخِفنا وأحْرِ بها أن تكونا
[ ١ / ٣٨ ]
فإنْ كان فيكم لكم ثروة فإنَّا عديدٌ وإن كان دونا
وإنا إذا قابلَتْنا السيوف وقد هاجت الحرب ضربًا ثبينا
وطاح الرئيس وهادي اللّواء ولا تأكل الحربُ إلاَّ سمينا
وأعْصمَ بالصَّبر أهلُ البلاء فإنَّا هناك كما تعلمونا
قوله " دفعنا طريفًا " يقول دفعنا حربهم بكلّ ما نقدر عليه، وهو مثل قولهم: دفعتُه عنّي بالراحة فلم يندفع.
وقوله " فلم يبق إلاَّ التي حاولوا " البيت، يريد أنَّهم لا يندفعون عنّا وإن احتملناهم حتَّى يقع بيننا الحرب. ثمَّ خاطبهم فقال: إنكم وإن كانت لكم ثروة وعدد فإنا نحن أيضًا عديد وإن كان دونا، وهذا مثل قول الآخر:
أبا خُراشةَ إمّا كنتَ ذا نفَرِ فإنَّ قوميَ لم تأكلهمُ الضَّبُعُ
ومثله:
فقلتُ لها إنَّ الكرام قليلُ
ثمَّ ذكر الحرب وإنَّ الرئيس وحامل اللّواء يُقتلان لأنَّهما مشهوران، والحربُ لا تأكل إلاَّ السمين، وهذه استعارة حسنة، يريد أنَّ الفارس المشهور يقصده أعداؤه حتَّى يُقتل بشهرته ووضوح موضعه في الحرب. ورُوي عن الحسن أنَّه قال: لو نادى منادٍ أنَّ رجلًا من أهل الأرض في النار، لخفتُ أن أكون ذلك الرَّجُل.
قال عمرو بن كلثوم:
معاذَ الإله أنْ تَنوحَ نساؤُنا على هالك أو أن نَضِجَّ من القَتلِ
قِراعُ السيوف بالسيوفِ أحلَّنا بأرض براحٍ ذي أراك وذي أثلِ
[ ١ / ٣٩ ]
فما أبْقَتِ الأيامُ مِلْمالِ عندنا سِوى جِذْم أدواد تُعينُ على الأزْلِ
ثلاثةُ أثلاثٍ فأثْمانُ خَيلنا وأقواتُنا وما نسوق إلى العقْلِ
أما قوله " معاذ الإله أن تنوح نساؤنا " البيت، فقد تناوله بعض الشعراء بأسره فقال:
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا على هالكٍ منَّا وإنْ قُصم الظَّهرُ
وأخذه آخر فقال:
فُجعوا بذي الحسب الصميم فأصبَحُوا لا مُبْلسين ولا كِظاما وُجَّما
حتَّى كأنَّ عدوَّهم ممَّا يرَى من صبرهم حسِبَ المصيبة أنعُمَا
وأخذه آخر فقال:
هم القَوم لا يخشَون حَربا مضرَّةً وإن قتلوا لم يقشعِرُّوا من القتلِ
وأخذه أبو تمام فقال:
مسترسلين إلى الحتوف كأنَّما بين الحتوف وبينهم أرْحامُ
وقوله: " قراع السيوف بالسيوف " البيت، قد ذكرنا شيئًا من نظائر هذا البيت فيما تقدم من هذا الكتاب، فممَّا لم نذكر قول ابن الخرشب:
نزلْنا على رغم العِدى في مفازة معاقلُنا فيها السُّيوف الصَّوارمُ
وقال التغلبي في هذا المعنى أيضًا:
لنا حصونٌ من الخطّيّ عاليةٌ فيها جداولُ من أسيافنا البُتُرِ
فمن بنَى مَدَرا من خوف حادثة فإنَّ أسيافَنا تُغني عن المَدَرِ
وقد جوَّد هذا الشاعر وما قصَّر، وأصاب تشبيه السيوف إذ جعلها مثل الجداول لكثرة مائها وائتلافها، ثمَّ ذكر أنَّها تغني عن الحصون المبنية من المدر.
وقوله: " فما أبقت الأيام " البيت والَّذي يليه، فقد جوَّد فيما ذكر وأحسن القسمة في البيت الأخير إذ جعل جِمالهم ثلاثة أقسام، فقسم يُصرف في أثمان الخيل إذ كانت حصونهم التي يلجأون إليها ويبلغون بها الغايات ويدركون بها التِرات، وقسم في أزوادهم وأقواتهم وما يَقرون ضيوفهم، وقسمٌ يسوقونه في ديات من يقتلون، ولا نعلم أحدًا اتَّفق له في بيت واحد ولا أبيات كثيرة كما اتَّفق لهذا من صحة القسمة وشرح الأبواب التي تصرف فيها.
المجنون:
وما بِنتُ إلاَّ خاصم البينُ حبّها بحالين من قلبي مطيع وسامع
تبارك ربِّي كم لليلى إذا انتحَتْ بها النَّفس عندي من حميمٍ وشافعِ
قيس بن زهير العبسي:
تركتُ النهاب لأربابه وأكرهتُ نفسي على ابن الصَّعِقْ
جعلتُ يديَّ وشاحًا له وبعضُ الفوارسِ لا يعتَنِقْ
قد ذكرنا كما تقدَّم أن أصل هذا المعنى بيت عنترة:
ينبِئك من شهد الوقيعة أنَّني أغشَى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ
وذكرنا معه شيئًا من نظائره، فلما وقفنا على هذا البيت علمنا أنَّه الأصل فإن قال قائل: قيس بن زهير وعنترة بن شدَّاد العبسيّين في عصر واحد، قلنا: صدقت، إلاَّ أنَّ قيس بن زهير كان أكبر من عنترة بدهر طويل. وأخرى أن هذا الشعر قاله قيس في آخر حرب داحس، وهو الوقت الَّذي قَتل فيه خالد بن جعفر العامريّ زهير بن جذيمة العبسيّ، في أسره عمرو بن الصعق العامريّ، وما نحسب أنَّ عنترة كان وُلد في ذلك الوقت، وإنَّما لحق عنترة آخر أيام عبس وذبيان بعد يوم جَبَلة، وإنَّما ثبتت شجاعته في يوم عُراعر
[ ١ / ٤٠ ]
ويوم الفَروق وهذان اليومان بعد يوم جبَلة، ويوم جبلة كان وقد مضى من حرب داحس شبيه بخمسين سنة. وجوَّد أيضًا قيس في قوله: " جعلتُ يديَّ وشاحًا له " البيت، يقول: إن أكثر الفرسان يطعن برمحه وبسيفه ولا يعتنق إلاَّ الواحد من العدد الكثير. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره وأقدمه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبْنا بالملوك مصفَّدينا
قالت هند بنت عتبة لعنه الله تعيِّر بنت عمّها، رملة بنت شيبة، لما أسلمت:
لحَاها الله صابئةً بوَجٍّ ومكَّة أو بأطراف الحجونِ
تدين لمعشر قتلوا أباها أقتلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ
المطوّح بن عثمان التغلبي:
إذا فخرتْ يومًا نُمير فقل لها ذروا الفخر إنَّ الفخر مسلكه صعبُ
نفاكم عن الدَّار التي كنتم بها رجال كرام من بني تغلب غُلبُ
هم أنكحوا بالغصبِ من فتياتكم جهارًا ومن شرِّ المجاهرة الغصبُ
وما كانَ منَّا عند قوم سبيَّة وما كانَ من أموالنا عندهم نهبُ
وما نالنا من معشر في ديارِنا ولا طَرَدتْنا عن منازلنا الحَربُ
أخذ الحارث بن غزوان الزيديّ التغلبيّ قوله " وما كان منا عند قوم سبيّة " البيت، فقال:
أراني كلَّما ناسَبْتُ حيّا أرى لي من كرام النَّاس خالا
وما تحتَ السماء لنا ابن أخت بمُردفةٍ عليها القدحُ جالا
في قوله هذا زيادة بيِّنة على قول من تقدَّمه لأنه ذكر أنَّه ما ناسب أحياء العرب إلاَّ وجدهم أخواله لكثرة ما سبَى قومُه من نسائهم، ثمَّ قال: " وما تحت السماء لنا ابن أخت " لعزّنا وسطوتنا وإنَّه لا يرام ذلك منّا ولا تُسبى لنا امرأة فيضرب من سباها عليها بالقدح لأيّهم تكون، وفي البيت الأول أيضًا شيء من ذكر العزّ، يقول: إنّ أموالنا ليست تُرام فما انتهب أحد قطّ شيئًا من مالنا.
أعرابيّ يهجو امرأته:
خرقاءُ بالخير ما تُهدى لوِجْهته وهيَ صَناعُ الأذى في الأهلِ والجارِ
ليستْ بشَبْعى ولو أوردتَها هَجَرًا ولا بريّا ولو حلَّتْ بذي قارِ
إلى هذا نظر هذا القائل:
كالحوت لا يكفيه شيءٌ يلهَمُهْ يُصبحُ ظَمآنَ وفي البحر فَمُهْ
ولآخر يخاطب امرأته:
يا رُبَّ مثلكِ في النساءِ عزيزةٍ بيضاء قد روَّعتُها بطلاقِ
لم ندرِ ما تحتَ الضُّلوع وغَرّها منّي تجمّل عِشرتي وخلاقي
أعرابيّ من بني شَيبان:
ومالِي من ذنبٍ إليك عملتُه سِوى أنَّني من رهط بكر بن وائلِ
من الربعيين الذين سيوفُهم مجرَّدةٌ في كلِّ حقٍّ وباطلِ
أعرابيّ يمدح معن بن زائدة، ويهجو روح المهلّب:
لئن كانَ معن زان شيبان كلّها لقد شانَ روحٌ كلّ آلِ المهلَّبِ
رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِه لئيمٌ مُحيَّاه كريم المركَّبِ
[ ١ / ٤١ ]
أخذ أبو تمام قوله: " رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِه " البيت، فقال:
يا أكرمَ النَّاس آباءً ومفتخَرًا وأَلأَمَ النَّاس مَبلُوًّا ومُختبرا
يُغضِي الرجالُ إذا آباؤه ذُكروا له ويُغضي إذا ما لؤمُهُ ذُكرا
والشعر الأول الَّذي أخذ أبو تمام هذا المعنى منه أجود من قول أبي تمام وأحسن تركيبًا وتقسيمًا وأبلغ في المعنى، وقد ألمَّ بهذا المعنى جماعة من الشعراء، فقال بعضهم:
إن قلتَ كانَ أبي في بيت مكرمةٍ قلنا صدقتَ ولكن بئسَ ما ولَدا
وأتى به آخر فقال:
أبوك أبٌ حرٌّ وأُمك حرَّةٌ وقد يلدُ الحُرَّانِ غيرَ نجيبِ
فلا يعجبنَّ النَّاسُ منك ومنهما فما خَبَثٌ من فضَّةٍ بعجيبِ
ولابن المعتز يخاطب به رجلًا فيقول: إنك كريم الآباء لئيم النفس، وهو:
حتَّى كأنَّك نِقمة في نِعمةٍ أو ثُومةٌ في روضةٍ من نرجسِ
وقال الله تعالى:) يخرج الخبيثَ من الطيِّب (والشعر في مثل هذا المعنى كثير، وهو يجيء في مواضع أُخر إن شاء الله.
أعرابيّ ذكر سيفًا:
وصافي الفرنْدِ كأنَّ الدّبَى عَلاه فغادرَ فيه أَثرْ
يُرقرقُ للشَّمس في متنِهِ شعاعٌ يحسّر عنه النَّظرْ
سريع إذا استكرهته اليمين كأنَّ معًا وِردَه والصَّدَرْ
تبيتُ المنيَّةُ في حدِّه وتُلحقُهُ بصروف القدرْ
آخر:
وقلنا لهم ثِنتانِ لا بدَّ منهما صدورُ رِماح أشرِعتْ أو سلاسلُ
لهم صدرُ سَيفي يومَ صحراء سَحْبَلِ ولي منه ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
إذا ما ابْتدرنا مأزِقًا فرجَت لنا مَضائقهُ بيضٌ جلَتْها الصَّياقلُ
الرواية " بأيماننا بيض ". أما قوله: " وقلنا لهم ثِنتانِ " البيت، فإنَّه ذكر أنهم قالوا لأعدائهم من عزّهم وسطوتهم واقتدارهم عليهم: إمَّا أن تختاروا القتل بصدور الرماح أو الشد بالسلاسل في الأسرة.
وقوله: " لهم صدر سيفي " البيت، فمثل قول الآخر، ولا ندري أيّهما أخذ من صاحبه:
نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمةٍ ففينا غواشيها وفيهم صدورُها
أعرابي من بني تغلب:
يناديني لأنظرَهُ بريمٌ فدَعْني إنَّما أربأْ أمامِي
دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّ كما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ
يقول: دعاني بريم لأنظر إلى مواقفه في الحرب، فقلت له: دعني فإنِّي أُريد التقدم أمامي في القتال. ثمَّ قال: " دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّ كما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ " يقول: إنِّي أدنو إلى قِرني غير مرتاع منه كما يدنو من يريد مصافحة صديقه والسلام عليه، ومن هنا أخذ البحتري قوله:
تسرَّعَ حتَّى قال من شهِد الوغَى لِقاء أعادٍ أو لقاء حبائبِ
لقد كانَ ذاك الجأشُ جأشَ مُسالمٍ على أنَّ ذاك الزِّيَّ زيّ محاربِ
ومثله قول أعرابي قديم:
حنَّتْ لهم بكرٌ فلم تسْتطِعْهمُ كأنَّهم بالمشرفيَّة سامرُ
يقول: كأنَّهم قوم يتحدثون في سامرٍ، ليس عليهم روع الحرب ولا جزع القتال.
الضحاك بن عمرو العدواني:
فإن لا أمُتْ أشهدْ سوابقَ غارة تُساقي المنايا بالوشيج المقوَّمِ
بكلِّ رُدَينيّ كأنَّ سِنانه سَنا لهبٍ في عارضٍ متضرّمِ
لكم صعدةٍ دنّستُ بالطعن لونَها بمُعتبط من قانئِ الجوف أسْحمِ
سقاها فروَّاها من الدَّم فانطوَت على عَلَق في ثعلبٍ متهضمِ
قوله: " في ثعلب متهضمِ " قريب من قول البحتري: " أو نثر القناة كعوبا " وفي مثله: " وفي صُلبه ثعلب ينكسِر ".
عبد الله بن الحارث:
إذا طلعتْ شمس النهار مريضةً وجُرّد بالأيدي السيوفُ القواطعُ
وأشرِع أطرافُ الرِّماح كأنَّها حبالُ جَرورٍ مدَّهن النوازعُ
قوله: " إذا طلعتْ شمس النهار مريضةً " يقول: إنَّ يوم الحرب يكسو نور الشَّمس بما يرتفع من الغبار كأنَّها مريضة.
وقوله في وصفه الرماح: " وأشرع أطراف الرِّماح " البيت، مثل قول عنترة بن شداد:
أشطانُ بئرٍ في لبان الأدهم
والجرورُ: البئر البعيدة القعر، وقد أخذه ابن المعتز فقال:
وصَعدةٌ كرشاء البئرِ ناهضةٍ بأزرقٍ كاتِّقاد النَّجم يقظانِ
وروي عن بعض الأعراب أنَّه سُئل عن وقعة كانت لهم فقال: لمَّا لقيناهم جعلنا الرماح أرشِيةً لمناياهم، فنزحنا بها ركايا نفوسهم. والبيت الأول أجود ممَّا ذكرنا بعده لأنه جعل الرماح الطوال وزعم أنَّها لا تكون إلاَّ مع الشجعان لحذقهم بالطَّعن، قال زياد الأعجم:
لعمرك ما رماح بني نُمير بطائشةِ الصُّدور ولا القِصارِ
ويروى أن امرأة من بني نُمير أُحضرت، فاجتمع حولها قومُها ليلقِّنوها الشهادة، فقالت لهم: من القائل: " لعمرك ما رماح بني نُمير " البيت؟ فقالوا: زياد الأعجم، قالت: فبكَم يجوز أن أتصدَّق من مالي؟ قالوا: بثلثه، قالت: فأُشهدكم أنَّه له. فأما قول عنترة: " أشطانُ بئر في لبان الأدهم "، فيجوز أن يكون أراد طولًا، ويجوز أن يعترض عليه معترضٌ فيُعلّ بيته، إذ لم يذكر طولًا ولا قصرًا. وأما بيت ابن المعتز فهو ناقص لأنه ذكر " صَعدة " وهو الرمح القصير عندهم بغير شك.
وقال في رمح وسنان:
له فارطٌ ماضي الغِرار كأنَّه هلالٌ بدا في آخر الليل ناحلُ
أصَمّ إذا ما هُزَّ مارتْ سَراتُهُ كما مار ثعبانُ الرّمالِ الموائلُ
أعرابي:
لقد علمتْ عرسي أُمامةُ أنَّني طويلٌ سنا ناري بطيء خمودُها
إذا حلَّ أضياف الفلاة فلم أجد سوى خشب الأطناب شبّ وقودُها
إذا لم تجد إلاَّ الكريمةَ للقِرى فرِدْ نفسَها إنَّ المنايا تُريدُها
آخر:
إذهبْ فلا يُبعدنك اللهُ من رجلٍ دفَّاع ضيم وطلاَّبٍ بأوتارِ
قدْ كنتَ تحمل قلبًا غير مهتضم مركَّبًا في نصابٍ غيرِ خوَّارِ
جميل:
وقد زعمتْ أنِّي سأرضي بها العدَى سرقت إذًا يا بثن زادَ رفيقي
عمِيتُ إذًا يا بثن حتَّى يقودني إليك العِدَى لا أهتدي لطريقي
الشَّمردل اليربوعيّ:
ألا لا أُبالي من أتاه حمامُهُ إذا ما المنايا عن بجير تجلَّتِ
يكون أمام الخيل أوَّلَ فارس ويضرِبُ في أعجازها إنْ تولَّتِ
ومن هذا أخذ البحتري قوله:
طليعتهم إن وجَّه الجيشُ غازيًا وساقتهُم إن وجَّه الجيشُ قافِلا
[ ١ / ٤٢ ]
وقد ذكرنا نظائر هذا المعنى، وأكثرها فيما كتبنا في هذا الكتاب، وبقيت تأتي في مواضع أخر.
أعرابي وذكر قومًا أبادهم الدهر:
ولقد ترَى ناديهم وكأنَّه طوق المجرَّةِ غُرَّةً وتماما
أُمراء غير مؤمَّرين ترى لهم أمرًا وهم من قدرهم إعظاما
مثل هذا قول الآخر:
إنَّ الأميرَ هو الَّذي يضحي أميرًا عند عزلهْ
إنْ زال سلطان الإما رة كانَ في سلطان فضلِهْ
أعرابي:
لا تَبحثَنْ مولاكِ عمَّا بقلبه ولا ترتَقي مرقاتَه حين يغضبُ
فبعضُ اجْتماع الحيّ أطوع فرقة وبعضُ التَّنَحِّي من صديقك أقربُ
هذا المعنى كثير جدًا، ولو ذهبنا إلى استقصائه كان كتابًا منفردًا، وإنَّما نأتي من النظائر بما عزّ وقلّ في أيدي الناس، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول سعيد بن حميد:
رُبَّ هجر يكون خيفة هجر وفراقٍ يكون خوف فراقِ
ومن أحسن ما قيل في مشي النساء ما قال بعض الأعراب:
فقمن بطيئًا مشيهن تأوّدا على قصبٍ قد ضاقَ عنه خلاخِلُه
كما هزَّت المرّانَ ريحٌ فحرَّكت أعاليَ منه وارْجحنَّتْ أسافلُه
أعرابي:
فيا لله يشتمني قعين تعالى اللهُ ربِّي ذو الجلالِ
فتى إن يرضَ لا ينفعْك شيئًا وإن يغضبْ فإنَّك لا تُبالي
وقد أخذه ابن الرومي فقال:
غضبتَ وطُلْتَ من سفه وطَيش تهزهزُ لحيةً في قدِّ رُقْشِ
فما افترقتْ لغضبتك الثّريَّا ولا اجتمعتْ لذاك بناتُ نعشُ
وقول ابن الرومي هذا أجود من الأول لفظًا وزيادةً في المعنى، ومثل الأول قول الآخر:
أبو عامر كالنَّاس يرضَى ويغضبُ ويبعد في بعضِ الأمور ويقربُ
ولكن رضاه ليس يُجدي قلامةً فما فوقَها وسخطه ليس يرهبُ
أخيرُ من هذا كلّه قوله:
أرعِدْ وأبرِقْ يا يز يدُ فما وعيدُك لي بضائرِ
[ ١ / ٤٣ ]
ولشتَّان بين قول هذا في الغضب وقول جرير:
إذا غضبتْ عليك بنو تميم حسبتَ النَّاس كلَّهم غِضابا
وبين قول بشار بن برد:
إذا ما غضِبْنا غضبةً مضَرِيَّةً هتكْنا حجابَ الشَّمس أو قطرتْ دما
ومثل المعنى الأول في الاستهانة بالغضب قول أبي على البصير:
يا أبا العَيناء لا تَغْ ضَبْ وإنْ تغضبْ فأَهوِنْ
الأعشى:
أبا لِموتِ خَشَّنني عباد وإنما رأيتُ منايا القوم يسعَى دليلُها
فما مِيتةٌ إنْ مُتُّها غير عاجزٍ بعارٍ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها
وله:
أبا ثابتٍ لا تعلَقَنْكَ رماحُنا أبا ثابت واقعُدْ فإنَّك طاعمُ
طعامَ العراق المستجادَ الَّذي ترَى وفي كلِّ عام كسوة ودراهمُ
فأخذ هذا المعنى الحطيئة فزاد على الأعشى زيادة بيّنة بقوله:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِها واقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي
وما أقرب هذا المعنى من قول الآخر:
إذا ما كنت ذا أكل وشُرب فلا تطمَحْ إلى نيلِ المعالي
هذا ضد قول امرئ القيس:
فلو أنَّ ما أسعَى لأدنَى معيشةٍ كفاني ولم أطلبْ قليل من المالِ
ولكنَّما أسعَى لمجد مؤثَّلٍ وقد يُدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي
أعرابي من بني عامر وخطب امرأة منهم كانت قد تزوَّجت قبله وكان لها مال فلم تتزوجْه وردَّته فقال:
أترجو العامريَّة زوج صدقٍ وقد زادتْ على مائة سنُوها
يُطفطفُ ما يريد الزوج منها وأنْتنَ في طويل العمر فُوها
ونُقِّل رحلُها في كلِّ حيٍّ وجرَّبتِ الرجالَ وجرَّبوها
فما وجدوا مناسبَها كرامًا ولا هُم عند خلوتها رضُوها
ولا هي بالولود لمن أتاها ولو ولدتْ لَشينَ بنُوها
وفيها لابنها خِزيٌ طويلٌ كما قد كانَ أخزاها أبُوها
عمرو بن معد يكرب:
أعاذلَ إنَّما أفنَى شبابي ركوبي في الصِّريخِ إلى المنادِي
أعاذلَ شِكَّتى بدَنِي ورُمحي وكلّ مقلّص سلِس القِيادِ
ومثله قول الآخر:
وأفنَى شبابي قِراع الكُماة وإلجام خيل وإسراجُها
وقال آخر:
إنَّما أفنَى شبابي أنَّني أركبُ اللَّيلَ إذا نامَ الدثورُ
قد تقدَّم شيء من نظائر هذا المعنى في صدر هذا الكتاب.
سلمة بن رِشْك اليشكريّ:
عاودَ القلب خبالٌ رَدَعَهْ كلَّما قلتُ تناهى صَدَعَهْ
وجوى من حبِّ سلمى مضمرٌ أتعبَ القلبَ وأبْدى جزعَهْ
[ ١ / ٤٤ ]
وصديق السُّوء لا تأخذه بل جميلُ الرَّأي في أن تدعَهْ
فاجْتَنِبْه واجتنبْ أشياعَهُ إنَّ من آخَى لئيمًا وضعَهْ
أما قوله: " إنَّ من آخى لئيمًا وضعه " مثل قول الأنصاري:
سَلِي عن جليسي من الندِيّ ومألَفِي ومن هوَ لي عند الأمور ظهيرُ
وقريب منه قول علي بن الجهم:
نبيلُ الصديق والعدوّ وإنَّما يعادي الفتَى أكفاءه ويُصالحُ
إلاَّ أنَّ بيت علي بن الجهم أشد استيفاء للمعنى وأحسن في اللفظ ممَّن تقدمه، وما يعرف في هذا المعنى مثل بيت عليٍّ هذا جودةً وفصاحة وحسنًا.
ومثله:
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ إذا ما المرءُ ماشاه
والأصل في هذا قول عدي بن يزيد:
عن المرءِ لا تسأل وسل عن قرينه فإنَّ القرين بالمقارنِ مقتدي
أعرابي من كندة:
إن تهجُ كندةَ ظالمًا لم تنجُ من أظْفارها
وهُم إذا ما الحربُ شبَّ تْ يصطلون بنارِها
واعلمْ بأنَّك والملي كَ لشاربٌ بعُقارها
إنْ لم تُصبك بنارها يتلِفْك حرُّ شرارها
الأخطل:
لعمري لئن أبصرتُ قصدي لربَّما دعاني إلى البِيض الحِسان دليلُها
ووحشٍ أرانِيه الصِّبا فاقتنصتُهُ وكأس سُلافٍ باكرتْني شَمولُها
فما لبَّثتْني أنْ حنَتْني كما ترَى قصيرةُ أيَّام الفتَى وطويلُها
وما يَزدهيني في الأمورِ أخفُّها ولا أضلعَتْني حين نابَ ثقيلُها
آخر:
قومي هم قتلوا أُميم أخي فإذا رميتُ يُصيبُني سهمي
فلئن عفوتُ لأعفُونْ جَلَلًا ولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عَظمي
قد تقدَّم لهذا المعنى فيما كتبناه نظائر كثيرة، وممَّا لم نكتب منها قول العبديّ:
نُطاعنُ قومَنا بمثقَّفاتٍ تردّ القِرنَ منجدلًا نزيفا
ولم أرَ مثلَنا يومَ التقيْنَا تَفُلُّ سيوفُنا منَّا سُيوفا
وهذان البيتان من أحسن ما قيل في هذا المعنى وصفًا ولفظًا، ولقد جوَّد أبان العنبريّ أيضًا في قوله وذكر هذا المعنى:
نُغادي آل مرَّة كلّ يومٍ بأسيافٍ وأرماح لِدانِ
ونعلمُ مثلَ علمهمُ بأنَّا نُقطِّعُ بالبَنان قوى البنانِ
أعرابي من بني الحارث بن كعب:
بني عمّنا لا تَنطقوا الشعرَ بعدَما دَفنتُم بصحراء الغَميم القوافِيا
فلسْنا كمن كنتم تُصيبونَ مرَّةً فنقبَل ضَيمًا أو نحكِّم قاضِيا
ولكنَّ حكم السَّيف فينا محكَّمٌ فنرضَى إذا ما أصبح السيفُ راضِيا
فإنْ قلتمُ إنَّا ظلمنَا فلم نكنْ ظلمنا ولكنَّا أسأنَا التَّقاضِيا
آخر:
إذا ما أراد اللهُ ذلَّ عشيرةٍ رماها بتشتيتِ الهوَى والمجادلِ
وأوَّل عجز القوم عمَّا ينوبُهم تدافعُهم عنه وطولُ التواكلِ
الأحيمر السعديّ وطرده قومه لكثرة جناياته:
وإنِّي لأستَحْيي من الله أنْ أُرَى أُجرِّرُ حبلًا ليس فيه بعيرُ
وأنْ أسألَ الوغدَ البخيلَ بعيرَه وبُعْرانُ ربِّي في البلادِ كثيرُ
عوَى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذ عوَى وهينَمَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ
بعض الأعراب:
رُجحٌ فلسنَ من اللَّواتي بالضُّحى لذيولهنَّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خرجنَ يعدنَ أهل مصيبةٍ كانَ الخُطا إسراعُها الأشبارُ
يأنَس عند بعولهنَّ إذا خلَوْا وإذا هُم خرجوا فهنَّ خِفارُ
[ ١ / ٤٥ ]
وكلامهنَّ كأنَّما مرفوعُهُ بحديثهنَّ إذا التقينَ سرارُ
من ههنا أخذ أبو تمام قوله:
فالمشيُ همس والنداءُ إشارة خوفَ انتقامك والحديثُ سرارُ
جرير:
طرقتْ نواحلَ قد أضرَّ بها السُّرى برِحتْ بأذرعها نتائفَ زُورا
مشق الهواجرُ لحمهنَّ مع السُّرى حتَّى ذهبنَ كلاكِلًا وصُدورا
حور يُربِّبُها النعيمُ وصادفتْ عَيشًا كحاشية الفرند غريرا
ما قاد من عرب إليَّ جوادهم إلاَّ تركتُ جوادهم محسورا
وإذا هززْتُ قطعتُ كلَّ ضَريبة ومضيتُ لا طَبِعًا ولا مبهورا
جميل:
ألا يا خليل النَّفس هل أنت قائلٌ لبثنة سرًّا هل إليك سبيلُ
فإن هي قالت لا سبيلَ فقل لها عناءٌ على العذريِّ منكِ طويلُ
أعرابي:
وربَّ مصاليط نشاط إلى الوغى سِراع إلى الدَّاعي كرامِ المقادمِ
أخضتُهم بحر الحِمام وخُضتُه رجاءَ ثوابٍ لا رجاءَ المغانمِ
فأُبْنا وقد حزنا النهابَ ولم نُرد سوى الموتِ غنمًا وابتناء المكارمِ
أعرابي يمدح ابنه:
تنجَّبْتُها للنسل وهي غريبة فجاءتْ به كالبدرِ خِرقًا مُعمَّما
فلو شتم الفتيان في الحيِّ ظالمًا لما وجدوا غير التَّكذُّب مَشتَما
المعمَّم عندهم السّيد يلجأون إليه في النوازل، وكذلك المعصَّب، ومثله:
منعتُ من العُهَّار أطهارَ أُمِّه وبعض الرِّجال المدَّعين غثاءُ
فجاءتْ به عبلَ الذِّراع كأنَّما عِمامتُهُ فوق الرِّجال لواءُ
" عمامته فوق الرجال لواء " معنى جيّد، وهم يصفون السيد بالطُّول، والأصل في ذلك قول عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابَه في سرحةٍ يُحذَى نعالَ السَّبتِ ليس بتوأَمِ
أخذه أبو نواس فقال:
أشمُّ طوالُ السَّاعدَين كأنَّما يُناط نِجادًا سيفِه بلواءِ
وردَّه في موضع آخر فقال:
غَمَرَ الجماجِمَ والرِّجالُ قيامُ
وهذا كثير ونحن نأتي به في موضعه.
أعرابيّ:
أَلا قالت الخنساء يوم لقيتُها كبرتَ وما تجزع من الشَّيب مَجْزَعا
رأتْ ذا عمًى يمشي عليها وشيبةً تقنَّعَ منها رأسُهُ ما تقنَّعا
فقلتُ لها لا تهزئي بي فقلَّما يسودُ الفتَى حين يشيبَ ويصلَعَا
وللقارحُ اليَعبوبُ خَير عُلالةً من الجذَع المُزجَى وأبعدُ منزَعا
قوله: " وللقارحُ اليَعبوبُ " البيت، معنى جيد، يريد أن الكهول الذين لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبرُ عليها وأقدم فيها من الشَّباب، مثله:
وابنُ اللَّبونِ إذا ما لزَّ في قرَنٍ لم يستطع صولةَ البُزْلِ القَناعيسِ
معنى جيد يريد أن الكهول الذين قد لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبر عليها وأقدم فيها من الشباب الذين لم يتمهَّروا فيها وهم أيضًا أشحُّ على الحياة من الكحول، والكهول أيضًا يعلمون ما في الفرار من العار والقالة القبيحة فهم يقدمون خشية ذلك. ومثل هذا المعنى قول الشاعر:
لعمركُ للشبانُ أسرع غارةً وللشيبُ إنْ دارتْ رحى الحربِ أصبرُ
يقول: إن الشبان، لما فيهم من الجهالة، أسرعُ إلى الحرب، والمشايخ أصبر فيها وأبعدُ من الفرار عنه، وقال آخر:
يُرَى الغِرُّ عن ورد الكريهة مُحجِمًا إذا الكهل في ورد الكريهة أقدَما
وما يستوي الاثنان هذا مُوَقَّحٌ وهذا تراه في الحروبِ مُحرَّما
وقد أخذ البحتري هذا المعنى فأجاده وهذَّبه بطبعه فقال:
يُهالُ الغلام الغِرُّ حتَّى يرُدُّه إلى الهولِ من مكروهها الأشيبُ الكهلُ
ومثله قول جرير وجاء به مثَلًا:
وابن اللَّبونِ إذا ما لَزَّ في قرَنٍ لم يستطع صَولة البُزل القناعيسِ
وقال العنبريّ ووصف حربًا:
تهولُ الإفلَ إذا أُضرمتْ وليس تهولُ الفحولَ القُرومَا
ولهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها.
أعرابيّ يمدح بعض الخلفاء:
على خَشَبات الملك منه مَهابَة وفي الرَّوع عبل السَّاعدين فروعُ
يشقّ الوغى عن وجهه صدق نجدة وأبيضُ عن ماء الحديد صنيعُ
السموأل بن عاديا:
إنِّي إذا ما الأمرُ بُيِّنَ شكّه وبدتْ عواقبُه لمن يتأمَّلُ
وتبرَّأ الضُّعفاء من إخوانهم وألحَّ من حُرِّ الصَّميم الكلكلُ
أدَعُ الَّتي هي أرفقُ الحالاتِ بي عند الحفيظةِ للَّتي هي أجملُ
لبعض الخوارج يقول لامرأته وكانت ترى رأيه وأراد الخروج فقالت: أخرجْني معك، فقال:
إنَّ الحروريَّةَ الحرَّى إذا ركبُوا لا تستطيع لهم آمالُك الطَّلَبا
إنْ يركبُوا فرسًا لا تركبي فرسًا ولا تُطيقي مع الرجَّالة الخبَبَا
أعرابيّ:
أراني في بني حكَم قَصِيَّا غريبًا لا أزورُ ولا أُزارُ
أُناس يأكلونَ اللَّحمَ دوني وتَأتيني المعاذرُ والقُتَارُ
ومثله قول الآخر:
إذا مدَّ أربابُ البيوت بيوتَهم على رُجُح الأكفال ألوانُها زُهرُ
فإن لنا منها خباءً تحفُّهُ إذا نحنُ أمسيْنا المجاعة والفقرُ
أعرابيّ:
ألم تسألْ فوارسَ من سُليم بنَضْلَةَ وهو موتورٌ مُشيحُ
رأَوهُ فازدرَوه وهو خرقٌ وينفعُ أهلَه الرجلُ القَبيحُ
فلم يخشَوْا مَصَالتَه عليهم وتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ
فأطلقَ غُلَّ صاحبِه وأردَى جريحًا منهم ونجَى جريحُ
فأما قوله: " رأوه فازدروه " البيت مأخوذ من قول الأول:
ترى الرَّجُل النحيفَ فتزدريه وفي أثوابهِ أسَدٌ يَزيرُ
ونظر أبو تمام إلى قوله: " وتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ ":
وليستْ رَغوتي من تحت مَذْقٍ ولا جَمْري كمينٌ في الرمادِ
ليلى ابنة النضر بن الحارث بن كلدَة تخاطبُ النبي ﷺ وقد قتل أباها النضر بن الحارث صبرًا عند منصرفه عن غزوة بدر:
أبْلغ بها ميتًا فإنَّ قصيدة ما إنْ تزال بها الركائبُ تخفِقُ
ولَيَسْمَعَنِّي النضرُ إن ناديتُهُ إن كانَ يسمعُ ميّتٌ أو ينطِقُ
ظلَّتْ سيوف بني أبيه تنوشُهُ لله أرحامٌ هناك تشقَّقُ
قسرًا يُقادُ إلى المنيَّة مُتعبًا رسفَ المقيّد وهو عان مُوثَقُ
أمحمدٌ ها أنتَ صِنوُ نجيبة من قومها والفحلُ فحلٌ معرِقُ
ما كانَ ضرَّك لو مننْتَ وربَّما منَّ الفتَى وهوَ المغيظُ المُحنقُ
فيقال أنَّ النبي ﷺ قال: لو سمعتُ شِعرها قبلَ أن أقتله ما قتلته. أما قولها: " ظلَّت سيوف بني أبيه تنوشُهُ " البيت، فمن قول الآخر:
ألم ترنا والله يصلح بينَنا نُقطِّعُ من أرحامنا ما توصَّلا
ومنه أخذ الآخر قوله:
إذا وصلَ الناسُ أرحامَهم فإنَّا نُقطِّعها ظالِمينا
ولولا اتّقاءُ كلام العداةِ لكنَّا لأرحامنا واصِلِينا
هذا ذكر أنَّ قطيعة أرحام أقربائه في الحرب خوفًا من المعائر التي تلحق النَّاس عند تغافلهم عن طلب ثأرهم. وإلى مثل هذه المعاني نظر البحتري وغيره ممَّن ذكرنا أقاويلهم في مواضع من كتابنا.
أبو نزار العقيلي يقول لعقيل بن مرَّة الأشجعي:
يظنُّ عقيلٌ أنَّ من نالَ مجلسًا وخلوةَ يوم منه نالَ غنى الدَّهرِ
فقل لعقيل ليس هذا كما ترَى نبيذك لم يُخلق أمانًا من الفقرِ
لبعض خوارج الأعراب وهو قطريّ بن الفجاءة:
أقولُ لها إذا جاشتْ حياء من الأبطالِ ويحَك لن تُراعِي
فإنَّكِ لو طلبتِ حياةَ يوم على الأجلِ الَّذي لكِ لَن تُطاعي
فصبرًا في مجال الموتِ صبرًا فيما نيلُ الخلودِ بمُستطاعِ
وما ثوبُ الحياةِ بثوب عزٍّ فيُطوَى عن أخي الخَنَع اليَراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلّ حيٍّ وداعِيه لأهل الأرض داعِي
ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْ ويُفضِ به البقاءُ إلى انقطاعِ
قوله: " أقول لها " البيت، شبيه بقول ابن الإطنابة:
أقولُ لها إذا جشأَتْ وجاشتْ مكانكِ تُحمَدي أو تستريحِي
وقد ذكرنا ما في هذا البيت من العيب فيما تقدم من الكتاب.
وأما قوله: " فإنك لو سألت " البيت، قد أخذه بعض العرب فقال:
فإنِّي لو طلبتُ حياةَ يوم على أجَلي لكانَ مدًى بعيدا
وقال الآخر:
فلا تكُ طامعًا في عيشِ يوم إذا وافاك يومٌ لا يُرَدُّ
وهذا كثير جدًّا في القديم والمحدث من أشعارهم.
وأما قوله: " ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْ " البيت، فكما قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
من لم يمُتْ عبطةً هرَما فالموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
وهذا أيضًا كثير ولذلك أقصرنا عن الإسهاب فيه.
ولبعض الخوارج أيضًا:
إلى كَم تُعاديني السيوفُ ولا أَرَى مُعاداتَها تُدني إليَّ حِمامِيَا
أُقارعُ عن دار الخُلود ولا أَرَى بقاءً على حال لما ليس باقِيَا
ولو قرَّب الموتَ القِراعُ لقد أَتَى لموتيَ أن يدنو بطولِ قِراعِيَا
أُغادِي جلادَ العَالمين كأنَّني على العسَل الماذيِّ أُصبحُ غادِيَا
وأدعو الكُماةَ للنِّزال إذا القنا تحطَّمَ فيما بيننا من طِعانِيَا
ولستُ أرَى نفسًا تموتُ وإن دنتْ من الموتِ حتَّى يبعثَ اللهُ داعِيَا
ولآخر منهم:
لا يركنَنْ أحدٌ إلى الإحجام يومَ الوغَى متخوِّفًا لحِمامِ
فلقد أراني للرِّماحِ درِبَّة من عن يميني تارةً وأمامِي
ثمَّ انصرفتُ وقد أَصبتُ ولم أُصبْ جذَعَ البَصيرة قارحَ الأقدامِ
قيس بن عاصم المنقريّ:
إنِّي امرؤ لا يطَّبي حَسَبي سَفَه يكدّره ولا أمنُ
من مِنقَر في بيتِ مكرمةٍ والغصنُ ينبتُ حوله الغصنُ
حُلَماء حين يقول قائلُهم بيضُ الوجوه مصاقعٌ لُسْنُ
لا يفطَنون لعَيب جارِهم وهمُ لحفظ جواره فُطْنُ
وله أيضًا:
إنْ يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحًا عنِّي وما سمِعوا من صالحٍ دفَنوا
صُمٌّ إذا سمعوا خيرًا ذكرتُ بهِ وما ذكرتُ به من سيِّئٍ
وقال بعض لصوص العرب:
وطالَ احتضاني السَّيف حتَّى كأنّما يلاط بكشحي جفنُهُ وحمائلُهْ
أخو فلواتٍ صاحَب الجنَّ وانْتأَى عن الإنسِ حتَّى قد تقضَّتْ وسائلُهْ
له نسب الإنسيِّ يُعرف نَجْرُهُ وللجنِّ منه شكلُهُ وشمائلُهْ
أما قوله: " وطال احتضاني " البيت، مثل قول الآخر:
وطال احتضاني الرمح حتَّى كأنّما علَى منكبي غصنٌ من الأثل نابِتُ
أعرابيّ قطعت يده ورجلُه:
اللهُ يعلَم أنِّي من رجالهم وإن تقطّع عن مَتنيَّ أطماري
وإن رُزِئتُ يدًا كانت تُجمِّلُني وإن مَشيتُ على زُجٍّ ومِسمارِ
أعرابيّ:
لا تَحْقرنَّ سُبَيبًا كم فاد خيرًا سُبيبُ
وقد بقي لهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها إن شاء الله.
وقال ودَّاك بن ثُميل المازنيّ:
مقاديمُ وصَّالون في الرَّوع خَطوهم بكل رقيق الشفرتَين يَمانِ
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهم إلى أيّ حيٍّ أم بأيّ مكانِ
أما قوله: " مقاديم " البيت، فالأصل فيه قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنُضاربُ
وقد ذكرنا هذا وشيئًا من نظائره فيما تقدَّم، وبقيت أشياء لم نذكرها هناك، منها قوله:
إذا الكُماةُ تنحَّوا أن ينالَهمُ حدَّ الظباة وصلناها بأيدينا
وأخذه آخر فقال:
وصلْنا الرقيقَ المرهفاتِ بخَطْونا على الهول حتَّى أمْكنَتْنا المضاربُ
وقال بعض الرجَّاز في مثل هذا:
الطاعنون في النُّحور والكلى والواصلون للسيوف بالخُطى
وقال آخر:
سَلَّ السيوف وخُطًى تزدادُها
وقال معن بن أوس المزني:
فلا وأبي حبيبٌ ما نفاه هوازنُ من بلاد بني يمانِ
وكان هوى الغنيِّ إلى غناه وكان من العشيرة في مكانِ
تكنّفَهُ الوشاةُ فأزعجوهُ ودسُّوا من قضاعة غيرَوانِ
ولولا أنَّ أمَّ أبيه أُمِّي وأنّي من هجاه فقد هجاني
إذًا لأصابه منِّي هجاءٌ تناقله الرواة على لِساني
أعلِّمه الرماية كل يوم فلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني
يُروى بالسين غير معجمة من السداد في الرمي وبالشين معجمة أكثرُ، أخذ دِعبل هذا المعنى فقال:
إنْ عابني لم يعِبْ إلاَّ مؤدِّبَه فنفسَه عاب لمّا عاب أدَّابَهْ
وكان كالكلب ضرَّاهُ مكلِّبهُ لصيده فغدا فاصْطادَ كلاَّبَهْ
أعرابي:
وإنِّي لأطوي البطن من دون ملئه لمستنبح في آخر الليل صائحِ
وإنَّ امتلاءَ البطن في حسب الفتَى قليل الغناء وهو في الجسم صالحِ
من جيد ما قيل في هذا المعنى ونادره قول الشاعر:
أُقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرة وأحْسو قَراحَ الماء والماءُ باردُ
وقد ذكرنا هذا وشيئًا من نظائره في أوّل الكتاب.
أعرابيّ يلقَّب بالمُفَرِّق:
ونُبِّئتُ أخوالي أرادوا عمومتي بشَنعاء فيها ثامل الشرّ منقَعا
سأركبها فيكم وأدعى مفرِّقًا فإن شئتمُ من بعدُ كنتُ مُجمِّعا
بهذا البيت سمِّيَ مُفرِّقًا.
أعرابيّ:
سقَّى الرَّبابَ مجَلجِلُ ال أكنافِ لمَّاحٌ بروقُهْ
جَونٌ تكفكفُه الصَّبا وهْنًا وتَمريه خريقُهْ
حتَّى إذا ما ذرعُهُ بالماءِ ضاق فما يُطيقُهْ
حلَّتْ عزالِيَه الجَنو بُ فنجَّ واهيةً خروقُهْ
أأبا شُرَيح هل ترى أفقًا يؤرِّقُني بُروقُهْ
أعلى ذُؤابة حضرمو ت فبطن واديها طريقُهْ
صابتْ عليه هواطلٌ حتَّى يُغَرْغرها عميقُهْ
ولقد غدوتُ مُناهبًا بأقبَّ لم توسَم فليقُهْ
نهدِ التَّليل مُشايحٍ كالجذع شذّبَهُ سحوقُهْ
طاوي الأياطل سابحٍ كالذّئب طال به خفوقُهْ
أعرابيّ:
فإنْ يمنعوا منّا السلاحَ فعندنا سلاحٌ لنا لا تُشترى بالدّراهمِ
جنادِل أملاءُ الأكفِّ كأنَّها رُؤوسُ رجالٍ حُلِّقت بالمواسمِ
رُوي أنَّ غلامًا من الأعراب أراد أن يمضي مع قوم من بني عمّه إلى حرب كانت لهم، فقال لهم: تجنَّبوا النبل فإنَّها رسل المنيَّة، واحذروا الرماح فإنَّها أرشية الموت، وتوقَّوا السيوف فإنَّها لا سوء بعدها، قالوا: فيم نقاتل؟ فقال: بقول الشاعر:
[ ١ / ٤٦ ]
جنادل أملاء الأكف كأنها رؤوس رجال حلّقت بالمواسم.
أعرابيّ:
نظرت إلى نار لعصماء أوقِدَتْ وفي القوم عنها والمطيّ صُدودُ
أكاتِم أصحابي هواها وليتَني لما بين أيدي المصطلين وقودُ
حبس بعض الولاة أعرابيًا وقيَّده بقيدين فقال:
حبوني بخلخالين ليسا بفضَّة ولا ذهب عارٌ عليَّ يسيرُ
وقد وعدوني ثالثًا من قيودهم وإنِّي بقيد رابعٍ لظهيرُ
وقال جعفر بن عُلبة الحارثي:
وقد قلت يومًا للفريقين عرِّجا عليَّ وشدّا لي على جملي رحلي
ولا تعجلا بي بارك الله فيكما فقد كنت وقَّافًا على ذي هوى مثلي
أعرابيّ:
فأبْلغ عامرًا عنِّي رسولًا وهل تجد النصيح بكلّ وادِ
تعلَّمْ أنَّ أكثر من تراهم وإنْ ضحكوا إليك من الأعادي
وقال عمار بن ثقيف الهلالي:
يا ربّ قائلة يومًا لجارتها هل أنتِ مخبرتي ما شأنُ عمّارِ
قالتْ أرى رجلًا بادٍ أشاجعُه كأنَّه ناقهٌ أو نضو أسفارِ
إمّا تريني لجسمي غير محتشدٍ فإنَّني حشد للضيف والجارِ
وما على الحرّ أن تعرى أشاجعُه أو يلبس الخلَق المرقوع من عارِ
هذا البيت مثل قول الآخر:
قد يدرك الشرفَ الفتَى ورداءهُ خلَق وجيبُ قميصه مرقوعُ
وهذا البيت أجود لفظًا وإغراقًا في المعنى.
أعرابيّ:
أكرمْ أخاك الدهرَ ما كنتما معًا كفى بالمماتِ فرقة وتنائِيا
إذا جئتُ أرضًا بعد طول اجتنابها تنكَّرتُ أهلي والبلاد كما هيا
أما البيت الأول فمثل قول العجّاج:
واسْتَعجلَ الدَّهر وفيه كافِ لفرقة الأحباب والأُلاَّفِ
وأخذه آخر فقال:
فلا تسبق بهجرك ريبَ دهر فإنّ الدَّهر يفعل ما يُريد
وأخذه آخر فقال:
كفى بمرور الدَّهر يا أمَّ مالك وبالموتِ قطَّاعًا لكلّ قرين
وأخذه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال:
رُويدكِ إنَّ الدَّهر فيه كفاية لتفريقِ ذات البين فانتظري الدهرا
وقوله " إذا زرتُ أرضًا بعد طول اجتنابها " مثل قول زهير:
بلينا وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ وتبقى الجبالُ بعدنا والمصانعُ
أعرابي ومدح قومًا:
وعافوا حياض الماءِ فاختلَجتْهم حياضُ المنايا عن لئيم المشاربِ
فماتوا ظماءً خيفة العار وابتنَوا مكارمَ ناطوا عزّها بالكواكبِ
شرَوا أنفسًا كانوا قديمًا أضِنَّةً بها طمعًا في باقيات العواقبِ
فأضحَوا وهم سنُّوا الوفاء وأورثوا مواريثَ مجد ذكرُها غيرُ ذاهبِ
هذا مثل قول الآخر:
إنَّ الألى بالطَّف من آل هاشم تآسوا فسنَّوا للكرام التآسِيا
أعرابي:
ألا طرقَت أسماءُ رَحْلي ودونها حِقافٌ ومنقاد من الرمل أعْنَقُ
ألمَّتْ بكالسَيف المحلّى ونضوة لها مدمعٌ خِلو ولَحْيٌ معرَّقُ
سرى ما سرى ثمَّ استغاث برفعه وقد لاح شِمراخٌ من الصبح أبلقُ
أقال لكِ الواشون باح وصدرُه على بعض أطراف الودائع مُغلقُ
وما باح إلاَّ أنَّ إنسانَ عينه لذكراك من ماءِ الصبابة يَعْرقُ
عليه متعلق في قوله " على بعض أطراف الودائع مغلق " لأنه ذكر بعضًا ولم يذكر كلًا، فيجوز أن يكون أذاع من سرِّها شيئًا وكتم شيئًا.
أعرابي يهجو أباه:
إذا كانت الآباءُ مثل أب لنا فلا أبقتِ الدُّنيا على ظهرها أبا
إذا شابَ رأس المرء أقصر وارعوى وإنَّ أبانا حين شاب تشبَّبا
أعرابي يهجو قومًا وهو زياد الأعجم:
فمَنْ أنتم إنّا نسينا من أنتم وريحكُم من أيّ ريح الأعاصرِ
أأنتم أولى جئتم مع البقل والدَّبَى فطارَ وهذا شخصُكم غير طائرِ
فلم تعرِفوا إلاَّ بمن كان قبلكم وما تدرِكوا إلاَّ مدَقَّ الحوافرِ
لمّا أسنَّ قيس بن زهير العبسي وضجر من الحروب التي كانت بينه وبين بني ذبيان وغيرهم من العرب، أشار على قومه بالرجوع إلى قومهم ومصالحتهم، فقالوا: سِرْ نَسِرْ معك، فقال: لا والله لا اطلعتْ في وجهي ذبيانيةٌ قتلتُ أباها أو أخاها أو زوجها أو ولدها؛ ولكن الحقوا بقومكم ودعوني. فلحقوا بقومهم وصالحوهم. وكان قيس بن زهير يدور في الفيافي ويتقمّمُ العشب ولا يقرب حيًّا من أحياء العرب لأنَّ العرب كانت تعظم أمره وفتكه وتطيَّرُ بالنظر إليه. فبينا هو في ليلة قرَّة في بعض الفلوات إذ نظر إلى صائد قد أورى نارًا فقصده يستطعمه وكان قد مكث دهرًا لم يطعم غير العشب، فلمَّا همّ بذلك أنِفَ وقال: إنَّ بطنًا يحملني على هذه الخطّة لبطن سوء، والله لا أدخله شيئًا حتَّى أموت ولم يطعم شيئًا حتَّى مات، فقال فيه بعض قومه:
إنَّ قيسًا كان ميتته كرمًا والحيُّ منطلِقُ
شام نارًا باللّوى اقتدحتْ وشجاع البطنِ يختفِقُ
في دريسٍ ليس يستُره رُبَّ حُرٍّ ثوبه خَلِقُ
أعرابي يمدح رجلًا:
فتى لا تراه الدَّهر إلاَّ مشمِّرا ليدرك مجدًا أو ليرغم لوّما
تقسّمت الأموالُ عن طيب ذكره وإن كان يُبكيها إذا ما تبسّما
آخر:
لعمرك ما أتلفتُ مالًا كسبتُه إذا كنتُ معتاضًا بإتلافه نبلا
ولا قيل لي والحمد لله غادرٌ ولا استحسنَتْ نفسي على صاحب بُخلا
ولا نزلتْ بي للزمان ملمَّةٌ فأحذر منها حين تنزل بي ذلاّ
صبرت لريب الدَّهر يحدث دائبًا فلما رأى صبري لإحداثه مَلاَّ
أعرابي:
إذا متّ فابْكيني بثنتين لا يُقل كذبتِ وشرّ الباكيات كذوبُها
بعفّة نفس حين يُذكَر مطمعٌ وعزَّتها إن كان أمرٌ يريبُها
فإن قلتِ سمحٌ بالندى لم تكذَّبي فأمَّا تُقَى نفسي فربّي حسيبُها
أعرابي من بني عامر:
غداة لقينا من عبادة أسرةً مجرّبةَ الأيام ذات عُرامِ
إذا وصلوا أيمانهم بسيوفهم فليسوا على أحسابهم بلئامِ
آخر:
سنبكي بالرماح إذا التقينا على آبائنا وعلى بَنينا
وضرب تُرعَدُ الأحشاءُ منه وطعن يقلب الألوان جونا
آخر:
وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهم سريت بهم حتَّى تلين السوالفُ
غيوث إذا راحوا ليوث إذا غدوا صروف إذا أعيا الرجالَ المصارفُ
أعرابي:
وذات حليل أيَّمتْها رماحُنا قديمًا وأخرى قد جعلنا لها بعلا
وما العدل أن يروى القنا من دمائنا وإنْ تَعرضوا من دون أوتارنا العقْلا
أعرابي ومدح قومًا:
تخالُهم للحلْم صُمًّا عن الخنا وخرسًا عن الفحشاء عند التَّهاجرِ
ومرضى إذا لوقوا حياءً وعفّة وعند الحفاظ كاللّيوثِ الخوادرِ
كأنَّ بهم وصْمًا يخافون عارَه وما وصْمُهم إلاَّ اتّقاءُ المعايرِ
قد ذكرنا هذا المعنى وشيئًا من نظائره فيما تقدم وبقيت له نظائر نذكر منها هنا شيئًا، فممّا نذكره قديمًا قول الشاعر وهو مروان:
لعمرٍ على حيَّى نزار كليهما أيادي كريم منَّ فيها وأنْعَما
فتى لم يدَعْ بابًا من الخير مغلقًا ولم يغشَ ممَّا حرّم الله مَحْرما
وتلقاه من فرط الحياء كأنَّه سقيم وإنْ أمسى صحيحًا مسلّما
وأتى به آخر فقال:
نَزْرُ الكلام من الحياء تخالُه ضَمِنًا وليس بجسمه سُقْمُ
مُتهلِّلٌ بِنَعم بلا متباعِد سيّان منه الوفْرُ والعُدْمُ
شاعر من الخزرج:
وطاعنّا وللنبْلِ هرير يصدَعُ القلبا
فلما طاعنَ القومُ تركنا فيهم الضَّربا
يقول: طاعنّا بالرماح وأعداؤنا يرمون بالنبل، فلما دنا بعضُنا من بعض وأفضى أعداؤنا إلى الطعن بالرماح جالدناهم بالسيوف. وهذا المعنى من المعاني الجياد، فإن كان قائل هذا الشعر اخترعه وكان الأصلَ فيه، زاد زهير بقوله:
يطعنُهم ما ارتمَوا حتَّى إذا اطّعنوا ضاربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
لأن زهيرًا أتى بالمعنى الَّذي قدَّمنا ذكره، وهو بيتان، في بيت واحد، وله أيضًا فيه زيادة جيدة لأنه ذكر أنَّه يطعنهم وهم يرتمون ثمَّ يضربهم وهم يتطاعنون فإذا اضطربوا بالسيوف عانق، ولم يُتمِّم أحد هذا المعنى بمثل هذا، إلاَّ أنّ زهيرًا أخذه بغير شكّ من المهلهل بن ربيعة التغلبي في قوله:
أنبضوا مَعجِسَ القِسيّ وأبرقْ نا كما يوعِدُ الفحولُ الفُحولا
وبيت المهلهل، وإن كان سابقًا للمعنى، فهو دون بيت زهير ودون بيت الأنصاريّ لأنه ذكر أنهم أنبضوا القسيّ وأبرقنا، فيجوز أن يكون أنبضوا قسيَّهم من بُعد وأبرقنا من بُعد، ولم يدنُ بعضهم من بعضٍ، وهذا غير مستوفٍ للمعنى استيفاءً جيدًا. وبيت الأنصاريّ، وإن كان دون بيت زهير أيضًا، فهو أجود من بيت المهلهل لما قدّمنا ذكره من العيب الظاهر فيه. وإلى هذا المعنى نظر البحتري في قوله:
فمن كان منهم ساكتًا كنتَ ناطقًا ومن كان منهم قائلًا كنتَ فاعلا
ولهذا المعنى نظائر تأتي فيما يستأنف إن شاء الله.
قال عتيبة بن مرداس:
رأيتُ المعلّى ليس يُشبه عمَّه ولا خالَه ولا أباه المقدَّما
أولئك ما زالوا عرانينَ خندف إذا كان يومًا كاسفَ الشَّمس مُظلِما
وهذا فما نلقاه إلاَّ مصمِّمًا على مال ذي القُربى وإن كان مُعدِما
فتى تكثر الأموال تحتَ عِجانه إذا أكثر النَّاس النَّدى والتكرُّما
تراه كماء البحر يدفع مِلحه لورّاده عنه وإن كان مُفعَما
من هنا أخذ البحتريّ قوله:
[ ١ / ٤٧ ]
جِدَةٌ يذود البخلُ عن أطرافها كالبحر يدفع مِلحَه عن مائهِ
ولقد جوّد البحتري، وإن كان قد أخذ المعنى بأسره وبعض اللفظ.
أعرابيّ:
لقد بان منّا مالك وجياده تخمَّطُ فيما بينهن المذاودُ
ولا يبعدنك الله ميتًا فإنّما حياة الفتَى سير إلى الموت قاصدُ
من هنا أخذ البحتري قوله:
وكانت حياة المرءِ سوقًا إلى الرَّدى وأيامُه دون الممات مراحِلُ
وله مثله:
وما أهل المنازلِ غير ركب مناياهم رواحٌ وانتظارُ
أعرابي من كلب، يمدح مسلمة بن عبد الملك:
نزور امرأً من آل مروان لم يزل لنا منه عِلمٌ لا يحدُّ ونائلُ
تراه إذا ما أظلمَ الخطبُ مُشرقًا كمثل حسام أخلصَتْه الصياقِلُ
أخذه البحتريّ فجوَّد فيه:
يتوقَّدْن والكواكبُ مطفا تٌ ويقطعن والسيوفُ نوابي
هذا معنى قد اشترك فيه جماعة، فمن جوّده أبو تمام في قوله:
ترمي بأشباحنا إلى مَلِك نأخذُ من ماله ومن أدَبِهْ
وأخذه البحتري فجوّد فيه:
يفيض سماحةً والمزن مُكْدٍ ويقطع والحسامُ العَضْبُ نابِ
آخر:
نغدو فإمّا اسْتعرنا من محاسنه فضلًا وإمّا اسْتَمحنا من أياديهِ
ولقد أتى ابن الرومي في نهاية التجويد واستيفاء المعنى بقوله:
يقول عليّ مرَّة وأنالني وكان عليًّا في معانيه كاسْمهِ
أرى فضلَ مال المرءِ داء لعِرضه كما فضل طعم المرء داء لجسمهِ
فرحتُ برفدَيهِ وما زلت رابحًا برِفدَين من شتّى نداه وعلمِهِ
أبو قيس بن الأسلَت:
من يذقِ الحربَ يجدْ طعمها مُرًّا وتتركْه بجَعجاعِ
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فما أطعم نومًا غير تهجاعِ
أعددتُ للأعداء موضونة فضفاضةً كالنِّهي بالقاعِ
أحفِزُها عنِّي بذي رونق مهنّدٍ كالملح قطَّاعِ
هلاَّ سألتِ القوم إذ قلّصتْ ما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذلُ المالَ على حبِّهِ فيهم وآتي دعوةَ الداعي
وأضربُ القونَس يوم الوغى بالسيف لم يَقْصُر به باعي
وقال يزيد بن خذاق العبدي:
لن يجمعوا ودّي ومَعْتبتي أو يُجمعَ السَّيفانِ في غِمْدِ
ماذا بدا لك نحتُ أثلتِنا فعليكَها إن كنتَ ذا حَرْدِ
ومكرتَ مُلتمِسًا مذلَّتنا والمكْرُ منك علامةُ العَمْدِ
وهززتَ سيفك لي تحاربني فانظُر لسيفك من به تُردي
أخذ قوله " أو يجمع السيفان في غمد " أبو ذؤيب فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالدًا وهل يُجمعُ السيفان ويحكِ في غمْدِ
وأخذه آخر فقال:
إذا جُمع السيفان في الغمد فالتمِس صلاحَ بني عمرو وآل رزين
ابن وعلة الشيباني:
غَدونا إليهم والسيوف عصِيُّنا بأيماننا نَعلو بهنّ الجماجِما
لعمري لأشبَعْنا ضِباعَ عنيزةٍ إلى الحول منهم والنسورَ القشاعِما
ومستلَبٍ من درعِه ورماحِه تركتُ عليه الذِّئبَ ينهش قائما
مقاس العائذيّ:
ألا أبلغ بني شَيبان عنّي فلا يكُ من لِقائكم الوداعا
إذا وضعَ الهزاهزُ آل قوم فزاد اللهُ حيَّكم ارتفاعا
وقد جاورتُ أقوامًا كثيرًا فلم أرَ مثلكم حزمًا وباعا
أخذ القطامي قوله " إذا وضع الهزاهز آل قوم " فقال:
إذا ما الله أوضع آل حيٍّ فزاد الله حيَّكم ارتفاعا
قال ذو الرمّة:
وليل كجلباب العَروس ادّرَعْتُه بأربعةٍ والشخصُ في العين واحِدُ
أحمُّ عِلافيّ وأبيضُ صارِم وأعيَسُ مُهْريّ وأشْعَبُ ماجِدُ
أخذه البحتريّ فقال:
يا نديميَّ بالسواجير من ودّ بن عمرو وبُحتر بن عَتودِ
اطْلُبا ثالثًا سوايَ فإنّي رابعُ العيس والدُّجى والبيدِ
وما نعلم أنّ البحتري أخذ لمتقدّم معنى أو لمحدث إلاَّ زاد فيه أو ساواه بكلام عذب مليح إلاَّ هذا المعنى فإنَّه لم يلحقْهُ وقصَّر عنه. ولله درُّ ذي الرمَّة فلقد طرف كلام بيته الأوّل وقد جوّد قسمة الثاني، وقد ذكر قوم ولم يصحّ عندنا أنّ البحتريّ ردّ هذا المعنى في قصيدة أوّلها:
ما لها أولعَتْ بقطع الودادِ كلَّ يوم تروعني بالبعادِ
وإن صحّ هذا الشعر للبحتري فإنَّ ذي الرمّة أجود كثيرًا، يقول فيها:
عُني الخضر بي فصيَّرني بع دَك عينًا على عيارِ البلادِ
ثاني العيس ثالث الليل والسّ يْرِ نديم النجوم ترب السهادِ
عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ:
رحلنا من الوعساء وعساء مالك لحين وكنا عندها بنعيم
فما لبَّثَتْنا العيس أن قذفت بنا لذي غربة والعهد غير قديم
فأصبحن قد ودَّعن نجدًا وأهلَه وما عهد نجد عندنا بذميم
هذا مثل قول الآخر:
ولئن رحلْنا عن دياركم فبِها تعلَّلْنا عن الكَرْبِ
أعرابيّ:
أكْفِ العشيرة أن ولَّوك أمرَهم وإن كفَوك فلا تحسد ولا تَعِبِ
احمل مجاهلَهم واضمَنْ مغارِمَهم رحب اللبان بها مسترخي اللَّبَبِ
زهراء الأعرابية:
وسائلةٍ بظهر الغيب عنّا وما تدري أمُتْنا أم حييْنا
فنحن كما يسرّكِ غير أنّا بنا الأيّام بعدكِ يرتمينا
فإنْ نسلمْ نزُرْكِ على قلاص يجاذبن الأزمَّةَ والبُرينا
أعرابيّ:
دفعناكم بالحِلم حتَّى بَطِرتم وبالرَّاح حتَّى كان دفع الأصابعِ
فلمّا رأينا شرَّكم غيرَ منتهٍ وما غاب من أحلامكم غير راجعِ
مسِسْنا من الآباء شيئًا وكلُّنا إلى حسبٍ في قومه غير واضعِ
فلمَّا بلغْنا الأمَّهاتِ وجدْتم بني عمَّكم كانوا كرامَ المضاجعِ
ما أحسن هذا المعنى وأجوده! وزاد أنَّه قال: ما زلنا نحلم عنكم وندفع بلاءكم بجهدنا، فلمّا رأيناكم غير مقلعين عن مكروهنا ذكرنا آباءكم، وهم أعمامنا، فلم نجد فيكم مطعنًا، فلمّا ذكرنا أمَّهاتكم رأيناهنّ في الشرف دون أمّهاتنا، لأنّ أمّهاتنا أشرف، فعلمتم أنتم أنَّ بني عمّكم كانوا يضاجعون نساء كانوا أكرم ممّن كان يضاجع آباءكم، ففضلنا عليكم بالأمهات، وإن كان الآباء واحدًا.
أعرابيّ:
فإن يكُ إحسانٌ يقرّبُ حاجتي إليك ويُدنيها فقد حان حينُها
وقد أقسمَتْ جهدا التجحد دَينَنا فقد حَرِجت فينا وبرّتْ يمينُها
سوّار بن المُصرَّب السَّعديّ:
فلَو سألتْ سراةَ الحيّ سَلمى على أنْ قد تلوَّنَ بي زماني
لخبَّرَها ذَووا أحسابِ قومي وأعدائي فكلٌّ قد بلاني
بأنِّي لا أزالُ أخا حُروبٍ إذا لم أجْنِ كنتُ مجِنَّ جاني
طفيل الكلابي:
طُلِّقتِ إن لم تسألي أيُّ فارس حليلُكِ إذ لاقى صُداءً وخَشْعَما
أكُرُّ عليهم دَعْلجًا ولبانَهُ إذا ما اشتكى وقعَ الرماح تَحمْحَما
وهذا مثل قول عنترة:
ما زلتُ أرميهم بغرَّة وجْهه ولبانه حتَّى تسَرْبل بالدَّم
وازْورَّ من وقع القنا بلبانه وشكى إليَّ بعَبرةٍ وتحمحُم
لو كان يدري ما المحاورةُ اشْتَكى أو كان لو عرف الكلامَ مكلِّمي
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لَشكى الكميتُ الجَرْي لمّا جهدتُه وأفصحَ لو يستطيع أن يتكلَّما
ومثله وأومَى إلى فرس الممدوح فقال:
كم كم تجرِّعه المنون فيصبِرُ لو يستطيعُ شكا إليك الأدْهَمُ
أُنَيف بن زبّان الطَّائي:
دَعَوا لنزارٍ وانتَمينا لطَيِّءٍ كأُسْدِ الشّرى إقدامُها ونِزالُها
فلمّا التقينا بيَّن السيفُ بيننا لسائلةٍ عنّا حفِيٍّ سُؤالُها
الفرّارُ السُلَميّ:
وكتيبةٍ لبَّسْتُها بكتيبةٍ حتَّى إذا التَبَستْ نفضتُ لها يدي
فتَركتُهم تقِصُ الرماحُ ظهورَهم وقُتلتُ دون رجالهم لا تَبْعدِ
ومثل هذا قول الحارث بن هشام المخزوميّ:
اللهُ يعلمُ ما تركْتُ قتالَهم حتَّى عَلَوا فرمى بأشْقَر مُزبِدِ
وعلمتُ أنّي إنْ أقاتلْ واحدًا أُقْتَلْ ولا يضرُرْ عدوّيَ مَشهدي
فصدَدتُ عنهم والأحبّةُ فيهم طمعًا لهم بعقاب يومٍ موصدِ
كان سبب هذا الشعر أنَّ الحارث بن هشام، وهو أحد الفرّارين، فرَّ من وقعة كان شهدها فقال فيه بعض الشعراء وهو حسان بن ثابت:
إنْ كنتِ كاذبةَ الَّذي حدَّثتني فنَجوت مَنجى الحارث بن هشامِ
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتلَ دونهم وبحا برأس طمِرَّةٍ ولجامِ
فلمّا بلغ الحارث الشعر قال يعتذر بالشعر الَّذي قدمنا ذكره، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
وقعدتُ عنك ولو بمهجة فارس غيري أقوم إليهم لم أقعُدِ
ما كان قلبك في سواد جوانحي فأكون ثمَّ ولا لساني في يدي
وللشعراء في ذكر الفرار أشعار تكثر وتتسع جدًّا ونحن نأتي بأشياء من نظائره في غير هذا الموضع.
قال الحصين بن الحُمام المُرّي:
تأخَّرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجِدْ لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما
ولَسْنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ولكن على أقدامنا تقطُرُ الدَّما
وأطرق إطراقَ الشّجاع ولو يَرى مساغًا لنابَيهِ الشجاعُ لصمَّما
لِذي الحلم قبل اليوم ما تُقرَعُ العصا وما عُلِّم الإنسانُ إلاَّ ليعلما
قوله " تأخرت أستبقي " البيت، مثل قول الخنساء:
نهين النفوسَ وهونُ النفو سِ يومَ الكريهة أبْقى لها
ومثله أيضًا:
ولا يُنْجي من الغمرات إلاَّ براكاءُ القتال أو الفِرارُ
وقوله " ولو يرى مساغًا لنابيه الشجاع لصمَّما " يقول: يصيب صميم القلب بسنّه فيقتل، وقد روي " فسمَّما " من طريق السمّ، وهذا جائز إلاَّ أنّ الأول أجود تمييزًا.
فأما قوله " لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا " البيت، فالأصل فيه أنّ ذا الأصبع العَدواني كان حكم العرب في أيامه، يقضي بينهم في المشكلات في أمورهم حتَّى أسنّ وتغيَّر عقلُه، فكان ربّما أنى بالشيء الَّذي لا يجوز حتَّى يتبيَّنه ثمَّ يرجع. وكان له ابن عم يتصدّر للحكومة، فقال أهل ذي الأصبع له: إنّك ربّما خلطت في أحكامك، ونحن نخاف أن ينزل بنا بلاء من هذا الأمر، قال: فاجعلوا بيني وبينكم علامة، إذا خلطت عرفتموني بغير كلام حتَّى أنْتَبه. فقالوا: إنّا نقيم أمَتَك فلانة لهذا الأمر، وكانت فهمة لبيبة، فإذا خلطتَ قرعتِ العصا بالأرض فتعلم الخبر، فقال: افعلوا، فكانت الأمة لا تفارقه، فإذا اختلط قرعتِ العصا فانتبه وعلم أنَّه قد أخطأ فيرجع إلى فكره ويزول عنه خلطه. وقد ذكر أيضًا في قرع العصا شيء آخر، وهو أنّ بعض الأعراب كان في ناحية عمرو بن هند الملك، وكان غالبًا عليه، وكان عمرو بن هند جبَّارًا لا يراجع في قول ولا فعل أمر، وكان لهذا الرَّجُل أخ عاقل لبيب، فإذا أراد عمرو توجيهه إلى ناحية يرتاد فيها الكلأ لينتجعه توجّه إلى تلك الناحية وحدّ له أيامًا، فتجاوز الحدّ بأيام أُخر، فغاظ ذلك عمرًا، فقال: والله إن جاءني حامدًا للموضع أو ذامّا له لأقتلنَّه. ثمَّ ندم على يمينه وقال لأخيه: قد ندمت، ولا بدّ من إمضاء الأليّة، فقال له أخوه: أبيت اللعن! دعني أنذره ليتخلَّص. فقال: افعل فلمّا قدم على الملك قرع له أخوه العصا وكأنّه علم ما في نفسه، ثمَّ قال له الملك: كيف وجدت الأرض، قال: لم أجد خصبًا يحمد ولا جدبًا يذمُّ، فتخلَّص من سطوته، وضربت العرب بقرع العصا مثلًا. والأول من الخبرين أصحّ عندنا وأثبت في العقل. وقد قيل في ذلك أيضًا إنّ جذيمة الأبرش لمّا سار إلى الزبّاء، وقد وجَّهت إليه أن يصير إليها لتتزوّج به، وكانت ملكة شرقي الفرات، وكان مولاه قصير قد نهاه عن المصير إليها وحذَّره إياها، فلم يقبل. فلما شارف بلادها رأى أمارات استوحش لها، فقال لقصير: إيش الرأي عندك؟ قال: ببَقةَ أُبْرم الرأي، وكان أشار عليه، وهو نازل ببقّة أن يأتيها، وبقّة ناحية الأنبار، فلم يقبل، فذهبت كلمته مثلًا، وقال له جذيمة: دع عنك هذا، ما الرأيُ؟ وكانت لجذيمة فرس يقال لها العصا لا تُجارى ولا يشقُّ غبارها، فقال له قصير: قد صرنا في بلدها ودارت بنا عساكرها، فإذا قرعت لك العصا بالسوط فاعمَل على أن تطرح نفسك عليها وتنجو بحشاشتك فضربت العرب بضرب العصا مثلًا للرجل ينبَّه على الأمر الَّذي تخشى عاقبته.
قال إياسُ بن قبيصة الطائي وقد هرب من كسرى:
ما ولدتْني حاصِنٌ ربَعيَّة لئن أنا مالأتُ الهوَى لاتّباعِها
ألم ترَ أنَّ الأرضَ رحبٌ فسيحة فهل تُعجزنّي بقعة من بقاعِها
ومبثوثةٍ بثَّ الدَّبى مُسيطرَّةٍ رددْنا على بِطائها من سراعِها
وأقْدَمتُ والخطّيّ يخطُر بيننا لأعلمَ من جَبانُها من شجاعِها
أعرابي قتل أخوه ابنًا له فقدَّم إليه ليقْتاد منه فألقى السيف من يده وقال:
أقولُ للنفس تأساءً وتعزيةً إحدى يديَّ أصابتني ولم تُرِدِ
كلاهما خلَف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولَدي
[ ١ / ٤٨ ]
وهذا مثل قول الآخر:
وما كنتُ إلاَّ مثل قاطع كفّهِ بكفٍّ له أخرى فأصبحَ أجْذَما
يَداه أصابت هذه حتفَ هذه فلم تجدِ الأخرى عليه مقدَّما
فلمّا استقادَ الكفُّ بالكفِّ لم يجدْ له دَرَكًا في أن تَبينا فأحْجما
ولبعض المحدثين في مثل هذا:
لم أجْنِ ذنبًا ولم أُرِدهُ فإن قارفتُ ذنبًا فغيرَ مُعتمدِ
قد تطرِف الكفُّ عينَ صاحبها فلا يَرى قطعها من الرَّشَدِ
وإلى هذا نظر البحتري في قوله يخاطب قومًا من طيئ:
إنْ أرمِكم يكُ من بعضي لكم شُعَل تَهوي إليكم ومن بعضي لكم جُنَنُ
رَددْتُ نفسي على نفسي فقلت لها بنو أبيك فما الأحقادُ والإحَنُ
وقد ردّ هذا المعنى في موضع آخر فقال:
لآل حميد مذهب فيّ لم أكُن لأذهبَهُ فيهم وإنْ جَدَعوا أنْفي
ولم أرمِ إلاَّ كان عِرْض عدوِّهم من النَّاس قدّامي وأعراضم خَلْفي
وقال لي الأعداء ما أنت صانع وليس يراني الله أنحتُ من حَرْفي
وإنّي لئيم إنْ تركت لأسرتي أوابدَ تبقى في القراطيس والصحْفِ
وهذا المعنى كثير في المحدث والمتقدّم، ولو أتينا به لكان كتابًا مفردًا، ولا بدّ أن نذكر فيه أشياء في مواضع من هذا الكتاب.
قال عمير بن الأهتم العبديّ:
إذ دنَونا ودنَوا حتَّى إذا أمكنَ الطعنُ ومن شاء ضَربْ
ركدتْ فينا وفيهم ساعة سمهريّاتٌ وبيضٌ كالشُهُبْ
أعرابيّ:
أأمام إنّا ما تزال جيادنا رُجُعًا بهنّ من الجراح ندوبُ
يحملن كلَّ مجرّبٍ يوم الوغى شاكي السلاح يُحبُّه المكروبُ
ذكرت الرواة أنة مُنْصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار، فأولها قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عديّ بن شيبان بن سود ابن عُذرة بن منبّه ابن لُكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار:
ألم ترَ أنّ جيرتنا اسْتقَلُّوا فنِيَّتُنا ونيّتهُم فَريقُ
فِداءٌ خالتي لبني لُكيز خصوصًا يومَ كُسُّ القوم روقُ
تلاقينا بسبسبِ ذي طُرَيْفٍ وبعضُهم على بعضٍ حنيقُ
فجاءوا عارِضًا بَرِدًا وجئنا كمثل السيل غصَّ به الطَّريقُ
كأنَّ النَّبْلَ بينهم جَرادٌ تُصفّقه يمانيةٌ خَريقُ
قليلٌ ما ترى فيهم كميًّا كبا لديه إلاَّ فيهِ فوقُ
كأنّ هريرَنا لمّا التقينا هريرُ أباءةٍ فيها حريقُ
بكلّ قرارةٍ منّا ومنهم بنانُ فتًى وجُمجُمة فليقُ
فكم من سيِّدٍ منّا ومنهم بذي الطّرفاء منطِقهُ شهيقُ
فأشْبعنا السِباعَ وأشبعوها فراحت كلُّها تيقٌ تفوقُ
وأبْكينا نساءهُم وأبْكَوا نساءً ما يجفُّ لهنَّ موقُ
يُجاوبنَ النياحَ بكلّ فجرٍ فقد صَحِلتْ من النَّوح الحُلوقُ
تركنا الأبيض الوضّاحَ منهم كأنَّ سوادَ قُلَّته العُذوقُ
تُعاوره رماحُ بني لُكيز فخرَّ كأنّهُ سيفٌ دَلوقُ
وقد قتلوا به منّا غلامًا كريمًا لم تأشّبهُ العروقُ
وأُفْلَتنا ابنُ قرانٍ جَريضًا يمرُّ به مُساعفةَ مروقُ
فلمّا اسْتيقنوا بالصبرْ منّا تذكّرت الأواصرُ والحقوقُ
فأبقينا ولو شئنا تركنا لُجَيْمًا لا يقودُ ولا يسوقُ
أما قوله " فداء خالتي لبني لكيز " البيت، فقد قدّمنا شيئًا من نظائره وممّا لم يذكر قول الأعشى البكري:
وإذا ما الأكَسُّ شُبّه بالأر وق عند الهيجا وقلَّ البصاقُ
وقول عنترة:
ولقد حفظتُ وصاة عمّي بالضُّحى إذ تقلصُ الشَفتانِ عن وضَح الفَمِ
وقال آخر:
وتقلّصت شفتاه عند نزالهم فكأنّه يوم الوغى متبسِّمُ
وأخذه آخر فقال:
حين توخَّيتُه بذي شطب أبيض كالصُّبح كشَّفَ الحَنكا
قابلَني مبدِيًا نواجِذه كأنه ضاحكٌ وما ضَحِكا
ولمقّاس العائذيّ في هذا المعنى:
لمّا رآني في مجال ضَنْكِ والحيلُ تردى بالأسود المعكِ
أبدى الثنايا آئِسًا من تركي كأنَّه يضحكُ وهوَ يبْكي
وللرّبيع بن زياد العبسيّ:
عطَفنا وراءك أفراسَنا وقد أسْلَم الشَفتان الفَما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدُّمِ إذا السيوف أخرجَتْ أقصى الفمِ
ونحن بمشيئة الله وعونه نذكر ما بقي من نظائر هذا المعنى في مواضع نستأنفها من هذا الكتاب.
المنصفة الثانية لعبد الشارِق بن عبد العزيز الجُهَنيّ:
ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَينا نُحيِّيها وإن بخلتْ علينا
رُدينةُ لو رأيتِ غداةَ جِئنا على أضْماننا وقد احْتوَينا
وأرسَلْنا أبا عمرو رسولًا فقال ألا انعَموا بالقوم عينا
ودَسُّوا فارسًا منهم عِشاءً فلمْ نَغْدر بفارسهم لدَيْنا
فجاءوا عارضًا بَرِدًا وجئنا كمثل السَّيل نركَبُ وازِعَيْنا
تنادَوا يالَ بُهثةَ إذ لقونا فقلنا أحسِنوا قولًا جُهَينا
سمعنا نَبأة عن ظهر غيبً فجُلنا جولةً ثمَّ ارْعَوينا
فلمَّا أنْ تواقَفْنا قليلًا أنَخْنا للكلاكلِ فارْتمينا
ولمَّا لم ندَعْ سهمًا ورُمحًا مشينا نحوهم ومشَوا إلينا
تلألُؤَ مُزنةٍ بَرقَتْ لأخرى إذا حجَلوا بأسيافٍ رَدَيْنا
فمن يرَنا يقُلْ سيل أتِيٌّ نكرُ عليهم وهم علينا
شدَدنا شدَّة فقتلتُ منهم ثلاثةَ فِتيةٍ وأسرتُ قَيْنا
وشدّوا شدَّة أخرى فجرُّوا بأرجُلٍ مثلهم ورَموا جُوَينا
وكان أخي جُوَينٌ ذا حفاظ وكان القتلُ للفتيان زَيْنا
فآبوا بالرِّماح مكسَّرات وأُبْنا بالسيوف قدِ انْحنَينا
وباتوا بالصَّعيد لهم أُحاحٌ ولو خفَّتْ لنا الكَلْمى سَرَينا
للنصفة الثالثة للعبّاس بن مرداس السُّلَميّ وأولها:
لأسماءَ رَبع أصبح اليوم دارسًا وأقْفَرَ منها رَحْرحان فراكِسا
يقول فيها:
فدَعْها ولكن هل أتاها مُقادُنا لأعدائنا نُزجي الظِّباءَ الكوانسا
يقول: نسوق بين أيدينا الظباء والعرب تتشاءم بها.
نشدّ بتعطاف الملاء رؤوسَنا على قلص نعلو بهنّ الأمالسا
سَمونا لهم سبعًا وعشرين ليلةً نجوبُ من الأعراض قفرًا بَسابِسا
فبِتنا قُعودًا في الحديد وأصبحوا على الرُكبات يتَّقون الدُّنافِسا
فلم أر مثلَ الحيّ حيًّا مُصبَّحًا ولا مثلنا يوم التقينا فوارِسا
أكَرَّ وأحمى للحقيقة منهمُ وأضربَ منّا بالسيوف القَوانسا
إذا ما شدَدْنا شدّة نَصبوا لنا صدورَ المَذاكي والرّماحَ المَداعسا
إذا الخيل أجْلَتْ عن قتيل نكرُها عليهم فما يرجعْنَ إلاَّ عوابِسا
وكنتُ أمامَ القوم أولَ ضاربٍ وطاعنتُ إذ كان الطّعان تخالُسا
وكان شُهودي مَعْبدٌ ومخارِقٌ وبِشرٌ وما اسْتَشهدتُ إلاَّ الأكالِسا
ومارسَ زيدٌ ثمَّ أُقصِدَ مُهرهُ وحُقَّ له في مثلها أنْ يُمارِسا
وقُرَّةُ يحميهم إذا ما تبدَّدوا ويطعنُنا شزرًا فأبْرحت فارِسا
ولو مات منهم من جَرَحنا لأصبحتْ ضِباعٌ بأكناف الأراكِ عرائسا
ولكنَّهم في الفارسيّ فلا ترَى من القومِ إلاَّ في المُضاعِفِ لابِسا
فإنْ يقتلُوا منَّا كريمًا فإنَّنا أبَأنا به قتلَى تذلّ المعَاطِسا
قتَلْنا به في مُلتقَى القوم خمسةً وقاتلَهُ زِدنا مع اللَّيل سادِسا
وكنَّا إذا ما الحربُ شُبَّتْ نشُبُّها ونضربُ فيها الأبلَجَ المتقاعِسا
وتجاهلَ في أبيات فيها لم نذكرها.
وقال سعد بن مالك بن ضُبيعة:
يا بُؤسَ للحرب الَّتي وضعتْ أراهطَ فاسْتَراحوا
والحربُ لا يبقَى لجا حِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلاَّ الفتَى الصبَّارُ في النَّ جداتِ والفرسِ الوَقاحِ
والنَثرةُ الحصداء وال بيضُ المُكلّلُ والرِّماحُ
كشفتْ لهم عن ساقِها وبدا من الشّرِّ الصُّراحُ
فالهمُّ بَيضاتُ الخدو رِ هناك لا النَّعَم المُراحُ
مَن صدَّ عن نيرانِها فأنا ابنُ قَيس لا بَراحُ
أما قوله: " النَّعَم المراحُ " فهو الأصل لكل من تبعه، ومنه أخذ أبو تمام قوله:
إنَّ الأسود أُسود الغِيل همَّتُها يومَ الكريهةِ في المسلوبِ لا السَّلبِ
وأوَّل من نطق بهذا المعنى عنترة في قوله:
أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنمِ
وقال المنخّل اليشكري:
إنْ كنتِ عاذلتِي فسيري نحوَ العراقِ ولا تَحُوري
لا تسْأَلي عن جُلّ ما لي واسْألي كرَمي وخيرِي
وإذا الرِّياحُ تناوحَتْ بجوانبِ البيتِ الكبيرِ
ألفَيتنِي هَشَّ اليدَيْ نِ بمَرْيِ قِدْحي في الجزورِ
وفوارسٍ كأُوار حرِّ النَّارِ أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهم في كلِّ محكمةِ القتيرِ
واسْتَلئَمُوا وتلبَّبوا إنَّ التلبُّبَ للمُغيرِ
وعلى الجياد المضمرَا تِ فوارسٌ مثلُ الصُّقورِ
أقْرَرتُ عيني من أُولَ ئكَ والكواعبِ كالبُدورِ
يرفلنَ في المسكِ الذَّكيِّ وَصائكٍ كدم النَّحيرِ
ولقدْ دخلتُ على الفتا ةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعبِ الحسناء ترْ فُلُ في الدِّمقْسِ وفي الحريرِ
فدفعتُها فتدافعَتْ مشي القطاةِ إلى الغَديرِ
وعطَفْتها فتعطَّفتْ كتعطُّفِ الغصنِ النَّضيرِ
يا رُبَّ يومٍ للمنَخّ ل قد لَها فيه قَصيرِ
فإذا انْتَشيتُ فإنَّني ربُّ الخَورْنَق والسَّديرِ
وإذا صحوتُ فإنَّني ربُّ الشُوَيهةِ والبعيرِ
ولقدْ شربتُ من المُدا مةِ بالصغيرِ وبالكبيرِ
أبو ثمامة العبديّ:
أقولُ لمحرزٍ لمَّا التقَينا تنكَّبْ لا يقطِّرك الزّحامُ
فجارُك عند بيتك لحم ظبي وجاري عند بَيتي لا يُرامُ
يقول: إنَّ جارك مثل لحم الصيد وأنت لا تدفع عنه ولا تمنع منه، وجاري لا يرومه أحد لعزَّتي وامتناع جانبي.
أبو الطَّمَحَان القينيّ:
وإنِّي من القومِ الذين عرفتَهم إذا فاتَ منهم سيّدٌ قام صاحبُهْ
نجومُ سماء كلَّما غابَ كوكبٌ بدَا كوكب تأوِي إليه كواكبُهْ
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم دُجَى اللَّيل حتَّى نظَّمَ الجزعَ ثاقبُهْ
معنى هذه الأبيات كثير ونظائره متسعة ونحن نذكر منها ههنا شيئًا وندع أشياء لمواضع أخر، فمن ذلك قول طفيل الغنويّ:
وكانَ هُرَيمٌ من سنانٍ خليفةً وعمرٍو ومن أسماءَ لمَّا تغيَّبوا
نجومُ سماءٍ كلَّما غارَ كوكبٌ بدا وانجلتْ عنه الدُّجُنَّةُ كوكبُ
وأخذه الآخر فقال:
ألستَ ابن قعقاع تكلّله نُحْلُ وعمّك إنْ عدّ العمومة صاحبُ
ومثله قول الخريميّ:
بقيَّة أقمار من العزِّ لو خبَتْ لظلَّتْ معدّ في الدُّجى تتكسَّعُ
إذا قمر منها تغوَّرَ أو خبَا بدا قمرٌ في جانبِ الأُفقِ يلمعُ
زياد الأعجم:
إذا مات منهم سيّد ودعامة بدا في ركاب المجد آخر صالحُ
السَّموأل بن عاديا:
إذا مات منهم سيّد قام سيّدٌ قؤولٌ بأقوال الكرام فَعولُ
عبد الصمد بن المعذّل:
بنو قُتيبة نورُ الأرض نورُهم إذا خبا قمرٌ منهم بدا قمرُ
ابن أبي حفصة:
وأبناء عباس نجوم مضيئةٌ إذا غابَ نجمٌ لاح آخر زاهرُ
وأما قوله: " أضاءت لهم أحسابهم " البيت، فكثير أيضًا، فمنه قوله:
وجوهٌ لو أنَّ المدلجين اعْتشَوا بها صدعنَ الدُّجى حتَّى ترَى اللَّيلَ ينجلِي
والأصل في هذا المعنى قول امرئ القيس:
يُضيء الفراشَ وجهُها لضجيعِها كمِصباح زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
ومثله للنابغة الذبياني:
وتخالُها في البيتِ إن فاجأتَها قد كانَ مَحجوبًا سراجُ الموقدِ
وأخذه قيس بن الخطيم فقال:
قضَى لها الله حينَ صوَّرها بأنَّها لا يُكنُّها سدَفُ
من ههنا أخذ أبو نواس قوله في صفة الخمر:
لا ينزلُ اللَّيلُ حيث حلَّتْ فدهرُ شُرَّابها نهارُ
ومن المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره:
من البِيضِ الوجوهِ بني سنانٍ لو أنَّك تستضِيء بهم أضاءُوا
ومثله للعباس بن الأحنف:
ومحجوبَة بالسّتر عن كلِّ ناظرٍ ولو برزتْ باللَّيلِ ما ضلَّ من يسرِي
أقول لها والعِيسُ تُحدَجُ للنَّوى أعدِّي لفقدي ما استطعتِ من الصَّبرِ
أليسَ من الخسرانِ أنَّ لياليا تمرُّ بلا نَفع وتُحسبُ من عمري
وقال آخر:
نمشي على ضوءِ أحساب أضَأنَ لنا كما أضاءتْ نجومُ اللَّيل للسَّارِي
قد ذكرنا في هذا الموضع من نظائر هذا المعنى ما فيه مقنع إلى أن يأتي ما نحتاج أن نذكر منها شيئًا آخر إن شاء الله، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
مَدَّ ليلًا على الكُماة فما يمشون فيه إلاَّ بضوء السُّيوفِ
وقال حاتم بن عبد الله الطَّائي:
أماوِيَّ إنْ يُصبحْ صداي بقفرةٍ من الأرضِ لا ماءٌ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّه وأنَّ يدِي ممَّا بخِلتُ به صِفرُ
ومثله للنمر بن تولب:
أعاذلَ أن يُصبح صداي بقفرةٍ تنكَّبَ عنها صاحبِي وقريبِي
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ وإنَّ الَّذي أمضيتُ كانَ نَصيبي
أعرابي:
هلاليَّة أو من نمير بن عامرٍ بذي السّرح من وادِي المياهِ خيامُها
إذا ابتسمتْ في البيتِ والبيتُ مظلم أضاءَ دُجَى اللَّيل البهيم ابتسامُها
تكشُّفَ برقٍ من حَبِيّ تلألأتْ به سمحة الإيماض غرّ غمامُها
قد أكثر الشعراء قديمًا ومحدثًا في ذكر الابتسام وتشبيهه بالبرق، وأسهبوا أيضًا في صفات الثغور وتشبيهها بالأقحوان والإغريض والبرد واللؤلؤ وغير ذلك، ونحن نذكر هنا من ذلك طرفًا وفي غير هذا الموضع أشياء بمشيئة الله وعونه، فمن أحسن ما قيل في الابتسام وأجوده وأملحه قول الشاعر:
أحاذِرُ في الظّلماء أن تستشِفَّني عيون الغيارى في وميضِ المضاحكِ
هذا البيت أجود ما قيل في هذا المعنى، وما نعرف مثله حسن كلام وجودة معنى وإحكام بناء. ومن ذلك قول مسلم:
تبسَّمنَ فاستضحكن طامسةَ الدُّجَى عن الأُفقِ والظّلماء أوجهُها طُحْلُ
مثله أيضًا لحاتم:
يضيء بها البيت الظَّليلُ خَصاصُهُ إذا هي ليلًا حاولتْ أنْ تبسَّما
ومثله:
كأنَّ ابتسامَ البرق بيني وبينَها إذا لاحَ من بعضِ الحديثِ ابتسامُها
وهذان البيتان، وإن كانا للمتقدمين، فما يقصر بيت مسلم عنهما، بل هو أجود لولا استكراه في لفظه، وأما البيت الثاني الَّذي قدَّمناه فما لمسلم ولا لغير مسلم ممَّن أتينا بشعره أو نأتي، مثله، ولآخر في هذا المعنى:
يستَبرق الأُفُق الغربيُّ ما ابتسمتْ برقَ السُّيوف سِوَى أغمادِها القُضُبِ
ومثله لجميل:
وتبسم عن لمع البروق منصَّبٍ أغرّ الذّرَى يُزجي صَبيرًا منضَّدا
كشمس تجلَّتْ عن فُروج غَمامةٍ وقد وافقتْ طَلْقًا من النَّجم أسعدا
وللبحتري:
فيرجع اللَّيل مبيضًّا إذا ضحكتْ عن أبيضٍ خَصِرِ السمطَين وضَّاحِ
ومثله لذي الرمَّة:
إذا ما التقَين من ثلاثٍ وأربعٍ تبسَّمنَ إيماضَ الغَمامِ المُكلَّلِ
وقال آخر:
إذا ما ابتسَمن حسبت البروقَ بدتْ لك في اللَّيلة المُظلِمَهْ
قد ذكرنا ههنا طرفًا ممَّا ذكر به الابتسام، ونحن نأتي بما بقي في مواضع أخر من كتابنا هذا.
فأمَّا ذكر الثغور فإنَّ الشعراء قد أكثرت في وصفها، ونحن نذكر هنا شيئًا من ذلك، قال الشاعر:
ومجدولة جدلَ العنان خريدة لها شَعَرٌ جَعد وجسم منعَّمُ
وثغرٌ نقيّ اللَّون عذبٌ مذاقه تُضيء له الظَّلماءُ حين تبسَّمُ
قال آخر:
وشفَّ عنها خمارُ القزّ عن بَرَد كالبرقِ لا كَسَسٌ فيه ولا ثَعَلُ
كأنَّه أقحوانٌ بات يضرِبهُ ليلٌ من الدجن سقاطُ النَّدَى خضلُ
قد شاب هذان الشاعران شعرَهما في صفات الثغور بذكر الابتسام
[ ١ / ٤٩ ]
لتقارب المعنيين، ومن جيد ما قيل في صفة الثغر ونادره قول مسلم بن الوليد:
تبسَّمنَ عن مثلِ الأقاحي تبسَّمتْ له مُزنةٌ صَيفيَّةٌ فتبسَّما
وأحسن ما قيل في هذا المعنى للمتقدمين قول بشر بن أبي خازم:
يُفلِّجنَ الشِّفاه عن أقحوان جلاهُ غبَّ ساريةٍ قِطارُ
ويروى عن الأصمعي أنَّه قال: أحسن بيت ذُكر به الثغر بيت بشر هذا، وأحسن بيت قيل في فترة الجفون بيت ابن الرِّقاع:
وكأنَّها وسطَ النِّساءِ أعارَها عَينَيهِ أَحورُ من جآذرِ جاسمِ
وَسْنانُ أقصدَهُ النُّعاسُ فرنَّقتْ في عينِه سِنَةٌ وليسَ بنائمِ
ولعمري أن بيتي ابن الرقاع هذين في نهاية الحسن، ونحن نأتي بالنظائر في تفتير العيون وسقامهنّ في مواضع أُخر. فأمَّا قوله إنَّ بيت بشر أحسن ما قيل في صفة الثغر فالأمر عندنا بخلاف ذلك. والَّذي عندنا أنَّ بيت مسلم، وإن كان قد أخذ المعنى من بشر، أجود تركيبًا وأحسن لفظًا وأبلغ معنى. وبعدُ إنَّ للمحدثين في ذكر الثغور من البدائع ما لم يأتِ بمثلها المتقدمون وإن كانوا الإمام المتَّبع، ونحن نذكر ههنا شيئًا من قول الجميع ونذكر أول من اخترع المعنى من المتقدمين. وأوَّل من شبَّه الثغر بالأقحوان أبو دؤاد الإيادي بقوله:
قامتْ تُريكَ غداةَ البين مُنْسَدلًا وباردًا كأقاحِي الرَّملِ برَّاقا
ومنه أخذ سائر الشعراء هذا التشبيه، فممَّن أخذه النابغة:
تجلُو بقادمتَي حَمامة أيكة بَرَدا أُسِفَّ لِثاتُهُ بالأثمِدِ
كالأقحوان غداةَ غبّ سمائِه جفَّتْ أعاليه وأَسفلُه نَدِي
شبه شفتيها واللَّما الَّذي فيهما بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الَّذي
[ ١ / ٥٠ ]
في قوادم الجناح، لأنَّه أشدّ سوادًا من الخوافي، فلذلك خصَّ القوادم بالتَّشبيه، ويجوز أن يكون إنَّما عنى أصابعها وشبهها بقادمتي الحمامة وذكر أن أطراف أصابعها مخضوبة وأنَّه نظر إليها وهي تستاك فشبه أصابعها بقوادم ريش الجناح، وهذان القولان جميعًا جائزان، وذكر الأصمعي أنَّه عنى سواد لحم الأسنان وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة ثمَّ يذرون عليها الكحل لتسودَّ فيكون سوادها مع بياض الأسنان حسنًا، وهذا أيضًا قولٌ. وقد أخذ جماعة من الشعراء هذا المعنى من النابغة، فأحدهم الأعشى في قوله:
تجلو بقادمتَي حمامة أيكة بَردا أُسِفَّ لِثاتُه بسوادِ
ذكر أنَّها لمياء الشفتين، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع هذا المعنى امرؤ القيس فقال:
منابتُه مثل السُّدوس ولونُهُ كشوك السَّيَال وهو عذبٌ يفيضُ
السُّدوس: النِيلَنج، وهو أيضًا الطيلسان الأسود، والسَّيال: نبتٌ أصوله بيض أمثال الثنايا، فأخذ هذا المعنى الأعشى فقال:
باكرتْها الأعرابُ في سِنَة النَّو مِ فتجرِي جلالَ شَوك السَّيالِ
وأخذه أيضًا أبو تمام فقال:
كانَ شوكَ السَّيال حُسنا فأمسَى وبه للعناد شوكُ القَتادِ
جوَّد أبو تمام هذا البيت والمعنى بذكره شوك السَّيال في حُسنه وشوك القتاد في صعوبته، وأخذ الأحوص معنى النابغة فقال:
تجلُو بقادمتَي قُمريَّةٍ بَرَدا غُرّا في مجاري ظَلْمِه أشَرَا
وقال آخر:
تُريك ثغرًا عذبًا مقبَّلهُ لا كسَسٌ عابَهُ ولا روَقُ
كأقحوان الكثيب باكرَهُ الطَّ لُّ فأضحَى يهتزُّ يأتَلِقُ
وقال مسلم:
إذا ما اشْتَهَيْنا الأقحوانَ تبسَّمتْ لنا عن ثنايا لا قصارٍ ولا ثُعْلِ
بيت مسلم هذا مثل البيتين الذين كتبناهما قبله إلاَّ أنَّه أحسن منهما لفظًا وأجود تركيبًا، وقد أخذ طرفة بن العبد معنى النابغة فقال:
وتبسم عن ألْمَى كأنَّ منوِّرًا تخلَّلَ حرَّ الرَّملِ دِعْصٌ له نَدِ
وقال أيضًا:
وإذا تضحك تُبدي حَببًا عن شتيتٍ كأقاحي الرَّمل حُرْ
بدَّلته الشَّمسُ من منبِته بَرَدا أبيضَ مصقولَ الأشُرْ
روي عن الشعبي أنَّه كان يسأل جلساءه عن معنى هذا البيت فلا يجيبون، ثمَّ فسَّره لهم فقال: كان الغلام أو الجارية من غلمان العرب، إذا سقطت سنُّه، يقف بحذاء الشَّمس فيحذفُ بها ثمَّ يقول يخاطب الشَّمس: أبدليني بها سنًّا أحسن منها، فهذا معنى قول طرفة بن العبد الَّذي ذكرنا. وقال ساعدة بن جؤيَّة في ذلك وشبَّ الثغر بالأقحوان:
ومنَصّب كالأقحوان منَطَّق بالظّلْم مصقول العوارض أشنب
الظلْم، مسكن اللام: الماء الَّذي يشفّ في الأسنان لمن تأمَّلها. وروى بعضهم أنَّه سأل الخليل عن الظلم وكان الخليل يأكل رمّانًا فأخذ حبَّة من حبّ الرمّان وقال للسائل: هذا الظلم، يريد الماء الَّذي يشف في حب الرمّان، ويقال للثلج أيضًا الظلم وأنشد:
أفي شنباءَ مُشربَةِ الثَّنايا بماء الظَّلْم طيبةِ الرضابِ
فهذا البيت شاهد في الثلج أنَّه يسمَّى الظلم، والعوارض: ما يبدو من الأسنان عند الضحك، ومنه يقال: فلانة مصقولة العوارض، والشنب: بَرد الفم ورقَّة الأسنان، وحدّ كلّ شيء غربه وهذا عندنا الصواب.
وقال آخر يُشبِّه الأسنان بالأقحوان:
ويضحك عن غرّ الثَّنايا كأنَّه ذرى أقحوان نبتُه لم تنتَّلِ
وقال الأعشى:
وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطَّ لُّ فيه عذوبة واتِّساقُ
وقال سعيد بن سمي:
تُجري السّواكَ على حُوٍّ مناصبُه كأنَّه أقحوان حين تبتسِمُ
وقال جميل:
بذي أُشُرٍ كالأقحوان يزِينه ندى الطَّلِّ إلاَّ أنَّه هوَ أملَحُ
وقد شُبِّه الثغر أيضًا بالدُّرّ، قال الشاعر:
تبُذ بالحسن كلَّ جارية كما يبُذُّ الكواكبُ القمَرُ
كأنَّ درّا نَظْمًا إذا ابتسمتْ من ثغرها في الحديثِ ينتثرُ
ومن جيد ما وصف به الثغر قول الشاعر:
إذا ما اجْتلَى الرَّائي إليها بطرْفِه غروبَ ثناياها أضاءَ وأظلَما
أراد أضاء من الضوء والتألّق وأظلم من الظَّلم وهذا حسنٌ جدًا. وقد شبه أيضًا الثغر بالإغريض وهو الطَّلْع ويقال البَرَد، وقال الشاعر:
ليالي تصطاد الرجال بفاحِمٍ وأبيض كالإغريض لم يتثلَّمِ
ويقال الإغريض أيضًا للقطر الكبار أول ما تأخذ السحابة في المطر، قال الشاعر وذكر امرأة:
فدانَت سماحًا واستهلَّت دموعُها كإغريض مُزنٍ حطَّمته الجنائبُ
وممَّن شبه الثغر بالبَرَد جرير بقوله:
تُجري السّواك على أغرَّ كأنَّه بَرَدٌ تحدَّر من متونِ غَمامِ
وقال رؤبة بن العجَّاج:
تَضحك عن أشنبَ عذبٍ مَلثَمُهْ يكادُ شفَّافُ الرِّياح يرأمُهْ
كالبرق يجلو بَرَدًا تبسُّمُهْ
وقال آخر:
إذا ضحكت لم تَبْتَهِر وتبسَّمتْ عن أشنبَ لا كُسٍّ ولا متراكبِ
كنَور النقا أصبحتَه حين أظهرت له الشمسُ قرنًا بعد نوءِ الهواضبِ
يزلّ الندى عنه ومن تحته الثرى بأجرعَ مَيْثٍ طيّب الرَّيقِ عازبِ
قد ذكرنا ها هنا قطعة من أشعار المتقدمين، وخلطنا بشيء يسير من أشعار المحدثين، إذ كانت أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين؛ إلاَّ أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين الاتباع، ولو لم يكن للمحدثين في هذا المعنى غير قول أبي تمام والبحتري لكفاهم ذلك تجويدًا وإصابة للمعنى وحذقًا به. قال أبو تمام في الثغر والابتسام:
وثناياك إنّها إغريضٌ ولآلٍ تُوام وبرقٌ وميضُ
فأتى البحتري شبيهًا به في قوله:
يضحكنَ عن بَرَد ونَور أقاح
ثمَّ زاد على هذا وعلى قول أبي تمام بقوله:
كأنّما يبسم عن لؤلؤٍ منظّم أو بَرَدٍ أو أقاحِ
فأتى في هذا البيت بأكثر ما وصفت به الثغور، وإنَّما أقصرنا عن أن نأتي بما نعرف للمحدثين في هذا المعنى ها هنا بحالين، إحداهما أنّه كثير متَّسع، والأخرى أنا نحتاج إلى أن نأتيَ به معنًى معنى في مواضع من الكتاب نضطر إليها.
خرج خِراشُ بن أبي خراشٍ الهذلي وعروة بن مرَّة، فأغارا على ثُمالة، فنذر بهما حيَّان من ثمالة يقال لأحدهما بنو دارم والآخر بنو هلال فأخذوهما فأمَّا بنو هلال فأخذوا عروة بن مرَّة فقتلوه، وأمَّا بنو دارم فأخذوا خراش بن أبي خراش فأرادوا قتله، فألقى رجل منهم عليه ثوبًا وقال: انجُهْ، ففحص كأنَّه ظبي واتَّبعه القوم ففاتهم، وأتى أبا خراش فحدَّثه الخبر وعرفه أن بعضهم ألقى عليه ثوبه، فقال: وهل تعرفه؟ فقال: لا، فقال أبو خراش وذكر ذلك ورثى أخاه:
حمِدتُ إلهي بعد عروةَ إذ نجا خراش وبعضُ الشَّرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسَى قتيلًا رزِئتُه بجانب قَوسي ما مشتُ على الأرضِ
بلَى إنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما نُوكَّلُ بالأدنَى وًان جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ مَن ألقَى عليه رداءهُ سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحضِ
ولم يكُ مثلوجَ الفؤادِ مُهيَّجًا أضاعَ الشَّبابَ في الربيلةِ والخَفضِ
ولكنَّه قد نازعتهُ مخامِصٌ على أنَّه ذو مِرَّةٍ صادقُ النهضِ
كأنَّهم يشَّبّثونَ بطائرٍ خفيف المُشاشِ عظمُهُ غير ذي نَحضِ
يُبادرُ قربَ اللَّيل فهو مُهابِذٌ يحثُّ الجناح بالتبسط والقبضِ
لا نعرف للعرب في معنى هذه الأبيات أجود منها، وله فيها أشياء نحن نبيّنها ونأتي بنظائرها، فمن ذلك قوله: " فوالله لا أنسى قتيلًا " البيت، وهذا من إفراط جزعه، ثمَّ تبيَّن أنَّه سيسلو فقال: " بلى إنَّها تعفو الكلوم " البيت، يقول: إنِّي وإن حلفتُ أنِّي لا أنسى هذا القتيل فإن الكلوم تبرأ فضربه مثلًا للمصائب التي تُنسى، يقول: يُنسى قديمها وتوكّلوا بحديثها وإن كان القديم جليلًا. وقوله: " نوكل بالأدنى " يقول: إنَّما نحزن على الأقرب فالأقرب، وكلّما تقادم الشيء نسيناه، ومثل هذا أو قريب منه قول الآخر:
كلَّما تبلَى وجوهٌ في الثَّرى فكذا يبلَى عليهنَّ الحَزَنْ
وقال أبو العباس ثعلب: قلت لأبي عبد الله محمد بن الأعرابي: هل تعرف مثل شعر أبي خراش هذا؟ وأنشدته الأبيات، فقال:
آخر ما شيء يَغُولكَ وال أقدم تنساهُ وإنْ هوَ جَلْ
قد نَحدثْني الحادثات فلا أجزع من شيء ولا أجذلْ
هذا الشعر من العروض الثانية والضرب الرابع من السريع وبيته:
النشرُ مسكٌ والوجوه دنا نيرُ وأطراف الأكُفِّ عَنَمْ
وأجود ممَّا اختاره ابن الأعرابي قول الأحوص:
النفسُ فاستَيقِنا ليست بمعولة شيئًا وإن جلَّ إلاَّ ريث تعترفُ
إنَّ القديمَ وإن جلَّت رزيَّتُه ينضو فيُنسَى ويبقَى الحادثُ الأَنِفُ
هذا معنى جيد مسفر وبيت أبي خراش أجود منه، وقال أبو العتاهية في هذا المعنى:
فإذا انقضى همّ امرئ فقد انْقضَى إن الهموم أشدّهنَّ الأحدثُ
وقد ردَّ أيضًا أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
إنَّما أنت طول عمرك ما عُمِّ رتَ في السَّاعة الَّتي أنتَ فيها
وبيت أبي العتاهية هذا في نهاية الجودة وإصابة المعنى، وقد ذكرنا شيئًا من نظائر بيت أبي خراش هذا الَّذي قدمنا ذكره فيما تقدَّم من الكتاب.
وأما قوله: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " البيت، فهو أول من مدح من لا يعرف وذلك أن خراشًا لما غشى ألقى عليه رجلٌ ثوبه فواراه وشُغلوا بقتل عروة عنه، فنجا خراش، فقال أبوه: ولم أدرِ من فعل هذا الفعل ولكنَّ صاحب هذا الثوب قد سُلَّ عن ماجد محض، أي فعل هذا الفعل رجلٌ كريم، وإلى هذا المعنى نظر أبو نواس في قوله:
ولمْ أدرِ ما هُم غيرَ ما شهِدتْ به بشرقِيّ ساباطَ الرّسوم الدّوارسُ
وقول أبي خراش يصف خراشًا: " ولم يكُ مثلوج الفؤاد " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه لم يكن مُنْتَفلًا مقيمًا في الدعة والنعمة والأكل والشرب فيكون مهبّجًا لذلك، ولكنه قد جاذبه الجوع حتَّى خفَّ لحمه، فإذا نهض نهض بحقيقة ولم يكذب، ثمَّ وصف جودة حُضْرِه فقال: " كأنَّهم يشَّبّثون بطائر " البيتين، لا نعرف في السرعة مثل هذا لأنه شبَّهه في الخفَّة بطائر فقال: " خفيف المشاش " ليكون أسرع له، ثمَّ قال: " عظمه غير ذي نحض " أي ليس على عظمه لحم، ثمَّ ذكر أنَّه يبادر بحثّ جناحه في البسط والقبض قرب الليل، فما نحسب أحدًا ذكر في الكلام المنظوم والمنثور أحدًا بالسرعة ولا وصفه بذلك إلاَّ دون هذه الصفة، وكان أبو خراش أحد الفرّارين ومن يُحضر فلا يُلحق، وممَّا ذكر من شدَّة حُضره وخفَّته في فرة فرَّها من الخزاعيين، وكانوا يطلبونه بثأر، فقال:
رَفَوني وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُم هُمُ
تذكَّرتُ ما أين المفَرّ وإنَّني بغرْزِ الَّذي يُنجي من الموتِ مُعصِمُ
فوالله ما رَبْداءُ أو عَير عانةٍ أقَبُّ وما أن تَيسُ رَملٍ مُصمِّمُ
بأسرعَ منِّي إذ عرفتُ عدِيَّهم كأنِّي لأُولاهم من القربِ توأمُ
أوائلُ بالشَّدِّ الذليق وجُنَّتي لدى المتنِ مشبوحُ الذّراعين خَلجمُ
فلولا دِراكُ الشَّدِّ ظلَّت حَليلَتي تخيَّرُ في خطَّابها وهي أيِّمُ
فتسخَطُ أو ترضَى مكاني خليفةً وكانَ خراش يوم ذاكَ تيتَّمُ
وقال أيضًا في مثل هذا المعنى:
لمَّا رأيتُ بني نُفاثة أقبلُوا يُشلُون كلَّ مقلِّص خِنَّابِ
ونشِبتُ ريح الموت من تلقائهم وكرهتُ وقعَ مهنَّدٍ قِرضابِ
أقبلتُ لا يشتدُّ شدّي فادرٌ عِلجٌ أقَبُّ مشمّر الأقرابِ
ودفعتُ ساقًا لا أخافُ عِثارَها وطرَحتُ عنِّي بالعَراء ثيابي
وقد أخذ في شعره الضادي الَّذي قدمنا ذكره مصراعًا بأسره لطرفة بن العبد فقال:
حمدتُ إلهي بعد عُروةَ إذ نجا خراش وبعض الشرّ أهون مِن بعضِ
وقال طرفة:
أبا منذر أفنيتَ فاسْتَبق بعضَنا حنانَيك بعض الشرِّ أهون من بعضِ
وقد أتى بهذا المعنى غير أبي خراش فقال:
ورفَّعتَ لي ذكري وما كانَ خاملًا ولكنَّ بعضَ الذّكر أرفَعُ من بعضِ
هذا الكلام حذو كلام طرفة، بل هو منه، وإن كان غير المعنى الَّذي أتى به خراش وطرفة. ولأبي خراش في الفرار والعدو على الرجلَين أشياء كثيرة، قد ذكرنا بعضها وسنذكر منها شيئًا آخر، فمن ذلك قوله في فرَّة فرَّها يعتذر منها:
لحا اللهُ جَدًّا راضِعًا لو أفادني غداةَ التقَى الرّجلانِ في كفِّ شاهكِ
فإن تزعمي أنِّي جَبُنْتُ فإنَّني أفرُّ وأرمي مرَّةً كلَّ ذلكِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرَى لي مقاتلًا وأنجُو إذا ما خفتُ بعض المهالكِ
ومن ههنا أخذ الآخر قوله:
أُقاتل حتَّى لا أرَى لي مقاتلًا وأنجُو إذا غمَّ الجبانُ من الكربِ
وقال تأبَّط شرًّا وذكر شدة حُضْره من أعدائه:
إنِّي إذا خُلَّةٌ ضنَّتْ بنائلها وأمسكتْ بضعيفِ الحبلِ أحذَاقِ
نجوتُ منها نجائي من بَجيلَةَ إذ ألقيتُ ليلة خَبْتِ الرَّمل أرواقِي
ليلةَ صاحوا وأغرَوا بي سِراعَهم بالعَيكتَينِ لدى مَعْدَى بنِ بَراقِ
كأنَّما حثحَثُوا حُصًّا قوادِمُه وأُمَّ خِشفٍ بذي شتٍّ وطُبَّاقِ
حتَّى نجوتُ ولمَّا يَنزِعوا سَلَبي بوالهٍ من قنيص الشَّدِّ غَيداقِ
وقال آخر:
فِدًى لكما رِجليَّ أمّي وخالَتي غداةَ الكلاَبِ إذ تُجنُّ الدوائرُ
وأشعارهم في هذا المعنى كثيرة. وفي الاعتذار من الفرار في حال وتحسينه في حال وتقبيحه في أُخرى أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا من ذلك شيئًا في هذا الموضع وفي غيره من كتابنا ونذكر فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
وقال أبو خراش:
وإنِّي لأُثوِي الجوعَ حتَّى يَمَلني فيذهب لم تَدْنَس ثيابي ولا جِرْمي
أردُّ شجاعَ الجُوعِ قَد تعلمينه وأُوثِرُ عبدي من عيالِكِ بالطّعمِ
مخافةَ أن أحْيَا برغمٍ وذلَّةٍ ولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ
الحجَّاج بن عثمان التجيبيّ من قبيلة تجيب:
ولي صاحبٌ ما خانَني مذ حملتُه ولا كانَ إلاَّ مُسعدًا لي على الدَّهرِ
شبيهيَ إرهافًا وإن كنتُ فوقه بيانًا إذا ما قوبلَ الأمرُ بالأمرِ
أنستُ به من دون أهلي ولو غدا ضجيعيَ في قبري لما هالني قَبْري
وما خفتُ مذ يوم ارتدَيتُ نِجادَهُ ظلامة والٍ أو مبادهةَ الفقرِ
أخذه عبيد الله بن طاهر فقال:
وما أخذتْ كفِّي بقائك نَصلهِ فحدَّثتُ نفسي بانهزامٍ ولا فرِّ
هذا معنى جيد قد تشارك فيه جماعة الشعراء، فمن أحسنهم قولًا مسلم بن الوليد في قوله:
أتَتْك المطايا تهتدي بمطيَّة عليها فتًى كالنّصل يؤنِسه النصلُ
فلمَّا انبعثنَ النُّورَ خَوَّينَ تَحته على أملٍ يشجَى به اليأسُ والمَطْلُ
هذان البيتان من أحسن وصف، والبيت الأول منهما مليح التشبيه طريف المعنى في قوله: " يؤنسه النصلُ " وأتى بهذا المعنى آخر فجوَّد بقوله:
رُبَّ ليلٍ جعلتُهُ طيلساني مؤنسي صارمي وقلب مجنِّي
ظَرُف في قوله: " قلبي مجنّي " ولا نعلم أنَّ أحدًا أتى بهذا قبله وجعل ترسه قلبه، وقد أخذه بعض العلويين فقال:
قومي إذا حضرُوا الوغَى جَعَلوا الصُّدور لها مسالِكْ
الَّلابسينَ قُلوبَهم فوقَ الدُّروعِ لدفعِ ذلكْ
وإليه نظر بعضهم فقال:
يلقى السُّيوف بنحره وبصدره ويقيم هامتَه مقام المِغْفَرِ
وأتى به طاهر بن الحسين فقال:
سيفي رفيقي ومُسعدي فرسي والكأس خدني وقينتِي أنَسِي
أربعة لا أُريد خامسةً سوى نديم عارٍ من الدنَسِ
ومثله لآخر:
مهري جواد وسيفي صارم ذكر والزّقُّ خلفي ورزق الله قدَّامِي
إنَّما أردنا من هذين البيتين أنَّه جعل سيفه رفيقه، وقال الحمدوني في هذا المعنى فجوَّد:
تستأنس الظَّلماء منه بمخذم مستأنسٍ بالمشرفيِّ المِخْذَمِ
أخذه أبو تمام فقال:
مستأنسِين إلى الحتوف كأنَّها بين الحتوف وبينهم أرحامُ
وللبحتري مثله:
وما صاحبِي إلاَّ الحُسام وبزّه وإلاَّ العلنداة الأمون وكورها
ولقد جوَّد ابن أبي زرعة الدمشقيّ في هذا المعنى بقوله:
ليس لي صاحبٌ على الهول إلاَّ صاحبٌ ما يزالُ من عن يَساري
فإذا ما نسبته فيمانٍ وهو في خندف قديمُ الجوارِ
أرتَضيه للحادثات فيرضا ني لإيرادِه وللإصْدارِ
وذكره آخر فقال:
لي صاحبٌ لا أمَلُّ صحبتَهُ لا يمَلُّ الرواء من قِبَلِي
كم من ظلام جعلتُهُ قَبَسي فيه وخطب أزاحَهُ جَلَلِ
وقال أبو زُبيد الطائي:
سأقطعُ ما بيني وبينَ ابن عامرٍ قطيعةَ وصل لست أقطعُ جافيا
فتى يُتبع النُّعمى بنُعمَى تربها ولا يتبع الإخوان بالذّمِّ زاريا
إذا كانَ شكري دون فيض بنانه وطاولَني جودًا فكيف اختياليا
هذا معنى حسن وقد تجاذبه جماعة من الشعراء وولدوا فيه أشياء بقرائحهم نحن نذكر بعضها إلاَّ أنَّ الأصل فيه المخترع له أبو زُبيد في الأبيات الَّتي قدَّمناها، وممَّن جوَّد فيه أبو نواس بقوله:
قد قلتُ للعبَّاس مُعتذِرًا من حمل شكريه ومُعترفا
أنتَ امرؤٌ جلَّلْتَني نِعَمًا أوهَتْ قُوَى شكري فقد ضَعفا
[ ١ / ٥١ ]
فإليك بعد اليوم معذرةً لاقَتك بالتَّصريح مُنكشِفا
لا تُسدِيَنَّ إليَّ عارفةً حتَّى أقومَ بشكر ما سلفَا
وأتى بهذا المعنى دعبل بقوله:
فأُقسمُ لا عن جفوةٍ لا ولا قِلى ولا مَلَل أبطأتُ عنك أبا بكرِ
ولكنَّني لمَّا أتيتُك زائرًا فأفرطتَ في بِرِّي عجزتُ عن الشكرِ
فمِلآنَ لا آتيكَ إلاَّ مسلِّمًا أسلِّم في الشَّهرَينِ يومًا وفي الشَّهرِ
فإن زدتَني برًّا تزيَّدتُ جَفوةً فلا نلتقِي حتَّى القيامة والحشرِ
وهذه الأبيات دون أبيات أبي نواس، لأنَّ أبيات أبي نواس جيدة الألفاظ صحيحة المعنى، والَّذي أبدع في هذا المعنى حُسن لفظ واستيفاء معنى البحتري بقوله:
إنِّي هجرتك إذ هجرتك وحشةً لا العَودُ يُذهبُها ولا الإبداءُ
أخجلتَني بندى يدَيكَ فسوَّدتْ ما بينَنا تلك اليدُ البيضاءُ
وقطعتني بالجودِ حتَّى إنَّني متخوِّفٌ أن لا يكونَ لقاءُ
صلَة غدتْ في النَّاس وهي قَطيعة عَجَبًا وبرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
وقد ردَّه البحتري أي هذا المعنى في شعر آخر وهو قوله:
إيهًا أبا الفضل شكري منك في نصب أقصِرْ فما ليَ في جدواك من أربِ
لا أقبلُ الدَّهرَ نَيلًا لا يقومُ به شكري ولو كانَ مُسديهِ إليَّ أبي
ولئن كان لأبي زُبيد فضيلة السبق وجودة الاختراع فإنَّ للبحتري حسن اللفظ واستيفاء المعنى، بل هو أحقّ بهذا المعنى من كلِّ من أتى به من المتقدمين والمحدثين. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى أيضًا قول مسلم ابن الوليد:
ولِي صاحبٌ ما زالَ يُصبح رِفدَهُ ويُمسِي بلا منٍّ عليَّ ولا كِبْرِ
رأَى أنَّ شكري مستقلٌّ ببذله فرَبَّ بعَودٍ لا بكيٍّ ولا نَزْرِ
متى أشكر النُّعمى وسَهلٌ يَرُبُّها سيعجزني لا من جُحودٍ ولا كُفرِ
وقد أخذ معنى أبي نواس والبحتري بعض الشعراء فقال:
إذا كنتَ قد قلَّدتني لك منَّة وحمَّلتَ نُعمى لا أُطيقُ بها نَهْضا
فدَعني أُخفِّفُ ثقلَها بتشكُّري لعلَّ اضطلاعي بالتَّشكُّر أن يقضا
وما غبتُ عن عينيكَ مذ غبتُ عن قِلى ولا كانَ إغفالي زيارتكم رَفْضا
بلَى جزتَ حدّ البرّ حتَّى فضَضْتَ عن كتاب احْتشامي خاتمًا لم يكن فُضَّا
فإن زدتَني برًّا تزيَّدتُ جفوةً فلا نلتقي ما أمطرتْ مزنَةٌ أرضَا
وهذه الأبيات لفظ دعبل برمَّته وأخذ هذا المعنى وأتى به وزاد فيه قليلًا بقوله:
فإن يكُ أربَى شكري على ندى أُناسٍ لقد أرْبَى نداه على شكري
زيادته في هذا المعنى والبيت أنَّه ذكر أنَّ شكره قد أربى على ندى أقوام، وإنَّ ندى هذا الممدوح قد أربى على شكره، وقد نظر البحتري أيضًا إلى هذا المعنى في مكان آخر فقال:
كلَّما قلتُ أعتقَ المدحُ رقِّي رجعتْني له أياديه عبدا
ولسعيد بن هاشم الخالديّ في هذا المعنى قوله:
ووالله ما عارضتُ جودَك ساعةً بشعري إلاَّ كانَ اشعر من شعرِي
كأنَّ عطاياك الجسيمة أقسمَتْ بأنِّي لا أنفكُّ مهتضم الشكرِ
[ ١ / ٥٢ ]
وقد ذكر جماعة من الشعراء أنَّ الشكر يوازي النعمة، فإن زاد شكر على النعمة كان أفضل منها، وإن كان مثلها لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد، وهذه القطعة الَّتي نذكرها من المعاني المخترعة الجياد، وهي قوله:
سبقتَ بمعروف فصلى ثنائِيا فلمَّا تمادَى جرْيُنا صِرتَ تالِيا
أبا حسنٍ قد كنتَ قدَّمتَ نعمة وألحقتَ شكرًا ثمَّ أمسكتَ عانِيا
فلا ضيرَ لم يلحقك منِّي ملامةٌ أسأتَ بنا عَودًا وأحسنتَ بادِيا
فمِلآنَ لا يغدو عليك مدائحي جوازي نُعمى قد نَضَت أو رواجِيا
لعلَّك يومًا أن تُسيءَ بصاحبٍ فتذكُرَ إحساني به وبلائِيا
ما نعرف في معنى هذه الأبيات مثلها إلاَّ أنَّ عبد الصمد بن المعذَّل حذا حذوها وتناول معانيها فقال:
برزَ إحسانُك في سبقه ثمَّ تلاهُ شُكر لاحقُ
حتَّى إذا امتدَّ المدَى بينَنا جاء المصلّى وهو السابقُ
هذا معنى مسلم بعينه، ومعنى هذين الشعرين أنهما أرادا أنَّ هذا المعطي تقدَّمت عطيَّته وثنى الشاعر بالشكر، ثمَّ إنَّ الشاعر تابع شكره وقطع المعطي عطيَّته فصار الشكر ناميًا زائدًا وصار المعطي المبتدئ متخلِّفًا تاليًا. ألا ترَى أنَّ مسلمًا قال: " فلمَّا تمادَى جريُنا صرتَ تالِيا " أي لمَّا أقمتُ أنا على الشكر وقطعت أنت النعمة سبقتُ أنا وصلَّيتَ أنت، وكذلك أيضًا قال ابن المعذّل: " حتَّى إذا امتدَّ المدَى بيننا جاء المصلّى وهو السابقُ " والدليل على صحة قولنا إنَّ مسلمًا قال:
فأقسمتُ لا أُجزيكَ بالسُّوءِ مثله كفَى بالَّذي جازَيْتَنا لك جازِيا
هذا دليل واضح فمسلم وابن المعذّل جعلا الشكر ثمنًا للبرّ، وإذا انقطع عنهما البرّ قطعا الشكر، وممن فضَّل البرّ على الشكر الشاعر بقوله:
بأبي شكري قليل وأياديك كثيرَهْ
لم يقلْ فيكَ لسانِي قطّ فاستوفَى ضميرَهْ
وممَّن فضَّل الشكر على النعمة الأخطل بقوله:
أبني أميةَ إن أخذتُ كثيرَكمُ دون الأنام فما أخذتم أكثَرُ
أبني أميةَ لِي مدائحُ فيكم تُنسَوْنَ إن طالَ الزَّمان وتُذكرُ
ويروى أن ابنة زهير بت أبي سلمى حضرت موضعًا فيه ابنة هرم بن سنان، فقيل لها: هذه ابنة زهير، فقالت لها: أخذ أبوك من أبي أموالًا جمَّةً، فقالت لها ابنة زهير: أخذ أبي مالًا يفنَى وأعطَى أباك ذكرًا يبقَى وثناء يروَى، فقطعتها، والَّذي قيل في الشكر أكثر من أن يحويه كتاب أو يدركه إحصاء وإنَّما ذكرنا في هذا الموضع منه ما روينا وأثبتنا ما عرفناه وتجنَّينا الكثير المشهور والمستفيض المعروف.
وقال بشامة بن عمرو بن هلال، وهو خال زهير:
هجرتَ أُمامةَ هجرًا طويلا وأعْقَبك النَّأيُ عِبئًا ثقيلا
وحُمِّلتَ منها على بُعدها خَيالًا يُوافي قليلًا قليلا
ونظرةَ ذي شجَن وامِقِ إذا ما الركائبُ جاوزنَ مِيلا
أتَتْنا لتُسائلُ عن بثّنا فقلنا لها قد عَزَمْنا الرَّحيلا
فبادرَتاها بمُسْتعجل من الدمع ينضَحُ خدًّا أسِيلا
وما كانَ أكثر ما تولَّتْ من القَول إلاَّ صِفاحًا وقيلا
وقرَّبتُ للرَّحل عَيرانَةً عُذافِرةً عنتَريسًا ذمُولا
مُداخلَةَ الخَلق مضبورةً إذا أَخذَ الخافقاتُ المقِيلا
إذا أقبلتْ قلتَ مَذعورةً من الرُّبد تلحق هيقا ذَمُولا
وأن أدبرت قلت مشحونة أطاعَ لها الرِّيحُ فَلْغا جَفُولا
كأنَّ يدَيها إذا أرقلتْ وقد جرت ثم اهتدينا للسبيلا
يدَا عائم خرَّ في غَمرةٍ فدَاركه الموتُ إلاَّ قلِيلا
وحُبرْتُ قومي ولم ألْقَهُم أَجدُّوا على ذي شُوَيس جلُولا
وإمَّا هلكتُ ولم آتِهِمْ فأبلِغْ أَمائلَ سَهمٍ رَسُولا
بأنْ قومُكم خُيِّروا خصلَتَيْ نِ كلتاهما جعلوها عدُولا
فخِزيُ الحياة وخِزي المماتِ وكلا أراه طعامًا وبِيلا
فإلاَّ يكنْ غيرُ إحداهُما فسِيروا إلى الموتِ سيرًا جمِيلا
ولا تَقعدوا وبكم منَّةٌ كفَى بالحوادثِ للمرءِ غُولا
وحُشُّوا الحروبَ إذا أُوقدَتْ رِماحًا طوالًا وخَيلًا فحُولا
ومِن نَسج داؤد موضونةً ترَى للقواضيبِ فيها صليلا
أما قوله في سير الناقة: " كأنَّ يديها إذا أرقلت " البيت، وقوله: " يدا عائم " البيت فمعنى جيد نادر، وقد أكثرت الشعراء في سرعة السير ونحن نذكر ممَّا قالوا ههنا طرفًا إن شاء الله، فمن ذلك قول الشاعر:
كأنَّ يديها إذا أرقلَت وصام النَّهارُ يدَا ملتدم
ومن جيد ما قيل في سرعة أيدي الإبل ما يروى لبعض شعراء الموصل:
كأنَّما طيّ الطَّريق الأطول ما بين أَيديها وبين الأرجُلِ
طيّ كتاب في يدَي مستَعجل
وقال رؤبة:
كأنَّ أيديهنَّ بالقاعِ القَرِقْ أيدي جوارٍ يتناهَبْنَ الورِقْ
وقال المثقَّب العبديّ:
كأنَّما رجعَ يدَيها إلى حَيزومِها فوقَ حصَى الجَدْجَدِ
نوحُ ابنة الجَون على هالِك تندُبُه رافعة المجلدِ
وقال الآخر:
كأنَّ يدَيها حين يقلق ظفرها يدَا نَصَفٍ غَيْرَى تعذَّرُ مِن جُرْمِ
ومثل هذا البيت قول الآخر:
كأنَّ يديها إذا أرقلتْ يدا ذاتِ ضِغن تريغ السباما
وقال جرير:
كأنَّ العرمس الوجناء منها عجول خرمت عنها صِدارا
ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول ابن أحمر:
إذا بركتْ خوَّتْ على ثَفِناتِها مجافيةً صُلبًا كقنطرة الجسرِ
كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤُها طريدان والرِّجْلانِ طالِبَتا وِتْرِ
ولا نعرف في سرعة المشي أجود من هذين البيتين، وقال آخر:
كأنَّ يدَيها يدَا ماتِحٍ مُدِلٍّ إلى يوم وردٍ ورودا
يخاف العقابُ وفي نفسِه إذا هو أصدَرَ ألاَّ يَعُودا
وقال آخر:
كأنَّ ذراعَيها ذراعا بذية مفجّعةٍ لاقَتْ حلائلَ عنْ عُفْرِ
سمِعنَ لها واسْتَفْرَغَت في حديثها فلا شيء يَفري باليدين كما تَفْرِي
ومثله:
كأنَّ ذراعَيها ذراعا مُدلَّةٍ بعيد السِّبابِ حاولَتْ أن تعذرا
وقال آخر:
كأنَّ ذراعَيها وقد خبطت به وجوهَ الدُّجَى والبيد كفَّا مُلاطِمِ
وقال آخر:
عفرناةٌ كأنَّ سدى يدَيها إذا شُنِقَت وأوجعَها القَفارُ
يدا نوَّاحة ثكلت أباها تشقَّقَ عن ترائبها الصِّدارُ
آخر:
كأنَّ أيديَهُنَّ في المَوْماةِ أيدي عذارَى بين مُعوِلاتِ
ومثل هذا البيت الأخير:
كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤها يدا معوِلٍ خرقاء تسعد مأتَمَا
تُرائي الَّذين حولَها وهْيَ ليها رخِيّ ولا تبكي بشجو فَتيلما
يقول في هاتين القطعتين إنَّ هذه الباكية غير حزينة ولكنَّها ترائي من هبل، وهو اشد لتحريك يديها لتُشكر على ذلك وإن كان قلبها خليًّا من توجع المصيبة، وشبيه بهذا المعنى الَّذي تكلمنا عليه، لا الأول، قول بعض شعراء العرب يذكر النوائح، وإنَّ بكاءهنَّ ولطمهنَّ الصدور والخدود مُراءاةً لا لفجيعة، وهو:
وهيَّج وجد الناعجات عشيَّة نوائحُ أمثالُ النعامِ النوافِرِ
بكى الشجو ما دون اللَّهَى من حلوقها ولم يبكِ شجوًا ما وراءَ الحناجِرِ
وما يعرف في ذكر النوائح أحسن من هذا ولا أبدع إصابة معنى وجودةَ لفظ، ومن المعنى الأول في سرعة السير قول الشاعر:
قطعت قيعانها بقلقلِهْ تلعب في البيدِ بالحصَى يدُها
وقال أبو نواس:
ما رِجلُها قفَا يدِها رِجْلُ وليدٍ يلهو بدبُّوقِ
وقال آخر:
خُوص نواجٍ إذا صاحَ الحُداةُ بها رأيتَ أرجُلَها قدَّامَ أيدِيها
وهذا البيت من الإغراق المتفاوت، وهو من أحسن ما نعرف في هذا الباب، وقد ذكرنا من هذا المعنى شيئًا وبقيت أشياء تأتي إن شاء الله.
حاول الشعراء أن يأتوا بمثل قول النبي ﷺ في البراق وهو يضع حافره منتهى بصره، فما بلغوه.
قال الشنفرى من قصيدة:
لعمرك ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئٍ سرَى راغبًا أو راهبًا وهْوَ يعقِلُ
إذا مُدَّتِ الأيدي إلى الزَّادِ لم أكنْ بأعجَلِهم إذا أجشَعُ القومِ أَعجلُ
وما ذاك إلاَّ بسطةٌ من تطوّلٍ عليهم وكانَ الأفضلَ المتطوِّلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض كي لا يرَى له عليَّ من الفضلِ امرؤٌ متفضِّلُ
ولولا اتّقاء الذّلّ لم يلف مَشربٌ يُعاشُ به إلاَّ لدَيَّ ومأكَلُ
ولكنَّ نفسًا حرَّةً لا تُقيمُ بي على الخَسفِ إلاَّ رَيثما أتحوَّلُ
وفي الأرضِ منأى للكريمِ عن الأذَى وفيها لمَن رامَ القِلَى متعزَّلُ
وهذه القصيدة كثيرة المحاسن، وقد قدمنا ذكر شيء منها في صدر كتابنا هذا، ونحن نذكر منها بعد هذا الاختيار أشياء أُخر في مواضعها.
أما قوله: " ولكن نفسًا حرَّة " البيت، " وفي الأرض منأى " البيت، فهو معنى قد أكثرت الشعراء فيه، ونحن نذكر منه شيئًا، والأصل في هذا امرؤ القيس بقوله:
وإذا أُذيتُ ببلدة ودَّعتُها إذ لا أُقيمُ بغير دار مُقامِ
فأخذه لبيد فقال:
أو لم تكن تدري نوار بأنَّني وصَّالُ عقد حبائلٍ جذامُها
نزَّالُ أمكنةٍ إذا لم أرْضَها أو يعتلِق بعض النُّفوس حِمامُها
وقال جرير:
وإنِّي لعفّ الفَقر مُشتركُ الغِنَى سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا
وقال أوس بن حَجَر:
أُقيمُ بدار الحزم ما دام حزمُها وأحرِ إذا حالَت بأنْ أتحوَّلا
وقال:
احذَرْ محلَّ السوءِ لا تحلُلْ به وإذا نبَا بكَ منزلٌ فتحوَّلِ
ويروى أنَّ هبنَّقة القيسي، الَّذي يحمَّق، سمع منشدًا ينشد هذا البيت، فقال: أخطأ القائل، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنَّ أهل السجون قد نبا بهم منزلهم ولا يقدرون على التحوّل، ولكنَّ الصَّواب أن يقول:
إذا كنت في دارٍ يهينك أهلُها ولم تكُ مكبولًا بها فتحوَّلِ
وقد أتى الراعي بهذا المعنى فقال:
لا خير في طولِ الإقامة لفتَى إلاَّ إذا ما لم يجد متحوّلا
وقال آخر:
أُقيمُ بالدَّار ما اطمأنَّت بي الدَّا رُ وإن كنتُ نازعًا طربا
وأيُّ أرض نبت بي الدَّارُ عجَّلْ تُ إلى غير أهلها الهربا
قال آخر:
ودار هوان أنفتُ المقام بها فحللتُ محلًا كريما
وقال مسكين الدارميّ:
أُقيمُ بدار الحيّ ما لم أُهَنْ بها وإنْ خفتُ من دارٍ هوانًا تركتُها
آخر:
وكنتُ إذا دارٌ نبَتْ بي تركتها لغيري ولم أقعدْ على شرِّ مقعدِ
آخر
فإن تُنصِفونا يالَ مروانَ نقتربْ إليكم وإلاَّ فأذَنُوا ببعادِ
فإنَّ لنا عنكم مراحًا ومرحلا بعيس إلى ريح الفلاةِ صوادِي
وفي الأرض عن دار القلى متحوّل وكلّ بلاد أوطِئَتْ كبلادِي
وقال عبد الله بن الحسن:
فإن بنتِ عنّي أو تُرد لي إهانةً أجِدْ عنكِ في الأرض العريضة مذهبا
فلا تحسبنَّ الأرض بابًا سدَدْتهِ عليَّ ولا المصرَين أُمًّا ولا أبا
آخر:
لا خيرَ في بلد يُضام نزيلُه وعن الهوان مذاهب ومنادِحُ
آخر:
فإن بلدة أعيا عليَّ طلابُها صرفتُ لأخرى رحلتي وركابي
آخر:
فإذا الديار تنكرتْ عن أهلها فدعِ الديارَ وأسرعِ التحويلا
ليس المقامُ عليك حَتمًا واجبًا في منزل يدعُ العزيزَ ذليلا
وقال أبو تمّام الطائي:
فإن صريح الرأي والحزم لامرئٍ إذا بلغتْهُ الشمسُ أن يتحوَّلا
وقال سعيد بن هاشم الخالديّ:
غيري أقامَ بدار مَضْيعَةٍ ولسانهُ عَضْبٌ ومُنصَلهُ
وقال آخر:
إذا ما الرَّقتانِ تجافياني فما الدُّنيا عليَّ الرقَّتان
سيُنصفني صديق من صديقٍ ويحملني مكانٌ عن مكانِ
آخر:
وقد عَجَنتْ منّي الخطوبُ ابنَ حُرَّةِ متى ما مرَتْه منزلَ السوء يرحلِ
هذا الباب متَّسع، وقد ذكرنا منه ها هنا قطعة صالحة إلى أن نحتاج إلى ذكر شيء منه بعد هذا الموضع فنذكره.
قال العوَّام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى:
وخُبِّرتُ ليلى بالعراقِ مريضة فأقبَلْتُ من مصرٍ إليها أعودُها
هذا البيت تناحرَ الشعراء فيه:
فوالله ما أدري إذا أنا جِئْتُها أأبْرِئها من دائها أم أزيدُها
ألا ليتَ شعري هل تغيَّرَ بعدَنا ملاحةُ عَينَي أمّ يحيَى وجيدُها
وهل أخلقَتْ أثوابُها بعد جدَّة ألا حبَّذا خُلقانُها وجديدُها
خليليَّ قومًا بالعمامةِ واعصبا على كبدٍ لم يبق إلاَّ عميدُها
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا إذا لم يكن صلبًا على البرْيِ عودُها
لقد كنتُ جلْدًا قبل أن توقِدَ النَّوى على كبدي نارًا بطيئًا خُمودُها
ولو تُرِكتْ نارُ الهوَى لتضَرَّمتْ ولكنَّ شوقًا كلَّ يوم يزيدُها
[ ١ / ٥٣ ]
وقد كنت أرجو أن تموتَ صبابتي إذا قدُمَتْ آياتُها وعهودُها
فقد جعلَتْ في حبَّةِ القلب والحشا عِهادُ الهوَى تولي بِشوق يزيدُها
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى أزورها أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدُها
من الخفرات البيض ودّ جليسُها إذا ما قضَتْ أُحدوثة لو تعيدها
خليليّ إنِّي اليوم شاكٍ إليكما وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدُها
حَزازات شوق في الفؤاد وعَبرةً أظلُّ بأطراف البنان أذودُها
وتحت مجال الدمع حرّ بلابل من الشوق لا يُدعى لخطبٍ وليدُها
نظرتُ إليها نظرةً ما يسرُّني بها حُمرُ أنعام البلاد وسودُها
إذا جئتُها وسطَ النساء منَحتُها صدودًا كأنَّ النفس ليس تريدُها
ولي نظرةٌ بعدَ الصدود من الجوى كنظرة ثكلى قد أُصيبَ وحيدُها
رفعتُ عن الدُّنيا المُنى غير وجهها فلا أسألُ الدُّنيا ولا أسْتزيدُها
هذه الأبيات من جيد غزل الأعراب ونادره، وفيها أشياء لها نظائر نحن نذكر بعضها، فمن ذلك قوله: " وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي " البيت، وقوله " فقد جعلت في حبة القلب والحشا " البيت، وهذا المعنى جيد، يقول: كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا تطاولت الأيام، فلما اشتدت وتطاولت زادت صبابتي، وشبيه بهذا قول الشاعر وهو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وعلَّقت ليلى وهي ذات ذؤابة ترُدُّ علينا بالعشيّ المراميا
فشاب بنو ليلى وشاب بنو ابنها وهذي بقايا حبّ ليلى كما هيا
وقال آخر مثله:
فشاب بنو ليلى لِصُلبي وأدركوا وشاب بنوهم وهي مالكة قلبي
فأما قوله: " وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها " البيت، فقد أخذه أبو نواس فقال:
قالت لقد أبْعدَ المسرى فقلتُ لها من عالج الشوقَ لم يستبعد الدَّارا
ومثله قول الآخر:
وإذا أتَيتك زائرًا متشوقًا قصر الطريقُ وطال عند رجوعي
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلتُ لزهراء الأعرابية: كم بيننا وبين منزلك؟ فقالت:
أما على كسلانَ وانٍ فنازِح وأما على ذي حاجة فقريبُ
وأما قوله " من الخفرات البيض " البيت، فأحسنُ ما قيل في معناه، وقد تركنا نظائر كثيرة له في صدر هذا الكتاب ونحن نذكر ههنا شيئًا مما لم نذكره هناك، فمن ذلك قول الشاعر:
كأنَّما عسَل رجعانُ منطقها لو أن رجع كلام يُشبه العسَلا
آخر:
وإنّا لَيَجْري بيننا حين نلتقي حديثٌ له وشيٌ كوشي المطارفِ
حديث كوقع القَطر في المحل يَشتفي به من جَوى في داخل القلب شاغفِ
بشار:
ولها مضحكٌ كغرّ الأقاحي وحديث كالوشي وشي البرودِ
نزلَتْ في السواد من حبَّة القَلْ بِ ونالت زيادة المستزيدِ
ذو الرمّة:
ونِلْنا سِقاطًا من حديث كأنّه جنى النَّخل ممزوجًا بماء الوقائعِ
[ ١ / ٥٤ ]
آخر:
لها بشَرٌ مثل الحرير ومنطقٌ رقيقُ الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ
وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ:
وحديثٍ بمثله تنزِلُ العُصْ مُ رخيمٍ يشوبُ ذلك حِلْمُ
النابغة:
لو أنَّها عرضَتْ لأشمطَ راهبٍ عبد الإلهَ صرورة مُتعبِّدِ
لَرنا لبهجَتها وحُسن حديثِها ولَخالهُ رُشْدًا وإن لم يرشُدِ
كثيّر عزّة:
وأدنَيتني حتَّى إذا ما اسْتبيتني بقول يُحِلّ العُصمَ سهلَ الأباطحِ
تباعدتِ عنّي حينَ لا ليَ ملجأٌ وخلّيت ما خلّيت بين الجوانحِ
آخر:
ظللنا بيوم عند أمّ محلّم نشاوى ولم نشرب طلاءً ولا خَمْرا
إذا صمتت عنا أذنّا بصَمتها وإن نطقت هاجت لألبابنا سُكرا
آخر:
وترى لها دلًاّ إذا نطَقتْ تركَتْ بناتِ فؤاده صُعْرا
كتساقُط الرُّطَبِ الجَنيِّ من ال أفناءِ لا نثرًا ولا نزرا
ولأعرابي:
يا رُبّ عيشٍ بالشباكِ رغدِ من تمْرٍ بَرْنيٍّ وزُبْدٍ جَعْدِ
وفتيات صادقاتِ الوعد حديثهُنَّ مثل طعم الشُّهْدِ
أبو حيَّة النّميري:
حديث إذا لم نخش عينًا كأنَّهُ إذا ساقطَتْهُ الشهدُ بل هو أطْيبُ
لوَ انَّك تَستشْفي به بعدَ سكرَة من الموتِ كادتْ سكرةُ الموتِ تذهبُ
وقال الأخطل:
وقد تكونُ بها سلمى تحدِّثُني تساقُطَ الحَلْي حاجاتي وأسْراري
جرانُ العَود:
حديثًا لوَ أنَّ اللحم يولى ببعضه غريضًا أتى أصحابَه وهو منضجُ
أبو حيّة النميريّ:
إذا هنَّ ساقَطْنَ الحديثَ كأنَّه سقاط حَصَى المرجان من كفِّ ناظمِ
وشبيه بقول الأعرابيّ:
نظرتُ إليها نظرةً ما يسرُّني وإن كنت مسكينًا بها ألف درهَمِ
وهذا الأعرابيّ على ضعفه ومسكنته كانت نظرته إلى من يحبّ أكثر عنده من ألف درهمٍ.
وقال كعب بن زهير:
لأيّ زمانٍ يخبأُ المرءُ نفعَهُ غدًا فغدًا والدهرُ غادٍ ورائِحُ
إذا المرءُ لم ينفعكَ حيًّا فنفعهُ قليلٌ إذا رُصَّتْ عليه الصفائحُ
الأصل في هذا المعنى قول الحطيئة:
لا أحسبنّك بعد الموتِ تَنفعني وفي حياتي ما زوَّدتني زادي
ومن أمثالهم في هذا قولهم: لأيِّ يوم يخبأُ المرءُ السعة، ومثل هذا قول الشاعر:
إنِّي أُريدك للدنيا وزينتها ولا أريدك يوم الدين للدِّينِ
آخر:
كلانا غنيّ عن أخيهِ حياتَهُ ونحنُ إذا مِتنا أشدُّ تغانِيا
آخر:
إذا فاتني نفعه في الحياةِ فلستُ أؤمِّلُه في المعادِ
آخر:
إذا فاتَ في الدُّنيا الَّذي بك أرتجي فنفعكَ عنِّي في المعاد قليلُ
آخر:
وإذا لم يُرجَ للدُّنيا فتًى فبعيد أن يرجَّى للمعادِ
آخر:
إذا كان في الدُّنيا رجاءك شاسعًا ففي الحشر يغدو وهوَ أنْأى وأشسعُ
أعرابيّ:
ولستُ كمن لم يركب الهولَ بَغْتةً وليس لرحْلٍ حطَّهُ الله حاملُ
إذا أنتَ لم تُعرِضْ عن الجهلِ والخنا أصبْتَ حليمًا أو أصابكَ جاهِلُ
وقال ابن مقبل:
يهزُزْنَ للمشي أعطافًا منعَّمةً هزَّ الرِّياح ضُحًى أغصانَ يَبْرينا
يمشين مثل النَّقا مالت جوانبهُ ينهالُ حينًا وينهاه الثرى حينا
هذا من جيد ما قيل في المشي وقد ذكرنا قطعة من هذا النوع فيما تقدم، ونحن نذكر ههنا أشياء أخر لم نذكرها قبل هذا الوقت، بل نذكر أمورًا شتى من أمور مشي النساء والرجال على ضروب مختلفة مثل مشي السكران وغيره، إذ كان قصدنا أن نعدِّد في هذا الكتاب قطعة في كل نوع من أنواع الشعر. فمن أحسن ما نعرف، وهو أحق بالتقديم لجودة ألفاظه ورقّة معانيه وإحكام بنيته، أبياتٌ لمسلم بن الوليد يذكر فيها مشي امرأة، ولا نعرف في هذا المعنى أحسن من هذه الأبيات، وهي:
مريضةُ أثناء التَّهادي كأنَّما تخافُ على أحشائِها أنْ تقطَّعا
تسيبُ انْسِيابَ الأيْمِ أخْصرَهُ النَّدى فرفَّعَ من أعطافه ما ترفَّعا
تأمّلتها مغبرَّة وكأنَّما رأيتُ بها من سُنَّةِ البدرِ مطْلَعا
إذا ما ملأتَ العينَ منها ملأتَها من الدَّمْعِ حتَّى تنزفَ الدمعَ أجْمعا
[ ١ / ٥٥ ]
لولا أنّا شرطنا ألا نقدّم في هذا الكتاب إلاَّ أشعار المتقدمين ثمَّ نأتي بعد ذلك بالنظائر للمحدثين والمتقدمين، لكان سبيلنا أن نجعل هذه الأبيات الإمام في هذا المعنى لجودة ألفاظها وصحة معانيها وأنَّها واسطة القلادة في هذا المعنى والمعاني في صفة المشي كثيرة التصرّف، فمن الشعراء من شبه المشي بتحريك الأغصان، ومنهم من ذكر ذلك بانسياب الحية، ومنهم من وصفه بمرور السحاب، إلى أشياء من التشبيهات كثيرة، ونحن نذكر من كل هذه الصفات والتشبيهات ما يعنّ لنا بحول الله وقوته.
العَرْجيّ:
يمشي كما حرّكت ريحٌ يمانيَةٌ غُصْنًا من البانِ رطبًا طلَّه الرِّهَمُ
وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
تهتز مثل اهتزاز الغصن أتْعَبه مرور غيث من الوسميّ صحّاحِ
وقال ذو الرمّة:
مشَين كما اهتزّتْ رِماحٌ فسفَّهتْ أعاليَها مرضى الرياح النَّواعِمِ
آخر:
تأوّدنَ لمّا أن تهادَين نحونا كما حرَّكتْ ريح العشياتِ خروعا
آخر:
يمشين مشي قطا البطاح تأوُّدًا قُبَّ البطون رواجحَ الأكْفالِ
وأول من شبه مشي المرأة بمشي السكران امرؤ القيس بقوله:
وإذْ هي تمشي كمشي النَّزي ف يصرَعُه بالكثيبِ البُهُرْ
وشبهه المنخل اليشكري بمشي القطاة فقال:
ودفعتها فتدافعت مشي القطاة إلى الغديرِ
وقال ابن ميَّادة:
[ ١ / ٥٦ ]
إذا الطّوالُ سَدَونَ المشيَ في خطَل قامت تَزيكُ قوامًا غير ذي أوَدِ
تمشي ككُدرية في الجوف واردةٍ تهدي سروبَ قطا يَسْرين للثَّمَدِ
آخر وهو جران العَود:
فلمّا رأين الصبحَ بادرن ضوءه رسيم قطا البطحاء أو هنّ أقطَفُ
آخر:
وكأنهنَّ إذا أردن خُطا يقلَعْنَ أرجلَهنَّ من وحَلِ
البحتريّ:
لما مشين بذي الأراك تشابهَتْ أعطافُ قضبان به وقدودِ
آخر:
وبيض تطَلّى بالعبير كأنَّما يطأن ولو أعنَقن في جدَدٍ وَحْلا
هذا بيت جيد في هذا المعنى، لأنه لم يرضَ أن يجعلها تمشي في الجَدَد، وهو السهل المستوي من الأرض، حتَّى قال: كأنها تطأ الوحل وإن هي أسرعت في مشيها.
آخر:
خرجت تأطَّر في الثياب كأنّها أيْم يسيب على كثيبٍ أهْيَل
وصفها بالتثني والمتثنِّيةُ لا تكون إلاَّ بطيئة المشي، والتأطّر: التثنّي، يقال أطرت الغصن: أي ثنيته، قال كثيّر:
تأطَّرْنَ حتَّى قلت لسْنَ بوارحًا وذُبنَ كما ذابَ السديفُ المُسَرْهَدُ
آخر:
يزجين بكرًا يُنْهِجُ الرَّيط مشيُها كما مار ثعبان الغضا المتدافِعُ
فأما أول من شبه المشي بمشي السكران للتَّثني والانعطاف فامرؤ القيس في قوله:
وإذ هي تمشي كمشي النّزي فِ يصرعه بالكثيبِ البُهُرْ
أخذه مضرس الفقعسيّ فقال:
تساكَر سلمى من سجية مشيها وما سكر سلمى من طلاء ولا خَمْرِ
وقال الشماخ:
[ ١ / ٥٧ ]
تَخامَصُ عن برد الوشاح إذا مشَتْ تخامُصَ حافي الخيل في الأمعز الوجي
أخذه جرير فقال:
إذا ما مشَت لم تبتَهرْ وتأوَّدتْ كما انْآدَ من خيل وجٍ غير مُنعَلِ
وشبه عبد بني الحسحاس مشي النساء بتدافع السَّيل فقال:
تهادى سيل جاء من رأس تلعة إذا ما علا صَمْدًا تفرَّعَ واديا
أخذه حميد بن ثور فقال:
فجاءتْ تهادى مِشيةً مرجَحِنَّة تهادِيَ سيلٍ قد مضى وتصرَّما
وقال مسلم في صفة مشي السكران:
دارت عليه فزادت في شمائله لين القضيب ولَحْظَ الشادن الفَردِ
مشَتْه لما تمشَّت في مفاصلِه لعبَ الرياح بغُصن البانة الخضِدِ
أخذه خالد الكاتب فقال:
وولَّى وفعل السكر في حرَكاتهِ كفعل نسيم الريح في الغصن الغضِّ
فأما وصف مشية السكران على غير هذا المذهب فمثل قول الشاعر:
اسْقِني بالكبير يا سعدُ حتَّى أحسب النَّاس كلَّهم لي عبيدا
وأراني إذا مشيتُ كأنِّي أعدل الأرضَ خشية أن تميدا
أخذه الآخر فقال:
وما زلت أشرب حتَّى اعتمدت على الأرض أعدلُها أن تميلا
ومن جيد ما قيل في هذا المعنى قول الآخر:
سقاني هذيلٌ من شرابٍ كأنَّه دمُ الجوف يستدعي الحليمَ إلى الحَبْلِ
فما زلتُ أسْقى شربةً بعد شربة لعمرك حتَّى رُحتُ متَّهم العَقْلِ
خرجت أجوب الأرضَ أركُلُ متنَها إذا هي مالت بي فيعدلُها رَكْلي
يقدمني طورًا أمامي قاصدًا ويركض مشي القهقرى مرةً رِجلي
ترى عيني الحيطانَ حولي كأنَّها تدور ولو كلَّمتَني قلتَ ذو خبلِ
فلا العين تهديني وبالرجل ما بها فلأيًا بلأيٍ ما بلغت إلى أهْلي
آخر:
وذي غَيَد لم يدرِ ما الخمر قبلَها سقيناه حتَّى صار قيدًا له السُكْرُ
قد ذكرنا شيئًا من ضروب المشي، وإنّما ذكرنا من كل شيء ليسيرا كما شرطنا، ولو أردنا أن نأتي بما قيل في جميع الفنون بأسره لطال ذلك واتّسع
[ ١ / ٥٨ ]
ولكان في شعر البحتري وحده ما يقع في كتاب مفرد، ولا بدّ بعد هذا أن نذكر منه شيئًا آخر إن شاء الله.
العرندس بن وثاق اليربوعيّ وذكر منهزمًا:
فأولى على عمرو بن بدر فإنَّه يُطوَّع في عال من الركض زائدِ
مضى يحمد الشقراء لما تمطَّرت به تحت جُؤشوشٍ من اللَّيل وافدِ
إذا ما رأى لمعَ السيوف بدا له طريق نجاء للفرار مساعدِ
لئن جرعت منه القنا دون ريّها لما هو عن ربّ القنا بمباعدِ
هذه أبيات جياد في صفة هارب. وأما قوله: " لئن جرعت منه القنا " البيت، فذكر أنّه قد طعن طعنات لم تأتِ على نفسه لهربه، ثمَّ هدَّده فقال: وما هو عن ربّها ببعيد، وقد أخذ هذا المعنى منه مسلم بن الوليد فقال:
ولَّى وقد جرعَتْ منه القنا جُرَعًا حيَّ المخافةِ مَيتًا غير موءودِ
والبيت الأول أجود من بيت مسلم هذا، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام فأتى به في غاية الجودة والصحّة، وهو قوله:
من مُشرقٍ دمُه في وَجْههِ بطلٍ أو ذاهلٍ دمُه للرعب قد نزفا
فذاك قد سُقيت منه القنا جرعًا وذاك قد سُقيت منه القنا نُطفا
بيت أبي تمام هذا، وإن كان أخذه ممن ذكرنا، فهو جيد التقسيم مطّرد الصدر، والعجز مليح اللفظ، ونذكر ها هنا أشياء من ذكر المنهزمين، ولا نستغرق الكلَّ في هذا الموضع إذ كنَّا نحتاج إلى بثّ ذلك في مواضع من الكتاب، وقال أبو تمام وذكر منهزمًا:
مُوَكَّلًا بيَفاع الأرضِ يُشْرِفهُ من خفّة الروع لا من خفة الطَّربِ
ومن الجيد النادر في صفة منهزم قولُ البحتري:
تحيَّر في أمريه ثمَّ تحبَّبَتْ إليه الحياةُ ماؤها غلَلٌ سَكْبُ
تكرّه طعم الموت والسيف آخذ مخنّقَ ليثِ الحرب حاصلُهُ كلْبُ
ولو كان حرَّ النفس والعيشُ مدبِرٌ لمات وطعم الموت في فمه عَذبُ
ولو لم يحاجز لؤلؤ بفراره لكان لصدر الرمح في لؤلؤ ثقبُ
تخطَّأَ عرض الأرض راكب وجهه ليمنع منه البعد ما يبذل القربُ
يحبُّ البلادَ وهي شرقٌ لشخصه ويُذعرُ منها وهي من فوقه غَرْبُ
إذا سار سهبًا عاد ظُهرًا عدوَّه وكان الصديقَ غدوةً ذلك السهبُ
يقول: كل شيء يقطعه من الأرض فهو من قبل أن يجتازه مثلُ الصديق له، فإذا جازه صار عدوًّا لما يخاف من الطلب. وما نعرف مثل هذه الأبيات في المنهزمين إلاَّ له في مواضع أخر، ثمَّ نذكر بعضها ههنا وبعضها بعد وقت آخر، وقال يصف منهزمًا:
لما تضايق بالزحفَين قُطرُهما فضاربٌ بغرار الصَّيف أو واجي
قالت له النفس لا تألوه ما نصحتْ والخيلُ تخلط من نقع وأرهاج
إنّ المقيم قتيل لا رجوع له إلى الحياة وإنَّ الهاربَ الناجي
فمرّ يَهوي هويَّ الريح يُسعده جوّ يشطُّ وليلٌ مُظلم داجي
إنْ لا تنَلْه العوالي وهو منجذِبٌ فقد كوَتْ صلَوَيْه كيَّ إنضاج
وله أيضًا في مثله يصف منهزمًا في البحر:
مضى وهو مولى الريح يشكر فضلَها عليه ومن يولي الصنيعة يُشكَرِ
إذا الموج لم يبلغه إدراك عينه ثنى في انحدار الموج لحظة أخزرِ
وله أيضًا:
ومضى ابنُ عمرو قد أساء بعمره ظنًّا ينزّق مهرَه تنزيقا
فاجتاز دِجلةَ خائضًا وكأنَّها قَعْبٌ على باب الكحيل أُريقا
لو خاضها عمليق أو عوج إذنْ ما خوَّضَتْ عوجًا ولا عمليقا
لولا اضطرابُ الخوف في أحشائه رسبَ العُبابُ به فبات غَريقا
خاض الحتوفَ إلى الحتوف معانقًا زجلًا كقهر المنجنيق عتيقا
يجتاب حُرَّةَ سهلها وجبالها والطيرَ هان مِرارُه ودقوقا
لو نفَّسته الخيلُ لفتةَ ناظر ملأَ البلادَ زلازلًا وفتوقا
وله أيضًا:
أشلَى على منويل أطرافَ القنا فنجا عتيق طمرَّةٍ جرداءِ
لو أنَّه أبطى لهنَّ هنيهة لَصَدرْنَ عنه وهنَّ غير ظماءِ
فلئن تبقّاه القضاءُ لوقته فلقد عممتَ جنودَه بفناءِ
أثكلتَه أشياعَه وتركتَه للموت مرتقِبًا صباحَ مساءِ
حتَّى لو ارتشفَ الحديدَ أذابَه بالوقْدِ من أنفاسهِ الصُّعَداء
وله أيضًا:
كما انْهزم المغرورُ من مَرْج دابِق وخيلك في جَنبَي قُوَيق تُحاولُهْ
تأوَّبَ من حموص أبوابَ بالس مسيرًا لفرط الذّعر تطوي مراحِلُهْ
تقوّس من حدّ الأسنّة ظهرُه وقد سُلَّ منها منكباه وكاهلُهْ
يخيطُ عليه كاثِبَ النقع مُرْعيًا لكي تتغطَّى في العَجاج مَقاتلُهْ
إذا مرّ بالصحراء جانبَ قصدها يرى أنّها أرسال خيل تقاتلُهْ
أتى سادرًا بالبغي مستفتحًا به وحاولَ نصرَ الله واللهُ خاذلُهْ
وله:
بَهتَتْه أهوال الوغى فلو أنَّه عينٌ لشدة رُعبه لم تَطرفِ
وله:
ولم ينج ابن جستان بشيء سوى الأقدار عاقبت المنونا
يلاوذ والأسنة تدَّريه شمالًا حيث وجَّهَ أو يمينا
يصدُّ عن الفوارس صدَّ قالٍ يرى العشرات يحسبُها مئينا
لم نذكر من هذا المعنى في هذا الموضع أكثر ممّا ذكرناه للبحتري، ولم نترك أن نذكر لمسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي تمام، وابن الرومي وغيرهم من المجوّدين، إلاَّ ليقع في مواضع أخر. ولا بد أن نشوب ما ذكر المحدثون في هذا المعنى والفنّ بشيء من أشعار المتقدمين، وإن كان ليس في هذا المعنى ما يكثر ويتَّسع، وقد ذكرنا فيما تقدم من ذلك أشياء، ونحن نذكر غيرها بعد هذا الموضع إن شاء الله.
أعرابيّ:
ونِضْوٍ على نضو تجشّمَ شُقَّةً إليك بعيدٌ سهلُها من جبالِها
يشقُّ على مرّ الرياح اعْتِسافُها ويبعد قطراها عليَّ من آلِها
وتغدو بها الوجناءُ بعد مراحها وقد قُيِّدَتْ أرساغُها بكلالها
فإن تفعلي فعلَ المحبّ فهيِّنٌ علينا سُراها وامتدادُ ارتحالها
وإن كان ذاك البخل منك فعندنا لها دمعُ عينٍ وكّلَتْ بانهمالها
أما قوله " بعيد سهلها من جبالها " فإنَّه ذكر برية بعيدة الأقطار مستوية، وإذا كانت البرية مستوية بغير جبال كان أبعد لها، فذكر أنّ سهلها بعيد من جبالها لاستوائها وبعد أطرافها.
وقوله " ونضو على نضو تجشم شقة " فهو معنى مليح جيد، وهو كثير في أشعارهم، فمن ذلك قول العباس بن الأحنف:
إنَّا من الدَّرب أقبلْنا نؤمُّكم أنضاءَ شوق على أنضاء أسفارِ
آخر:
رأتْ نضو أشجانِ أميةُ شاحبًا على نِضوِ أسفار فجُنَّ جُنونُها
آخر:
باتت تُشوِّقني برجع حنينها وأزيدها شوقًا برجع حنيني
نضوان مغتربان عند تهامة طَوَيا الضلوعَ على جَوى مكنونِ
وقال أبو الشيص:
أكل الوجيف لحومهم ولحومها فأتوك أنقاضًا على أنقاضِ
ومثل هذا قول أبي تمام:
فقد أكلوا منها الغواربَ بالسُرى فصارت لها أشباحُهم كالغواربِ
آخر:
حتَّى انْتَضاه الصبحُ من ليل خَضِرْ مثل انتضاء النصل والسيف الذَكِرْ
نضوَ هوى بالٍ على نضو سفَرْ
والأصل في هذا المعنى على قول بعضهم قول امرئ القيس:
ألا إنَّني بالٍ على جملٍ بالٍ يسوق بنا بال ويتبعُنا بالِ
يجوز أن يكون أراد في هذا البيت أنَّه وجمله وقائده وسائقه بالون على ما قدمنا من هذا المعنى. ويجوز أنَّه أراد أنَّه خُبْرٌ بالموضع الَّذي يقصده وكذلك جمله وقائده وسائقه من بلوت الشيء أي خبرته. فإن قال قائلٌ: ما لذكر القائد ههنا معنى، إذ كان الرجال لا يُقاد بهم وإنَّما يُقاد بالنساء، ولم يذكر أيضًا أنَّه بالٍ من السقم وقائده صحيح، بل هما باليان، قلنا: إنَّ من شأن الملوك إذا قصدوا وجهًا وأرادوا سفرًا وكانوا على نجائبهم أن يُقادَ بهم، وكان امرؤ القيس ملكًا فلذلك ذكر القائد.
فأما قوله " وتغدو بها الوجناء بعد مراحها " البيت، فكثير أيضًا في أشعارهم فمن ذلك قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيِّدْ وفي طول الكلال لها قيودُ
مثله قول نصيب:
أضرَّ بها التهجيرُ حتَّى كأنَّها بقايا سِلالٍ لم يدَعْها سِلالُها
ومثله قول الآخر:
كانت تُقيَّد حين تنزل منزلًا فاليومَ صارَ لها الكلالُ قيودا
وقال آخر:
قيَّدَها الجهد ولم تقيَّدِ
وقال آخر:
إذا اطَّرَحوا عنها الرحائل لم تَزُلْ كَلالًا وقد كانت تنافَرُ بالعقلِ
وقال آخر:
وقيَّدها التهجيرُ في كل سبسبٍ بعيدِ المدى قُطْراهُ منتزحانِ
وقال آخر:
وما زال طولُ السير حتَّى لقد غدت ركائبُنا حسرى بغير قيودِ
وقال آخر:
تشكَّى إليَّ الأرحبية ما بها وما بي ممَّا بالنجيبة أكثرُ
غدوت طليحًا وهي مثلي لقطعها فدافد أشباهًا تروح وتُبْكِرُ
آخر:
وقيَّدها بعد ذاك المِراح بكور تواصله بالرواحِ
وقال مخلد يصف ناقة حجَّ عليها:
غدت بالقادسية وهي ترنو إليَّ بعين شيطانٍ رجيمِ
فما وافت بنا عسفان حتَّى رنت بلحاظ لُقمان الحكيمِ
وقال مروان بن أبي حفصة في مثل هذا:
فما بلغت حتَّى حماها كلالُها إذا عَرِيتْ أصلابُها أن تقيَّدا
والأصل في هذا كلّه قول عباد بن أنف الكلب الصيداويّ وهو:
فتُمسي لا أقيِّدُها بحبلٍ بها طولُ الضَّرارة والكلالُ
أعرابي يخاطب ناقته:
فلله إن بلغْتِ رحلي أهلها بهضب الصفا أن تُطْلَقي من حبالكِ
وأن لا تخطَّيْ سبسبًا بعد سبسبٍ وأن لا تثنَّى ليلةً في عقالكِ
والأصل في هذا قول الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي، وإن كان هذا الشاعر قد قلَبه:
إذا بلّغتِني وحملتِ رحلي عرابةَ فاشْرَقي بدم الوتينِ
هذا دعا عليها والأول نذر ألاَّ يتعبها بسير ولا غيره. ولغيره من الشعراء في هذين المعنيين أشياء نذكر بعضها، فمن ذلك قول ذي الرمَّة في معنى شعر الشماخ يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري:
إذا ابن أبي موسى بلالًا بلَغته فقام بفأس بين وصليك جازِرُ
فأما من قلب هذا المعنى بالدعاء لها أو بالنذر أنَّها لا تُتعب وجوَّده فأبو نواس بقوله:
أقول لناقتي إذ بلغتني لقد أصبحتِ عندي باليمين
فلم أجعلك للغربان نهبًا ولا قلتُ اشرَقي بدم الوتين
وردَّ أيضًا هذا المعنى في موضع آخر من شعره فقال:
فإذا المطيّ بنا بلغن محمّدًا فظهورهنَّ على الرحال حرامُ
ومن القديم الجيد في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵀ وقد وجَّهه النبي ﷺ أميرًا بعد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رحمة الله عليهما على الجيش الَّذي أنفذه إلى غزوة مُؤتَة، وهو:
إذا بلّغتِني وحملْتِ رَحْلي مسافةَ أربعٍ بعد الحِساءِ
فدونكِ فانْعَمي وخلاك ذمّ ولا أرجِعْ إلى أهلي ورائي
ومن القديم قول الفرزدق يخاطب ناقته:
علامَ تلفَّتينَ وأنتِ تَحتي وخيرُ النَّاس كلِّهم أمامي
متى ترِدي الرُّصافةَ تستريحي من الأنْساعِ والدَّبر الدّوامي
وقد أخذه أبو تمام فقال:
ولست شماخًا الَّذي ليمَ في سوءِ مكافاته ومجترمهْ
أشرَقَها في دم الوتين لقد ضلّ كريم الأخلاق عن شيَمهْ
وذاك حكم قضى عليه به أُحَيْحَة بن الجُلاح في أطمِهْ
أراد بهذا القول أنَّ الشماخ لما أنشد عرابة شعره وانتهى إلى قوله: " إذا بلغتِني " البيت، قال له أحيحة: بئس ما كافأتها به، شماخ، ومعنى قول الفرزدق وغيره " متى تردي الرصافة " البيت، يريد أنَّا إذا وصلنا إلى هذا الممدوح أغْنانا أن نطلب المعاش ونرحل في التماس الرزق بما يُسدي إلينا ويهبُ لنا. وقد روى أهلُ السير أنَّ امرأة من الأنصار كانت مأسورة بمكة، وأنّها هربت من أيدي المشركين فنجت على ناقة من إبل الصدقة، فلما صارت إلى المدينة قالت: يا رسول الله! إنّي قد نذرت أنّي إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال النبي ﷺ: بئسما جازيتها، وقال: لا نذر في معصية. وقال آخر في هذا المعنى:
إذا بلَّغتنا الناجيات إليكم فقد أمنت من حلة ورحيلِ
آخر:
لا نالها الحلُّ ولا الترحال إن بلَّغتْني من له الأفضالُ
آخر:
إذا بلَّغَتْ أرضَ الحبيبة ناقتي فقد أمنتْ من كلّ ما تحذَرُ البُزُلْ
وقال ابن قيس الرقيات في حمزة بن عبد الله بن الزبير:
سأُعفي ناقتي من كلّ شيء تخاف إذا أتَت آل الزبير
قد ذكرنا من هذا الفنّ ههنا شيئًا وبقي منه أشياء أخر لمواضع أخر من الكتاب إن شاء الله.
أعرابيّ:
وقافيةٍ غيرِ معمورة قرضتُ من الشعر أمثالَها
شرود تُجوِّلُ في الخافقَين إذا أُنشدت قيل من قالَها
القول يتسع في وصف الشعراء لأشعارهم إذا أنشدت، إلاَّ أننا نثبت منه ها هنا فنًّا واحدًا ونترك فيه فنونًا كثيرة تقارب هذا الفنّ لتقع في مواضعها، فمن ذلك قول الخنساء:
وقافية مثل حدِّ السنا نِ تبقى ويهلكُ من قالها
ومثل هذا قول دعبل:
إنِّي إذا قلت بيتًا مات قائلُه ومن يقالُ له والبيت لم يمتِ
ومثله أيضًا:
يموت رديء الشعر من قبل ربِّه وجيِّدُه يبقى وإن مات قائلُه
وقريب منه:
قواف لو يكون لها شخوصٌ لركّبَها الكميُّ على السنانِ
ومثله:
قواف لو تقارضها المنايا لركَّبَها الكماة على الرماحِ
آخر:
فإن أهلك فقد أبقَيتُ بعدي قوافي ليس يَلْحقها الفناءُ
آخر:
لا يفرحن بموتي من تركت له عارًا إلى آخر الأيام معروفا
قصائدًا تترك الألباب حائرة من شاعر لم يزل بالحذق موصوفا
آخر:
خذوها هنيئًا إنَّها لرقابكم قلائد عارٍ ليس تَزْهى سموطها
وممّا يقارب هذا المعنى وإن لم يكن مثله سواء قولُ الشاعر:
أليس إذا ما قلت بيتًا تناوحَت به الريحُ في شرقيها والمغاربِ
يقصِّرُ للسارين من ليلة السُّرى ويُغْدى عليه بالقيانِ الضواربِ
ومن جيد هذا المعنى ونادره للخريمي:
من كلِّ غائرة إذا وجَّهتُها طلعتْ بها الركبانُ كلَّ نجادِ
طورًا يمثِّلُها الملوك وتارةً بين النُّدِيِّ تُراضُ والأكباد
ذكر أنَّ الملوك كثيرة التمثل بأشعاره، وأنَّ الغناء فيها أيضًا كثير فهي تُراض بين النُّدِيِّ والأكباد، وهناك مواقع العيدان. وقال ابن أبي حفصة في شبيه من ذلك:
إنِّي أقول قصائدًا جوَّالة أبدًا تَجول خوالعًا أرسانَها
من كل قافيةٍ إذا جرَّبتُها جمحت فلم تملك يداي عنانَها
سارت بيوتي في البلاد فأمْعَنت وبيوتُ غيري لم تَرِمْ أوطانَها
وقال بشار بن برد:
ومثلِك قد سيَّرتُه بقصيدة فسار ولم يبرحْ عراصَ المنازل
رميتُ به شرقًا وغربًا فأصبحت به الأرض ملأى من مقيمٍ وراحل
وقال مُزرِّد بن ضرار:
زعيم لمن فارقتُهُ بأوابدٍ يغنّي بها الساري وتحدي الرواحلُ
تُكَرُّ فلا تزداد إلاَّ استِنارةً إذا رازَتِ الشعر الشفاهُ العواملُ
وقال كثير:
وإلاَّ يعقْني الموتُ والموت غالب له شرك مبثوثة وحبائلُ
أُحبِّرْ له قولًا تناشد شعره إذا ما التقَتْ بين الجبال القبائلُ
وتصدر شتَّى من مُصِبٍّ ومُصعِد إذا ما خلَتْ ممَّن يحلّ المنازلُ
يغنّي بها الركبان من آل يحصب وبصرى وترويه تميم ووائلُ
وقال آخر أيضًا وهو محمد بن حازم:
أبَى لي أن أُطيلَ الشعرَ قصدي إلى المعنى وعلمي بالصوابِ
فأبْعثهن أربعةً وستًّا مثقفة بألفاظ عذابِ
وهنَّ إذا وسَمتُ بهن قومًا كأطواق الحمائم في الرقابِ
وهنَّ وإن أقَمنَ مسافراتٌ تهاداها الرواةُ مع الركابِ
وشبيه بما ذكرناه قول البحتري:
وأنا الَّذي أوضَحتُ غيرَ مدافع نهجَ القوافي وهو رسمٌ دارسُ
وشهرتُ في شرقِ البلاد وغربها وكأنَّني في كلِّ نادٍ جالسُ
ومثله:
فلا تبعدنّي من نداك فإنَّ لي لسانًا مَلا الدُّنيا وأنت ابن خالدِ
آخر:
لأحملنّك من شعري على فرس من المذبَّة مأمونٍ على الزلقِ
يأتي بك الصينَ في يومٍ وليلته كالريحِ تأتي على مكرانَ والسَّلَقِ
والشعر في صفة الشعر كثير، وإنَّما أتينا بهذا الفنّ منه ههنا، وتركنا غيره لنأتي به في مواضع أخر إن شاء الله.
أعرابيّ يذكر ابنه:
فتًى لم تلِدْه بنتُ عمّ قريبة فيضْوى وقد يَضوى سليل القرائبِ
ولكنَّما أدَّتْه بنتُ محجّبٍ عظيمِ الرواقِ من خيارِ المَرازبِ
تعلّم من أعمامه البأسَ والندى وورَّثه الأخوالُ حسنَ التجاربِ
ومثل هذا قول جرير في ابنه بلال:
إنَّ بلالًا لم تشِنْهُ أمُّه لم يتناسَبْ خالُه وعمُّه
فريحُه ريحي وشمّي شمُّه
وإنّما يعتدّ بأنَّ خاله وعمَّه لم يتناسبا، لأنَّ العرب تزعم أن ابن الغرائب أنجب، وأنَّ ابن القريبين يكون ضاويًا، ومن أمثالهم: اغْتَرِبوا لا تُضْووا، وأنشد:
نمت بي من شيبان أُمٌّ نزيعة كذلك ضرب المنجبات النزائع
وهذا البيت لجرير، وكانت أمُّه نزيعة في بني شيبان. وروي أنَّ نوح ابن جرير أنشد هذا البيت في مجلس يونس بن حبيب النحويّ ورجل من بني شيبان حاضر المجلس، فالتفت إليه نوح فقال: أخذناها والله يا أخا بني شيبان بأطراف الرماح عنوةً، فقال له الشيباني: أجل والله، ولولا ذلك لكان أبوك وجدّك ألأمَ من أن ينكحاها عن رضى.
وقال آخر في المعنى الَّذي قدمنا ذكره:
[ ١ / ٥٩ ]
تجنَّبتُ بنت العمّ وهي قريبة مخافةَ أن يضوى عليَّ سليلي
وفي مثله لأخر:
أُنذرُ من كانَ بعيدَ الهَمِّ تزويجَ أولاد بنات العمِّ
وفي مثله لآخر:
تركت بنات العمّ واقتادني الهوَى إلى ابْنَةِ عالي الذكر من آل فارسِ
وقال العتبي: تزوج أهل بيت بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف إلى أن كانوا يَحبون حبوًا لا يستطيعون القيام ضعفًا.
وقال عمارة بن عقيل:
تبحَّثْتم سخطي فغيَّر بحثُكم سجيَّة نفسٍ كان نصحًا ضميرُها
ولا يلبث التَّخشينُ نفسًا كريمة عريكتها أن يستمرَّ مريرُها
وما النفس إلاَّ نطفة بقرارة إذا لم تكدَّر كان صفوًا غديرُها
أما قوله: " وما النفس " البيت، فمن أحسن الكلام وأوضح المعاني، وقريب منه قول الفرزدق وليس هو بعينه:
تصرَّم منّي ودُّ بكر بن وائل وما خلتُ باقي ودِّها يتصرَّمُ
قوارص تأتيني ويحتقرونها وقد يملأ القطرُ الإباءَ فيُفْعَمُ
وما أنفُس الفتيانِ إلاَّ مناهِل تُضيء وإن كانت على الظلم تُظْلِمُ
وشبيه بهذه الأبيات قول عمارة بن عقيل:
وما تنفكُّ من سعد إلينا قطوع الرحم فارية الأديمِ
فنغفرها كأن لم يفعلوها وطول العفو أدربُ للظلومِ
الدُّربة: العادة، قال الراجز:
عفوك عن عبد لئيم دُربَهْ فأدِّب العبدَ وأحسِنْ ضرْبَهْ
عُبيد بن ناقدٍ:
أحُوط العشيرةَ لم أبغِها بعيبٍ ولم ألتمسْ ذامَها
وأُعطِي تلادِيَ ذا فَقْرها وأضربُ بالسَّيف مَن رامَها
وعادِيَة كمَسيلِ الأَتِيِّ نهنهتُ بالطَّعن قُدَّامها
تَرى لونَها مثل لَون النُّجو مِ ساعَة تَفرجُ إظلامَها
فسائِلْ هوازنَ عن وقعِنا وحيَّ تميم وهمَّامهَا
عشيَّة لولا حياءُ النِّساءِ لسُقْنا الدّيارَ وآطامَها
أما قوله: " أحوط العشيرة " البيت، فمعنى جيّد، وقد أكثرت الشعراء الاشتراك فيه، فمن ذلك قول الجعفيّ:
أحوط عشيرتي من كلِّ أمرٍ تُعابُ به العشيرةُ أو تُذَمُّ
وأضرب دونها في كلِّ حربٍ بأبيضَ ليس يبرأُ منه كَلْمُ
ومنه قول ليلى الأخيليَّة:
تحوطُ العشيرةَ أفعالُهُ وتحمل عنها الَّذي آدَها
وأما قوله: " وعادية كمسيل الأتيّ " البيت، فيصف كتيبة لقوّتها، وقوله: " نهنهتُ بالطعن قدّامها " يقول: طاعنت المتقدمين من فرسانها، والمتقدمون في وقت الحرب هم الأُمراء الفرسان، وكذلك قول عنترة:
نهنهتُ أوَّلَهم بعاجل ضربةٍ ورشاش نافذةٍ كلون العندمِ
وأما قوله: " ترى لونها مثل لون النجوم " البيت، فإنَّه يريد بالنجوم ههنا الأسنةَ وبالظلامِ الغبارَ، وهذا كثير في الشعر، وإليه نظر ابن المعتزّ بقوله:
فما راعَهُ إلاَّ أسنة عسكر كظلمة ليلٍ ثُقّبتْ بنجومِ
وبيت ابن المعتز أظرف لفظًا وأجود قسمة من الأول، ومثله لآخر يصف جيشًا:
وملمومةٍ لا يخرق الطرف عرضَها لها كوكبٌ فخم شديد وضوحُها
تسير وتزجي السُمر تحت نُحورُها كريه إلى من فاجأَتْه صبوحُها
مثله:
ونحن ضربنا الكبشَ حتَّى تساقطَتْ كواكبُه بكلّ عضبٍ مهنَّدِ
مثله:
ولمّا رأيتُ الصَّبرَ ليس بنافعي وإن كان يومًا ذا كواكبَ أشْهبا
مثله:
تبدو كواكبُه والشمسُ طالِعةٌ لا النورُ نورٌ ولا الإظلام إظلامُ
مثله:
بجأواءَ يَنفي وردُها سَرعانَها كأنَّ وميضَ البيضِ فيها الكواكبُ
وأما قوله: " عشية لولا حياء النساء " البيت، إغراق في الوصف شديد، وإياه أراد البحتريّ بقوله:
وأنزلتَ ما فوق المعاقل منهم فلم يبقَ إلاَّ أن تَسوقَ المعاقلا
وبيت البحتريّ أحسن من الأول وأصحّ لأنّ البحتريّ أوقع شكًّا في بيته، وهذا ذكر أنّه لولا حياؤُهم من النساء لساقوا الديار والآطام وهذا محال.
بشر بن أبي خازم الأسديّ ويهجو:
ألا قَبُحتْ خفارةُ آل لأمٍ فلا شاةً ترُدُّ ولا بعيرا
لِئامُ الناسِ ما عاشوا حياةً وأنتنُهم إذا دُفنوا قُبورا
وأنكاسٌ غداةَ الرَّوع كُشْفٌ إذا ما البيضُ خَلَّيْن الخدورا
ذُنابى لا يَفون بعقد جارٍ وليس يُنعِّشون لهم فقيرا
إذا ما جئتهم تَبغي قِراهم وجدتَ الخيرَ عندهم عسيرا
ومن خبيث الهجاء ومُمِضّه قول عمرو بن معدي كرب في جرم بن زبّان:
ولمّا رأيتُ الخيلَ زورًا كأنَّها جداولُ ماءٍ أُرسلَتْ فاسْبطرَّتِ
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوّلَ مرَّةٍ فرُدَّتْ على مكروهها فاسْتقرَّتِ
فلو أنَّ قومي أنطقَتْني رِماحهُم نطقْتُ ولكنَّ الرماح أجرَّتِ
ظَللْتُ كأنّي للرماح دريئة أقاتل عن أحساب جَرم وفَرَّتِ
أما قوله: " وجاشت إليّ النفس " البيت، فلو أنَّ شاعرًا أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر على ذلك، لأنه ذكر أنة نفسه حسَّنت له الفرار وجاشت من الخوف فردّها على المكروه حتَّى استقرّت، إلاَّ أنّ جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى واستحسنوا القبيح منه وهم فرسان العرب، منهم عمرو بن معدي كرب، وقد ذكرنا قوله، ومنهم عمرو بن الإطنابة في قوله: " وإقدامي على المكروه نفسي " وقد ذكرناها في أوائل هذا الكتاب، وأخذه آخر فقال:
فإنّكِ لو سئلْتِ بقاءَ يومٍ على الأجل الَّذي لكِ لنْ تُطاعي
وقد سبق ذكرها، وهي لقطريّ بن الفجاءة المازني، وقال آخر:
أقول لنفسٍ لا يُجادُ بمثلِها أقِلّي عتابًا إنَّني غيرُ مُدبرِ
ومثله لدريد:
جاشت إليّ النفس في يوم الفَزعْ لا تكثري ما أنا بالنِكْس الورَعْ
وهذا كثير جدًا، فإذا كان عمرو بن معدي كرب وابن الإطنابة وأمثالهما من فرسان الجاهلية ومن شهرت لها المقاومة في الحروب يذكرون في أشعارهم أنّ نفسهم همَّت بالفرار فعذر الله أبا العمر الطبريّ وأشباهه في ذكرهم من الفرار ما استحسنه واستجاده غيرهم من الفرسان المعدودين، ولو تتبّعنا في هذا الموضع نظائر هذا المعنى من أشعار القدماء لاتَّسع ذلك، ونحن نأتي به في مواضع أُخر على ما شرطنا إن شاء الله.
أما قوله: " فلو أنَّ قومي أنطقتني " البيت، الأصل فيه أنَّ الفصيل إذا أرادوا فطامه شقّوا لسانه فلم يقدر على الرّضاع، فقال هذا: كأنّ لساني قد شُقَّ فليس أقدر أتكلّم ولا أذكر لكم فخرًا لما فعلتم من الفرار، ولو أنّكم قاتلتم لجاز أن أذكر ذلك في الشعر وأفتخر به، فأمّا مع هربكم فمتى قلت شيئًا أفتخر به كذَّبتني النَّاس، فهذا هجاء ممضّ، ومثله من الكلام المنثور قول الأعشى لبني شيبان يوم ذي قار: " يا معشر بكر بن وائل! أطلقوا لساني " أي افعلوا فعلًا أستجيز أن أمدحكم به، وقد أخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فأتوا به في المدح والذّمّ، فمن ذلك قول بعضهم في المدح:
هم عقلوا عنّي لسان مفاخري وهم أطلقوا يوم اللقاء لسانيا
وأخذه أبو هفان في المدح أيضًا فقال:
وهم بسيوفهمُ الماضيا تِ يوم الوغى أطلقوا مَنطقي
وقد تأوّل بعض العلماء أنَّ قول النعمان بن عبد المدان:
أقول وقد شدُّوا لساني بِنسْعَةٍ معاشِرَ تَيمٍ أطلِقوا عن لسانيا
مثل هذا المعنى، والأمر خلاف ذلك، لأنَّ النعمان كان شاعرًا فلمّا أسرَته التَّيم خافوا هجاءه فشدّوا لسانه لئلاّ يهجوهم، وقد ذكرنا هذا المعنى في مواضع أخر.
وأمّا قوله: " ظللت كأنّي للرماح دريئة " البيت، فليس يجوز أن يكون في الهجاء أشدّ منه لأنّه ذكر قتاله عن قوم قد فرّوا، وليس هم منهم غير أنَّه يقاتل عنهم عصبية وغضبًا لهم، وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
رأيت بني القلمّس رهط سوء لهم غَنم وليس لهم كلابُ
أناظر عنهم وهمُ حُضور وأطعن دونهم وهم غيابُ
وهذا أيضًا من الهجاء الشديد، ذكر أنَّ لهم أموالًا وأنَّ أعداءهم ينتهبونها طمعًا فيهم وقلَّة خوف منهم، وقوله: " ليس لهم كلاب " يريد سفهاء يمنعون عنهم الظالم فيردّون الباغيَ، ومثل هذا قول النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتّقي صولة المستأسد الحامي
وقول هذا الشاعر: " أناظر عنهم وهم حضور " البيت، فقبيح أيضًا إلاَّ أنَّ فيه للمعترض كلامًا يقوله في قوله: " وأطعن عنهم وهم غياب " فيقول: فلعلَّهم لو شهدوا لقاتلوا، وليس هو مثل قول عمرو: " أقاتل عن أحساب جرمٍ وفرّت " فهذا جعلهم حضورًا قد شهدوا الحرب ثمَّ فرُّوا، وأما قوله: " أناظر عنهم وهم حضور " فمثله قول جرير:
ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيم ولا يُستأذنونَ وهم شهودُ
ومثله قول الآخر:
عزَلْنا وأمَّرنا وبكرُ بن وائل تجرُّ خصاها تبتغي مَن تُحالفُ
ذكر في هذين البيتين ذلّهم وأنَّهم لا يحضرون عند مشاورة ولا أمرٍ عظيم. ومن بديع ما قيل في الذلّة والقلّة قول الآخر:
قومٌ إذا حضرَ الملوكَ سُراتُهم نُتفتْ شواربُهم على الأبوابِ
ومثل ذلك قول زياد الأعجم:
قمْ صاغرًا يا شيخَ جرم وإنَّما يُقال لشيخ القوم قُم غيرَ صاغرِ
فمن أنتمُ إنَّا نسينا مَن أنتمُ وريحُكمُ مِن أيّ ريح الأعاصرِ
أأنتم أُولى جئتُم مع البقل والدَّبا فطار وهذا شخصكم غير طائرِ
فلم تُعرَفوا إلاَّ بمن كانَ قبلكم ولم تُدرِكوا إلاَّ مَدقَّ الحوافرِ
وقد ذكرنا أشياء ممَّا قيل في الذلّة والقلّة فيما سلف ونذكر فيها أشياء فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
أعرابي من بني ذبيان:
رأَستكمُ وما منكم رئيس أذُود وليس فيكم من يذُودُ
تُفدِّيني نساؤُكم ومُهْري يكرُّ وأنتم عُصَبٌ شهودُ
فأين لواءكم إلاَّ بكفِّي إذا كثر البوارقُ والرّعودُ
وهذا أيضًا هجاء ممضّ شديد وتقريع عظيم.
وأما قوله: " تفديني نساؤكم " البيت، فمثل قول الآخر:
وقد علمتْ هوازنُ كيف صبري إذا ما انْحازَ في الحربِ اللّواءُ
ويوم بني السّقيفة أفرَدوني لطعنٍ ما لجائفه دواءُ
فما إن زلت أضربهم بسيفي وما زالت تُفدِّيني النِّساءُ
ومثله لآخر:
وقد علمت نساؤكم بأنَّا غداة الرَّوع أحمَى للذمار
وأضربُ منكمُ رأس المفدَّى وأعظَمُ في اللَّيالي ضوءَ نار
ومثله قول الآخر:
ورجعتمُ يومَ الكريهة خُشَّعًا وسيوفُنا وسيوفكم تترنَّمُ
فمتَى جحدتم ما نقول فسائِلوا عنَّا نساءَكمُ لكيما تعلَموا
ولنحن أكثرُ في صدور نسائكم منكم إذا ما الأرض طبّقها الدّمُ
وشبيه بهذا قول ابن هَرْمة:
إذا قيل أيّ فتًى تعلمون لمُعترِّ فِهْرٍ ومُحتاجها
ومَن يُعجِل الخيلَ يوم اللّقاء بإلجامها قبل إسراجها
أشارت إليك أكفُّ النِّساء بذلك من قبل أزواجها
وقد ردَّ ابن هرمة شبيهًا بهذا القول في بعض شعره وإن لم يكن المعنى بعينه فقال:
إذا قيل أيّ فتًى تعلمون أهشَّ إلى الطَّعن بالذَّابلِ
وأضربَ للقِرْن يوم الوَغَى وأطعَمَ في الزَّمن الماحِلِ
أشارت إليك أكفّ الأنامِ إشارةَ غَرْقَى إلى السَّاحِلِ
يحيى بن مقسم السَّكونيّ:
قومي السَّكون فلا أَبغي بهم بدلا نعم القبيلة في عُسْر وإيسارِ
فما تسوِّدُ ربّ المال تَتْبَعُه ولا تقيمُ على خسف ولا عارِ
لكن تسوِّدُ ذا رأيٍ وذا كرَمٍ إن كانَ ذا نَشَبٍ أو حِلفَ إقتارِ
إلى هذا أشار حسَّان في قوله:
نُسوِّد ذا المالِ القليلِ إذا بدتْ مروءتهُ فينا وإنْ كانَ مُصرِما
ومثله:
لئن قلَّدوني أمرَهم يوم عاقل فما كنتُ نِكْسا عند ذاكَ مُزَنَّدا
وما سوَّدوني أنَّني ربُّ هَجْمة ولكن رأوني مُصدرَ الأمر مورِدا
ومن كانَ ذا مال ولم يكُ ذا حجًى فلستَ تراه ما جرى الآلُ سيِّدا
وقريب منه قول الأشجع:
ولم يكُ أوسَعهم في الغنَى ولكنَّ معروفَه أوسعُ
ومثله قول مروان بن معن:
ولم يكُ أكثرَ الفتيانِ مالًا ولكن كانَ أرحبَهم ذِراعا
ومثله:
عطائي عطاء الأغنياء وإنَّما سوامي سوام المُقترين المنائحُ
لنا حمدُ أرباب المئين ولا يُرى إلى بيتنا مال مع اللَّيل رائحُ
وشبيه به قول الآخر:
ساد القبائل من ربي عة والقبائل من مُضَرْ
بحجًى تمكّن طَودُهُ لا بالضِّياع ولا البِدَرْ
أعرابيّ:
ولا خير في مولًى يظلُّ كأنَّه إذا ضِيمَ مولاه مقيمًا على غُنْمِ
حريضٍ على ظلمِ البريءِ مخالفٍ عن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
يرَى الحزمَ إن تَرمِي العدَى من ورائه وإنْ كانَ لا ينكأ عدوًّا ولا يرمي
حسود لذي القربَى كأنَّ ضُلوعهُ من الغشّ للأدنَى تبيت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّت به الحرب عضَّة وأبعد شيء جانبًا منك في السّلمِ
فذاك كغثّ اللَّحم ليس بنافعٍ ولا بدَّ يومًا أن يُعدَّ من اللَّحمِ
أما قوله: " قريب إذا عضَّت به الحرب عضَّة " البيت، فقد أكثرت الشعراء فيه وأسهبت فلا يُذكر منه إلاَّ ما يدلّ على المعنى، من ذلك قول أوس بن حجر:
وليس أخوك الدَّائمُ العهدِ بالَّذي يذمُّك إن ولَّى ويُرضيك مُقبلا
ولكنَّه النَّائي إذا كنتَ آمِنا وصاحبُك الأدنَى إذا الأمرُ أعضَلا
ومثله لآخر:
وإذا تكون كريهةٌ أُدعَى لها وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يدعَى جُنْدبُ
ومثله:
ولولا دفاعي في الملمَّات عنكم إذن لعرفتم غبَّ هذي النَّوائبِ
إذا كانَ أمنٌ كنتم الأُسْدَ شدَّةً وإنْ كانَ خوفًا كنتُمُ كالثَّعالِبِ
ومثله:
إذا أخصبتمُ كنتم عدوّا وإن أجدبتمُ كنتم عِيالا
ومثله لآخر:
لا تعرفونا إذا ما الأمنُ أبطَرَكم وعند خوفكمُ أنتم لنا خَوَلُ
ومثله لكعب الأشقريّ في يزيد بن المهلَّب:
أيزيد إنَّك لم تَزَلْ للأزد مذ خُلقتْ دِعامَهْ
إنِّي ألومك والَّذي أصفيتني يَحْدو الملامَهْ
أُدعَى إلى الحربِ العوا نِ ولستُ أُدعَى للمدامَهْ
وأما قوله: " فذاك كغثّ اللَّحم " البيت، فمثل قول أكثم بن صيفيّ: " أنفك منك وإنْ كانَ أجدع "، وإليه نظر ابن المعتزّ فقال:
كماء طريق الحجّ في كلِّ منهلٍ يُذَمُّ على ما كانَ منه ويُشربُ
ومثله قول الآخر:
أكلوا تالِدي وذمُّوا قدمي مثل خبز الشَّعير أكلًا وذَمّا
وكقول أبي علي البصير لابنه: خرجتَ يا بنيَّ من العُدَدِ ودخلتَ في العَدَد.
ومثله لسويد:
أنتمُ منَّا ولكنَّكم أجبَن الأمَّة في يوم الفَزَعْ
ورفعنا قدرَكم في وائلٍ طاقة الوسع ولكنْ ما ارتفعْ
ومثله لآخر:
رأيتُ بني الهجيم وإن تدانَى بهم في دارمٍ نسبٌ قريبُ
هُمُ منهم ولكن ليس منهم نجيبٌ حين يُختبرُ النَّجيبُ
أعرابيّ:
بَلِيتُ وأفناني الزَّمانُ وأصبحتْ هُنَيدةُ قد أنضيتُ من بعدها عشرَا
وقد عشتُ دهرًا ما تجِنُّ عشيرَتي لها ميِّتًا حتَّى أخُطُّ لها قبْرَا
الطِرِمَّاح وكان خارجيًّا:
وإنِّي لمقتادٌ جوادي فقاذفٌ به وبنفسي اليومَ إحدى المقاذِفِ
أكسبَ مالًا أو أَؤُوبُ إلى غنًى من الله يكفيني عذاب الخلائفِ
فيا ربِّ لا تجعلْ وفاتي إذا أتتْ على شرجَعٍ يُعلَى بخُضرِ المطارِفِ
ولكنْ أحِنْ يومي شهيدًا وعُصبةً يُصابونَ في فجّ من الأرضِ خائِفِ
عصائب أشتاتٌ يؤلِّفُ بينهم هدَى اللهِ نزَّالون عند المواقِفِ
إذا فارقوا دنياهُمُ فارقوا الأذَى وصاروا إلى موعودِ ما في المصاحِفِ
وذكر الأثر عن أبي عبيدة عن أبي عمرو الشيباني قال: رأيتُ بالبصرة جنازة وعليها مطرف خزّ أخضر، فسألتُ عنها، فقيل: جنازة الطِرِمَّاح، فذكرت قوله:
فيا ربِّ إن حانتْ وفاتي فلا تكنْ على شرجَعٍ يُعلَى بخُضرِ المطارِفِ
فعلمتُ أن الله ﷿ لم يستجب له.
السَّموأل بن عاديا:
يا ليت شعري حين أندبُ هالكًا ماذا تؤنِّبُني به نُوَّاحي
أيقلْنَ لا تبعد فرُبَّ كريهةٍ فرَّجتَها بشجاعة وسماحِ
ولقد أخذتُ الحقَّ غيرَ مُخاصمٍ ولقد بذلتُ الحقَّ غيرَ مُلاحِ
البيت الأخير جيد، ومثله للأقوه:
وإنِّي لأُعطِي الحقَّ من لو ظلمتُهُ أقرَّ وأعطاني الَّذي أنا طالبُ
وآخذُ حقِّي من رجالٍ أعزَّةٍ وإن كرُمَتْ أعراقُهم والمناسبُ
ومثله لعبد الله بن عبد الله بن طاهر:
لا يطمحُ الظَّالمُ في جانبِي ولستُ ممَّن يمنعُ الواجِبا
الشنفرى وقصيدته هذه من أجود أشعار العرب ونحن نأتي بأكثرها، أوَّلها:
أقِيموا بني أُمِّي صدورَ مطيِّكم فإنِّي إلى قوم سِواكم لأمْيَلُ
فقد حُمَّتِ الحاجاتُ واللَّيلُ مُقمرٌ وزُمَّت لِطيَّاتٍ مطايا وأرحُلُ
وفي الأرضِ منأَى للكريمِ عن الأذَى وفيها لمن خافَ القلى مُتنقَّلُ
لعمرُك ما بالأرضِ ضِيق على امرئٍ سَرى راغبًا أو راهبًا وهْوَ يعقِلُ
يقول فيها:
وإن مدَّتِ الأيدي إلى الزَّاد لم أكنْ بأعجَلهم إذ أجشَعُ القومِ أعجلُ
وما ذاك إلاَّ بسطةٌ عن تفضُّلٍ عليهم وكانَ الأفضلَ المتفضِّلُ
ولي صاحبٌ من دونهم لا يخونُني إذا التبست كفِّي به يتأكَّلُ
ثلاثةُ أصحابي فوأدٌ مُشبَّعٌ وأبيضُ مأثور وصفراءُ عَيْطَلُ
إذا زلَّ عنها النبلُ حنَّت كأنَّها مولّهة ثكلَى تحنُّ وتعولُ
وأغدو خميصَ البطنِ لا يستفزُّني إلى الزَّادِ حِرصٌ أو فوأد مؤكّلُ
ويومٍ من الشعرَى يذوبُ لعابُهُ أفاعيهِ في رمضائِهِ تتململُ
نصبتُ له وجهي ولا كنَّ دونَه ولا سترَ إلاَّ الأتحمِيُّ المُرَعبَلُ
ولولا اجتِنابُ الذَّأمِ لم يُلفَ مشربٌ يُعاش به إلاَّ لديَّ ومأكلُ
ولكنَّ نفسًا حُرَّة ما تُقيم بي على الخَسفِ إلاَّ ريثَما أتحوَّلُ
أُديمُ مِطالَ الجوعِ حتَّى أُميتَهُ وأضربُ عنه الذِّكرَ صَفحًا وأذهلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض كي لا يرَى له عليَّ من الطَّول امرؤٌ متطوِّلُ
وأغدو على القُوت الزَّهيدِ كما غدَا أزلٌّ تَهاداهُ المتالِفُ أكحلُ
غدا طائرًا يُعارض الرِّيحَ هافيًا يَخوتُ بأذنابِ الشِّعاب ويعسِلُ
فلمَّا دعاه القُوتُ من حيث أمَّه دعا فأجابتهُ نظائرُ نُحَّلُ
مُهلِّلةٌ شيبُ الوجوهِ كأنَّها قِداحٌ بكفَّي ياسرٍ تَتَقَلْقلُ
مُهرَّتَةٌ شُوهٌ كأنَّ شُدوقَها شقوقُ العِصيّ كالِحاتٌ وبُسَّلُ
فضجَّ وضجَّتْ بالبراحِ كأنَّها وإيَّاه نَوحٌ فوق عَلياءَ ثُكَّلُ
وأغضَى وأغضتْ وائتَسى وائتَسَتْ به مَراميلُ عزَّاها وعَزَّته مُرمِلُ
فإمَّا تَرَيني يا ابنةَ القومِ ضاحِيا على رِقبة أحفَى ولا أتنعَّلُ
وإنِّي لمولَى الصَّبرِ أجتابُ بزَّه على مثلِ قلبِ السِّمعِ والصَّبرُ يُنقلُ
ولستُ بمِهْيافٍ يُعشّى سَوامَهُ مُجدَّعَةً سُقبانُها وهي بُهَّلُ
ولا جُبَّأٍ أكتى مُرِبٍّ بعِرْسه يُطالعُها في أمره كيف يفعلُ
هذه القصيدة كثيرة المحاسن وقد ذكرنا فيها من النظائر في مواضع أُخر. وبعد فليس فيها معنى غريب يقلُّ مثله في الشعر، بل أكثر معانيها في أيدي النَّاس مشتهر، وليس سبيلنا في المعنى إذا كان كثيرًا أن نأتي به، وإنَّما نأتي بما قلَّ ولم يكن كثيرًا أو معنى خفِي فنبيِّنه.
حاتم الطَّائيّ:
أماوِيَّ إنْ يُصبحْ صدايَ بقفرةٍ من الأرضِ لا ماءٌ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أنفقتُ لم يكُ ضائرِي وأنَّ يدِي ممَّا بخِلتُ به صِفرُ
وقد علمَ الأقوامُ لو أنَّ حاتمًا أرادَ ثراءَ المالِ كانَ له وفرُ
غَنينا زمانًا بالتصعلك والغنَى وكُلًاّ سقاناه بكأسَيْهما الدَّهرُ
فما زادونا بأوًا على ذي قَرابة غِنانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفقرُ
وله أيضًا:
رأتْني كأشلاءِ اللّجام وإنْ ترَيْ أخا الحرب إلاَّ كاسفَ اللَّونِ أغبرَا
أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحربُ عضَّها وإنْ شمَّرتْ عن ساقها الحربُ شمَّرا
فلا تسأليني واسألي أيّ فارسٍ إذا الخيلُ جالتْ في قنًا قد تكسَّرا
فمن شعر حاتم الَّذي يقول فيه: " أماويَّ إن يصبح " البيت وما بعده أخذ النمر بن تولب في قوله فقال:
أعاذلَ أن يُصبح صداي بقفرةٍ بعيدًا وينأى صاحبِي وقريبِي
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ وأنَّ الَّذي أنفقتُ كانَ نَصيبي
وذي إبلٍ يسعَى ويحسِبها له أخي نَصَبٍ في رعيها ودُؤوبِ
غدتْ وغدا ربٌّ سواه يسوقُها وبُدِّل أحجارًا وجُولَ قليبِ
وقال سحيم عبد بني الحسحاس، وكان المفضَّل الضَّبّيّ يقول: قصيدة الأسود - يعني سحيمًا - ديباج خسروانيّ:
عُميرةَ ودِّعْ إنْ تجهَّزتَ غاديا كفَى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهِيا
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍ تراهُ أثيثًا ناعمَ النَّبتِ عافِيا
[ ١ / ٦٠ ]
وجِيدٍ كجيدِ الرِّيم ليس بعاطلٍ من الدُّرِّ والياقوتِ والشَّذْرِ حالِيا
كأنَّ الثُّريَّا علِّقتْ فوق نحرها وجمرَ غضًا هبَّتْ له الريحُ ذاكِيا
أرَتْكَ غداةَ البينِ كفًّا ومِعْصمًا ووجهًا كدينار الهرقليِّ صارفِيا
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يحفُّها ويرفعُ عنها جؤجؤًا مُتعالِيا
ويجعلها بينَ الجناحِ ودَفِّه ويفرشُها وَحْفًا من الزِّفِّ وافِيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ أراحلٌ مع الرَّكبِ أمْ ثاوٍ لَدَينا ليالِيا
فإنْ تَثْوِ لا تُملَلْ وإن تكُ غاديا تُزوَّدْ وتَرجِع عن عُميرةَ راضِيا
ألِكْني إليها عَمرك الله يا فتًى بآيةٍ ما جاءت إلينا تهادِيا
تَهادِيَ سيلٍ في أباطح سهلةٍ إذا ما علاَ صَمدًا تفرَّع وادِيا
ففاءَتْ ولم تَقضِ الَّذي أقبلتْ به ومن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضِيا
وبِتنا وِسادَانا إلى عَلَجانةٍ وحِقفٍ تَهاداهُ الرِّياحُ تهادِيا
تُوسِّدُني كفًّا وتَثني بمعصمٍ عليَّ وتحنُو رِجلَها من ورائِيا
أميلُ بها ميلَ النَّزيف وأتَّقي بها البردَ والشَّفَّانَ من عن شمالِيا
فما زالَ بُردي طَيِّبًا من ثِيابها إلى الحَول حتَّى أنهَجَ البُردُ بالِيا
وهبَّتْ شمالٌ آخرَ اللَّيل قَرَّةٌ ولا ثوبَ إلاَّ درعُها ورِدائِيا
ألا أيُّها الوادي الَّذي صمَّ سيلُه إلينا نَوى ظَمياءَ حُيِّيتَ وادِيا
ألا نادِ في آثارهنَّ الغَوانيا سُقينَ سِمامًا ما لهنَّ وما لِيا
تجمَّعنَ من شتَّى ثلاثًا وأربعًا وواحدةً حتَّى كملْنَ ثمانِيا
يعدنَ مريضًا هنَّ هيَّجنَ داءه ألا إنَّما بعضُ العَوائد دائِيا
وراهُنَّ ربِّي مثلَ ما قد وَرَيْنني وأحمَى على أكبادهنَّ المكاوِيا
أشارتْ بمدراها وقالت لأختها أعبدُ بني الحسحاس يُزجى القوافِيا
[ ١ / ٦١ ]
رأتْ قَتَبًا رثًّا وسما عَباءةٍ وأسودَ ممَّا يملكُ النَّاسُ عارِيا
فلو كنتُ وردًا أبيضًا لعَشِقْنَني ولكنَّ ربِّي شانَني بسوادِيا
يُرجِّلنَ أقوامًا ويتركنَ لمَّتي وذاك هوانٌ ظاهرٌ بدا لِيا
تحدَّرنَ من تلك الهضاب عشيَّةً إلى الطلح يبغين الهوَى والتَّصابِيا
وقلنَ ألا فالعبنَ ما لم يرُدَّنا نُعاسٌ وما لم يُرسلوا ليَ داعِيا
وقلنَ لصغراهنَّ أنتِ أحقُّنا بطرحِ الرِّداءِ إن أردتِ التَّباهِيا
تَمارَيْنَ حتَّى غاب نجم مُكبِّد وحتى بدا النَّجم الَّذي كانَ تالِيا
وحتى أنارَ الفجرُ أبيضَ ساطعًا كأنَّ على أعلاهُ ريطًا شآمِيا
فأدْبرنَ يخفِضْنَ الحديثَ كأنَّما قتلنَ قتيلًا أو أتَينَ الدَّواهِيا
وأصبحنَ صرعَى في الحِجال كأنَّما شربنَ مُدامًا أو سَرَينَ ليالِيا
قال المفضّل: كان عبد بني الحسحاس أسود طمطانيًا إلاَّ أنَّه كان حسن الشعر رقيق الألفاظ وأُتي به أول ما قال الشعر عثمان بن عفان فقيل له: اشتره فإنَّه شاعر، فقال: لا حاجة لي فيه؛ لأن العبد الأسود إذا كان شاعرًا وجاع هجا مواليه، وإذا شبع شبَّب بنسائهم وهو آخر أمره مقتول. وكان الأمر كما قال. وسأل عمر بن الخطاب يومًا أهل مجلسه عن الَّذي يقول: " كفى الشَّيب والإسلامُ للمرءِ ناهِيا " فقيل: عبدُ بني الحسحاس، فقال: لو قدَّم الإسلامَ على الشَّيب لفرضتُ له. وقصيدته هذه الَّتي كتبناها فقد تناول منها ألفاظًا كثيرة، من ذلك قوله:
لياليَ تصطاد القلوب بفاحمٍ تراهُ أثيثًا ناعمَ النَّبتِ عافِيا
أخذه من قول الآخر:
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍ وأبيضَ كالإغريضِ لم يتثلَّمِ
[ ١ / ٦٢ ]
وهذا البيت أجود من بيت سحيم عبد بني الحسحاس لأنَّ العبد ذكر في بيته الشَّعر فقط وهذا ذكر في صدر بيته الشَّعر وفي عجزه الثّغر وهما متقاربان، ومثله لامرئ القيس:
لياليَ تصطاد الرِّجالَ بفاحمٍ أثيثٍ كقنو النَّخلة المتعثكلِ
وأخذ قوله أيضًا: " وجيد كجيد الرِّيم ليس بعاطل " البيت، من قول امرئ القيس:
وجيدٍ كجيد الرِّيم ليس بفاحشٍ إذا هيَ نضَّتْهُ ولا بمعطَّلِ
وأخذ قوله: " كأنَّ الثُّريَّا علّقت " البيت، من قول الآخر:
كأنَّ الثُّريَّا علّقتْ فوقَ نحرِه وفي جيده الشِّعْرَى وفي وجهه القمرْ
إذا قيلتِ العوراءُ أغضَى كأنَّه ذليلٌ بلا ذلٍّ ولو شاءَ لانتصَرْ
وأخذ قوله: " فما بيضة بات الظَّليمُ " البيت وقوله: " ويجعلها دون الجناح " البيت بعده من قول أبي دؤاد الإيادي:
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يكِنُّها بأجرع من يَبْرينَ حرج نِعامُها
ويُرخِي جناحَيه عليها ويتَّقي رياحًا من الجوزاءِ طلًاّ رِهامُها
وأما قوله: " أشارت بمدراها " البيت، فمثل قول عمر بن أبي ربيعة:
أشارت بمدراها وقالت لأُختها أهذا المُغيريُّ الَّذي كانَ يذكَرُ
ومثل قول أبي دَهبل:
أشارت بمدراها وإيَّايَ حاولتْ وقالتْ لتربَيْها عليَّ توقَّفا
والَّذي لا نشكّ فيه أنَّ عمر بن أبي ربيعة وأبا دَهبل أخذا هذا المعنى من العبد لأنه أقدم منهما.
[ ١ / ٦٣ ]
وأما قوله: " ألِكْني إليها عمرك الله " البيت وقوله: " تهادِيَ سيلٍ " البيت بعده فهو حسن في مشي النساء وقد أخذه جماعة. فممَّن جوَّد في أخذه وأبدع وزاد زيادةً بيِّنةً وأتى به مع الزيادة الكثرة باللفظ العذب والاستعارة الجيدة والتشبيه المليح ابن الرومي في قوله:
جاءت تَدافعُ في وشيٍ لها حسنٍ تدافُعَ الماءِ في وشيٍ من الحبَبِ
وقد ذكرنا أكثر ما قيل في مشي النساء بل نظنّ أنَّا قد استغرقنا سائر ما قيل في مواضع هذا الكتاب فلذلك لم نذكر هنا منه شيئًا.
وأما قوله: " توسِّدني كفّا وتثني بمعصم " البيت، فهو مليح في وصف العناق. على إن للمحدثين في هذا المعنى صفات جوَّدوا فيها وأحسنوا غاية الإحسان قد ذكرنا بعضها فيما تقدَّم. وممَّا لم نذكره هناك قول ابن الروميّ:
ربَّما التفَّتْ إلى الصُّبْ حِ لنا ساقٌ بساقِ
في نِقابٍ مِن لِثام ورِداءٍ من عناقِ
وقول ابن الرومي هذا أتمّ في المعنى وأحسن في اللفظ والزيادة فيه لا تُخيل لحسن الاستعارة، ومثله في الحسن له أيضًا:
وكِلانا مُرتَدٍ صاحبَهُ كارتداءِ السَّيف في يومِ الوغَا
نتساقَى الرِّيق ممَّا بينَنا زَقَّ أُمَّاتِ القطَا زُغْبَ القَطا
وممَّن جوَّد في ذكر العناق بشَّار بقوله:
فبتُّ بها لا يَخلص الماءُ بيننا إلى الصُّبح دوني حاجبٌ وستُورُ
وقد أخذ علي بن الجهم من بشَّار فقال:
[ ١ / ٦٤ ]
سقَى اللهُ ليلًا ضمَّنا بعد هجعَة وأدنَى فؤادًا من فؤاد معذَّبِ
فبِتنا جميعًا لو تُراق زجاجةٌ من الرَّاحِ فيما بيننا لم تسرَّبِ
ومن مليح ما قيل في العناق قول ابن المعتزّ:
كأنَّني عانقتُ ريحانةً تنفَّستْ في ليلها البارِدِ
فلو تَرانا في قميص الدُّجَى ظننْتَنا في جسدٍ واحدِ
وإلى هذا أشار ابن طباطبا في قوله:
وليلٍ نصرتُ الغيَّ فيه على الرُّشدِ وأعديتُ حالَ القربِ منه على البعدِ
وضيَّقتُ فيه من عناقِ مُعانقي فظنَّ وِسادِي أنَّني نائمٌ وحدِي
وللبحتري في العناق أيضًا:
ومن قُبَلٍ قبلَ التَّشاكي وبعدَه نكاد بها من لذّة اللّثم نَشرقُ
وقد لفَّنا وشكُ الفراق وضمَّنا عناقٌ على أعناقنا ثَمَّ ضيّقُ
ليس يجوز أن نستقصي ما قيل في هذا الباب إذا عنَّ في موضع واحد، لأنه لا بدَّ أن تردَّد في مواضع؛ فلذلك نترك نظائر كثيرة احتياجًا إليها لموضوع آخر.
قال: ولمَّا طال تشبيب عبد بني الحسحاس بنساء قومه وذكرهنَّ في الشعر بمثل قوله:
وهنَّ بناتُ القومِ أنْ يشعرُوا بنا يكُنْ في بناتِ القومِ إحدى الدَّهارسِ
وكمْ قد شقَقْنا من رداءٍ ومِطرَف ومن برقعٍ عن طَفْلة غير عانِسِ
إذا شُقَّ بردٌ شُقَّ بالبُردِ برقُع دَوَاليك حتَّى كلُّنا غيرُ لابِسِ
توامر قومه في قتله واجتمعوا لذلك في شرب لهم وأحضروه معهم وكان شجاعًا راميًا وكانت قوسه لا تفارقه ولا يقدر أن يوتِّرها غيره، فلمَّا أخذ فيهم الشراب قال له بعضهم: يا سحيم أراك تقطع وتر قوسك هذه إن شُددتَ به كتافا؟ قال: نعم، قالوا: حتَّى ننظر، فأمكنهم من نفسه حتَّى أوثقوه بالوتر. قالوا له: اقطع، فانتحى فيه فلم يقطعه، فحين رأوا ذلك وثبوا إليه بالخشب فضربوه حتَّى كادوا يقتلونه ثمَّ تعاذلوا في أمره وتركوه رحمةً له، فمرَّت به امرأة من نسائهم وهو مكتوف ونظر إليها فقال وهم يسمعون:
فإنْ تضحَكِي منِّي فيا رُبَّ ليلةٍ تركتُكِ فيها كالقَباءِ المفرَّجِ
فوثبوا إليه بأجمعهم فلمَّا علم أنَّه القتل قال أيضًا:
ولقد تحدَّرَ مِن كرائمِ بعضكم عَرَقٌ على مَتْن الفِراش وَطِيبُ
فلما سمعوا هذا البيت قتلوه، وبيتُه هذا بيت نكد وذلك أنَّه عمَّهم كلّهم بالعار ورماهم بالفضيحة لقوله: " من كرائم بعضكم " أي من امرأته أو ابنته أو أخته، ولو أنَّه خصَّ واحدًا دون الجميع لكان العار لازمًا له دون غيره، ولكنَّه جمعهم كلّهم، فيجوز أن يقول كلّ واحد منهم لصاحبه متى عيَّره بهذا البيت: إيَّاك أراد بالقول دوني، وقد أحسن الكناية عن الجماع بقوله:
ولقد تحدَّرَ مِن كريمة بعضكم عَرَقٌ على مَتْن الفِراش وَطِيبُ
لأن العرق يعتري المرأة في ذلك الوقت، ومن الكناية أيضًا عن الجماع قول بعض الأعراب:
فإن كانَ فيكم بعلُ ليلى فإنَّني وذي العرش قد قبَّلتُ ليلى ثمانيا
وأُقسمُ عندَ الله أنْ قد رأيتُها وعِشرونَ منها إصبعًا من ورائِيا
وإنْ كانَ فحش فيما ذكر فقد أحسن الكناية، وقد ذكرنا بعض قصيدة عبد بني الحسحاس الَّتي سمَّاها المفضَّل الدِّيباج الخسروانيّ وتكلَّمنا على بعض ما أخذه من غيره وأُخذ منه من بعده، وقصيدة الصِّمَّة القشيريّ عندنا أطرف كلامًا منها وأملح ديباجة، ونختار منها ما يستحسن فمن ذلك:
حننْتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْ مزارَكَ من ريَّا وشَعْباكما معَا
فما حسنٌ أن تأتيَ الأمرَ طائعًا وتجزعَ أن داعي الصَّبابةِ أسمعَا
قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحمَى وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا
ألا ليسَ أيَّام الحمَى برواجعٍ عليك ولكن خلِّ عينيكَ تدمَعَا
بكتْ عينيَ اليُسرَى فلمَّا زجرتُها عن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا
وأذكُرُ أيَّامَ الحمَى ثمَّ أنْثَني على كبِدِي من خشيةٍ أنْ تصدَّعا
ألا يا خليليَّ اللَّذين تواصَيا بلومِيَ إلاَّ أنْ أُطيعَ وأتْبَعا
فإنِّي وجدتُ اللّومَ لا يُذهب الهوَى ولكنْ وجدتُ اليأسَ أجدَى وأنْفَعا
وسرب بدتْ لي فبه بِيضٌ نواهِدٌ إذا سُمتُهنَّ الوصلَ أمسينَ قُطَّعا
مَشَينَ اطّرادَ السَّيل هونًا كأنَّما تراهنَّ بالأقدامِ إذ مِسْنَ ظُلَّعا
فقلتُ سقَى اللهُ الحمَى دِيَمَ الحَيَا فقلنَ سقاكَ الله بالسّمّ منقَعَا
وقلتُ عليكنَّ السَّلامُ فلا أرَى لنفسيَ من دونِ الحمَى اليومَ مَقْنَعا
فقلنَ أراكَ اللهُ إن كنتَ كاذبًا بنانكَ مِن يُمنَى ذراعيكَ أقطَعَا
فلم أرَ مثلَ العامريَّة قبلَها ولا مثلَها يومَ ارْتحلْنا مُودَّعا
تُريكَ غداةَ البينِ مقلةَ شادنٍ وجيدَ غزالٍ في القلائدِ أتلَعَا
شكوتُ إليها ما أُلاقِي من الهوَى وخشْيةَ شَعب الحيِّ أن يتصدَّعا
فما كلَّمتْنا غيرَ رجعٍ وإنَّما ترقرقتِ العينان منها لتَدْمَعا
كأنَّك بدعٌ لم تَرَ البينَ قبلَها ولم تكُ بالألاّف قبلُ مُفجَّعا
فليت جِمالَ الحيِّ يومَ ترحَّلوا بذي سلَمٍ أمستْ مَزاحيفَ ظُلَّعا
فيُصبحنَ لا يُحسنَّ مشيًا براكب ولا السَّيرَ في نجدٍ وإنْ كانَ مَهْيَعا
أتجزعُ والحَّانِ لم يتفرَّقا فكيف إذا داعِي التَّفرُّقِ أسمَعَا
تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني تشكَّيتُ للإصغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أما قوله: " حننت " البيت والَّذي بعده فقد أخذه منه جماعة وهو المخترع له، فممَّن أخذه بعضهم فقال:
تطوِي المنازلَ عن حبيبك طائعًا وتظلُّ تَبْكيه بدمعٍ ساجمِ
هلاَّ أقمتَ ولو على جَمْر الغَضَا قُلِّبتَ أو حدِّ الحُسام الصَّارمِ
كَذَبَتْكَ نفسُك لست من أهل الهوَى تشكو الفراقَ وأنتَ عين الظَّالمِ
ومثله آخر:
أترحَلُ عن حبيبك ثمَّ تَبْكي عليه فما دعاك إلى الفراقِ
كأنَّك لن تذُقْ للبَين طعمًا فتعلمَ أنَّه مُرُّ المذاقِ
ومثله:
يسُبُّ غرابَ البين ظُلْمًا معاشِرٌ وهم آثروا بعدَ الحبيب على القُرْبِ
ومثله:
أترحَلُ طوعَ النَّفس عمَّن تحبُّه وتبكي كما يبكي المفارِقُ عن قَهْرِ
أقِمْ لا ترمْ والحزمُ منك بمعزل ودمعُك باقٍ في جفونك لا يجري
أعرابيّ وبات عند رجل فلم يحمد ضيافته وقال:
أعوذُ بربِّي أن أبيتَ بليلةٍ كلَيلتِنا بالنّعفِ عند بَشيرِ
فلمّا أتيناه استثار رمادَهُ بكلب إلى جنب الصِّلاء عقورِ
يشقِّقُ أثوابَ الغريب ببابه ويخلِطُ نَبْحًا فاحشًا بهريرِ
أتيناهُ نسْتدعي القِرى فأحالَنا على شمأل مضْروبةٍ ودَبورِ
مُدِلٌّ على ميْن الطريق بلومه يرى طردَهُ الأضيافَ غيرَ كبير
يريد أنَّ البخيل عندهم ينزل في بطون الأودية وبالبعد عن الطريق مخافة الضيفان كالذي يقول:
إنَّ الَّذي جعل الطّريق لبَيْته طُنُبًا وضنَّ بزاده للَئيمُ
فيقول الأول إن هذا من لؤمه لا يبالي حيث نزل على طريق أو غيره لأنه ليس ممن يفكّر في الذّمّ إذا لم يقْرِ الضيف.
ومثل معناه قول الآخر:
عُبيدة بن غالب بئس مناخُ الرّاكبِ
ينبحنا من جانب وكلبه من جانبِ
من شأن كلب الكريم إذا نظر إلى الضيف تركُ النّباح كما ذكرنا في عدة مواضع وكلب البخيل يكثر النّباح على الضيف، والكلبُ الدليلُ للضّيف على كرم الرَّجُل ولؤمه، فلذلك ذكرنا نباح الكلب ها هنا. ومن المعنى الَّذي نحن فيه ما أنشدنا ابن دريد لبعض الأعراب:
لا صبَّح الله أبا المصَبّح إلاَّ بوغْدٍ مثلهِ مُكلّحِ
زُرناه غبَّ عارضٍ مروَح يهطل بالماء إذا لم ينضَحِ
فعاد من خوف القِرى والمسرح برميهِ النّارَ ودفنِ المقدحِ
وضربهِ الكلبَ إذا لم ينبحِ
مثله:
أتيناهُ أضيافًا فأشلى كلابَهُ علينا فكدْنا بين بيتَيْه نُؤكَلُ
مثله للبحتري:
لا تُجْزَينَّ أبا عبيدةَ صالحًا عن قُبْحِ وقفتِنا بقنَّسْرينا
جُزْنا وما كان الجَوازُ هوًى لنا نَصبين من تعب السُّرى لَغبينا
وسرَتْ كلابُك بالنّباح كأنّما يطلُبْن ثأرًا قد تقادمَ فينا
متتابعات بالعُواء وراءنا حتَّى طرحْنا زادَنا فرضينا
مثله:
قد علَّمَ الكلبَ نُباحَ الضَّيفِ وأمَّنَ البُزْلَ بريقَ السَّيفِ
أعرابيّ وسأل قومًا قريبي العهد بالغنى فحرموه فقال:
مدحْتُ عروقًا للنَّدى مصَّتِ الثَّرى قريبًا فلم تهمُمْ بأنْ تتزعْزَعا
نقائذَ بُؤس ذاقتِ الفقرَ والغنى وحلَّبتِ الأيّامَ والدَّهرَ أضْرُعا
سقاها إلهُ الناسِ سجلًا على الظَّما وقد كربَتْ أعناقُها أن تقطَّعا
[ ١ / ٦٥ ]
فضمَّتْ بأيديها على فضلَ مائها من الرَّيِّ لمّا أوشكتْ أنْ تضلَّعا
وزهَّدها أن تفعلَ الخيرَ في الغنى مُقاساتُها من قبله الفقرَ جُوَّعا
هذه الأبيات طريفة المعنى، ومثلها قولُ الآخر:
سألنا أناسًا حاجةً بَخِلوا بها ولم يكُ ذا بعدٍ مداه عسيرُ
وهيهاتَ أنْ يأتيكَ بالخير سائلٌ بساقَيْه للكلب العَقورِ عقورُ
مثله:
إذا كنتَ لا بدَّ مُستطْعِمًا فدعْ عند من كان يستَطْعِمُ
ولا تسأل النَّاس إلاَّ فتًى له نسبٌ في الغنى أقْدَمُ
مثله:
قد لبسوا ثوبَ الغنى جديدًا فيحذرون الفقرَ أن يعودا
والبيت السائر في هذا المعنى:
إنَّ من عضَّتِ الكلابُ عصاه ثمَّ أثْرى فبالحَرى أن يجودا
قال بعض الأعراب وغزا في أيام الفتوح إلى ناحية خراسان واعتلَّ فكان في قصر من قصور الرّي وجاشث الدَّيلم وكان في كل يوم ينادي المنادي بالنفير فقال:
لعمري لجوٌّ من جواءِ سُويْقَةٍ أسافلُه مَيثٌ وأعلاه أجْرَعُ
به العِينُ والآرامُ والأُدْمُ ترتعي وأمّ الرِّئال والظّليم الهجنَّعُ
أحبُّ إلينا أن نجاورَ أهلنا ويُصبحَ منا وهو مرأى ومَسمعُ
منَ الجوسق الملعون بالرَّيّ لا يني على رأسهِ داعي المنيَّةِ يلمعُ
يصيحُ عليه الدّيدبانُ فلا أُرى نهاري ولا ليلي من الخوف أهجعُ
يقولون لي اصبر واحتسبْ قلتُ طالما صبرْتُ ولكنْ ما أرى الصَّبر ينفعُ
فيا ليت أجري كان قُسِّم فيهمِ ومن دونيَ الصمّان والرَّملُ أجمعُ
فكان لهم أجري هنيئًا وأصبحتْ بيَ البازلُ الكوماءُ في الرَّملِ تضبعُ
ولأعرابيّ دخل الحضر فاشتاق البدو:
لعمري لأصحاب المكاكيّ بالضّحى وسُحْمٍ تنادى بالعشيِّ نواعِبُهْ
أحَبُّ إلينا من فراخ دجاجة صغارٍ ومن ديكٍ تنوسُ غباغبُهْ
مثله لآخر:
والله للنَّومُ بوادي ذي غضًا مُختلطِ فيه الحمامُ بالقطا
وقد جرتْ في روضهِ ريحُ الصّبا وانْحلَّ في قيعانهِ خيطُ السما
أشهى إلى قلبيَ من ريحِ القُرى
أخذ أبو تمَّام قوله " وانحلّ في قيعانه خيط السما " فقال:
وانحلَّ فيها خيط كلّ سماءِ
والبيت الأول خيرٌ مما قال أبو تمَّام.
مثله لآخر:
ليت لنا بالجوز واللّوز كمْأةً جناها لنا من بطن نخْلةَ جانِ
وليت لنا بالدِّيك صوتَ حمامةٍ على فننٍ من أرض بيشة دانِ
وليت القِلاصَ الأُدْمَ قد وخدتْ بنا بوادٍ تهامٍ في رُبًا ومتانِ
بوادٍ تهامٍ تُنبتُ السّدْرَ صدرُه وأسفلُه بالمرج والعَلَجانِ
وقريب منه لآخر:
يجيئوننا بالورْد كلَّ عشيَّة وللشِّيحُ في عينيَّ أذكى من الورْدِ
ولا سيَّما إن كان من شيح تلعة بوادي سبيب جادَه صيِّبُ الرَّعْدِ
فتلك لعمري نظرةٌ لو نظرتُها ستُذهبُ وجدي أو تزيدُ على وجدي
ومثله لآخر:
عجبتُ من العطّار جاء يسومنا برابية السكران دُهنَ البنفسَجِ
فيا أيّها العطّار هلاَّ أتيتَنا بجرزة شيح أو بخوصة عرفجِ
تزوج بعض الأعراب امرأةً من الحضر فلم تُرْضِه فقال:
لَعمري لأعرابيّةٌ في مِظلّةٍ تظلّ برَوقى بيتها الرّيح تخفِقُ
أحبُّ إلينا من ضناك ضِفِنَّةٍ إذا وُضعتْ عنها المراويحُ تَعرقُ
كبطِّيخة البستان يُرضيك ريحُها صحيحًا ويبدو خُبثُها حين تُفتَقُ
مثله لآخر:
عدمت نساءَ المصر إنّ نساءهُ قِصارٌ هواديها عِظامٌ بطونها
فلا تُعْطِ في مصريَّةٍ نضف دانقٍ وإنْ ثقُلتْ أردافُها ومُتونها
مثله لآخر:
لتُدْرِك من نجد بلادًا مريعَةً وبيضًا كغزلان الصريم الكوانسِ
أولئك ما يدرينَ ما كامخ القُرى ولا عصبٌ فيها رِئاتُ العَمارسِ
ولا السَمك البحريّ لم يطَّبِخْنهُ طريًّا ولم يأكُلْنه وهو يابس
ومثله:
تقول له راهيَّةٌ ذات كِدْنةٍ منفَّخة الجَنْبينِ غبغبُها شبْرُ
تعالَ ودعْ نجدًا وطيبَ ترابه إليَّ فلا نقْدٌ عليك ولا مهْرُ
فهذيَ خُدَّامٌ وكأسُ مدامةٍ وهذيَ أنماطٌ ومنقوشة صفْرُ
فقلتُ لها منَّتْكِ نفسُكِ حاجةً كذوب اللّقاء دونَها جبلٌ وعْرُ
مثله لأعرابيّ أسديّ:
قالتْ له مزَّاحةٌ ذاتُ بُرقعٍ وأخرى أدلَّتْ بالملاحةِ سافِرُ
أنحن فهاتِ الحق أحسنُ أوجُهًا ودلًاّ أمِ اللاّتي لهنَّ الأباعرُ
فقلتُ نساءُ الحيِّ أحسنُ أوجُهًا وأطيبُ نشرًا حينَ تفنى الذّرائرُ
[ ١ / ٦٦ ]
طلّق بعض الأعراب امرأة كانت له فتزوّجها بعض بني عمّه وكان بينهما عداوة فقال زوجها الأول، وكان اسم الَّذي تزوّج بها فروة:
هنيئًا على ما بيننا من عداوةٍ لفروةَ وادٍ حُلَّ بطحاؤُه سَهْلُ
شددتُ عليه الكور ثمَّ ركبتهُ لفروة حتَّى ذلَّ واستوطنَ الرَّحْلُ
أعرابيّ:
أتَتْني سُليمٌ قضُّها وقضيضُها تُمسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
يقولون لي احلفْ قلتُ لستُ بحالفٍ أُخاتلُهم عنها لكيما أنالها
ففرَّجتُ همَّ النَّفس عنِّي بحلْفَةٍ كما شقَّتِ الشَّقراءُ عنها جِلالها
وجدنا لهم في الأيمان أشياء كثيرة يطول بها الكتاب إلاَّ أنَّ هذا النَّوع الواحد منها قليل ونحن نذكر بعض ما قيل فيه دون غيره لنذكر غيره في مواضع أخر إن شاء الله فمن ذلك:
سألوني اليمينَ فارْتعتُ منها ليُغَرُّوا بذلك الارْتياعِ
ثمَّ أرسلْتُها كمنْحَدرِ السَّي لِ تدلَّى من المكان اليفاعِ
وفي اليمين لآخر:
وقالوا اليمينَ فمنْ لي بذا ك يا ليتهم يطَّبونَ اليمينا
فأمنَحهم حلْفةً لذَّةً تنَجِّي المَدين وتُرْدي المُدينا
ولآخر:
[ ١ / ٦٧ ]
إذا حلَّفوني بالإلهِ منحْتُهم يمينًا كسحق الأتْحَميّ الممزَّقِ
وإنْ حلَّفوني بالعَتاق فقد درى دُهَيمٌ غُلامي أنّه غيرُ مُعتقِ
وإنْ حلَّفوني بالطَّلاق ردَدْتُها كأحسن ما كانتْ كأنْ لمْ تُطلَّقِ
ولآخر:
يمين كمثل مواسي المنى كشفتُ بها كربةَ الصَّاحبِ
عملتُ بها في نجاة المَدين وأعمَلُ في توبة التَّائبِ
أعرابيّ من الخوارج:
أرى المرءَ في الدُّنيا حديثًا لغيره إذا هو أمسى لا يُجيبُ المناديا
فكُنْ كالذي تهوى حديثًا ولا تكُنْ كمثل الَّذي يهواه فيك الأعاديا
وإن كنتَ تبعي عند ذي العرش حظوةً فلا تكُ إلاَّ مرهف السيف شاريا
أما قوله " أرى المرء في الدُّنيا " البيت، والبيت الَّذي يليه فمعنى قد تجاذبته العرب ونحن نذكر من ذلك شيئًا، فمنه:
الناسُ في الدُّنيا أحاديثُ تبقى ولا تبقى المواريث
فرحمةُ الله على هالكٍ طابَتْ له فيها الأحاديثُ
ومثله لعبد الصَّمد بن المعذَّل:
أعاذلتي أقْصِري أبِعْ جِدتي بالثَّمنْ
ذريني أُفِدْ بالثَّرا ءِ حمدًا فنعم الثَّمنْ
أرى الناسَ أُحْدوثةً فكوني حديثًا حسَنْ
وقال آخر في مثله:
المرءُ بعد الموتِ أُحدوثةٌ يفنى وتبقى منه آثارهُ
يطويه من أيّامه ما طوى لكنّه تُنشر أسرارهُ
فأحسنُ الحالات حالُ امرئٍ تَطيبُ بعد الموتِ أخبارهُ
يفنى ويبقى ذكرُه بعدَه إذا خلَتْ من شخصه دارهُ
مثله لآخر:
نحّ عن نفسك القبيحَ وصُنْها وتوَقَّ الدُّنيا ولا تأمَننْها
وسيبقى الحديثُ بعدك فانظرْ أيّ أحدوثة تكونُ فكُنْها
مثله لآخر:
تدارَكْ غرسَ كفِّكَ يا ابنَ عمرو فقد أضحى بجودِك مُستغيثا
وكُنْ أحدوثةً حسُنَتْ فإنّي رأيتُ النَّاس كلّهمُ حديثا
مثله:
سابقْ إلى الخيراتِ أهلَ العُلى فإنّما الدُّنيا أحاديثُ
كلُّ امرئٍ في شأنه كادحٌ فوارثٌ منه وموروثُ
مثله ما أنشدنا ابن دريد لنفسه:
وإنَّما المرءُ حديثٌ بعدَه فكُنْ حديثًا حسنًا لمنْ وعَى
ومثله للنّوبجتيّ وأنشدناه:
أرى الأحاديثَ تبقى لمُحسنٍ ومُسِيِّ
فكنْ حديثًا جميلًا تظفرْ بحظٍّ سَنيِّ
فلحس الأسود وكان شاعرًا فضربه مولاه في بعض الأيام ضربًا مبرّحًا فقال:
لولا عُرَيقٌ فيَّ منْ حبشيَّةٍ يردُّ إباقي بعدَ حوْلٍ مُجرَّمِ
وبعد السُّرى في كلّ طخْياءَ حِنْدسٍ وبعدَ طُلوعي مَخْرِمًا بعد مخرِمِ
علمتَ بأنّي خيرُ عبدٍ لنفسهِ وأنَّكَ عندي مَغنمٌ أيُّ مغنمِ
أيُبْصرني فردًا ولو كان مُفردًا تبيَّنَ أنَّ اللَّيثَ غيرُ مُقلَّمِ
يريد أنَّه كان وجد مع مولاه جماعة وأنَّه لو كان مفردًا مثله لعلم أنّه لا يقدر على ضربه، " تبيّن أنَّ الليث غير مقلَّم " استعارة حسنة. ومثل قوله هذا لبعض الأعراب وكان حاسرًا فوقع عليه ذو سيف وأخذ سلبه فقال المسلوب:
فلو كان في كفِّي الَّذي في يمينه لعادَ كما قد عُدتُ مُختلَس الرَّحْلِ
ولكنْ يراني حاسرًا وبكفِّه كمثل شعاع الشَّمس يومضُ بالقتْلِ
ففاز بأثوابي وفُزتُ بحسْرة لها بين أثناء الحشا لوعةٌ تَغْلي
ومثله لآخر:
وما أوثقوا منّا الأكُفَّ شجاعةً ولكنْ رأونا حاسرين فأقْدموا
يهزّون بيضًا لو غدتْ في أكُفِّنا لظلَّتْ تشظَّى فيهم وتثلَّمُ
ومثله لآخر:
أقول لحسَّانٍ وقد قاد حائرًا رُوَيدك إنَّ السَّيفَ قاد أسيرَكا
فلا تبتهج إنَّ السيوفَ هيَ الَّتي تُكشِّفُ بعد اليوم عنك أمورَكا
وقال فلحس الأسود يهجو مولاه ويصفه بالتعطيل:
أغرَّك منّي أنَّ مولايَ رائد سريعٌ إلى داعي الطَّعام ضروطُ
غلامٌ أتاه الذُّلُّ من نحو شِدْقه له نسب في الواغلين وسيطُ
له نحو دوْر الكأس إمّا دعَوْته لسانٌ كدَوْر الزَّاعبيّ سليطُ
وإن تلقهُ في غارة الصُّبح تلْقَه خضيبًا عليه بُرقعٌ وسُموطُ
أعرابيّ يرثي:
يروم جسيماتِ العلى فينالُها فتًى في جسيمات المكارمِ راغبُ
فإنْ تُمسِ وحشًا دارهُ فلرُبَّما تزاحمَ أفواجًا إليها المواكبُ
يحيُّونَ بسَّامًا كأنَّ جبينه هلالٌ بدا وانْجاب عنه السَّحائبُ
وما غائبٌ من كان يُرجى إيابُه ولكنَّه من غيَّبَ الموتُ غائبُ
الأصل في معنى البيت الأخير قول عبيد:
وكلُّ ذي غيبةٍ يؤوبُ وغائبُ الموتِ لا يؤوبُ
ومثله لآخر:
فلمْ تنأَ دارٌ من مُرَجًّى إيابُه وتنأى بمنْ رُصَّتْ عليه الصفائحُ
ومثله:
على الدهرِ فاعْتُبْ إنَّه غير مُعتبٍ وفي غيرِ من قد وارتِ الأرضُ فاطْمعِ
أعرابيّ وكانت له امرأة تُبغضه وتمنَّى موته وكانت تُشير عليه بالغزو ليُقتل ففطن لذلك وقال:
أتامرُني أُمامةُ بالمغازي وتذكرُ لي الَّذي غنم الجنودُ
رجاءً أنْ تُصادفَني المنايا ودون منيَّتي أمدٌ بعيدُ
أعرابيّ:
فلو أنَّ قومي قتَّلتْهم عِمارةٌ من السَّرواتِ والرّءوسِ الذَّوائبِ
صبَرْنا لما يأتي به الدَّهرُ عامدًا ولكنَّما أوتارُنا في مُحاربِ
قبيلِ لئامٍ إنْ ظهرْنا عليهم وإنْ يغلبونا يوجَدوا شرَّ غالبِ
هذا من أفحش الهجاء، ومثله لآخر:
فلو أنّي بُليتُ بهاشميٍّ خؤولته بنو عبد المدانِ
صبرْتُ على أذيَّتِه ولكنْ تعالَيْ فانظُري بمنِ ابْتَلاني
ومثله لآخر:
فلو نطَحتْني ذاتُ قَرنٍ عذرتُها ولكنَّها جمَّاءُ ليس لها قَرْنُ
ومن أمثالهم في الوضيع يعلو على الرّفيع " فلو بذات سوار لُطِمتُ ".
أعرابي يخاطب امرأته ولامته في الخمر:
ليس الرَّزيَّة في بكرٍ شربتُ به في القوم يُخْلِفه كسبي وإتْياني
بلِ الرَّزيَّةُ أن تسعى مُشمِّرةً بحيثُ نعشي وقد أُلبستُ أكفاني
أمّا القداح فإنّي غيرُ تارِكها والمالُ بيني وبين الخمرِ نصفانِ
أعرابي:
زعمَتْ أُمامةُ أنَّني إمّا أمُتْ يسدُدْ أُبَيْنوها الأصاغرُ خَلَّتي
تربتْ يداكِ وهل رأيتِ لقومه مثلي على يُسرى وحين تعِلَّتي
رجلًا إذا ما النَّائباتُ غَشينه أكْفى لمُعضِلةٍ وإنْ هي جلَّتِ
ولقد رأبْتُ ثأَى العشيرة بينها وكفيتُ جانيها اللَّتيّا والَّتي
وصفحتُ عن ذي جهلها ومنحتُها نُصحي ولم تُصبِ العشيرةَ زلَّتي
وكفيتُ مولايَ الأجمَّ جريرتي وحبستُ سائمتي على ذي الخلَّةِ
قوله " الأجم " يعني الَّذي لا سلاح معه وهذا مليح ما يعرف مثله.
أعرابيّ:
لله درُّ بني ريا حٍ في الملمّاتِ الكبارِ
لا غرو إنَّا معشرٌ حامو الحقيقة والذِّمارِ
نحمي الحواصِنَ إنَّها قيدُ الكريمِ عن الفرارِ
هذا معنى في نهاية الحسن لا نعرف له نظيرًا.
أعرابيّ:
أزالَ عظمَ ذراعي عن مركّبه حمْلُ الرُّدينيِّ والإدلاجُ في السَّحَرِ
حولان ما اغتمضَتْ عيني بمنزلةٍ إلاَّ وكفّي وسادٌ لي على حجرِ
أعرابيّ من بني أسد:
إذا هبّتْ جنوبُ المجد يومًا لمكْرمةٍ رفعتُ لها شراعي
تناءتْ همَّتي وصفا ودادي وكلّ كريمةٍ تحوي طباعي
وتحمدُ جارتي في العُسْر بذلي وإن أيسَرْتُ أغْناها اتِّساعي
ولم أفرَحْ بوفْر المال إلاَّ إذا أفْنى كرائمَهُ اصْطِناعي
أما قوله " إذا هبّت جنوب المجد " البيت، فيدلُّ على أنَّ هذا الشاعر كان ملاّحًا لأنه ذكر الجنوب وذكر الشراع في الجنوب وهذا ممَّا يعرفه الملاّحون، وهذا البيت حذو بيت الشمَّاخ الَّذي يقول فيه:
إذا ما رايةٌ رُفعَتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرابةُ باليمينِ
كان ملاطم بن عوف بن بدر الفزاريّ مع عمَّيه حذيفة وحمل ابني بدر يوم الهباءة، فلمّا أوقع بهما قيس بن زهير العبسيّ ومن كان معه من قومه وقتلهما وفرَّ ملاطم عن عمَّيه وقُتلا ونجا فمرَّ بعد ذلك بنسوة كان يتحدّث إليهنّ فلمّا رأينه أعرضْنَ عنه وقلن له: فررت عن عمَّيك حتَّى قُتلا، فقال يعتذر من ذلك:
وبيضٍ من عَديٍّ كنَّ لهْوًا إذا طال النَّهارُ على الرَّقيبِ
ذكرْنَ برؤيَتي حملَ بن بدْرٍ وصاحبَه الألدَّ على الخطيبِ
فقلن إليك لا لهوٌ لدينا إذا اشتمل المحبُّ على الحبيبِ
فلو كنتَ الأُسى أو كنتَ حُرًّا لمتَّ مع اللَّذَيْ يوم القليبِ
وقد آسيتُ حتَّى لا أسًى بي فضلَّتْ حيلةُ الرجُلِ الأريبِ
وكم من موطنٍ حسنٍ أُحيلَتْ محاسنُه فعُدَّ من الذُّنوبِ
أعرابيّ:
ونحن دفعنا الموتَ عند اقْترابه وقد برزتْ للثَّائرين المَقاتلُ
وجرَّدْتُ سيفي ثمَّ قمتُ بنصْله وعن أيّ نفسٍ بعد نفسي أقاتلُ
أعرابيّ:
وما انصرفَتْ عنِّي أكارمُ شيمتي وما كلّفتْني النَّفسُ ما هو مُدبرُ
أكونُ لنفسي أحمدَ الناسِ إنْ أتتْ بخير وألحاهُمْ لها حين تعثرُ
أعرابيّ:
أفَضْلَ بني الحارث الأكرمينَ كفرْتَ فمن بعدهم تشكرُ
همُ أنقذوك بأرماحهم وكنتَ من الخوف لا تُبصرُ
امرأة من بني عامر:
وحربٍ يضِجُّ القومُ من نفَيانها ضجيجَ الجِمال الجِلَّةِ الدَّبِراتِ
سيتركها قومٌ ويصْلى بحرِّها بنو نسوة للثّكل مصطبراتِ
آخر يصف سيفًا:
يكْفيك من قلع السَّماء مهنَّدٌ فوق الذُّراعِ ودون بَوع البائعِ
صافي الحديدة قد أضرَّ بنصله طولُ الدِّياس وبطنُ طيرٍ جائعِ
أُمِرَ المواطرُ والرِّياحُ بحَمْله فحمَلْنَهُ لمضائرٍ ومنافعِ
حمْلَ الحَصانِ من النّساءِ جنينَها حتَّى يتمَّ لسابعٍ أو تاسعِ
ذكرٌ برونقةِ الدِّماءُ كأنما يعلو الرّجالَ بأُرجُوانٍ ناصعِ
يمضي من الحَلق المضاعَف نسجهُ ومن الحُشاشةِ فوق نزع النّازعِ
وترى مضاربَ شفرتيه كأنّها مِلْحٌ تناثر من وراءِ الدّارعِ
أعرابيّ يصف نخلًا:
بنات الدَّهر لا يخشَيْن محْلًا إذا لم تبقَ سائمةٌ بَقينا
خرقْن الأرضَ عن أمواج بحر طلَبْن مَعينه حتَّى رَوينا
كأنّ رؤوسَهنّ بيوم ريحٍ ضرائرُ بالذّوائبِ ينْتَصينا
وقال أوس بن حجر:
ولا أعتبُ ابنَ العمّ إنْ كان ظالمًا وأغفرُ منه الجهلَ إنْ كان أجْهلا
وإن قال لي ماذا ترى يَسْتشيرُني يجدْني ابنُ عمٍّ مِخْلطَ الأمرِ مِزْيَلا
أُقيمُ بدار الحزْمِ ما كان حزْمُها وأحرِ إذا حالتْ بأن أتحوَّلا
وأستبْدِلُ الأمر القويَّ بغيرهِ إذا عقْدُ مأفونِ الرّجال تحلَّلا
وإنِّي امرؤٌ أعددْتُ للحرب بعدما رأيتُ لها نابًا من الشَّرِّ أعْصَلا
أصمَّ رُدَينيًّا كأنَّ كعوبَهُ نوى القسْبِ عرَّاصًا مُزجًّا مُنصَّلا
عليه كمصباح العزيزِ يشبُّهُ لفِصْح ويحْشوهُ الذُّبالَ المفتَّلا
وأملسَ صوليًّا كنهْيِ قرارةِ أحسَّ بقاعٍ نفْحَ ريحٍ فأجفلا
كأنَّ قُرونَ الشَّمسِ عند ارتفاعِها وقد صادفَتْ طلعًا من النَّجمِ أعْزلا
تردَّدَ فيه ضوءها وشعاعُها فأحصِنْ وأزينْ لامرئٍ إن تسرْبَلا
وأبيضَ هنديًّا كأنَّ غِرارهُ تلألؤُ برقٍ في حَبيٍّ تكلَّلا
إذا سُلَّ من غمدٍ تأكَّلَ أثْرهُ على مثلِ مِصْحاةِ اللُّجينِ تأكُّلا
ومضْبوعةٍ من رأسِ فَرْعٍ شظيَّةٍ بطودٍ تراه بالسَّحابِ مُجلَّلا
على ظهرِ صفوانٍ كأنَّ مُتونه عُللْنَ بدُهْنٍ يُزلقُ المُتنزِّلا
يُطيفُ بها راعٍ تجشَّمُ نفسهُ ليكلأ فيها طرفَه مُتأمِّلا
فلاقَ امرءًا من مَيْدعانَ وأسْمحتْ قَرونتُه باليأس منها وعجَّلا
فقال له هل تذكُرَنَّ مُخبِّرًا يدلُّ على غُنْمٍ ويقصر مُعْملا
على خيرِ ما أبْصَرتها من بِضاعةٍ لمُلتمسٍ بيعًا لها وتبكُّلا
فُوَيقَ جُبيل شامخ الرَّأس لم يكن ليبْلُغه حتَّى يكلَّ ويعْملا
فأبصرَ إلهابًا من الطَّودِ دونها يرى بين رأسي كلّ نيقَينِ مَهْبلا
فأشرط فيها نفسه وهو مُعصمٌ وألقى بأسبابٍ له وتوكَّلا
وقد أكلتْ أظفارَهُ الصَّخرُ كلَّما تعيَّا عليه طولُ مرْقًى تسهَّلا
فما زال حتَّى نالها وهو مُشفقٌ على موطنٍ لو زلَّ عنه تفصَّلا
فأقبلَ لا يرجو الَّتي صعِدتْ به ولا نفسه إلاَّ رجاءً مؤمَّلا
فلمَّا قضى ممَّا يريدُ قضاءهُ وصلَّبها حرْصًا عليها فأطولا
أمرَّ عليها ذاتَ حدٍّ غُرابُها رفيقًا بأخذٍ بالمداوِسِ صيقَلا
على فخِذيْه من بُرايةِ عودِها شبيهُ سفى البُهْمى إذا ما تفتَّلا
فجرَّدها صفراءَ لا الطُّولُ عابها ولا قِصرٌ أزْرى بها فتعطَّلا
إذا ما تعاطَوْها سمعتَ لصَوتها إذا أنبضوا عنها يتيمًا وأرْملا
وإن شُدَّ فيها النَّزْعُ أدبرَ سهمُها إلى متْنها من عجْسها ثمَّ أقْبلا
وحشْوِ جفيرٍ من فروعٍ غرائب تنطَّع فيها صانعٌ فتنبَّلا
تخيِّرْنَ أنضاءً ورُكِّبْنَ أنْصُلًا كجمر الغضا في يوم ريح تزيَّلا
فلمَّا قضى منهنَّ في الصّنع نهْمَه فلم يبق إلاَّ أن يسنَّ ويصقلا
كساهنَّ من ريشٍ يمانٍ ظواهرًا سُخامًا لُؤامًا ليِّنَ المسِّ أطْحلا
فذاك عَتادي في الحروب إذا لظتْ وأرْدفَ بأسٌ من حروبٍ وأعْجلا
وذلك من جمعي وبالله نلْتُه وإن يلْقَني الأعداءُ لا ألقَ أعزلا
فإنّي وجدتُ النَّاس إلاَّ أقلَّهم خفافَ العهود يُسرعون التَّنقُّلا
بني أمِّ ذي المال الكثيرِ يرَونهُ وإن كان عبدًا سيِّدَ الأمرِ جَحْفلا
وهم لمقِلّ المالِ أولادُ عَلّةٍ وإن كان محضًا في العشيرة مُخْولا
وليس أخوك الدّائمُ العهدِ بالذي يذمُّك إن ولَّى ويُرضيكَ مُقْبلا
ولكنَّه النَّائي إذا كنتَ آمنًا وصاحبُك الأدنى إذا الأمرُ أعْضلا
وهذه القصيدة من مشهورات قصائد الشعراء في الجاهليّة وفيها معانٍ حسانٌ مخترعة ومتّبعة ونحن نذكر مع كلّ معنى شيئًا من نظائره على ما وقع به الرّسم.
أما قوله " أقيم بدار الحزم ما دام حزمها " البيت، فقد ذكرنا قطعة من نظائره فيما قدمنا وبيت أوس هذا هو الأصل ونذكر من هذا المعنى شيئًا يسيرًا مما لم نذكره هناك لأنَّ هذا المعنى متى ما استقصيَ كان كتابًا مفردًا، فمن ذلك قولُ الشاعر:
وإذا الدِّيارُ تنكّرتْ عن حالها فدعِ الدّيارَ وبادرِ التَّحْويلا
ليس المقامُ عليك فرضًا واجبًا في منزلٍ يدعُ العزيزَ ذليلا
ومثله لأبي دُلَف العجليّ:
ومُقام العزيز في بلد الذُّلْ لِ إذا أمكن الرّحيلُ محالُ
ومثله لآخر:
إذا نبتْ بي بلادٌ عجَّلْتُ منها ارتحالي
ولا أقيمُ بدارٍ تذلُّ فيها المعالي
ومثله:
سأرحلُ عن دار الهَوان مُشمِّرًا إلى حيثُ لا ذلًاّ أخاف ولا ظُلْما
فأما قول أوس في صفة الرُّمح:
أصمّ ردينيًّا كأنَّ كعوبه نوى القسب عرّاصًا مزجًّا منصَّلا
فقد جمع هذا البيت أكثر الأوصاف الَّتي توصف بها الرماح، وفي ذكره نوى القسب، دون غيره من النّوى قولان: أحدهما، أراد أنَّ نوى القسب ضامرٌ غير منتشر مثل غيره من سائر النوى، يريد بذلك دقّة الرمح وصلابته، والقول الآخر أن نوى القسب أصلب من سائر النَّوى وقد ذكرته الشعراء في غير موضعٍ من أشعارها، فمنها بيت أوس هذا الَّذي ذكرنا في صفة الرمح، ومثله لآخر:
ومطّردٍ لَدْنٍ وإن كان يابسًا كيُبْسِ نوى القسبِ العُراقِ وأصْلُبِ
والعظام الَّتي في أرساغ الخيل تُنعت أيضًا بنوى القسب وهي النسور أيضًا، قال أبو دؤاد الإياديّ وهو الأصل:
وأرساغٍ أميناتِ كملفوظ نوى القسْبِ
أخذه ابن دريد فقال:
إلى نسورٍ مثلِ ملفوظِ النَّوى
وإنّما ذكروا النَّوى الملفوظ لأن الشَّاء الَّتي تُعلف النّوى تلفظ نوى القسب دون غيره. والعلّة في ذلك أنّه لا يبتلُّ ويبتلُّ غيره من النّوى ولا يكون إلاَّ يابسًا في جميع أحواله، وقد أخذت الشعراء من أوس معنى بيته هذا فقال بعضهم:
ومطَّردٍ لدنِ الكعوب تخالُه نوى القسب قد أرْبى ذراعًا على العَشْرِ
وهذا الَّذي ذكره الشاعر من طول الرمح هو الَّذي يحمد، ومنه أخذ البحتريّ:
كالرُّمْح أذرعُه عشرٌ وواحدةٌ فليس يُزري به طولٌ ولا قصَرُ
وقال أوس يصف السنان " عليه كمصباح العزيز يشبّه " البيت، أراد أنّ السنان شديد الإيتلاق وهو مثل مشعل الجليل العظيم الشأن من بطارقة الرّوم ولا سيّما إذا ألهبه في ليلة فصحه، وإذا كان في مثل هذه الليلة كان أنور له وأكثر لضوئه. ووصف بعد هذا الدّرع والسَّيف صفةً جيدة، ولولا أن الصفات الَّتي أتى بها في هذين النَّوعين كثيرة في أيدي النَّاس - وقد ذكرنا منها قبل هذا الموضع شيئًا - لأتينا بما يعنّ ويسنح. ولا بد من ذكر بعضها فيما يستأنف من الكتاب إن شاء الله وأما ذكره القوس ووصفه لها وحمل الَّذي قطعها نفسه على التسلّق في الجبال الوعرة والهضاب العالية حتَّى ظفر بها بعد طول الجهد ومعاناة الكدّ ثمَّ نقله إيّاه من حالٍ إلى حالٍ حتَّى بلغت نهاية ما أراد فهي صفةٌ ما نعرف لها نظيرًا فنأتي به. ولقد أجاد في كل ذلك وأتى لم يتعاطه بعده أحدٌ من الشعراء في هذا المعنى من ذكر القوس خاصة، ولو أن صفته هذه وما حمّل نفسه من المكروه وعاناه من المشقّة في طلب جوهرة نفيسة أو درّة خطيرة لكان قد استغرق في ذلك مجهوده وبلغ نهاية حيلته. وله في وصف القوس وقت عملها بيتٌ أجاد التشبيه فيه وفات جميع الشعراء في جودة معناه وصحّته وهو قوله في صفة الَّذي ينحتها:
على فخذَيه من براية عودها شبيهُ سفى البُهْمى إذا ما تفتَّلا
ومن تأمل سفى البهمى في آخر الرَّبيع وأول الصّيف وهو وقت تفتُّله رآه أشبه الأشياء بما ذكره أوس في بيته هذا.
فأما قوله " إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها " البيت، فهو الأصل في المعنى وعليه عوّل من أخذه، وأوّل من أخذه الشمّاخ بقوله:
إذا أنبضَ الرَّامون عنها ترنَّمتْ ترنُّمَ ثكلى أوجعَتْها الجنائزُ
وأخذه الشنفرى فقال:
إذا زلَّ عنها السهمُ حنَّتْ كأنَّها مولَّهةٌ ثكْلى ترِنُّ وتُعوِلُ
وذكر بعض الشعراء أنَّ حنين القوس عند خروج السهم عنها حزنًا واغتمامًا به وقال:
باكية إنْ زلَّ سهمٌ عنها خوفًا عليه أن يضيعَ منها
وقال آخر:
إذا تعاطاها الشديد السَّاعد حنَّتْ إلى السَّهمِ حنينَ الوالدِ
وقال آخر:
وصفراء طيِّعة الجانبَيْنِ على أنَّ فيها جميع الشَّغبْ
تحنُّ حنينًا إلى سهمها حنينَ المحبِّ إلى من أحَبْ
وذكر غير هؤلاء أن صوتها عند خروج السَّهم عنها عيبٌ وبيَّن ذلك بعضهم فقال:
بكرْنا عليهم نعتصي كلَّ مرهفٍ وكلَّ ردينيٍّ إذا هُزَّ أوعدا
وكلَّ كتوم السِّرِّ تُصمي رميَّها ولم تدْرِ من أيّ الجوانب أقصدا
وقال آخر:
كاتمة السِّرِّ إذا شرٌّ ظهَرْ إذا تولَّى السَّهمُ عنها وانْشمرْ
لم تذعُرِ الظَّبْيَ بترنيم الوتَرْ
وأتى ابن الروميّ في هذا المعنى بشيء خالف جميع الشعراء فيه وذكر أنَّ صوتها زجرٌ لسهامها والبندق الخارجَين عنها لئلاّ يطيش السهم فيقع في غير المطلوب أو تضيع البندقة بوقوعها في غير الَّذي طُلب بها وهو قوله:
لها عولةٌ أولى على من تُصيبهُ وأجدَرُ بالإعوالِ من كان موجعا
وما ذاك إلاَّ زجرُها لبناتها مخافة أن يذهبْنَ في الجوّ ضُيَّعا
فابن الروميّ وإن كان قد احتجَّ لصوتها وأنَّه زجر للبندق والسَّهم الخارجَين عنها فقد ألزمها الصوت وإن كان قد أبان الحجّة فيه والشاعران اللَّذان ذكرنا شعرهما قبل ابن الرّوميّ ذكرا أنَّها لا تُبدي صوتًا لا لبناتها ولا لغير بناتها واحتجّا في ذلك حجّةً قاطعة لا يمكن دفعها، فأمّا الَّذي أجاد في المعنى الأول الَّذي قدَّمناه لأوسٍ وأتى بما لا يجوز لأحدٍ أن يلحقه ولا يقع قريبًا منه فابن الرّوميّ بقوله ووصف امرأةً:
تُشكي المحبَّ وتُلقى الدَّهر شاكيةً كالقوس تُصمي الرَّمايا وهيَ مرنانُ
فصار ابن الروميّ أحقّ بهذا المعنى من كلّ من أتى به قديمًا وحديثًا لما أورد فيه من الزيادة وأبان من الحجّة وجعله تشبيهًا.
فأما قول أوس:
وإنْ شدَّ فيها النزع أدبر سهمُها إلى متْنِها من عجسها ثمَّ أقبلا
فإليه نظر ابن المعتزّ بقوله:
كما أغمدتْ أيدي الصَّياقل منصلا
أتيحَ له لهفانُ يخطمُ قوسه بأصفر حنّان القَرا غير أعزلا
فأودعَهُ سهمًا كمِدْرى مواشط بعثْن به في مفرقٍ فتعللا
بطيء إذا أسرعتَ إطلاقَ فوقهِ ولكنْ إذا أبطأتَ في النَّزعِ عجَّلا
ومعنى ابن المعتزّ هذا زائد على معنى أوس وأملح كلامًا. وقد استقصينا الكلام على هذا البيت في كتابنا المعروف باختيار شعر ابن المعتزّ والتّنبيه على معانيه، وقد نظر إلى هذا المعنى ابن الرّوميّ أيضًا فقال:
تودَّدتُ حتَّى لم أجدْ متودَّدا وأملَلْتُ قرطاسي عتابًا مردَّدا
كأنّيَ أستدْني بك ابن حنيَّةٍ إذا النَّزْعُ أدناه إلى الصَّدرِ أبْعدا
لمّا قال النَّابغة الذُّبيانيّ:
هلاّ سألتِ بني ذبيان ما حسَبي إذا الدُّخانُ تغشَّى الأشمطَ البرَما
وهبَّتِ الرِّيحُ من تلقاء ذي أُرُلٍ تُزجي مع اللَّيل من صُرّادها صِرَما
شهب الظِّلال أنَيْنَ البينَ عن عرُضٍ يُزجين غيثًا قليلًا ماؤهُ شبِما
أنِّي أُتمِّمُ أيساري وأرفدهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأُدُما
عارضه قيس بن الخطيم في المعنى فقال:
هلاَّ سألتِ بني النّجار ما حسَبي عند الشّتاء إذا ما هبَّتِ الرّيحُ
إذا اللّقاحُ غدتْ ملقًى أصرّتُها ولا كريمٌ من الولدان مصبوحُ
إنِّي أتمِّم أيساري بذي أود فردٍ إذا حارد الشمُّ المساميحُ
سهمانِ سهمُ عيال الحيّ إن سغبوا والسهم سيبٌ إلى الجيران ممنوحُ
غلَّبه النَّاس على النابغة لأنه ذكر أنّه يُطعم الجيران ولم يذكر النابغة ذلك. عبد يغوث بن سنان القينيّ:
بغيتم علينا مرّةً بعد أُختها ونحن نُراعيكم صباحَ مساءِ
ألِكني إلى عُليا مراد رسالةً مبيّنةً كالشّمس رأدَ ضحاءِ
وكنتم طباق الرَّمْل عزًّا وثروةً وشدّةَ بأس وارتفاعَ بناءِ
فما زال البغيُ حتَّى غدوتمُ أهلَّةَ صيفٍ لا نجومَ شتاءِ
أما هذا البيت الأخير فقد أخذه البحتري فقال:
من بعدما كانوا كواكب طيّئٍ عُلْوًا غدَوا وهم أهلَّةُ بحتُر
بيت البحتريّ هذا عذب اللّفظ مليح إلاَّ أنَّه بيت القينيّ بعينه، وبيت القينيّ أجود منه وفيه زيادة على بيت البحتريّ كثيرة، وذاك أنَّه ذكر في بيته الشتاء والصيف وهما معنيان مختلفان وقد بيَّنّا عن تجويدهما وما أراد الشاعر بذكرهما وأمّا البحتريّ فقال كنتم نجومًا فأصبحتم أهلّة، فمن ههنا نقص بيته عن الأول وذلك أنَّ الأول خاطب قومًا فقال: كنتم كثيرًا مثل نجوم الشتاء فما زال بكم البغي حتَّى فنيتُم فصرتم مثل أهلّة الصيف وهيَ دون أهلّة الشتاء لخفائها ودقّتها وإنَّها لا تكاد تبين من كثرة الغبار الَّذي يرتفع من الأرض فيكدر له الجو ويصير بينه وبين الأرض مثل السِّتر فتخفى الأهلَّة إذا طلعت وخصَّ نجوم الشتاء دون نجوم الصيف بالذكر لأن نجوم الشتاء أصفى نورًا وأشدُّ التماعًا وأحسن ائتلافًا لقلَّة الغبار الَّذي يثور من الأرض فهي بيّنة مصقولة وليست في الصيف كذلك، فيقول: كنتم نجوم الشتاء كثرة وحُسنًا فلمَّا بغيتم فصرتم مثل أهلَّة الصيف خفاءً وضؤولة، وإلى هذا المعنى أشار البحتري وإياه أراد.
أعرابيّ:
بلَوناها فلا كُشف لِئامٌ ولا عنَّا بأنفسهمْ شِحاحُ
كِرام عند كأسهمُ إذا ما أدارُوها وعند شبا الرِّماحِ
أنشدنا ابن دريد هذين البيتين فسألناه عن اختلاف قافيتهما فقال: كانت العرب لا ترى الإقواء في البيتين عيبًا.
وقال عبد الله بن عبيد الله بن عمرو بن مالك الخثعميّ المعروف بابن الدُّمَينة وكان من أغزل العرب شعرًا وأملحهم نسيبًا:
قفِي يا أُميمَ القلبِ تَقضىِ لُبانةً ونشكُ الهوَى ثمَّ افعلِي ما بدَا لكِ
يقول فيها:
عدمتكِ من نفسٍ فأنتِ سقَيتِني كؤوس الهوَى من حبِّ مَن لم يبالكِ
هوِيتُ ولم تهوَى فأنتِ سقيمةٌ ولا ذنب لي أنتِ ابتليتِ بذلكِ
فما لكِ من صبرٍ وما لكِ من نُهًى ولا من عزاءٍ فاهلِكِي في الهوالكِ
ليهنكِ إمساكي بكفِّي على الحشَا ورقراقُ دمعي خشيةً من زِيالكِ
فلو قلتِ طأْ في النَّارِ أعلمُ أنَّه هوًى منكِ أو مُدْنٍ لنا من نوالكِ
لقدَّمتُ رِجلي نحوَها فوطئتُها هُدًى منكِ لي أو ضلَّةً من ضلالكِ
تعاللْتِ كي أشجَى وما بكِ علَّةٌ تُريدين قتلِي قد ظفرتِ بذلكِ
لئنْ ساءَني ذكراكِ لي بمساءةٍ لقد سرَّني أنِّي خطرتُ ببالكِ
أبِيني أفي يُمنَى يديكِ جعلتِني فأفرحَ أمْ صيَّرتني في شمالكِ
أحبُّ الصَّبا إن كنتِ من قِبَل الصّبا ونجمًا أراه طالعًا من حِيالكِ
وركْبٍ شِداد الوخْد بالنَّوم مُيَّلٍ عمائمُهم نبَّهتهم من جلالكِ
وبي لَمَمٍ ممَّا بهم غيرَ أنَّني مُحبٌّ وحاجاتُ المحبِّ كذلكِ
واخترنا له من أُخرى:
إلى الله أشكو ثمَّ إليكما وهل تنفعُ الشَّكوَى إلى من يزيدُها
حَزازاتِ حزنٍ في فؤادي وعَبرة أظلُّ بأطراف البنان أذودُها
يحنُّ فؤادي من مخافة بَيْنِكم حنينَ المزجَّى وجهةً لا يريدُها
ولن يلبثَ الواشون أنْ يصدعوا العصَا إذا لم يكنْ صُلبًا على البرْيِ عودُها
أما قوله: " إلى الله أشو " البيت، فقد أخذه بعضهم فقال:
وإنِّي لأشكو ما أُلاقي من الهوَى إلى مَن يزيدُ القلبَ سقمًا إلى سقمِ
وأما قوله: " حزازات حزن " البيت، مثل قول عمارة بن عقيل:
وقد كانَ فيضُ الدَّمع يُبدي سريرتي ولكنَّني كفكفتُهُ بالأصابعِ
عشيَّةَ لولا الكاشحون لأُظهرتْ ودائعُ شوقٍ بانْسكاب المدامعِ
قال ابن الدُّمَيْنة:
إلى الله أشكو ثمَّ أَنثني فأشتكي غريمًا لواني الدَّينَ منذُ زمانِ
لطيف الحشَا عَبل الشَّوى طيّبَ اللَّما له عللٌ ما تنقضي وأمانِي
فلستُ بمستعدٍ عليه بغيره ولا تاركًا دَيني بغير ضَمانِ
واخترنا له من أُخرى يقول فيها:
أُميمُ أمنكِ الدَّارُ غيَّرها البِلَى وهَيفٌ بجولان التُّراب لَعوبُ
أُميمُ بقلبي من هواكِ صبابةٌ وأنتِ لها لو تعلمينَ طبيبُ
لعَمري لئن أوليتِني منكِ جفوةً على العلم أنِّي من هواكِ كئيبُ
لبئس إذًا عونُ الصَّديق أعَنْتِني على نائباتٍ يا أُميمُ تنوبُ
فكوني على الواشين لدّاءَ شغبةً كما أنا للواشي ألدُّ شغوبُ
وإنِّي لأستحييكِ حتَّى كأنَّما عليَّ بظهر الغيب منكِ رقيبُ
فلو أنَّ ما بِي بالحصَى فلَقَ الحصَى وبالرِّيح لم يُسمع لهنَّ هبوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ اللهَ كلَّما ذكرتكِ لم تُكتبْ عليَّ ذنوبُ
تضنِّينَ حتَّى يذهب البخلُ بالمُنَى وحتَّى تكاد النَّفسُ عنكِ تطيبُ
أحقًّا عباد الله أنْ لستُ واردًا ولا صادرًا إلاَّ عليَّ حسيبُ
ولا زائرًا فردًا ولا في جماعةٍ من النَّاسِ إلاَّ قيل أنتَ مُريبُ
وهل ريبةٌ في أن تحِنَّ نجيبةٌ إلى إلفِها أو أنْ يُجيبَ نجيبُ
أُحبُّ هبوطَ الواديَين وإنَّني لمستهترٌ بالواديَين غريبُ
ألا لا أرَى وادي المياه يثيبُني ولا النَّفسَ عن وادي المياه تطيبُ
بنفسي وأهلي من إذا عرّضوا له ببعضِ الأذَى لم يدرِ كيف يُجيبُ
ولمَّا رأيتُ الصَّبرَ أبقَى مودَّةً وطارتْ بأضغانٍ إليَّ قلوبُ
صددتُ اجْتنابًا لا ملالًا ولا قلًى أُميمةُ مهجورًا إليَّ حبيبُ
ونُبِّئتُها قالتْ ومن دون أرضِها تهاويلُ غبرٌ ما بهنَّ عَريبُ
عذيرَكَ مِن هذا الَّذي هو لم يعُجْ فيُخبرَنا عنه ونحن قريبُ
فقلتُ لها يا وَيكِ هلاَّ عذرْتِني لدَيها فقد حلَّتْ عليَّ ذنوبُ
وقلت لها يا أملحَ النَّاسِ راكبٌ به شَعَثٌ بادٍ يُرَى وشُحوبُ
جفاه الغواني منذ حينٍ وشفَّهُ سهومٌ لألوان الكرام سلوبُ
يَقَرُّ بعينِي أن أرَى ضوءَ كمزنةٍ يمانيَّةٍ أو أنْ تهبَّ جنوبُ
أما والَّذي يبلي السّرائر كلّها فيعلَمُ ما يبدو له ويغيبُ
لقد كنتِ ممَّا يصطَفِي النَّاسُ خُلَّةً لها دونَ خُلاَّن الصَّفاء نصيبُ
ولا خيرَ في الدُّنيا إذا أنتَ لمْ تزرْ حبيبًا ولم يطربْ إليكَ حبيبُ
ألا يا أُميمَ القلبِ دام لكِ الهوَى أما ساعةٌ إلاَّ عليكِ رقيبُ
صغيرٌ بصيرٌ أو كبيرٌ مجرّبٌ بتصريف أقوال الكلام لبيبُ
أُميمَ لقد عذَّبتِني وأرَيْتِني بدائعَ أخلاقٍ لهنَّ ضروبُ
صدودًا وإعراضًا كأنِّيَ مُذنبٌ وما كانَ بي إلاَّ هواكِ ذنوبُ
وما ماءُ مُزنٍ في هضابٍ يحفُّها مناكبُ مِن شُمّ الذُّرَى ولُهوبُ
بأطيبَ مِن فِيها اغْتباقًا وإنَّني بشَيمٍ إذا أبصرتهُ لمُصيبُ
أمَّا هذا البيت الأخير فقد أكثرت الشعراء فيه وما جوَّد ابن الدُّمَيْنة أخذه ونحن نذكر أوَّل من أتى به وبعض من جوّد وأحسن في تناوله فأوَّل من أتى به النابغة في قوله:
زعمَ الهُمامُ بأنَّ فاها طيِّبٌ عذبٌ إذا قبَّلتَه قلتَ ازْدَدِ
زعمَ الهُمامُ ولم أذُقهُ بأنَّه يُشفَى ببردِ لِثاتهِ العطِشُ الصَّدِي
وأخذه المجنون فقال:
وتجلو بمسواك الأراك مُفلّجًا له أُشُرٌ عذبٌ متى ذاقَ ذائقُ
وما ذقتهُ إلاَّ بعينِي تفرّسًا كما شِيمَ في أعلَى السَّحابةِ بارقُ
مثله:
[ ١ / ٦٨ ]
وتجلو بمسواك الأراكِ مُفلّجًا حليقَ الثَّنايا بالعذوبة والبردِ
أخذه بشَّار فقال:
يا أطيبَ النَّاسِ ريقًا غيرَ مُختبرٍ إلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ
وقد نظر إليه البحتري فقال:
وتعجَّبتْ من لَوعتي فتبسَّمتْ عن طيّباتٍ لو لُثمنَ عذابِ
وشبيه به قول ابن المعتزّ:
فلمَّا انتهَى قولُ السَّلام وردُّه لفظنَ حديثًا عطَّرتهُ الملافظُ
هذا البيت ليس هو المعنى نفسه وهو تجوُّزٌ فيه، ومثله لأبي تمَّام:
تُعطيك منطقَها فتعلَمُ أنَّه لجنَى عُذوبته يمرُّ بثَغرِها
وأما من جوّده وأحكمه واحتجَّ فيه بحجّة لا تُدفع فأبو تمَّام بقوله:
بأبي فمٌ شهدَ الضَّميرُ له قبلَ المذاقة أنَّه عذبُ
كشهادةٍ لله خالصةٍ قبلَ العيان بأنَّه ربُّ
وقال الراجز:
وبارِد عذْب المذاق أشنب ما ذقتُهُ وليس ظنِّي يكذبْ
مثله لبشَّار:
تجلو بمسواكها عن باردٍ رتِلٍ كذاكَ خبَّرني مسواكُها الأرِجُ
مثله لحمَّاد عجرد:
وأغرُّ ذو أُشرٍ وما إن ذقتُهُ شهدَتْ بذاك عذوبةُ المسواكِ
وهذا مثل معنى بيت بشار إلاَّ أنَّ بيت بشار أجود وأصحّ وأخذه بعض الكتَّاب فقال:
[ ١ / ٦٩ ]
يخبِّرنا المسواكُ عن طيبِ ثَغرها بما لم يخبِّرنا به قطُّ ذائقُ
ومثله لابن الرومي:
وفم بارد المذاقة بالظَّ نِّ ولم يُختبرْ ولمْ يُذقِ
وأخذه عمارة بن عقيل فقال:
وأشهدُ عند الله يومَ لقائِهِ بأنَّ ثنايا أُمِّ سعدٍ لطائمُ
وما ذاقَها غيري ولا أنا ذقتُها ولكنَّني بصحَّة الظَّنِّ عالمُ
وهذا معنى يطول ويتَّسع متى أردنا استغراقه ولا بدَّ من ذكره في مواضع إن شاء الله.
وقال ابن الدُّمَيْنة:
حيِّ المنازلَ من جَمَّاءَ إذ درستْ فأورثتْ قلبَك الأحزان والطَّربا
بيضاءُ تُسفرُ عن صلتٍ مدامعهُ لا تستبينُ به خالًا ولا نَدَبا
بانُوا فما راعَنا إلاَّ حمولتُهم وهاتفٍ بفراق الحيِّ قد نعَبا
ثمَّ اتَّبعنَ غَيورًا ذا مُعاسرةٍ إنْ هنَّ شاورْنَه في نيَّةٍ غضِبَا
أتبعتُهم دَوْسَرًا رحب الفُروج تَرى في حدِّ مِرفقهِ عن زَورِهِ حَنَبا
يُصغي لراكبه في المَيس مجتنِحًا حتَّى إذا ما استوَى في غَرْزِه وَثَبا
أما قوله: " بيضاء تسفر " فهو بين ذي الرُّمَّة:
أرتْه يوم النَّقا خدًّا وسالفةً لا يستبينُ به خالٌ ولا ندبُ
وكذا قوله: " يصغي لراكبه " البيت، قال ذو الرُّمَّة:
تُصغي إذا شدَّها في الكُور جانِحة حتَّى إذا ما استوَى فر غرزها تثِبُ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
ذكرتكِ والحدَّادُ يضربُ قيدَه على السَّاق من عَوجاءَ بادٍ كعوبُها
فقلتُ لراعي السِّجن والسِّجنُ جامعٌ قبائلَ من شتَّى وشتَّى ذنوبُها
ألا ليتَ شِعري هل أزورنَّ نسوةً مضرَّجةً بالزّعفران جيوبُها
وهل ألقَيَنْ بالسِّدر من أيمَن الحمَى مصحَّحةَ الأجسام مرضَى قلوبُها
بهنَّ من الدَّاء الَّذي أنا عارفٌ ولا يعرفُ الأدواءَ إلاَّ طبيبُها
عليهنَّ ماتَ القلبُ موتًا وجانبتْ بهنَّ نوًى غِبٌّ أُشِبَّ شعوبُها
وله:
وما نُطفةٌ زرقاءُ لا تكتم القذَى بعلياءَ يجري تحتَ نيقٍ حبابُها
يحومُ بها صادٍ يرَى دونه الرَّدَى مُحيطًا فيهوَى بَردَها ويهابُها
بأطيبَ مِن فيها ولا قرقَفِيَّةٌ يُشابُ بماءِ الزَّنجبيلِ رضابُها
وله:
عُقيليَّةٌ أمَّا مَلاثُ إزارِها فدِعصٌ وأمَّا خصرُها فبَتِيلُ
تربَّعُ أكناف الحمَى ومقيلُها بتَثليث من ظلِّ الأراكِ ظليلُ
أيا زينةَ الدُّنيا ويا منتهَى المُنَى ويا أملي هل لي إليكِ سبيلُ
فديتكِ أعدائي كثيرٌ وشُقَّتي بعيدٌ وأنصاري لديكِ قليلُ
وكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ بعلّةٍ فأفنيتُ عِلاَّتي فكيف أقولُ
وله:
هلِ القلبُ عن ذكرَى أُميمةَ ذاهِلُ أجلْ حين يمشِي بي إلى القبرِ حامِلُ
أمُزمعةٌ بالبَين ليلَى ولم تمُتْ كأنَّك عمَّا قد أظلَّك غافِلُ
ستعلمُ إنْ زالتْ بهم غُربة النَّوى فزالوا بليلَى أنَّ عقلكَ زائِلُ
وإنَّك لا تخلُو من البثِّ والنَّوى إذا ما خلتْ ممَّن تحبُّ المنازِلُ
بنفسيَ من لا تقنع النَّفسُ بعدَه ومن لا تنالُ النُّجحَ فيه العواذِلُ
ومن لو رآني بين صَفَّين منهما صديقٌ ومستَولى العداوةِ باسِلُ
لَخذّل أعواني إذن ورأيتُهُ عليَّ مع القوم الَّذين أُقاتِلُ
ولو جئتُ أستسقِي شرابًا وعنده عيونٌ رويَّاتٌ لهنَّ جداوِلُ
صدِيًّا لمَا قالتْ ليَ اشربْ ولا درتْ أفي العام أروَى أمْ قَصارِيَ قابِلُ
مثله:
فلو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَى صدرْنا عن مواردِه ظِماءا
ابن الدُّمَيْنة:
أيا أخوَيَّ بالمدينة أشرِفا بيَ الصَّمْدَ أنظُرْ نظرةً هل أرَى نجدَا
فما زادني الإشرافُ إلاَّ صبابةً ولا ازددتُ إلاَّ عن معارِفها بُعدا
فإنَّ بنجدٍ من برانيَ حبُّهُ فلم يتَّرِكْ منِّي عظامًا ولا جلدَا
فقال المدينيانِ أنتَ مكلَّفٌ بداعِي الهوَى لا تستطيع له ردَّا
أما قوله: " فما زادني الإشراف " البيت، فهو كثير في أشعار متغزّلي العرب يذكرون أنَّهم إذا علَو جبلًا وأشرفوا يفاعًا زاد شوقهم وكثر حنينهم، فمن ذلك قول بعضهم:
لا تشرفنَّ يفاعًا إنَّه طربٌ ولا تَغَنَّ إذا ما كنتَ مشتاقا
وقال آخر:
أمَّا اليفاعُ فإنِّي لستُ أشرفهُ خوفًا من الشَّوق لكنْ أسلكُ الوادِي
مثله:
وما زال داعي الشَّوق يُحدث دمعةً أيضًا ما علاَ يومًا من الأرضِ مَيْفَعا
آخر:
وما أُشرفُ الأيفاعَ إلاَّ تحدَّرتْ عَقابيلُ شوقٍ يمتَرينَ المَدامِعا
وقال ابن الدُّمَيْنة:
خليليَّ ليسَ الهجرُ أنْ تشحطَ النَّوى بإلفينِ دهرًا ثمَّ يلتقيانِ
ولكنَّما الهِجرانَ أنْ تجمعَ النَّوى وتُمنعَ منِّي أن أرَى وترانِي
وكنَّا كريمَيْ معشرِ حُمَّ بيننا هوًى فحفظنَاهُ بحسنِ صيانِ
وقال زميلِي يوم سائِفة النَّقا وعَينايَ من فرط الهوَى تكفانِ
أمِن أجلِ دارٍ بين لَوْذانَ والنَّقا غداةَ اللِّوَى عيناكَ تبتدرانِ
فقلتُ ألا لا بلْ قذِيتُ وإنَّما قذَى العينِ ممَّا هيَّجَ الطَّلَلانِ
فيا طلحَتَي لَوْذانَ لا زالَ فيكُما لمن يبتَغي ظلَّيكُما فَنَانِ
وإن كنتُما قد هجتُما بارحَ الهوَى ودَنَّيتُما ما ليسَ بالمتدانيِ
خليليَّ إنِّي أرقتُ ونِمتُما فهلْ أنتما بالعِيس مدّلِجانِ
فقالا أنمتَ اللَّيلَ ثمَّ دعوتَنا ونحنُ غلامَا شُقَّةٍ رجِفانِ
فقُم حيث تهوَى إنَّنا حيث تشتَهي وإن رمتَ تعريسًا بنا غَرِضانِ
خليليَّ ليسَ الرَّأيُ في صدرِ واحدٍ أشِيرا عليَّ اليومَ ما تَرَيانِ
أأركبُ صعبَ الأمرِ إنَّ ذَلولَه بنجرانَ قد أعيَا بكلِّ مكانِ
خليليَّ من أهل اليفاعِ شُفيتُما وعُوفيتُما من سيِّئِ الحَدثانِ
ألا يا احمِلاني باركَ اللهُ فيكُما إلى حاضرِ القرعاءِ ثمَّ ذَراني
أحقًّا عباد الله أنْ لستُ ماشيًا بذي الأثْلِ حتَّى يُحشرَ الثَّقلانِ
ولا لاهيًا يومًا إلى اللَّيلِ كلِّه ببيضٍ لطيفاتِ الخصورِ غوانِ
يُمَنِّينا حتَّى تَريغَ قلوبُنا ويخْلِطنَ مَطْلًا ظاهرًا بليانِ
من النَّاسِ إنسانانِ دَيني عليهما ملِيَّانِ لو شاءا لقدْ قَضَيانيِ
خليليَّ أمَّا أُمّ عمرٍو فمنهما وأمَّا عن الأخرى فلا تَسَلاني
مَنوعانِ ظلاّمانِ لا ينصِفاني بدَلَّيْهما والطَّرفِ قد خَلَباني
أفي كلِّ يومٍ أنتَ رامٍ بلادَها بعَينينِ إنساناهما غرِقانِ
برَى الحبِّ جِسمي غيرَ جُثمانِ أعظُمٍ بلينَ وإنِّي ناطقٌ بلسانِ
أما قوله: " وقال زميلي " الأبيات الثلاثة فهو الَّذي اخترع هذا المعنى وقد أخذه بعده جماعة فكلٌّ عنده من لامه على البكاء بضرب من الضروب ونحن نذكر بعض ذلك، قال بشار:
وقالوا قد بكيتَ فقلتُ كلاَّ وقد يبكِي من الطَّرب الجَليدُ
ولكنِّي أصابَ سوادَ عَيني شبا عودٍ له طرفٌ حَديدُ
وقالوا ما لدمعِهما سواءً أكِلتا مقلَتَيك أصابَ عُودُ
فهذا ذكر أنَّ عودًا أصاب عينه فجرى دمعهما وهو معذور إذ كان أعمى مع أنَّهم يذكرون أنَّ الأعمى تجري من عينه الدُّموع، ويقال إن عمر بن الخطاب سأل متمّم بن نُويرة عن شدَّة حزنه على أخيه مالك فذكر أشياء ثمَّ قال: بكيته يا أمير المؤمنين حتَّى أسعدتْ عيني العوراء الصحيحة، ويقال إنَّ الَّذي سأله عن هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇. ولبعض العوران يستعظم بكاء عينه العوراء:
كفَى حزنًا أنِّي ترفَّعتُ كيْ أرَى ذُرى قُنَّتَيْ دمخٍ فما تُريانِ
كأنَّهما والآلُ يجري عليهما من البُعد عَينا بُرقعٍ خَلقانِ
عذرتُكِ يا عَيني الصَّحيحةُ في البُكا فما لكِ يا عوراءُ في الهَمَلانِ
يجوز للمعارض أن يقول في هذا البيت: إنَّما خاطب الشاعر عينه العوراء فقال لها: أيش لك في البكاء وما رأيتِ شيئًا ويعذر عينه الصحيحة لأنَّها نظرت إلى قنَّتي دمخٍ اللَّتين ذكرهما وفيهما من يحبّ، وما الأمر عندنا إلاَّ أنَّه استعظم بكاء عينه العوراء وعجب من ذلك إذ ليس من شأنها البكاء ولا من عادتها الدموع فيما يقال، ويحكى أن بشَّارًا كان بلا أثر عين بوجه ولا سبب. وكان موضع العين في وجهه جبينًا فليت أنَّا علمنا في أيّ موضع بكى حتَّى لِيم فاحتجَّ بأنَّ عودًا طرَف عينه. وأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
كم مِن صديقٍ لِي أُسا رِقُه البُكاءَ من الحياءِ
فإذا رآهُ يقولُ لي فأقول ما بي من بكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأرتَدِي فطَرَفتُ عَيني بالرِّداءِ
مثله لابن أبي فنن:
إذا اغرورقتْ عَيني تعلَّلتُ بالقذَى لأُخفي الَّذي ألقَى وإنْ كانَ باديا
وأخذه آخر فقال:
إذا اغرورقتْ عيني تثاءبتُ كيْ يرَى رقيبُك أنَّ الدَّمعَ فعلُ التَّثاؤُبِ
فأما الَّذي أخذ هذا المعنى فجوَّده وزاد فيه التَّنفُّس الزيادة البيّنة فالقائل:
شيَّعتُهم فاسْترابُوني فقلتُ لهم إنِّي بُعثتُ مع الأجمالِ أحْدوها
قالوا فلِمْ تتنفَّسْ هكذا صُعُدًا ومَا لعينيكَ ما ترقَا مآقيها
قلتُ التَّنفُّسُ من إدمانِ سَيركمُ والعينُ تسفحُ دمعًا من قذًى فيها
هذا أضاف إلى الدمع التنفس واحتج فيها حجةً عقليةً لا يمكن دفعا.
وأما قوله: " من النَّاس إنسانان " البيتين فإنَّ أبا كر محمد ابن يحيى الصُّولي حدَّثنا عن أبي العيناء قال: قال لي أبو المهنَّا مخارق المغنِّي وقد جرى ذكر الشعراء، قال: لعن الله الشِّعر فإنَّه يجرُّ المكروه على قومٍ ما قيل فيهم وينفع قومًا ما عرفوه، فسألته عن معنى قوله، قال: كنت بين يدي المتوكّل يومًا فغنَّيت: " من النَّاس إنسانان ديني عليهما " البيتين، فأطرق المتوكّل ساعةً يفكّر ثمَّ رفع رأسه وقال: أعد ويلك، فأعدت الصَّوت مرَّاتٍ وهو يقول: صدقت والله إنَّ دَيني عليهما، فلم يقف أحدٌ ممَّن حضر المجلس على ما أراد، واتصل الخبر بسليمان بن وهب وكان على بعض الدَّواوين فوجَّه إلى أحمد بن إسرائيل وكان على ديوان آخر: تأهَّب للنّكبة، فجاءه مسرعًا وقال: ما الخبر؟ فأنشده البيتين، فقال: ما أدري أيش تقول، مَن أمّ عمرو ومن الأخرى، ما أعرفهما، قال: أمَّا أُمُّ عمرٍو فأنت وأمَّا الأُخرى فأنا، وحدَّثه الحديث، فلم تمضِ إلاَّ مدَيدة حتَّى نُكبا.
قال ابن الدُّمَيْنة وزعم الزبير أنَّها لمزاحم بن عمرو السَّلوليّ:
أشاقتكَ الهوادجُ والخدورُ وبينُ الحيِّ والظُّعُنُ البكورُ
وبِيضٌ يرتَمينَ إذا التقينا قلوبَ القومِ أعينهنَّ حُورُ
هِجانُ اللَّونِ أبكارٌ وعونٌ عليهنَّ المجاسدُ والحريرُ
إذا اطَّردتْ فنونُ الرِّيحِ فيه توشَّى المسكُ يأرَجُ والعبيرُ
[ ١ / ٧٠ ]
بدونَ كأنَّهنَّ غمامُ صيفٍ تهلَّلَ واكْفهرَّ له صبيرُ
فلمَّا أنْ ركبنَ تنكَّبَتا جَوافلُ من ذوي الحاجات زُورُ
نعم فبدَا المَحْجَمُ من فؤادي وكادَ القلبُ من وجدٍ يطيرُ
يكلّفُني على الحدثان قلبي نوًى للحيِّ مطلبُها عسيرُ
على حين اندَمَلتُ وثابَ حلمي ولاح على مفارقيَ القَتيرُ
كأنَّ القلبَ عند ديار سلمَى سليمٌ أو رهينُ دمٍ أسيرُ
كذلكَ من أُمامةَ قبلَ هذا لياليَ أنتَ مقتبلٌ غريرُ
إذا المتهانِفُ الغُرنوقُ يهوَى زيارَتنا ويكرهنا الغَيورُ
وعند الغانياتِ لنا ديونٌ وفي مأوَى القلوب هوًى ضميرُ
تُريك مفلَّجًا عذبَ الثّنايا كلَون الأُقحوانِ له أُشورُ
وعَينَي ظبيةٍ بجِواء رملٍ يضُوع فؤادَها رَشَأٌ صغيرُ
فلو تُولِينَني لعلمتِ أنِّي بمعروفٍ لفاعله شكورُ
أُديمُ لكِ المودَّةَ إنَّ وصْلي بأحسنِ ما ظننتِ به جديرُ
وأمنحُكِ الَّتي لا عارَ فيها كأنَّ نسيبَها بُردٌ حَبيرُ
أتانا بالمَلاَ كَلِمٌ حَداهُ حجازيٌّ بطيَّتِه فَخورُ
عدوٌّ لا ينامَ ولا تَراهُ ولو أبدَى عداوتَه نصيرُ
فلو جاوَبْنَني لقصَرتَ عنِّي وأنتَ من المدَى ناءٍ حسيرُ
ولو عادَدْتَني لوجدتَ قومي هم الأشراف والعدد الكثيرُ
إذا الجوزاءُ أردفتِ الثُّريَّا وعزّ القطرُ وافتُقِدَ الصَّبيرُ
وباتتْ في مكامنِها الأفاعِي ولم يتكلَّمِ الكلبُ العَقورُ
وجدتَ بقيَّةَ المعروفِ فينا مقيمًا ما ثوَى بمنًى ثَبيرُ
[ ١ / ٧١ ]
أمَّا قوله: " إذا اطَّردت فنون الرِّيح فيها " البيت، فكثيرٌ جدًّا للمتقدمين وأكثر منه للمحدثين وقد افتنت الشعراء في هذا المعنى وخلطوا مع وشايا الطِّيب جرسَ الحليّ وغير ذلك ممَّا سنذكر بعضه في هذا الموضع وندعُ بعضه لموضع آخر، فمن ذلك قوله:
طرَقَتني في خُفيةٍ واكْتِتامِ من رقيبٍ وحاسدٍ وغيورِ
فأبان الحليُّ والطِّيبُ عمَّا سترتهُ مِن أمرِنا المشهورِ
ليس شيءٌ أعدَى لنا مِن يَوا قيت عليها ومسكِها والعبيرِ
مثله:
وبنفسِي شادنٌ خرِقٌ مُلبَسًا من حُسنه وُشُحا
وإذا ما زارَ مُكتتمًا نمَّ عنه المسكُ فافْتضحَا
مثله:
لها أرَجٌ إذا زارتْ ينبِّهُ كلَّ مَن رقَدا
فما تخفَى زيارَتُها إذا ما حاسدٌ هجدا
وشبيه بهذا وإن لم يكن هو بعينه قول النُّميري:
تضوّع مسكًا بطنُ نعمان أنْ مشتْ بهِ زينبٌ في نسوةٍ خفِراتِ
ومثله قول الأعمى مولَى هشام بن عبد الملك:
ليت شِعري من أين رائحة المِس كِ وما إنْ إخالُ بالخَيفِ إنسِي
حين غابتْ بنو أميَّة عنهُ والبهاليلُ مِن بني عبد شمسِ
[ ١ / ٧٢ ]
فأمَّا الَّذي أبدع وجوَّد في المعنى الأوَّل فالبحتري بقوله:
فكان العبيرُ بها واشيا وجرسُ الحليِّ عليها رقيبا
ما أحسن ما استعار حين جعل رائحة الطِّيب وأشيابها وصوت الحليّ رقيبًا عليها، والَّذي أحسن أيضًا فيه كلّ إحسانٍ ابن أبي زرعة في قوله:
فاسْتَكْتَمتْ خَلخالَها ومشتْ تحتَ الظَّلامِ به فما نطقا
حتَّى إذا ريح الصَّبا نسمتْ ملأَ العبيرُ بسرِّنا الطَّرُقا
ما أبين حذق هذا الشاعر في هذين البيتين إذ ذكر أنَّها استكتمت خلخالها سرَّها فلم ينطق لأنَّ من سبيلهم مدح الامرأة بصمت الخلخال والسّوار لامتلاء السَّاق والذّراع وجولان الوشاح لدقَّة الخصر فذكر أنّها استكتمت خلخالها فلم ينطق لامتلاء ساقها فلمَّا هب النَّسيم ذاع سرُّ زيارتها لرائحة الطيب في الطريق الَّتي مشت فيها، ومثله لمُسلم:
إذا ما مشتْ خافتْ نميمةَ حلْيِها تُدارِي على المشيِ الخلاخلَ والعِطْرا
ومن مليح هذا وجيّده قول الصّنوبريّ:
قلْ لطَيفٍ سرَى فحيَّا المطيَّا مُغرمًا بي وكانَ قبلُ خليَّا
هكذا كلَّما مضَى اللَّيلُ تَمضي ليتَ ذا اللَّيلَ لا يُطيق مُضيَّا
كلَّما زُرتِ زورةً في خفاءٍ وأرَى البدرَ لا يكونُ خفيَّا
نبَّهَ الطِّيبُ والحليُّ علينا فاهجُرِي الطِّيبَ طيبَها والحليَّا
ومثل هذا للعبَّاس بن الأحنف وقد جوَّد:
قلتُ الزِّيارةَ قالت وهيَ ضاحكةٌ اللهُ يعلمُ فيها كُنْهَ إضماري
فكيف أصنعُ بالواشينَ لا سَلِموا والعنبرُ الوردُ يأتيهمْ بأخْباري
مثله للنّوبختيّ:
[ ١ / ٧٣ ]
إذا كتمتْ زيارتَها أذاعَ الطِّيبُ ما كتمتْ
فأنْطقَ ألسُنَ الواشِي نَ لا كانتْ ولا نطقتْ
وأجود من كلِّ ما ذكرنا قول البعيث:
إذا هيَ زارتْ بعدَ شحطٍ منَ النَّوَى وشَى نشرُها لا مسكُها وعبيرُها
هذا جعل نشرها أذكى من المسك والعبير وهذا النهاية، وما أقربه من قول امرئ القيس وإن لم يكن هذا المعنى بعينه:
ألمْ ترَ أنِّي كلَّما جئتُ طارقًا وجدتُ بها طيبًا وإن لمْ تطيَّبِ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
أسألتَ مغنَى دِمنةٍ وطُلولاَ جرَّتْ بها عصُفُ الرِّياحِ ذُيولا
قطعًا تموجُ على المِتانِ بحاصبٍ موجَ الخَبابِ وعاصفًا منخُولا
بالأبرَقَيْنِ تبينُ عن عَرصاتها رسمًا كآيات الكِتاب مُحيلا
فثنَى عليَّ صبابةً عِزمانُها من بعد ما همَّ الفؤادُ ذهُولا
ولقد رأيتُ بها أوانسَ كالدُّمَى يرفُلْنَ من سرِقِ الحرير فضُولا
ثمَّ انتحينَ ولم يقلنَ ولَو بِنا أخلَيْنَ إلاَّ جائزًا وجميلاَ
ظلَّ الحديثُ كما تَساقَى رِفقةٌ صِرفًا مُشعشعةَ الزُّجاج شَمولا
شُمُسًا يدعنَ ذوي الجلادةِ كلَّهم دنِفَ الفؤادِ وما يدِينَ قتيلا
ويرَيْنَ قتلَ المسلمين بلا دمٍ حِلًاّ لهنَّ وما طلبنَ ذُحولا
طرقتْ أُميمةُ هاجعًا لعبتْ به قُلُصٌ تعسَّفُ سبسبًا مجهولا
أنَّى اهتديتِ ولم يدعْ نائِي الهوَى والكاشحون إلى اللّقاءِ سبيلا
أمَّا قوله: " ولقد رأيت بها أوانس " البيت، فإنَّه وصفهم بالجدَة واليسار وأنهنَّ لا يفتكرن في الثياب إذا سحبنها، ومثله قول ابن المعتزّ:
وقَصريَّة الأطرافِ حُمر بنانُها تُهينُ ثيابَ الخزِّ جرًّا وتسحابا
وقد استقصينا الكلام على هذا البيت وأتينا بنظائره في كتابنا المسوّم في شعر ابن المعتزّ والتنبيه على معانيه.
وقال ابن الدُّمَيْنة:
متَى الدَّينُ يا أُمَّ العلاءِ فقد أنَى أناهُ مؤدًى للغريمِ المُطالبِ
لقد طالَ ما اسْتَنْسَأْتِ إمَّا لتظلِمِي وإمَّا لأرضَى بالقليلِ المقاربِ
فكيف عزاءُ القلب عنها وحبُّها يزيدُ إذا ما ماتَ وصلُ الكواعبِ
وله أيضًا:
خليليَّ مُرّا مُصعِدَين فسلِّما على نسوةٍ دون الأراكِ مِلاحِ
فإنْ أنتما كلَّمتماهنَّ فاشْكوا ضنى بدنٍ يزدادُ كلَّ صباحِ
لقد تركتْني ما أعي لمحدِّثٍ حديثًا ولا أروى ببرد قَراحِ
وله أيضًا:
أنخْنا قَلوصيْنا وأرسلتُ صاحبي على الهوْلِ يخفى مرَّةً ويزولُ
فلمّا أتاها قال ويحك نوِّلي محبًّا له قلبٌ عليكِ عليلُ
فقالتْ يمينَ الله لو أنَّ نفسه على الكفِّ من وجدٍ عليّ تسيلُ
لأنْفعَهُ شلَّتْ إذا نفعْتُه بشيءٍ وقد حدِّثتُ أين يميلُ
وله:
وإنِّي لفي شكٍّ وما من عمايةٍ من الشكِّ إلاَّ سوف تُجْلى همومُها
يهيجُ عليَّ الشَّوقَ نوحُ حمامةٍ مُطوَّقةٍ يُردي المحبَّ نئيمُها
وإن لم يهجْهُ هيَّجتْهُ مُخيلةٌ يراها بأعلام الحمى من يشيمها
مضتْ حقبةٌ قد شطَّتِ الدَّار غَربةً بظمياء تبدو بالنَّهارِ نجومُها
فوالله لا أدري إذا ما حمدتُها علامَ ولا في أيِّ ذنبٍ ألومُها
نأتْ ونأيْنا ثمَّ لم ندْرِ إذ نأتْ أنقطَعُ أسبابَ الهوَى أم نُديمُها
وله:
أرى غدْرُ ليلى يا خليليَّ حاملي على غدْرةٍ ما كان قلبي يريدُها
لقد غدرتْ إنّا إلى الله بعدما وفيْنا وعُقبى كلّ يومٍ نريدُها
له:
فلو كنتُ أدري أنَّ ما كان كائنٌ حذِرْتُكِ أيّامَ الفؤادُ سليمُ
ولكنْ حسبْتُ الهجرَ شيئًا أطيقُه ولم أدْرِ أنّ الخطبَ فيه عظيمُ
أخا الجِنِّ بلَّغْها السَّلامَ فإنَّني من الإنسِ مزوَرُّ الجناح كتومُ
أخا الجنّ لا ندْري إذا لم يُدِمْ لنا خليلٌ صفاءَ الوُدِّ كيف نُديمُ
ولا كيف بالهجران والقلبُ آلِفٌ ولا كيف يرضى بالهوان كريمُ
وله:
خليليَّ زورا بي أميمةَ فاجْلوا بها بصري أو غمرةً من فؤاديا
فإنْ لا تزورا بي أميمة تعْلَما غداةَ غدٍ أن لا أخا لكما بِيا
ألا يا قطاتَي سدرة الماءِ بلّغا أميمة عنّي واحْفَظا قيلَها لِيا
وله:
إلى الله أشكو لا إلى النَّاس أنَّني قريبٌ وأنِّي حاضرٌ لا أزورُها
وأنّي إذا ما جئتُ بيتكِ أرْشقَتْ إليّ بصيراتُ العيون وعورُها
وله:
وواضحةِ المقلَّدِ أمِّ خِشْفٍ تذكّرُني سُليمى مُقلتاها
إذا نظرتْ عرفتُ النَّحرَ منها وعينَيْها ولم أعرف سواها
صددْتُ بصُحبتي أن يذعرُها بمحْنيَةٍ ترودُ إلى طلاها
كرِهْنا أنْ نروِّعَها وقلنا أشلَّ الله كفّي من رماها
وله:
وبيضٍ كالظِّباء منعَّماتٍ يصدْنَكَ جهْرةً غيرَ اغْترارِ
إذا حاولنَني فأصدْنَ قلبي جعلْتُ الوُدَّ منهنَّ انتصاري
وصرَّفْتُ الحديثَ لهنَّ حتَّى أُصافي وُدَّهنَّ على اقْتدارِ
فإنْ تكنِ الحوادثُ وقَّرَتني وعدَّى الشَّيبُ عن طلب الجواري
فقد عاودْتُهنَّ ثيابَ لهوٍ لبسناهُنَّ في المحرومِ عاري
لياليَ لا يغيِّرُ حبَّ ليلى غنائي إنْ غنيتْ ولا افْتِقاري
وله:
وأعرِضُ عن أمّ البخيل وأتَّقي عيونَ العِدى حتَّى كأنّي أُهينُها
وفي القلبِ من أمّ البخيل ضمانةٌ إذا ذُكرتْ كان الجبينُ يُبينُها
أتتْنا بريَّاها جَنوبٌ مريضةٌ لها برْدُ أنفاس الرِّياح ولينُها
من المُشرَبات المُزنَ هيفٌ كأنّها بمسكٍ وبردِ وهيَ لُدْنٌ متونُها
تطلَّعُ ملءَ الغورِ غوْرَيْ تِهامةٍ بريحٍ ذكيّ المسك فُضَّ حصينُها
وله أيضًا:
أعَيْنيَّ ما لي لا نأمْتُ ببلدة من الأرضِ إلاَّ كان دمعي قِراكُما
أعينيَّ أغْنى أمّ ذي الطَّوقِ عنكما بنونَ ومالٌ فانْظرا ما غِناكما
ألا قد أرى والله أن قد قذيتُما بمن لا يبالي أن يطولَ قذاكُما
أعينيَّ مهْلًا أجْملا الصَّبرَ تحظيا فقد خِفتُ من طول البكاء عماكما
وله:
دعوتُ إلهَ النَّاس عشرين حجّةً نهارًا وليلًا في الجميع وخاليا
بأنْ يبتلي ليلى بمثلِ بليَّتي فيُنْصفني منها لتعلمَ حاليا
فلم يستجبْ لي الله فيها ولم يُفِقْ هوايَ ولكنْ زيدَ حتَّى برانيا
فيا ربِّ حبِّبْني إليها وأشْفني بها أو أرِحْ ممّا يُقاسي فؤاديا
وله:
عفا الله عن ليلى وإنْ سفكت دمي فإنّي وإن لم تجْزِني غيرُ عاتبِ
عليها ولا مبُدٍ لليلى شكيَّةً وقد يشتكي المُشكَى إلى كلِّ صاحبِ
يقولون تُبْ من حبّ ليلى وودِّها وما أنا من حبّي لليلى بتائبِ
وله:
وإنّي لأرْضى منكِ يا ليلُ بالذي لوَ ابْصَره الواشي لقرَّتْ بلابلُهْ
بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنى وبالوعْدِ والتَّسويف قد ملَّ آملُهْ
وبالنَّظرة العَجْلى وبالحول تنقَضي أواخرهُ لا نلتقي وأوائلُهْ
وله:
يقولون ليلى بالمغيبِ أمينةٌ له وهوَ راعٍ سرّها وأمينُها
فإنْ تكُ ليلى اسْتودعتني أمانةً فلا وأبي ليلى إذًا لا أخونُها
أَأُرضي بليلى الكاشحينَ وأبْتغي كرامةَ أعدائي بها وأُهينُها
معاذةَ وجهِ الله أن أُشمتَ العِدى بليلى وإنْ لم تجزِني ما أدينُها
وله:
إلى أيّ حينٍ أنتَ ضاربُ غمرةٍ من الجهلِ لا يُسليكَ نأيٌ ولا قُرْبُ
تَهيمُ بليلى لا نوالٌ تُنيلُه ولا راحةٌ ممَّن تذكُّرُه نصْبُ
هواها خبالٌ عاد مكنونُه جَوًى ومرْعاهُ باغي الخير من وصلها جدْبُ
وهجرُ سُليمى مستَبينُ طريقُه ومسلكُه أمرٌ إذا رُمتَهُ صعْبُ
وعائبةٍ سلمى إلينا وما لنا إليها سوى الوصلِ الَّذي بيننا ذنْبُ
ولا تستوي سلمى ولا من يعيبُها إلينا كما لا يستوي الملْحُ والعذْبُ
وله:
أبلغْ سلامةَ أنّي لستُ ناسيها ولا مطيعٌ بظهر الغيب واشيها
يا لَيتنا فرد وحْشٍ نعيشُ معًا نَرْعى المِتانَ ونخْفى في فيافيها
وليتَ كُدْرَ القطا حلَّقنَ بي وبها دون السَّماءِ فنخْفى في خوافيها
قد حالَ دونَ سُليمى معشر قزَمٍ وهم على ذاك دوني من مواليها
أكثرتُ من ليتَني لو كان ينفعُني ومن مُنى النَّفسِ لو تُعطى أمانيها
إنَّ الفؤادَ ليَهوى أنْ أُناقِلَها رجْعَ الكلامِ وإن عارتْ أدانيها
ودونها قومُ سوءٍ ينذرون دمي فالموتُ إتيانُها والموتُ هجْريها
يا قاتلَ الله سلمى كيف تُعْجبني وأخْبِرُ النَّاس أنّي لا أُباليها
إنّي ليأخذُني من حبّها عَرَصٌ عند الصَّلاةِ فأنسى أن أصلِّيها
لنَظْرةٌ من سُليمى اليومَ واحدةٌ أشهى إليَّ من الدُّنيا بما فيها
أما قوله " يا ليتنا فردا وحش " البيتين، فهو معنى قد اشترك فيه عدّة
[ ١ / ٧٤ ]
من الشعراء وما أقلَّ زيادة بعضهم على بعض فيه، أكثرهم يسأل ربَّه أن يجعله والَّتي يحبّ جملين أجربين يطردان عن المياه ويقذفان بالحجارة عن المناهل وبعضهم يتمنَّى أن يكون غزالًا والَّتي يهوى ظبيةً في برّيّة خساف حيث لا يراهما أحدٌ ولا يسمع لهما خبرٌ، وهذا أصلح أمنيةً من الأول إلى أشياء كثيرة من هذا النوع ونحن نذكر بعضها، فممّن تمنّى أن يكون جملًا والَّتي يحبّ ناقةً الفرزدق:
ألا ليتَنا كنّا بعيرَينِ لا نَرِد على منهلٍ إلاَّ نُشَلُّ ونُقذفُ
كلانا به عَرّ يُخاف قِرافُه على النَّاس مطليُّ المشاعر أخشفُ
ويا ليتنا كنّا جميعًا بقفرةٍ من الأرض لا يجتازُها المتعسِّفُ
ولا زاد إلاَّ فضلتان سُلافة وأبيضُ من ماءِ المدامة قرقَفُ
وأشلاء لحمٍ من حُبارى يصيدها إذا نحن شئنا صائد متألِّفُ
ومثله لآخر:
ألا ليتنا والله من غير ريبةٍ بعيرانِ نرعى القفر مُؤتلفانِ
إذا ما أتينا حاضرًا صاح أهلُه وقالوا بعيرا عُرّةٍ جَرِبانِ
فأمّا الَّذي أشبع هذا المعنى وتمنَّى فيه الأماني الطريفة فكُثيِّر بقوله:
ألا ليتنا يا عزَّ كنّا لذي غِنًى بعيرَينِ نرْعى في الخلاءِ ونَعْزُبُ
نكونُ بعيرَي ذي غِنًى فيُضيعُنا فلا هو يرعانا ولا نحنُ نُطلبُ
كلانا به عُرٌّ فمن يرَنا يقُلْ على حُسنها جرْباءُ تُعْدي وأجرَبُ
إذا ما وردْنا منهلًا صاحَ أهلُه علينا فما ننفكُّ نُرْمى ونُضربُ
وددْتُ وبيتِ الله أنّكِ بكْرَةٌ هجانٌ وأنّي مُصعبٌ ثمَّ نَهْربُ
[ ١ / ٧٥ ]
والَّذي دعا الشعراء إلى هذه المعاني حتَّى تمنَّوا أن يكونوا جِمالًا جرِبة وغير ذلك من الأماني الَّتي لا يريدها النَّاس التَّفرُّد وأن لا يأخذهم أحدٌ للجرب الَّذي بهم لأن العرب لا تبغض شيئًا بغضها الجرب ولا تحذر من شيء حذرها منه، وقال آخر في هذا المعنى وإن لم تكن أمنيَّته أن يجعله الله جملًا أجرب ومن يخوى ناقةً جرباء:
ألا ليتَ أنِّي والَّتي لا تُحبُّني وحبِّي لها باقٍ إلى يوم أُرمسُ
غزالانِ جوالانِ في صحنٍ مهمهمٍ وليس به من سائرِ النَّاس مُؤنسُ
مثله:
ألا ليتنا يا مَيّ في رأس شاهقٍ من الطَّود لا يعلُوه كلُّ سحابِ
ويُسدي لنا ربُّ السَّمواتِ رزقنا فأرزاقُه تأتي بغير حسابِ
مثله لآخر:
ليتَ أنِّي والَّذي أهْ واهُ في فجٍّ عميقِ
حيثُ لا يبلُغُنا الرَّع دُ ولا لمعُ البُروقِ
لا ولا يعرفُ مخلُو قٌ لنا سمتَ طريقِ
زادُنا طِيبُ صبوحٍ من لئامٍ وغبوقِ
فذكرنا من هذا المعنى ها هنا ما فيه مقنَع ولا بدَّ من ذكرنا منه في أضعاف الكتاب.
أما قول ابن الدُّمَيْنة: " إنِّي ليأخذني من حبّها " البيت، فهو مأخوذ من قول ذي الرُّمَّة:
[ ١ / ٧٦ ]
أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتُها أثنتينِ صلَّيتُ الضُّحى أم ثمانيا
وما بيَ إشراك ولكنَّ حبَّها مكان الشّجا أعيا الطَّبيبَ المُداويا
وإليه نظر ابن الأحنف بقوله:
أُصلِّي فأهْذي في الصَّلاةِ بذكرِها ليَ الويلُ ممَّا يكتبُ الملَكانِ
أُريدُ لأنْسَى ذكرَها فكأنَّما تمثَّل لِي فَوز بكلِّ مكانِ
هذا البيت بأسره لكثيِّر وهو:
أُريدُ لأنْسَى ذكرَها فكأنَّما تمثَّلُ لِي ليلَى بكلِّ سبيلِ
وما ندري ما دعا العبَّاس مع ظرفه وأدبه وصلاحيَّة شعره إلى أخذ بيت كثيِّر بأسره من غير تضمين ولا جهل منه.
[ ١ / ٧٧ ]
و(*) لمحمد بن عبد الملك الزيَّات في هذا المعنى:
أُصلِّي إلى الوجه الَّذي تسكنينَه وإن لم يكن سمتا لقصد صلاتيا
وأجعلُ تسبيحي دموعًا أسرُّها عليكِ وإدمانَ الحنين قُرانيا
وشبيه بهذا المعنى قول عبَّاس المَصِّيصيّ يهجو إمامًا:
إذا صلَّى بنا بكر بن يحيى تفكَّرَ في الَّذي يقْرا سِنينا
ويشغله الهوَى عنَّا فيأتي بلفظٍ يُخرج الدَّاءَ الدَّفينا
وربَّتما تفكّرَ في الغواني فأنَّ وأتبعَ النَّفَسَ الحنينا
لقد حُرمتْ بلادٌ صارَ فيها إمامًا واللّصوصُ مؤذِّنينا
وله مثله:
إذا صلَّى بنا عُمرُ فليسَ تُطيعُه السُّوَرُ
تراهُ إذا تقدَّمنا وقد دارتْ به الفِكرُ
يئنُّ أنينَ ذي شَغَف بظبيٍ زانَهُ الحَوَرُ
وليس بعاشقٍ أحدًا ولكنْ همُّه البِدَرُ
وقال ابن الدُّمَيْنة:
ألا خليليَّ اتْبَعاني لتُؤجَرا ولنْ تكسِبا خَيرًا منَ الحمدِ والأجرِ
فقالا اتَّقِ اللهَ الجليلَ فإنَّما تُصَلِّيك أسبابُ الهوَى وهَجَ الجمرِ
فقلتُ أَطيعاني فليس عليكما حسابي إذا لاقيتُ ربِّي ولا وِزرِي
أتحرقُني يا ربِّ إنْ عُجتُ عَوجةً على رَخصةِ الأطرافِ طيِّبةِ النَّشرِ
ضِناكِ مَلاثِ الدّرعِ أمَّا وشاحُها فيَجري وأما الحليُ فيها فلا تجرِي
وأنذرُ للرَّحمن ما كنتُ آثِمًا فهلْ أنتَ يا ربَّ العُلى قابلٌ نذرِي
صيامًا وحجًّا ماشيًا وهديَّةً أُوافي بها يومَ الذَّبائحِ والنَّحرِ
قال الزبير: كان ابن الدُّمَيْنة مع غزله ورقَّة شعره فارسًا شجاعًا وقتل في الحرب الَّتي كانت بين خثعم وسلول، وهو كان الأصل فيها، وذاك أنَّ مزاحم ابن عمرو السلولي كان يهوى حماء بنت مالك امرأة ابن الدُّمَيْنة ويُكثر زيارتها والخلوة معها ثمَّ إنَّها هاجرته لشيء وقع بينهما فقال يهجوها ويعرِّض بابن الدُّمَيْنة:
يا بنَ الدُّمَيْنة كم من طعنةٍ نَفَذٍ يعوِي خلافَ انتزاعِ الجَوفِ عاويها
جاهدتُ فيكم بها إنِّي لكم ولدٌ أبغِي مساويَكم قِدمًا فآتيها
بآيةِ الخالِ منها دون سُرَّتها وفوقَ رُكبتها في وقت آتيها
وشهقةٍ تعتَريها عند لذَّتها لكيَّةٍ أُنضجتْ لا شلَّ كاويها
فنمى هذا الشعر فبلغ ابن الدُّمَيْنة فقال لامرأته: يا جمَّاء قد بلغني أنَّ مزاحمًا يأتيك ويقول الشِّعر فيك، فأنكرت ذلك، فقال لها: أُعْطي الله عهدًا إن لم تمكِّني منه لأقتلنَّك، فعلمت أنَّه سيَفي، فصالحت مزاحمًا وواعدته، فجاءها ليلًا فكلَّمها وهي في مظلَّتها وابن الدُّمَيْنة معها فلم تكلِّمه، فقال: الخفر اللَّيلة يا جمَّاء، فقالت بصوت ضعيف: أُدخل، فدخل وأهوى بيده إليها فأخذت يده فوضعتها في يد ابن الدُّمَيْنة، فقبض عليه - وكان ابن الدُّمَيْنة أيِّدًا - وتركه تحته وكان قد أعدَّ ثوبًا فيه بطحاء من الرَّمل كثيرة الحصى ليقتله بها خوفًا أن يظهر فيه أثر السلاح فيُطلب بدمه ورجاء أن ينكتم خبره، فما زال يضرب بالبطحاء بطنه حتَّى قتله، ثمَّ أخذ قطيفةً كانت له وجعلها على وجه جمَّاء وحبس عليها حتَّى ماتت وقال:
إذا قعدتُ على عِرنين جاريةٍ تحت القطيفة فادْعُوا لِي بحفَّارِ
فبكت بنيَّةٌ كانت لها من ابن الدُّمَيْنة فأخذها وضرب بها الأرض، فقال متمثّلًا: " لا تتَّخذ من كلب سَوءٍ جَرْوا " ثمَّ دفن امرأته وابنته وأخرج مزاحمًا فطرحه ناحيةً من مظلَّته وقال:
لكَ الخيرُ إنْ واعدتَ جمَّاء فالْقَها نهارًا ولا تدلج إذا اللَّيلُ أظْلَما
فإنَّك لا تدرِي أبيضاءَ طَفلةً تُعانقُ أمْ لَيثًا من القومِ شَدْقَما
فلمَّا سرَى عن ساعديَّ ولمَّتي وأيقنَ أنِّي لستُ جمَّاء جَمْجَما
قال: وأصبح أهل مزاحم يقفون أثره حتَّى وقعوا عليه قتيلًا فبحثوا عن الخبر حتَّى وقفوا على صحَّته وعلموا أنَّ ابن الدُّمَيْنة قتل صاحبهم فوقعت الحرب بينهم لذلك ومكثتْ مدَّة طويلة وقُتل من الفريقين جماعة ثمَّ اصطلحوا، وكان لمزاحم أخٌ يقال له مصعب بن عمرو وكان لمَّا قُتل أخوه مزاحم صغيرًا فقالت أُمُّه تذكُر قتل ابنها مزاحم وترثيه:
بنفسي ومالي ثمَّ عمِّي ووالدي قتيلُ بني تَيْمٍ بغير سلاحِ
فلا تطمعوا في الصّلح ما دمتُ حيَّةً ودام صحيحًا مصعب بن جناحِ
تريد بجناح جدَّها. قال مصعب بن عمرو، وهو قاتل ابن الدُّمَيْنة: لمَّا كبرت قالت لي أُمِّي: إذهب فاقتُل ابن الدُّمَيْنة قاتل أخيك فإنَّه يهجو قومك وقد طُلَّ دم أخيك، قال: وكان ابن الدُّمَيْنة قد قال يهجوهم:
وطئتُ على أعناقِ قيسٍ فما شكتْ هواني ولا أحفَى محرّكها نَعْلِي
وقيسٌ كثَعْل العنْز لم أرَ مِثلَه أذلَّ ولا أخفَى مكانًا من الثَّعْلِ
قال مصعبٌ: فخرجت وأنا لا أعرف ابن الدُّمَيْنة وكان ينزل تبالةَ فلقيتُ رجلًا من بني نمير يريد تبالة فقال: ويحك يا مصعب من تريد؟ قلت: ابن الدُّمَيْنة أقتلُهُ، قال: لست من رجاله، قلتُ: عليَّ ذاك ولكن لستُ به عارفًا، فقال النّميريّ: فأنا أدخل السُّوق واتبعني فأوَّل من تراني أعانق فهو ابن الدُّمَيْنة فدونكه إن كان عندك خيرٌ، قال: فدخلنا السوق وكان أوَّل من لقينا فعانقه النّميريّ وتأمَّلته فإذا هو أحسن رجال العرب وأجملهم وأفصحهم، فلمَّا رأيته هبتُه ثمَّ إنِّي تحاملت فأضربه بسكين كانت معي وقد أخذت بمنكبه فأمسكني النَّاس وأخذوا السكين من يدي فأرسلت ثيابي في أيديهم وأخذت شفرة من قصاب فأدركته وقد كاد يدخل منزله فأضربه بالشفرة فما فارقته أغلغلُها في جوفه وقد غابت إلى النّصاب ثمَّ تركتها في جوفه وقد غابت وخرجت أعدو إلى دارٍ فدخلتها وأخذوني منها وحبسني السلطان بتبالة، ولبث ابن الدُّمَيْنة ليلة ومات فخشيت أن أُقتل به فكتبت إلى بني عمِّي من الحبس:
إذا نبحتْ كلابُ السّجن ليلًا هفا قلبي وهشَّ لها فؤادي
طَماعةَ أن يدقَّ السّجنَ قومي وخوفًا أن تُبيِّتَني الأعادي
فما ظنِّي بقومي ظنّ سَوءٍ ولا أن يُسلموني في البلادِ
وقد جدّلتُ قاتلَهم فأمسَى يمجُّ دمَ الوتين على الوسادِ
فلمَّا انتهى هذا الشعر إلى قومي طرقوني ليلًا فكسروا الباب وأخرجوني وطُلَّ دمُ ابن الدُّمَيْنة.
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هنا عدة صفحات لا تجد لها رقما لأنها موجودة بالكتاب الإلكتروني (الأصل) وليس في المطبوع (المنتخب) باختيار د: محمد علي دقة
[ ١ / ٦٥ ]
قال الأصمعيّ: في الفَرس اثنان وعشرون اسمًا من أسماء الطَّير: الفَرْخ والهامَة والحرّ والنَّعامة والصُّرَد والسّمامة والفَراش والخشاش والصُّلصل والصَّداة والناهض والحدأة والرَخَم والقَطاة والخطَّاف والنسور والخَرَب والعصفور والدَّجاجة والغراب والذباب والعُقاب؛ فالفرخ من الفَرس الدّماغ والهامة وعاؤه والحرّ وهو ذكر الحمام عروق في أديمه والنَّعامة أمُّ رأسه والصُّرَد عرق في أصل لسانه والسَّمامة من الطَّير شبيهة بالعقعق دائرة في عنقه والفراش دود يطير في اللَّيل أجنحتها شبيهة بالنار يقال لها اليراع وهي أيضًا نار الحُباحب وهو ما دقَّ ورقّ من عظام رأس الدَّابَّة والخشاش وهو الدِّيك عظم خلف أُذنه والصلصل وهو الصداة أصل أُذنه أيضًا والنَّاهض وهو فرخ الصَّقر رأس المنكب والحدأة السالفة والرخم عضل السَّاقين والفخذين والقَطاة مَقعد الرِّدف والخطَّاف موضع عقبي الفرس والنُّسور في باطن الحافر مثل أظلاف الغزال والخرب دائرة في جاعرته والعصفور دائرة بين عينيه والدَّجاجة لحم زَور الفرس والغراب مجمع الوركين والذّباب ناظر العين والعقاب روح الفَرس.
قال الأصمعي: وقد ذكرت الشعراء هذه الأسماء في أشعارها فمن ذلك في الصلصل والعصفور والخطَّاف:
سِبط الصلصل طِرفٌ سابحٌ بيِّنُ العصفور والخطَّاف نهدُ
وقال آخر في النَّعامة والفَراش والصُّرَد:
خفيف النَّعامة ذو مَيعةٍ كثيف الفراشة صافي الصُّردْ
وقال آخر في الذّباب والجراد:
يزور بنا الجراد إذا أمِنَّا ويَرمي بالذّباب إذا نُراعُ
وقال آخر في الحدأة والعُقاب والخَرَب:
طويل الحِدَاة سليم الشَّظَى شديد العُقاب عريض الخَرَبْ
وقال آخر في الغراب:
غدَونا بطرفٍ له مَيعةٌ متينِ الغراب مُطارٍ طمِرّْ
وقال آخر في الدّيك والسّمامة والحرّ والدّجاجة:
ظاهر الدّيك والسّمامة والحُ رّ وثير الدّجاج كالجلمودِ
وقال آخر في الناهض:
حسَن المِشية صافٍ لونُهُ مُدمج النَّاهض ذو شدٍّ عَجبْ
وقال آخر في الفرخ والهامة والخشاش:
له منخرٌ رحبٌ وفرخٌ وهامةٌ مُلَمْلَمةٌ فوق الخشاش صلودُ
وقال آخر في النسور:
له حافر مثل قعب الوليدِ يكِنُّ نُسورًا تُشَظِّي الصُّخورا
وقال آخر في القطاة والصداة:
وقطاة لم يخُنْها متنُهُ وصداةٌ تسمعُ الرّكْزَ الخفيَّا
حدَّثنا ابن دريد عن عمّه عن ابن الكلبي قال: حدثني أبو زفير الكلبيّ قال: دخل عديّ بن الرِّقاع العامليُّ على عبد الملك بن مروان وعنده رجلٌ من كلب يقول الشِّعر يقال له شبيل بن الحنبار فقال شبيل: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ابن الرِّقاع، قال: الرِّقاع الَّتي تكون في السِّقاء؟ قال: لا، هذا العامليُّ، قال: الَّذي يقول الله ﷿:) عاملةٌ ناصبةٌ تصلَى نارًا حاميةً (فضحك عبد الملك ثمَّ قال لابن الرِّقاع: أنشدْني فأنشده شعرًا شبَّه نفسه فيه بالحيَّة:
نشَا مُستسرًّا بينَ هضبٍ هشيمةٍ وبينَ حَبارٍ عُدْمُلِيٍّ تهدَّما
إذا اكتحلتْ عينُ البصيرِ برأيهِ بدَاه بذعرٍ قبل أن يتهضَّما
أسلّ سماويٌّ كأنَّ لسانَه أُسِفَّ سواديًّا من الكُحل أسحما
إذا خافَ خوفًا أضمرتْه بلادُهُ كما يُضْمر الصَّدرُ الحديثَ المُكتَّما
فاعترض عليه شبيل فقطع شعره فقال:
لك الويلُ هلاَّ كنتَ شبلًا لأجْفَر تشبَّهتَ أو ليثًا بخفَّانَ ضَيغما
فشبَّهتَ ما لا يرفع الدَّهرَ بطنَه عن الأرضِ إلاَّ ما حبَا وتقحَّما
فقال ابن الرِّقاع:
وفي النَّاس أشباه كثير ولم أكنْ لأُشبِه شرًّا من شبيل وألأما
تشبَّهتُ ما لو عضَّ شبلَ بن حنبر لظلَّ شبيل يسلَح الماء والدَّما
فانقطع شبيل وغلبه ابن الرِّقاع.
أعرابيّ:
سرتْ نحوِي عقاربُهُ وليستْ بضائرةِ الدَّبيب ولا السّمامِ
ليبعَثَني على عِرضٍ حلالٍ وأبعثَهُ على عرضٍ حرامِ
من هذا أخذ عليّ بن الجهم قوله في ابن أبي حفصة:
بلاءٌ ليس يُشبهه بلاءٌ عداوةُ غيرِ ذي حسبٍ ودِينِ
يُبيحُك منه عِرضًا لم يصنْهُ ويرتعُ منك في عرضٍ مَصونِ
وقريب منه قول الآخر:
ثالَبَني عمرٌو وثالبتُه فأُثِّمَ المثلوبُ والثَّالبُ
قلتُ له خيرًا وقال الخَنا كلٌّ على صاحبِهِ كاذبُ
جحظة قال: قال لي بعض إخواني: رأيت إنسانًا يشتم مخنَّثًا أقبح الشَّتم والمخنَّث يُجيبه من المدح والتفضيل له بأحسن ما يكون، فلمَّا طال الأمر بينهما التفت المخنَّث فقال لي: يكذب - وحياتك - عليَّ وأكذبُ عليه، فضحكت سائر يومي من قوله.
[ ١ / ٦٦ ]
أعرابيّ من ربيعة:
طلابُ العُلى بركوب الغررْ ولا ينفع الحذِرين الحذرْ
وقد يُنكبُ المرءُ من أمْنِه ويأمنُ مكروهَ ما ينتظرْ
ولمَّا التقتْ حلقاتُ البطان ودرَّ سحابُ الرَّدَى فاكفهرّْ
وأقبلَ والنَّقع بادِي القَتام من الشَّرِّ يومٌ شديدٌ شِمِرّْ
لبستُ لبكرٍ وأشياعها وقد حمِس النَّاسُ جلد النَّمرْ
فأوردتُهم مَوردًا لم يكنْ لهم عنهُ إذ وردوهُ صدَرْ
فولّوا شلالًا ولا يعلمونَ أمرْخٌ خيامُهم أم عُشرْ
عباديد شتَّى أيادي سَبا يسوقهمُ عارضٌ منهمرْ
إذا الغرُّ روَّعه ذعرُهُ ثناه إلى الحربِ كهلٌ مِكَرّْ
فمن بين ثاوٍ بصُمِّ القَنا وآخر في قدِّه مقتشِرْ
وراضتْ ربيعةُ بِي صعبةً من الحربِ أحجمَ عنها مُضرْ
ومَن رامَ بالخفضِ نيلَ العُلى فقد رام منه مرامًا عسِرْ
وما الحزمُ إلاَّ لمستأثِرٍ إذا همَّ بالأمرِ لم يستشرْ
وإنِّي لأصفحُ عن قُدرةٍ وأعذُب حينًا وحينًا أُمِرّْ
ويُعجم عُودي إذا رابَني من الدَّهرِ ريبٌ فلا ينكسرْ
وأجْزِي القُروض بأمثالها فبالخيرِ خيرًا وبالشَّرِّ شَرّْ
لهذه الأبيات نظائر كثيرة إلاَّ أنَّها من النظائر الَّتي تتَّسع وشرطنا أن لا نورد ما كان كثيرًا معروفًا إلاَّ القليل، فمن ذلك قوله: " طلابُ العُلى بركوب الغرر " أخذه أبو تمَّام فقال:
رَكوبٌ لأَثباج المتالف عالمٌ بأنَّ المعالي دونهنَّ المهالكُ
وأمَّا قوله: " وقد ينكب المرء من أمنه " البيت، فمنه أخذ الآخر فقال:
توكَّل على الرَّحمن في كلِّ حاجةٍ طلبتَ فإنَّ اللهُ يقضِي ويقدرُ
وقد يهلكُ الإنسانُ من وجه أمْنِه وينجُو بإذن اللهِ من حيثُ يحذَرُ
وقريبٌ منه:
أَلا ربَّما ضاقَ الفضاءُ بأهله وأمكنَ من بينِ الأسنَّة مخرجُ
ومثله:
كم هالكٍ وسطَ الفَضا ءِ وسالمٍ بين الأسنَّهْ
ومثله:
كم فرجةٍ مطويَّةٍ لك بين أثناءِ النَّوائبْ
وغنيمةٍ قد أقبلتْ من حيث تُنتظر المصائبْ
ومثله:
لا تجزعنَّ فربَّما جُرّ السُّرورُ من الهمومِ
واعلمْ بأنَّك إنْ صبرْ تَ على صراطٍ مستقيمِ
ومثله:
قد يصحّ المريض من بعد سُقم ويُعافَى ويهلك العُوَّادُ
ويُصادُ القطا فينجو سليمًا بعد يأسٍ ويتلفُ الصيَّادُ
وقريب من هذا المعنى وليس هو من المتقدّم:
كم من عليلٍ قد تخطَّاه الرَّدَى فنجا وماتَ طبيبُهُ والعُوَّدُ
ونستقصي هذا المعنى في موضع آخر.
فأمَّا قوله: " إذا الغرّ روَّعه ذعره " البيت، فقد أخذه البحتري فقال:
يُهالُ الغلام الغِرّ حتَّى يرُدَّه إلى الهولِ من مكروهها الأشيبُ الكهلُ
ومثله لآخر:
لعمرك للشبَّانُ أسرعُ غارةً وللشِّيبُ إنْ دارتْ رحَى الحرب أصبرُ
والبيتان المتقدمان في هذا المعنى أتمّ وأجود.
وأمَّا قوله: " ومن رام بالخفض " البيت، فمثله لآخر وجوَّد:
ليس للخفض غير منخفض الهمَّ ةِ تُرضيه لامعاتُ السَّرابِ
والفتَى باركٌ بأفنيةِ المو تِ وفوقَ الأكوار والأقتابِ
وأمَّا قوله: " وما الحزم إلاَّ لمستأثر " البيت، فمثله لآخر:
وما العجز إلاَّ أنْ تشاور عاجزًا وما الحزم إلاَّ أنْ تهمَّ فتفعَلا
ومثله:
إذا همّ ألقَى بين عينيهِ عزمَهُ ونكَّبَ عن ذكر العواقب جانبا
وهو كثير جدًّا.
فأمَّا قوله: " وإنِّي لأصفح عن قدرة " البيت، فقد أخذه أبو عليّ البصير أخذًا قبيحًا فقال:
وإنِّي ألِينُ لمَن رامَني بلينٍ وأحْلُو وطورًا أُمِرّْ
أعرابيّ:
وإنِّي وعمرو يومَ برقة منشِد على كثرةِ الأيدي لمُؤتسِيانِ
أذقْنا وذُقْنا بالقَنا جُرعَ الرَّدَى فأكرِمْ بنا صبرًا على الحدثانِ
كلانا وَقور القلب في مستقرّه إذا طاشَ قلبُ المرءِ بالخَفَقانِ
إذا همَّ أنْ يلوِي أمَلْتُ عِنانَه وإنْ رُمتُ أنْ ألْوي أمال عِناني
أعرابيّ:
سرت نحوي عقاربه وليست بضائرة الدَّبيب ولا السّمام
ليبعثَني على عِرض حلال وأبعثَه على عرضٍ حرامِ
منه أخذ عليّ بن الجهم قوله:
يُبيحك منه عِرضًا لم يصُنْه ويرتع منك في عِرضٍ مصونِ
أعرابيّ:
بكى صاحبي لمَّا رأى الموتَ فوقَنا مظلاّ كإظلالِ السَّحاب إذا اكفهرّْ
فقلتُ له صبرًا جميلًا، فإنَّما يكونُ غدًا حسنُ الثَّناءِ لمن صبرْ
هذا مثل قول امرئ القيس:
بكَى صاحبي لمَّا رأَى الدَّربَ دونَه وأيقنَ أنَّا لاحقانِ بقيصَرَا
فقلتُ له لا تبكِ عيناكَ إنَّما نُحاولُ ملكًا أو نموتَ فنُعذرا
أعرابيّ:
هلْ خنتُ سرًّا أمينٍ كانَ يأمَنُني أمْ هلْ سمعتِ بسرٍّ كانَ لي نُشِرا
أمْ هل تلومنَّ أقوامًا إذا نزلوا أم هلْ تقولنَّ منهم سائلٌ أُسرا
نقريهم الوجهَ ثمَّ البذلَ نتبِعه لا نترك الجهدَ منَّا قلَّ أو كثُرا
قوله: " نقريهم الوجه " يقول: نلقاهم بالبشر وهذه استعارة حسنة طريفة. ولشعراء العرب وغيرهم من المولّدين في هذا المعنى شعر كثير قد كنَّا ذكرنا منه شيئًا ونذكر ها هنا شيئًا آخر وبعد هذا الموضع إن شاء الله أشياء أُخر لأنه كثير متّسع، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم المنقريّ:
ومُستنبِح بعد الهدوءِ دعوتُهُ وقد حانَ من نجم الشِّتاءِ خفوقُ
يعالجُ عِرنينًا من القرّ باردًا تلفُّ رياحٌ ثوبهُ وبروقُ
أضفتُ فلم أُفحشْ عليه ولم أقلْ لأحرمهُ إنَّ المكانَ مضيقُ
وقلتُ لهُ أهلًا وسهلًا ومرحبَا فهذا مبيتٌ صالحٌ وصديقُ
وضاحكتُهُ من قبلِ عرفانيَ اسمَهُ ليأنسَ إنِّي للكَسيرِ رفيقُ
وقمتُ إلى الكُوم الهواجدِ فاتَّقتْ مقاحيدُ كُومٌ كالمجادلِ روقُ
بأدماءَ مِرْباع النِّتاجِ كأنَّها إذا أعرضتْ دون العِشارِ فَنيقُ
بضرْبةِ ساقٍ أو بنجلاءَ ثرَّةٍ لها من أمام المنكبَيْن فَتيقُ
وقامَ إليها الجازرانِ فأوْفَدا يُطيران عنها الجلدَ وهيَ تفوقُ
فباتَ لنا منها وللضَّيف مَوْهنا شواءٌ سمينٌ راهنٌ وغبوقُ
وباتَ له دون الصَّبا وهْيَ قرَّةٌ لِحافٌ ومصقولُ الكساءِ رقيقُ
وكلُّ كريمٍ يتَّقي الذَّمَّ بالقِرَى وللخيرِ بين الصَّالحينَ طريقُ
لعمركَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلِها ولكنَّ أخلاقَ الرِّجال تضيقُ
ومن هذا المعنى قول الآخر:
لمْ تعلمِي يا قرَّةَ العَين أنَّني أُضاحكُ ضَيفي قبل ردَّ سلامهِ
وأُخرج عن بيتي كريمةَ قومها لأُهملهُ في البيتِ عند منامهِ
على الحالَتَين في مصيفٍ مصمّم وقرّ شتاءٍ يرتَمي بسهامهِ
ومثله للرَّاجز:
أَبسطُ وجهي للضُّيوف النُّزَّلِ والوجه عنوانُ الكريم المفضلِ
ومثله:
ولستُ مقطِّبًا وجهي إذا ما أتاني الضَّيفُ في اللَّيل المطيرِ
ولكنِّي أُضاحكه وأُثني عليه وإنَّني عينُ الفقيرِ
ومثله:
إذا ما أتاني الضَّيفُ واللَّيل مطبقٌ ونَوْء الثُّريَّا ذائب يتحلّبُ
تلقَّيتهُ بالبشر قبل نزوله وآثرتُهُ بالقُوتِ والعامُ مُجدبُ
ومثله:
كأنَّكِ لمَّا تعلَمي كيف شِيمتي إذا ما أتاني الضَّيفُ واللَّيل أليَلُ
ألستُ ضحوكَ السِّنّ والنَّار مُبكيًا رقاب المهارَى صائحًا يتبلَّلُ
ومثله:
أُضاحكُ الضَّيفَ وسيفي في يدي لساقٍ كوماءِ النّجاء جلعدِ
ومثله:
أُضاحكُ ضيفي قبلَ إنزال رَحْله ويُخصبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخصبُ للأضيافِ أن يكثُر القِرى ولكنَّما وجه الكريم خصيبُ
[ ١ / ٦٧ ]
أعرابيّ:
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي له مركبٌ فضلٌ فلا حملتْ رَحْلِي
ولم يكُ من زادي له نصفُ مزودي فلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا أهلِ
شريكان فيما نحن فيه وقد أرَى عليَّ له فضلًا بما نالَ من فضلِي
أعرابيّ يرثي ابنًا له:
لصقتَ بالقلبِ حتَّى كنتَ أسودَهُ وبالجوانحِ حتَّى كنتَ لِي كبِدا
فلستُ أدرِي وكلٌّ منك يخلِجُني أكنتَ لي مهجةً أمْ كنتَ لي ولَدا
أعرابيّ:
ألا يا هوَى ليلَى أفِقْ عن حشاشتي وهل حبُّ ليلَى عن صداك مُفيقُ
أما هو إلا الموت أومنك راحة أما بين بينِ الخليتن طريق
إعرابي:
وشى الناس حتى لو تمر بأعظمى على النعش قالوا مرزورًا على نعم
ولا نُعمَ إلاَّ أنَّ باقيَ وصلها على النَّأيِ مِثلٌ للمطيَّةِ والجسمِ
أعرابيّ:
ولمَّا رأيتُ البَينَ قد صدعَ العصا وفرَّق أُلاَّفًا شديدًا عويلُها
رفعتُ فأُنسيتُ الحمولَ الَّتي غدتْ بمطروفةٍ ينهلُّ بالدَّمعِ جُولُها
إذا نحنُ ذُدناها قليلًا تهلَّلتْ مدامعُها حتَّى يُخلَّى سبيلُها
أعرابيّ وصحب رجلًا فعدا على رحله فسرقه فقال:
فلو أنَّني صاحبتُ ثوبَ بن مالك وأدهم ما باتا يدبّان في رَحْلي
وما ضرَّني في صُحبتي غير أنَّني إذا أنا صاحبتُ امرأً خلتُهُ مِثلي
أعرابيّ:
خذوا الحقَّ لا أُعطيكم اليومَ غيرَه وللحقِّ إن لم تقبَلوا الحقَّ دافعُ
ولا الضَّيم أُعطيكم من أجل وعيدكم ولا الحقّ من بغضائكم أنا مانعُ
سُئل المفضّل الضَّبِّيّ عن أبي حيَّ النُّميريّ فقال: اسمه الهيثم بن الرَّبيع، وكان شاعرًا على لُوثةٍ فيه، قال الأصمعي: كان أبو حيَّة شاعرًا وكان أجبنَ العرب وأكذبهم، فمن جُبنه خبره مع الكلب الَّذي دخل بيته وهو خبر معروف، ومن كذبه ما حكاه، قال: كنت في بعض الفلوات فأرملتُ أيَّامًا من الزَّاد، ثمَّ عنَّ لي سربٌ من ظباء فتعمَّدتُ بسهمي ظبية من السِّرب، فلمَّا أطلقتُ السّهم وكاد يخالطها ذكرتُ هوَى لي بالرَّمل وشبَّهت الظبية به، فلحقت السّهم وقد كاد أن يصل إليها حتَّى قبضت عليه فلم يُصبها. ولا يجوز أن يكون في الكذب أعظم من هذا. ومن أخباره الطريفة ونوادره العجيبة ما حدَّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزديّ قال: حدَّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه عن أبي حيَّان العُكلي قال: أقبلتُ أريد البصرة فإذا أنا بأبي حيَّة النميريّ مُلاقيًا لي، فقلت: من أين بك يا أبا حيَّة؟ قال: من بلدٍ ملوكه أوساط، وقرّاؤه أشراط، وعُربانه أنباط، والنَّاس بعد ذلك فيه أخلاطٌ، قلت: فهل لك في نفسك من خبر تذكره أو نبأ تأثره، قال: شذّ ما لا يُنبئك عجبا لا مَيْنا ولا كذبا، كان لي بكرات عشر أرعيتهنّ أُنف الرَّبيع في جَناب مريع قد غذته السماء بدرَّتها وفوَّقته الأرض بزينتها فهو كالنَّمارق المصفوفة والزَّرابيّ المبثوثة، يروق عين النَّاظر ويملأُ نفس الرَّائد حتَّى إذا ضاق بهنَّ السَّهل فرحًا والوعر مرحًا وصرنَ كالدُّمى في حليهنّ أو المها في حسنهنّ يحملن أسنمة مفعمة كالآطام المشيَّدة على الآكام المنيفة أدركني شؤم الجدّ ونكد الحظّ فهجم عليَّ حيٌّ عكرٌ ونعمٌ دثرٌ فأزالوني عن الموضع وأجلوني عنه، فانصرفت ببكراتي أسفًا موتورًا مضطهدًا مقهورًا أتتبَّع بهنَّ النهار اليفاع وآوي بهنَّ اللَّيل الوهاد حتَّى استبدلن بحال حالًا وتساوكنَ ضعفًا وهزالًا، ونال منهنَّ القرّ وفشا فيهنّ الضرّ فيمَّمت بهنَّ الحاضرة أبتغي جاهلًا أخدعه أو خائنًا أصرعه، فأتاح اللهُ لي علجًا ضيطرًا كالصَّخرة الململة أو العلاوة المهندمة فابتاعهنَّ منِّي بعد المساومة والمراوضة والمشاولة بمائة درهم كلّ واحدةٍ بيض أوضاح، جياد صحاح، فلما آن وقت النقد أنطاني قراضة له كرضاضة الزُّجاج، وبعثرة الدّجاج، فأطرتها غضبًا في الهواء، وانبعث عليها أحابيش الغوغاء، فغادروا الأرض منها صفرًا، والمحلَّ قفرًا، من بين حاثٍ في حجره ومهيل إلى كمِّه وأنا واقف أتعجَّب من نهبهم لها وإكبابهم عليها. ثمَّ قلت للعلج: عاودني النَّقد، لا أُمَّ لك، على ما أوجبه الشَّرط وأحكمه العقد، فضمَّ يده وحبق فيها حبقة بفِيه، فقلت: ما هذا ويلك؟ قال: هذا مالُك، فلهزتُهُ - وأبيك - لهزةً ما كان فيها لمثل العلج متكلّمٌ لولا ثقته ببطشه وإدلاله بأيْده وأعوانه من السّفلة، فقال: يا أعرابيّ ما أحسبك تعرف التّشويص، فقلت: لا، وما التّشويص ثكلتك أُمّك؟ فجمع إبهامه مع أصابعه وجعل يده كالقطعاء ثمَّ ذبلني بها دوَين الشّراسيف ممَّا يلي الشَّاكلة ذبلةً ألمت منها ألمًا شديدًا فنفحته بعصاي نفحة أطارت العمامة عن رأسه وثلمتُ ثلمًا في يافوخه ليس بالخفيّ صغرًا ولا المفرط كبرًا وأسلت الدّمّ على وجهه. فلما بصر العلج بالدّمّ انقلبت عيناه واربدَّ لونه وكشَّر عن أنيابه وقبض على حلقي بإحدى يديه ودعم بالأخرى قَفاي وضغطني ضغطةً قدحت لها عيناي نارًا وأنفي شرارًا وأحسست روحي تجول في صدري ثمَّ دحا بي فخررت على أُمّ رأسي وقمت كالمهموم الوسنان أو الثّمل السّكران وناديت يا للعرب! يا للعرب! أوَيقتل ذؤابة بني نمير وذو فخرها وقدرها وشِعرها بين القزم والعضاريط؟ وإذا قد أقبل شابٌّ تملأُ العين صورته ويبهر القلب جلاله وهيبته، فولَّى أنصار العلج من حوله وعلاه بمدمج كان بيده وأشلى عليه حمرانه وسودانه، فمرَّ هذا هربًا في سككٍ متشعّبة وطرق متلاحزة، وأيم الله أن لو لحقته لدسته دوس الحَلَمة، ولخبطته خبط السَّلمة، واستنقذ الشَّابّ بكراتي وسلَّمهنَّ إلى من يحفظهنّ عليَّ وعطف بي غلمانه إلى منزلٍ جلَّت محاسنه أن توصف، وكثرت ظرائفه أن تنعت، ثمَّ أتونا بالخوان يحمله وصيفان مقرّطان متوّمان وعليه أرغفةٌ كأخفاف العيس ليست بطراميس ومهلهلاتٌ يضحكن عن مثل حباب القطر ولؤلؤ البحر، ثمَّ والى علينا الصّحاف المترعة
والألوان المختلفة نمتري منها ثمار كلّ شجرة، ونستنشي منها ريح كلّ ثمرة، فكنتُ أسرع النقل وأجتنب المضغ وأعدل إلى اللحم عن البقل، ثمَّ أتونا بعرموس حنيذٍ مكنت أملّخه إملاخ السَّبع، وأقذف به في مثل وِجار الضبع، ثمَّ أردفوا ذاك - يا ابن عمّ - بصفحة زجاج فيها هنةٌ برَّاقة رجراجة أشبه شيءٍ بالعروس المحلّقة في ائتلاقها، والعذراء المجلاّة في إشراقها، فيها طعام أهل الجنَّة، بلا شكّ ولا مظنَّة، فكنت - وعيشك - أكسع بالإبهام وأرفدها سائر الأصابع وأديل أمثال الأثافيّ وألقم لقم النّضو الحسير. ثمَّ جاءوا - يا هناه - بشراب لهم كنار الحباحب وأعين الجنادب يستنكه عن مثل جني الورد ونسيم الياسمين الغضّ، ثمَّ كثر هتافهم بظالم، فقلت: وما ظالم، لا خصب جنابه ولا أمطر نوءه، وذلك لما هجس في نفسي من أمر العلج، فأقبل إلينا هَنٌ أدلم له شعر كدحارج البعر يحمل هامة ضخمة كهامة الشارف وعينين سجراوين وأُذنين غضفاوين ومنخرين رحبين وله شفتان كرحارح المرّان وكفَّان كزّتان شفنة أصابعهما قحلةٌ أشاجعهما فبُثَّت له الوسائد ونُضدت له النَّضائد وأنا متعجَّب منه لا معجب به، ثمَّ جاءوا بمثل الفخذ الممكورة والسَّاق المجدولة خشبةً عيناها في صدرها ورِجلها في رأسها وأصابعها تدبِّر أمرها قد عالوا عليها حبالًا دقاقًا محكمة الفتل جيّدة الصنع، فقلت: أربعة مختلفة في الصَّنعة متفاضلة في الرُّتبة، لئن لمن يعرضني الخطل أنَّها لشبه أميرٍ ووزيرٍ وكاتبٍ وخادمٍ، فللأمير البربرة وللوزير الزَّمجرة وللكاتب الهمهمة وللخادم ، ثمَّ شدا ظالم بمقطّعات من مليح أشعاره وموصلات من ألحانه يُديرها بصوتٍ له كدويّ الرَّعد القاصف، وبنفس كنفس الرِّيح العاصف، فقلت: بأبي وأُمِّي من طمطمانيٍّ، ما أسمج منظرك وأحسن مخبرك! يا ليت إنك عبدٌ لي، فقال: وما كنت تصنع بي يا أعرابيّ؟ فقلت: ترعى عليَّ بكراتي، وتطربني في خلواتي، فاستفرغ العبد الضَّحك واستفزَّه الطَّرب ثمَّ غشيت - وأبيك - عيني السَّمادير من كثرة الشُّرب وخالط الوله عقلي، فأنكرت ما كنت أعرف من أمري، فلم أعلم بما كان منِّي إلى متع النهار من الغد، لكنني أهبُّ من رقدتي فإذا أنا فوق مزبلة في سوءةٍ سوآء وفضيحة شنعاء، فجمعت ثيابي الَّتي شانها اللهُ وشان لابسها، وطفق أغيلمة سوءٍ من ذلك الحيّ ينبذونني نبذًا قبيحًا وسعتهم بلساني سبًّا وبالجندل قذفًا وفتُّهم ولم أكد سبقًا، قلتُ: فهل قلت في ذلك شيئًا يا أبا حيَّة، فقال: إيه الله، نعم، قلتُ: فأنشدني ما قلتَ، فأنشدني:
ألم تَرَني والعلجَ في السُّوق بيننا مناوشةٌ في بيعنا وتلاطمُ
رأى بكراتٍ بالياتٍ تساوَكتْ بها ذهبتْ من دونهنَّ الدَّراهمُ
أسلتُ دماءَ العلج من أُمِّ رأسهِ بمنحوتةٍ تستكُّ منها الخياشمُ
تعمَّد حلْقي من يدَيه بعصره محلّجة تنهدُّ منها اللَّهازمُ
وشوَّصَني تشويصةً خلتُ أنَّها ستأتي على نفسي فها أنا سالمُ
وفاتَ الحسامُ العضبُ رجعة طَرفه وولَّيت عنه غارمًا وهو غانمُ
ورحتُ إلى ظلٍّ ظليلٍ ومنظرٍ أنيق وما يهواه لاهٍ وطاعمُ
وزيتيَّة صهباء أخرج كرمَها لشاربها ن جنَّة الخلد آدمُ
وتاهتْ بألباب النَّدامَى خُشيبة بها عند تحريك الحبالِ غماغمُ
إذا ظالمٌ أنحَى عليها بكفِّه أماتَ وأحيَا من يغنِّيه ظالمُ
فبتُّ وندماني فريقان قاعدٌ من السُّكر في عيني وآخرَ قائمُ
وأصبحتُ في يومٍ من الشَّرِّ كالحٍ كأنِّي فيما كنتُ بالأمسِ حالمُ
تقولُ لي الصّبيانُ إنَّك راذِمٌ ورغميَ فيما قيل إنَّك راذِمُ
فقلتُ لهم خلُّو الطريقَ فإنني كريم نَماني الصَّالحون الأكارمُ
لئن كانت الوجعاء منِّي فربَّما يخون الفتَى وجعاؤه وهوَ نائمُ
أما في خفوق الشَّرْب أن يحمل الأذَى ويكرم عن نشر القبيحِ المُنادمُ
ويستأنف النّدمان أُنسًا مجدَّدا فيرفعُ مَعْ رفع النَّبيذِ الملاوِمُ
وأبو حيَّة، مع هذه النَّوادر الَّتي تُحكى عنه، شاعرٌ مجوِّد، فمن جيّد شِعره قوله:
ألا حيِّيَا بالجناب الدّيارا وهل يرجعنَّ ديارٌ حِوارا
زمانَ الصِّبا ليت أيَّامَنا رجعنَ لنا الصَّالحاتِ القِصارا
زمان عليَّ غرابٌ غُدافٌ فطيَّره الشَّيبُ عنِّي وطارا
فأصبح موقعَهُ نابضًا محيطًا خِطامًا محيطًا عذارا
فلا يُبعِدِ اللهُ ذاك الغداف وإن كان لا هُوَ إلاَّ ادِّكارا
وهازئةٍ أنْ رأتْ كَبرةً تلفَّعَ رأسي بها فاسْتَنارا
أجارَتنا إنَّ ريب المنونِ قبليَ غالَ الرِّجالَ الخِيارا
فإمَّا ترَى لمَّتي هكذا فأكثرتِ ممَّا رأيتِ النِّفارا
كمل الجزء الأول من الأشباه والنظائر ويتلوه في الجزء الثاني " قال المرقّش الأكبر ".
[ ١ / ٦٨ ]