بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
قال المرقِّش الأكبر الضُّبَعيّ وسمِّي المرقَّش لقوله:
الدَّارُ قفرٌ والرُّسومُ كما رقَّش في ظهرِ الأديم قلَمْ
وله من قصيدة:
سرَى ليلًا خيالٌ من سُليمَى فأرَّقني وأصحابي هجودُ
فبتُّ أُديرُ أمرِي كلَّ حالٍ وأذكرُ أهلَها وهم بعيدُ
على أنْ قد سمَا طرفي لنارٍ يشبُّ لها بذِي الأرْطَى وقودُ
حَوَالَيها مهًى جمُّ التَّراقِي وأَرْآمٌ وغزلانٌ رقودُ
سكنَّ ببلدةٍ وسكنتُ أُخرى وقُطِّعتِ المواثقُ والعهودُ
فما بالِي أفِي وُيخانُ عهدِي وما بالِي أُصادُ ولا أَصيدُ
وقال أيضًا:
يا ذاتَ أجْوارنا قُومي فحيِّينا وإن سقيتِ كرامَ النَّاس فاسْقِينا
وإن ْ دعوتِ إلى جلَّى ومكرمةٍ يومًا خيارَ بني حوَّاء فادْعينا
فوضَى منازلُنا تهوِي مراجِلُنا نأسُو بأموالنا آثارَ أيدينا
المُطعمونَ إذا هبَّتْ شآميَة وخيرُ نادٍ يراهُ النَّاسُ نادِينا
ومن أُخرى:
ومنزل ضنكٍ لا أُريدُ مبيتَه كأنِّي به من خَشيةِ الرَّوع آنسُ
وقدرٍ ترَى شُمطَ الرِّجالِ عالَها لها قيِّمٌ سهل الخِلال مُؤانسُ
ضحوكٌ إذا الزُّوَّارُ أمّوا محلَّه وما هو مكبابٌ على الزَّادِ عابسُ
وقال المرقِّش الأصغر واسمه ربيعة بن سفيان:
آذنتَ جارتي بوشك رحيلٍ باكرًا خاطرتْ بأمرٍ جليلِ
أزمعتْ بالفراقِ لمَّا رأتْني أُتلفُ المالَ لا يَذُمُّ دَخيلي
ارْبَعِي إنَّما يَريبكِ منِّي أُثرُ مجدِ إذا نظرتِ أصيلِ
عجبًا ما عجبتُ للجامعِ الما لَ وريبُ الزَّمان جمُّ الخُبولِ
اعجبي وَيكِ إنَّ رزقكِ آتٍ لا يردُّ التَّرقيح شروَى فتيلِ
الصِّمَّة القشيريّ:
ألا أيُّها الصَّمدُ الَّذي كنت مرَّةً بحلّكَ أُسقيت الغواديَ من صمْدِ
ومنزلَتي ظمياءَ من بطن عاقلٍ وذات السَّليل كيف حالكُما بعدِي
تتابعَ أنواء الرَّبيع عليكما لِما لكما بالحارثيَّة من عهدِ
جرير:
لقد وكفَتْ عَيناه أنْ ظلّ واقفا على دِمنةٍ لم يبقَ إلاَّ رميمُها
أبَينا فلم نسمعْ بهندٍ مَلامةً كما لم تُطعْ هندٌ إذًا مَن يلومُها
[ ١ / ٦٩ ]
ولمَّا قال ذو الرُّمَّة:
وقفنا فسلَّمنا فكادت بمشرفٍ لعرفان صوتي دِمنةُ الدَّار تنطقُ
تجيشُ إليَّ النَّفسُ في كلِّ موقفٍ لميٍّ ويرتاعُ الفؤاد المشوّقُ
وإنسانُ عَيني يحسرُ الماءُ تارةً فيبدُو وأحيانًا يَجِمُّ فيغرقُ
ونظر البحتري إلى بيت ذي الرُّمَّة الأوَّل فقال:
جئنا نُحيِّي من أثيلة منزلًا جُدُدًا معالمُه بذي الأنصاب
أدَّى إليَّ العهدَ من عرفانه حتَّى لكادَ يرُدُّ رجعَ جوابِي
أخذه جِران العَود فقال:
[ ١ / ٧٧ ]
نظرتُ كأنِّي من وراءِ زجاجةٍ إلى الدَّارِ من فرطِ الصَّبابةِ أنظرُ
فعينايَ طورًا تغرقانِ منَ البُكا فأغشى وطورًا تحسرانِ فأُبصرُ
فروى النَّاس هذين البيتين وأغفلا بيتي ذي الرُّمَّة وهما الأصل، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول الآخر:
غلبتْ عينيَ الدُّموعُ فإنْسا ني كليلٌ يبدٌو مِرارًا ويخفَى
فكأنِّي أراك من خلف سترٍ هزَّتِ الرِّيحُ متنَهُ فتكفَّى
النمر بن تولب:
لا يعلمُ اللامعاتُ اللامحاتُ ضحًى ما تحتَ كشحي ولا يعلمنَ أسرارِي
ولا أخونُ ابنَ عمِّي في حليلته ولا البعيدَ نوًى عنِّي ولا جارِي
حتَّى يقال إذا وُوريتُ في جدثِي لقد مضَى نمرٌ عارٍ من العارِ
مرَّة بن معروف:
لئن قارب الحدَّادُ خَطوى لربَّما تناولتُ أطرافَ الهموم الأباعدِ
فإنِّي لأهوَى أنْ أرَى مَن مكانُهُ ذُرَى عَقِدات الأبرقِ المتقاودِ
وإنْ أرِد الماءَ الَّذي شربت به سُليمَى إذا ملَّ السُّرى كلّ واخِدِ
وأُلصقُ أحشائِي ببرْد تُرابه وإنْ كانَ مخلوطًا بسُمّ الأساودِ
ابن الضحَّاك القينيّ:
أقولُ لقمقامِ بنِ زيدٍ ألا ترَى إلى البرقِ يبدُو للعيونِ النَّواظرِ
فإنْ تبكِي للبرقِ الَّذي هيَّجَ البُكا أُعنكَ وإن تصبرْ فلستُ بصابرِ
بكر بن مصعب
خليليَّ قوما فانْظُرا نحو واسط أنارًا به آنستُ توقدُ أمْ برقَا
قعدتُ له ذاتَ العشاء أَشيمُه وقد خفقت للنَّوم أعيُنُنا خفقا
فأرَّقَني منها مخايلُ جَمَّة تألَّفنَ حتَّى ما ترَى بينَها فَتْقا
إذا انصرفتْ منه لوجهٍ مَخيلةٌ سمتْ أختُها حتَّى تكونَ لها رَتْقا
تخال امتصاع البرق رَيْطًا منشَّرا إذا لاحَ أو غُرّا محجَّلةً بُلقا
إذا ما محضْتَ الودَّ منك لصاحبٍ فعافَ عليك المحضَ فامذُقْ له مذْقا
وكن كامرئٍ جازَى امرأً ببلائه وكاذَبَه إذ لم يجدْ عندَه صِدقا
وقال الشَّنفرَى يرثي تأبَّط شرّا يقول فيها:
إنَّ بالشِّعب الَّذي دون سَلْع لقتيلًا دمُه ما يُطَلُّ
ووراءَ الثَّأر منِّي ابنُ أختٍ مَصِعٌ عُقدتُه ما تحلُّ
مُطرقٌ يرشحُ مَوتاكما أطْ رقَ أفعَى ينفُث السّمَّ صلُّ
خبرٌ ما نابَنا مُصْمَئلٌّ جلَّ حتَّى دقَّ فيه الأجلُّ
بزَّنِي الدَّهرُ وكانَ غَشوما بأبيِّ جارُه ما يذلُّ
شامسٌ في القُرّ حتَّى إذا ما ذكتِ الشِّعرَى فبردٌ وطلُّ
يابسُ الجنبينِ من غير بُؤس ونَدِي الكفَّين شهمٌ مُدِلُّ
يُورد الصَّعدةَ حتَّى إذا ما نَهِلت كانَ لها منه عَلُّ
وفتُوٍّ هجَّروا ثمَّ أسْرَوا ليلَهم حتَّى إذا انْجابَ حلُّوا
كلُّ ماضٍ قد تردَّى بماضٍ كسَنا البرق إذا ما يُسَلُّ
فاسْقِنيها يا سوادَ بنَ عمرٍو إنَّ جسمي بعد خالِي لَخَلُّ
حلَّتِ الخمرُ وكانتْ مُحِلًاّ وبلأيٍ ما ألمَّتْ تحلُّ
أمَّا قوله: " مطرق يرشح موتاكم " البيت، فمثل قول المتلمّس:
وأطرقَ إطراقَ الشّجاع ولو يرَى مَساغًا لنابَيه الشّجاعُ لصمَّما
وأمَّا قوله: " شامس في القرّ " البيت، فمأخوذ من قول الأعشى:
وتبرد بردَ رِداءِ العَرو سِ في الصَّيف رقرقتَ فيه العبيرا
وتسخُن ليلةَ لا يَستَطي عُ نُباحًا بها الكلبُ إلاَّ هَريرا
وأخذ هذا المعنى ابن أذينة اللَّيثيّ وزاد فيه، وهو قوله:
سخنة في الشّتاء باردةُ الصَّي فِ سراج في اللَّيلة الظَّلماءِ
وأمَّا قوله: " كلّ ماض قد تردَّى " البيت، فأخبرنا الصّوليّ عن الغلابيّ قال: قال لي أبو تمَّام حبيب بن أوس: دخلتُ على الحسن بن رجاء، فقال لي: يا أبا تمام، رأيت فيما يرى النَّائم كأنَّ إنسانًا يقول بيت شعر ما أعرفه وقد حفظته، قلت: أنشدنيه، فأنشدني:
سيكفيك الَّذي أمسيتَ فيه سيوفٌ في عواتقها سيوفُ
فقلت: أظنّ أنَّ الأمير يحفظ قول الشَّنفرَى:
كلّ ماضٍ قد تردَّى بماضٍ كسَنا البرق إذا ما يُسلُّ
قال: نعم، أنا أروي هذا الشِّعر، فقلت له: هذا البيت مثل ما رأيت، وبيت الشَّنفرَى ولده لفكرك.
وقد زعم قوم من العلماء أن الشّعر الَّذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط، ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصّوليّ عن أبي العيناء قال: حضرت مجلس العُتبيّ ورجلٌ يقرأ عليه الشعر للشنفرى حتَّى أتى على القصيدة الَّتي أوَّلها:
إنَّ بالشِّعب الَّذي دون سَلْع لقتيلًا دمه ما يطلُّ
فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر، فضحك العُتبيّ من قوله، فسألناه عن سبب ضحكه، فقال: والله ما قال أبو محرز خلف من هذه القصيدة بيتًا واحدًا، وما هي إلاَّ للشنفرى، وكان لها خبرٌ طريف لم يبقَ مَن يعرفه غيري، قلنا: وما خبرها؟ قال: جلسنا يومًا بالمِربَد ونحن جماعة من أهل الأدب ومعنا خلف الأحمر، فتذاكرنا أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها، فتذاكرنا منها صدرًا، ثمَّ أفضينا إلى أشعارنا فخضنا فيها ساعةً، فبينا خلفٌ ينشدنا قصيدةً له في رويّ قصيدة الشَّنفرَى هذه وقافيتها يذكر فيها ولد أمير المؤمنين ﵇ وما نالهم وجرى عليهم من الظّلم إذ هجم علينا الأصمعيّ، وكان منحرفًا عن أهل البيت ﵈ وقد أنشد خلف بعض الشعر فلمَّا نظر الأصمعي قطع ما كان ينشد من شعره ودخل في غيره إلاَّ أنَّه على الوزن والقافية ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى، فتحيَّرنا
[ ١ / ٧٨ ]
لذلك وظننَّاه شيئًا عمله على البديهة، فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت وأقبلنا نطريه ونقرّظه فقال: إنْ كان تقريظكم لي لأني عملت الشِّعر فما عملته والله ولكنَّه للشنفرى يرثي تأبَّط شرًّا، ووالله لو سمع الأصمعي بيتًا من الشعر الَّذي كنت أُنشدكموه ما أمسى أو يقوم به خطيبًا على منبر البصرة فيُتلف نفسي، فادّعاء شعرٍ لو أردت قول مثله ما تعذَّر عليَّ أهون عندي من أن يتَّصل بالسلطان فألحق باللَّطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبيّ شعر خلف الَّذي ذكر فيه أهل البيت ﵈ فدافعنا مدَّة ثمَّ أنشدنا:
قَدْك منِّي صارمٌ ما يُفللُّ وابنُ حزمٍ عقدُه لا يحلُّ
ينثَني باللَّوم مِن عاذِليهِ ما يُبالي أكثَروا أم أقلُّوا
لرسول الله في أقربيهِ وبَنيهِ حيثُ ساروا وحلُّوا
عنده مكنون نُصحٍ وودٍّ خالصٍ لم يقتدحْ فيه غلُّ
أهل بيت ما على جاحِدِيهم حقَّهم في الزُّبر ألاَّ يصلُّوا
صفوةُ الله الأُلَى من لدُنْهُ لهم القدرُ الأعزُّ الأجلُّ
ما أطاعَ اللهَ قومٌ تولَّوا من سواهُم بل عصَوهُ وضلُّوا
وبهم شُقَّ دُجَى الغيِّ عنهم وعلى الإيمانِ والدِّين دُلُّوا
وبهم صُبَّت على كلِّ باغٍ باذخِ العزِّ صَغارٌ وذلُّ
غَصبوهم حقَّهم واستحَلّوا ظالموهُم منه ما لا يحِلُّ
واقتدَوْا فيهم بما سنَّ رِجسٌ بارزَ اللهَ زنيمٌ عُتُلُّ
لم يُراقبْ خشيةَ الله فيهم آصرٌ منه ولم يُرعَ إلُّ
فهمُ شتَّى قتيلٌ صريعٌ دمُهُ فيهم حذارًا يطَلُّ
وأسير في طمارٍ عليه من حديد القَين كبلٌ وغُلُّ
[ ١ / ٧٩ ]
ومقيمٌ خاشعٌ في عدوٍّ مُستضامٌ بينهم مُستذلُّ
لا على جرمٍ ولا عن شقاقٍ ركبوا الّحضَ إليهم فزلُّوا
غيرَ أنْ فاءَ على ظالِميهم بهم للمُلك فيءٌ وظلُّ
وأنْ أوفَوْا بالنَّبيّ المصفَّى جدّهم مأثرةً لا تقِلُّ
وبنَى الله لهم بيتَ مجدٍ فطرةُ الدِّين به تستظلُّ
في جَميلٍ بارك الله فيه لم ينلْ ما خُوِّلوه جبلُّ
وارثُو مخزونِ علمٍ عليه كلُّ ذي علم عيالٌ وكَلُّ
وعليٌّ ذو المعالي أبوهم كرُمَ السَّامي به والمُدلُّ
عُلِّمَ الدِّينَ الَّذي مَن تَلاه سالكُ سبلَ الهدَى لا يضلُّ
وأمير المؤمنين المرجِّي فضلَه مُثْريهمُ والمقلُّ
باسط كفَّيه فيهم بعدلٍ وصَبيرٍ صوبُخ مستهلُّ
عن سماءٍ لهم كلَّ يومٍ دِيمةٌ منه ووبلٌ وطَلُّ
وشهابُ الله في كلِّ خطبٍ وحسامُ الله والنَّقعُ يعلُو
حيث يلقَى في ظلالِ المنايا كلَّ ليثٍ باسلٍ وهوَ فَلُّ
جسدٌ يعفوه طيرٌ عكُوفٌ وضوارٍ شُرَّعٌ فيه زُلُّ
مَكنزٌ فيه من بعدِ حول للضّباع العُرج لحمٌ مُصِلُّ
بطلٌ أغلبُ في راحتَيه للقنا والبِيض نهلٌ وعَلُّ
يكره الأبطال منه ابنَ موتٍ لا يملُّ الحربَ حتَّى يملُّوا
يحمد العضْبُ اليمانيّ شظَاه في الوغا والسَّمهريُّ المتلُّ
فكأنَّ النَّقعَ ينشام عنه ضيغم جهم المُحيَّا رِفَلُّ
قد غدا يُضمر بغضًا ويُبدي بِغضة أضغانُها لا تُسَلُّ
[ ١ / ٨٠ ]
شاور النّكراء في الله منه شائك الأنياب يقظان صِلُّ
لا الرُّقَى تردَع منه ولا مَن مسَّ حدَّ النَّاب منه يُبِلُّ
موطن من عهد لقمان عادٍ دونه من قُلَل الحَزن تلُّ
متحامٍ لا يؤدّى إليه نُبُسَ الإنس ولا الجنّ حلُّ
كيَبِيس الجَزْل إلاَّ فَحيحًا يصهر المرء به أو يملُّ
لو مضتْ عاليةُ الرُّمح فيه ما تغشَّى اللِّيطَ منه مبلُّ
أو نمتْ أذرُعُ ألفٍ إليه رجعتْ عن نفْثهِ وهي شُلُّ
كلَّما مدَّ المطا وتمطَّى فحصَى المعزاء منه يُصِلُّ
عُدْ إلى مدح الَّذين عليهم من يمين الله ظلٌّ فظلُّ
خير مَن خبَّتْ بهم ذاتُ لَوثٍ دامِيًا للجهد منها الأظلُّ
في مهاري ذُبَّل كالسّعالى تحت شُعثٍ قد أكلُّوا وكلُّوا
عامدي الكعبة من كلِّ فجٍّ كلَّما أعرض شخصٌ أهلُّوا
كتبنا هذه القصيدة بأسرها لأنها في سادتنا ﵈ ولأنها أيضًا غريبة لا يكاد أكثر النَّاس يعرفونها. وأمَّا قوله: " يكره الأبطال " البيت، فمأخوذ من قول الشَّنفرَى:
صلِيَتْ منِّي هذَيلٌ بخرقِ لا يملُّ الحربَ حتَّى يمَلُّوا
وأمَّا قوله في صفة الحيَّة: " لو مضت عالية الرّمح فيه " البيت، فقد أخذه جماعة، فمن القديم منهم الَّذي يقول في صفة الحية أيضًا:
لو شُرِّحتْ بالمُدَى ما مشَّها بللٌ ولو تكنَّفها الحاوون ماقد روا
وأخذه ابن المعتزّ في صفة حيَّة أيضًا فقال:
أنمتُ رَقْشاءَ لا يحيا السَّليمُ بها لو قدَّها السَّيفُ لم يعلقْ به بللُ
وهذا كلام البيت الَّذي كتبناه قبله لم نغادر منه شيئًا. ومثله قول الآخر:
قد عاش حتَّى هو لا يمشي بدَمْ
قال ذو الرُّمَّة:
أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكما علَى النَّأيِ والنَّائي يودُّ وينصحُ
على حينِ راهقتُ الثَّلاثينَ وارعوتْ لِداتي وكاد الحلمُ بالجهلِ يرجحُ
إذا غيَّرَ الهجرُ المحبِّين لم أجدْ رسيسَ الهوَى من حبِّ ميَّة يبرحُ
ولا القربُ يُدني من هواها ملالةً ولا ذكرها إنْ تنزحِ الدَّارَ ينزحُ
تَصَرَّفُ أهواءَ القلوبِ ولا أرَى نصيبكِ من عَيني لغيركِ يُمنحُ
هيَ البرءُ والأسقامُ والهمُّ والمُنَى وموتُ الهوَى لولا التَّنائي المبرِّحُ
إذا قلتُ تدنُو ميَّةُ اغبرَّ دونها فيافٍ لطَرف العَين فيهنَّ مسرحُ
ألا ظعنتْ ميٌّ فهاتيكَ دارُها بها السُّحمُ تَرْدِي والحمامُ الموشَّحُ
ولمَّا شكوتُ الحبَّ كيْما تُثيبَنِي بوجدِي قالتْ إنَّما أنتَ تمزحُ
لئن كانتِ الدُّنيا عليَّ كما أرَى تباريحَ من ميٍّ فللموتُ أروحُ
وهاجرةٍ من دون ميَّةَ لم تقِلْ قلوصِي بها والجندبُ الجَونُ يرمحُ
ونشوانَ من طولِ النُّعاس كأنَّهُ بحبلَين من مشطونةٍ يتطوَّحُ
إذا ماتَ فوقَ الرَّحلِ أحييتُ روحَه بذكركِ والعِيس المراسيلُ جُنَّحُ
إذا ارفضَّ أطرافُ السِّياط وهُلِّلتْ جرومُ المطايا عذّبتهنَّ صيدحُ
قال: وقف ذو الرُّمَّة بالمربد ينشد هذه القصيدة واجتاز به الفرزدق فوقف يسمعها فلمَّا أتى عليها قال: كيف ترى شعري يا عمّ؟ قال: ما نرى بأسًا، قال: فلمَ لا تُلحقوني بكم؟ قال: لصفاتك المَهَاري، ونعتك الصحاري، وتشبيبك بالجواري، ثمَّ قال الفرزدق:
وهاجرةٍ لو ذو الرُّمَيمة رامَها وصيدحُ أعيا ذو الرُّميم وصيدحُ
قطعتُ إلى مكروهها منكراتها وقد خبَّ آلٌ دونها يتنطَّحُ
ولذي الرُّمَّة:
وقفْتُ علَى ربْعٍ لميَّةَ ناقتي فما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبُهْ
وأُسقيهِ حتَّى كادَ ممَّا أبثُّهُ تُكلِّمني أحجارهُ وملاعبُهْ
كأنَّ سحيقَ المسكِ ريَّا تُرابه إذا هضبتْهُ بالعشيِّ هواضبُهْ
نظرتُ إلى أظعانِ ميٍّ كأنَّها موَلِّيةً نخلٌ تميلُ ذوائبُهْ
فأبديتُ من عينيَّ والصَّدرُ كاتمٌ بمُغرورقٍ نمَّتْ عليه سواكبُهْ
ولم يستطعْ إلفٌ لإلفٍ تحيَّةً من النَّاس إلاَّ أنْ يسلّمَ حاجبُهْ
ترَى النَّاسَ من سجفَين لمحةَ ناظرٍ غزال أحم العَين بِيض ترائبُهْ
ألا لا أرى مثلَ الهوَى داءَ مسلمٍ كريمٍ ولا مثلَ الهوَى ليمَ صاحبُهْ
متَى تظعَنِي يا ميُّ من دارِ جيرةٍ لنا والهوَى برحٌ على مَن يغالبُهْ
أكُن مثلَ ذي الألاَّف لُزَّت كراعُهُ إلى أُختها الأُخرى وولَّى صواحبُهْ
فأينَ فلا يسمعنَ إنْ حنَّ صوتَهُ ولا الحبلُ منحلٌّ ولا هو قاضبُهْ
وأشعثَ قد قاسيتُهُ عرضَ هَوجَلٍ سواءٌ علينا صحوُهُ وغياهبُهْ
وبَيتٍ بمهواةٍ هتكتُ سماءهُ إلى كوكب يَزْوي له الوجهَ شاربُهْ
وله أيضًا:
سواءٌ عليك اليومَ انْصاعتِ النَّوى بخرقاءَ أم أنحَى لك السَّيفَ ذابحُ
ألا طالَ ما سُؤتُ الغيورَ وبرَّحتْ بيَ الأعينُ النُّجلُ المراضُ الصَّحائحُ
وساعفتُ حاجاتِ الغواني وراقَني على النُّجلِ رقراقاتهنَّ الملائحُ
وسايرتُ رُكبان الصِّبا واستفزَّني مُسرَّاتُ أضغان القلوب الطَّوامحُ
إذا لم نزُرها من قريبٍ تناولتْ بنا دارَ خرقاءَ القِلاصُ الطَّلائحُ
وله أيضًا:
دنا البينُ من ميٍّ فرُدَّتْ جِمالها فهاج الهوَى تقويضُها واحْتمالُها
ويوم بذي الأرطَى إلى جَنب مُشرفٍ بوعْسائهِ حيثُ اسْبطرَّتْ حِبالُها
عرفتُ لها دارًا فأبصرَ صاحبي صحيفة وجْهي قد تغيَّرَ حالُها
يقول فيها
فؤادكَ مبثوثٌ عليك شجونهُ وعَينك يَعصي عاذِليكَ انهلالُها
تداويت من ميٍّ بهجران أهلها فلم يشفِ من ذكرَى طويلٍ خبالُها
لقد علقتْ ميٌّ بنفسي علاقةً بطيئًا على مرِّ السِّنين انحلالُها
إذا قلتُ تجزي الودَّ أو قلتُ ينبري لها النُّحلُ يأتي بخلُها واغْتلالُها
ولم يُنسِني ميًّا تراخِي مزارِها وصرفُ اللَّيالي مرُّها وانفتالُها
على أنَّ أدنَى العهد بيني وبينها تقادمَ إلاَّ أنْ يزورَ خَيالُها
أُمَنِّي ضميرَ النَّفسِ إيَّاكِ بعدَما يُراجعني بَثِّي فينساحُ بالُها
سَلِي النَّاسَ هل أرضَى عدوَّكِ أو بغَى صديقُك عندي حاجةً لا ينالُها
وله أيضًا:
ألا طرقتْ ميٌّ هَيومًا بذكرِها وأيدِي الثُّريَّا جُنَّحٌ في المغاربِ
أخا شقَّةٍ زَوْلًا كأنَّ قميصهُ على نَصل هنديٍّ جُراز المضاربِ
سرَى ثمَّ أغفَى وقعةً عند ضامرٍ مطيَّةِ رَحَّالٍ بعيدِ المذاهبِ
ومِن حاجَتي لولا التَّنائي وربَّما منحتُ الهوَى مَن ليس بالمتقاربِ
عقائلُ بِيضٌ من ذُؤابة هاشمٍ رقاقُ الثَّنايا مُشرفاتُ الحقائبِ
وله أيضًا من أُخرى:
نعم هاجتِ الأطلالُ شوقًا كفَى بهِ من الشَّرق إلاَّ أنَّه غيرُ ظاهرِ
فما زلتُ أطوي النَّفسَ حتَّى كأنَّها بذي الطَّلحِ لم تخطُرْ على بالِ ذاكرِ
حياءً وإشفاقًا من الرَّكب أن يرَوْا دليلًا على مستودعاتِ السَّرائرِ
يقول فيها:
إذا خشيتْ منه الصَّريمةَ أبرقتْ له برقةً من خلَّبٍ غيرِ ماطرِ
وتهجرُهُ إلاَّ اخْتلاسًا نهارَها وكم من محبٍّ رَهبةَ العينِ هاجرِ
وله أيضًا:
أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكما هلِ الأزمنُ الَّلاتي مضيْنَ رواجعُ
وهلْ يرجعُ التَّسليمَ أوْ يكشفُ العمَى ثلاثُ الأثافي والدِّيارُ البلاقعُ
توهَّمْتها يومًا فقلتُ لصاحبي وليسَ بها إلاَّ الظِّباءُ الخواضعُ
قفِ العيسَ تنظرْ نظرةً في دِيارها وهل ذاكَ من داءِ الصَّبابةِ نافعُ
فقال أما تغشى لميَّةَ منزلًا من الأرض إلاَّ قلتَ هلْ أنتَ رابعُ
وقلَّ إلى أطلال ميِّ تحيَّةٌ تُحيِّي بها أو أنْ تُرَشَّ المدامعُ
ألا أيُّها القلبُ الَّذي برَّحتْ به منازلُ ميٍّ والعِراصُ الشَّواسعُ
ولا بدَّ من ميٍّ وقد حِيلَ دونَها فما أنتَ فيما بين هاتَين صانعُ
أمُستوجبٌ أجرَ الصَّبورِ فكاظمٌ علَى الأجرِ أمْ مُبدِي الضَّميرِ فجازعُ
وقد كنتُ أبكي والنَّوى مُطمئنَّةٌ بنا وبكمْ من علمِ ما البينُ صانعُ
وأُشفقُ من هجرانكُمْ وتشفُّني مخافةُ وشكِ البينِ والشَّملُ جامعُ
وأهجركُمْ هجرَ البغيضِ وحبُّكمْ علَى كبدي منه شؤونٌ صوادعُ
وأعمِدُ للأرضِ الَّتي من ورائكُم لترجعَني يومًا إليكِ الرَّواجعُ
قال: وخرج ذو الرُّمَّة يريد سفرًا ومعه أخوه أوفَى فعرضتْ لهما ظبيةٌ فقال ذو الرُّمَّة:
أقول لأدمانيَّةٍ عوهَجٍ جرتْ لنا بينَ أعلَى عرْقةٍ فالصَّرائمِ
أيا ظبيةَ الوَعْساءِ بين جُلاجُل وبين النَّقا ها أنتِ أمْ أُمُّ سالم
فقال له أخوه:
فلو تحسنُ التَّشبيهَ والنَّعتَ لم تقلْ لشاةِ اللّوَى ها أنتِ أمْ أُمُّ سالمِ
جعلتَ لها قرنَيْن تحت ثيابها وظِلْفَين مُسودَّين تحت القوادمِ
فقال ذو الرُّمَّة وعرف خطأه:
هيَ الشِّبهُ إلاَّ مِذْروَيها وأُذنَها سواء وإلاَّ مَشْقةً في القوائمِ
أحسن ما نعرف في هذا المعنى قول المجنون:
أيا شبيهَ ليلَى لا تُراعي فإنَّني لكِ اليومَ من وحشية لصديقُ
فعيناكِ عَيناها وجِدكِ جِيدُها ولكنَّ عظمَ السَّاقِ منكِ دقيقُ
ولذي الرُّمَّة أيضًا:
ألمَّ خيالُ ميَّةَ بعدَ وهنٍ بظَمأَى الآلِ خاشعة القيامِ
رمَى الإدلاجُ أيسرَ مرفَقَيها بأشعثَ مثلِ أشلاء اللّجامِ
أناخ فما توسَّد غيرَ كفٍّ ثنَى ببَنانها طرَفَ الزّمامِ
رجيع تنائفٍ ورفيق صرعَى توُفُّوا قبلَ آجالِ الحِمامِ
سرَوا حتَّى كأنَّهم تساقَوا على أكوارهم صِرف المُدامِ
وله أيضًا:
أمَا والَّذي حجَّ الملبُّونَ بيتهُ سِراعًا ومولَى كلِّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القلاصِ الأُدمِ تدمَى أُنوفُها بنخلةَ والسَّاعينَ حولَ المناسكِ
لئنْ قطعَ اليأسُ الحنينَ فإنَّهُ رقوءٌ لتذارفِ الدُّموعِ السَّوافكِ
وقد كنت أهوَى الأرضَ ما يستفزُّني بها الشَّوقُ إلاَّ أنَّها مِنْ دياركِ
أحبُّكِ حبًّا خالطتهُ نصيحةٌ وإنْ كنتِ إحدى اللاوياتِ المواعكِ
ألا من لقلبٍ لا يزالُ كأنَّه من الوجدِ شكّتْه صدورُ النَّيازكِ
وللعَين ما تنفكُّ تذرف دمعَها على إثرِ حادٍ حيثُ حاذرتُ سالكِ
البختريّ بن عَقيل:
أقولُ لنفسٍ قلَّ ما استزيدُها على طبعِها عند الجليل من الخطبِ
أبعدَ يزيدَ الخيرِ أجتنبُ الوغَى وقد ماتَ في فرش اليمانيّ والعضْبِ
ولو ماتَ خلقٌ من تورُّدِ حَومةٍ لكان قتيلَ الطَّعن في الحربِ والضَّربِ
ولكنَّما نفسُ الشُّجاع وغيرِه إلى أجلٍ لا يسبقُ الوقتَ في الكُتْبِ
شجاع بن مَرثد:
أقول لك القولَ الَّذي لا يَردُّه حكيمٌ ولا يلقاهُ بالحيِّ سامعُ
وجدتُ بك الوجدَ الَّذي ما وجدتُهُ بنَفسي وأطرافُ الرِّماح شوارعُ
النعمان بن عُقبة العتكيّ:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ وصباحُها وإلاَّ غدوّ الشَّمس ثمَّ رواحُها
وإلاَّ صروف الدَّهر بالمرءِ مرّةً ذلولٌ وأُخرَى سعيها وجماحُها
وقد حنَّكتنِي السِّنُّ واشتدَّ جانبي وجانبَنِي لهوُ الغواني وراحُها
وقدْ كنتُ ذا نفسٍ تَراح إلى الصِّبا فأضحَى إلى غير التَّصابي ارْتِياحُها
أوَّل هذه الأبيات مأخوذ بأسره من قول أبي ذُؤيب الهُذليّ، وأبو ذُؤيب الآخذ له، قال أبو ذُؤيب:
هل الدَّهر إلاَّ ليلةٌ ونهارُها وإلاَّ طلوعُ الشَّمس ثمَّ غيارُها
ابن الدُّمَيْنة:
أعنِّي علَى برقٍ أُريكَ وميضَهُ تضيءُ دجنَّاتِ الظَّلامِ لوامعُهْ
إذا اكتحلتْ عينا محبٍّ بضوئهِ تجافتْ بهِ حتَّى الصَّباحِ مضاجعُهْ
قعدتُ له ذاتَ العشاءِ أَشِيمه وأنظُر من أين استقلَّتْ مطالعُهْ
وباتَ وِسادي ساعدًا قلَّ لحمهُ على العظمِ حتَّى كادَ تبدُو أشاجعُهْ
أول هذه الأبيات مأخوذ من قول امرئ القيس:
أعنِّي على برقٍ أُريك وميضَه كلَمْع اليدَين في حبيٍّ مكلَّلِ
وقد أخذ هذا المعنى وبعض كلامه بعض المحدثين فقال:
أعنِّي علَى بارقٍ واصِب خفيٍّ كلمعِك بالحاجبِ
كأنَّ تألُّقهُ في السَّماءِ يدَا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ
الأعور العبديّ:
إذا ما المرءُ قصّر ثمَّ مرَّتْ عليه الأربعونَ عن المعالِي
ولم يلحقْ بصالحةٍ فدعْهُ فليس بلاحقٍ أُخرى اللَّيالِي
[ ١ / ٨١ ]
أخذ هذا المعنى الخريميّ فقال:
إذا المرءُ وفَّى الأربعينَ ولم يكنْ له دون ما يهوَى حياءٌ ولا سترُ
فدعهُ ولا تنفِسْ عليهِ الَّذي أتَى وإنْ جرَّ أذيالَ الحياةِ له الدَّهرُ
ذو الإصبع العدوانيّ:
ليَ ابنُ عمٍّ على ما كانَ من خُلقٍ مُختلفانِ فأقْلِيه ويَقْليني
أزْرَى بنا أنَّنا شالتْ نعامتُنا فخالَني دونَه بل خِلتُهُ دونِي
يا عمرُو إنْ لا تدعْ شتمِي ومنقَصَتِي أضربْكَ حتَّى تقول الهامةُ اسقُونِي
لاهِ ابنُ عمِّكَ ما فُضِّلتَ في نسبٍ عنِّي ولا أنتَ ديّاني فتخْزونِي
ولا تَقوتُ عِيالي يومَ مسغبةٍ ولا بنفسكَ في العزّاءِ تكفينِي
إنِّي لعمرُك ما بابي بذِي غلقٍ عن الصَّديقِ ولا خَيري بمَمْنونِ
عفٌّ يَؤوسٌ إذا ما خفتُ من بلدٍ هُونًا فلستُ بوقَّافٍ على الهونِ
عنِّي إليكَ فما أُمِّي براعيةٍ ترعَى المَخاضَ ولا رأْيِي بمغبونِ
كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشيمتِهِ وإنْ تخلَّقَ أخلاقًا إلى حينِ
فإنْ عرفتُم سبيلَ الرُّشدِ فانْطلقوا وإن جهلتمْ سبيل الرُّشدِ فأْتُونِي
ماذا عليكم وإنْ كنتم ذوِي رَحِمِي أنْ لا أُحبُّكمُ إذْ لمْ تحبُّونِي
اللهُ يعلمُني واللهُ يعلمكُم والله يجزيكُم عنِّي ويَجْزيني
قد كنتُ أُوتيكُم مالِي وأمنحُكُم ودِّي على مُثبتٍ في الصَّدرِ مكنونِ
لا يُخرجُ الكُرهُ منِّي غيرَ مَأرَبتي ولا أَلينُ لمنْ لا يبتغِي لِينِي
أمَّا قوله: " عفٌّ يؤوسٌ " البيت، فكثير متّسع للقدماء والمحدثين، فمن ذلك:
إذا دارٌ نبتْ بك فاطَّرحْها فدارُ السَّوءِ ليسَ بها ثواءُ
وما بعضُ الإقامةِ في بلادٍ يُهانُ بها الفتَى إلاَّ عناءُ
مثله للوليد بن عطيَّة:
إذا خفتَ من دارٍ هوانًا فلا تقِمْ بها وأنتَ عمَّا فيه عنك غناءُ
فإنَّك إنْ تشطُطْ بكَ الدَّارُ يتَّسعْ لذلك أرضٌ غيرُها وسماءُ
مثله آخر:
فْإنْ بنتِ عنِّي أو تُريدي إهانةً أجدْ عنكِ في الأرضِ العريضة مذهبا
فلا تحسبنَّ الأرضَ بابًا سددتِه عليَّ ولا أمَّا أراها ولا أبا
مثله آخر:
إذا نَبا بي منزلٌ جُزْتُهُ واعتضتُ منه منزلًا أسهلا
وإنْ سئمتُ المكثَ في بلدةٍ قوَّضتُ عن ساحتها الأرْحُلا
سَبرة بن أبي عُيينة الأبجر:
ومن يبتْ والهمومُ قادحةٌ في قلبهِ بالزّنادِ لم ينمِ
ومن يرَ الّحضَ في مواطئهِ ينزلْ عن الدّحضِ موطئ القدمِ
وله أيضًا:
رضيتُ من القدرِ والفائداتِ إذا ضمَّك المجلسُ الحافلُ
بتسليمةٍ كلَّ خمسٍ وستٍّ وهل يرضينَّ بذا عاقلُ
عليك السَّلامُ فإنِّي امرؤٌ إذا ضاقَ بي بلدٌ راحلُ
وقال سُويد بن الحارث:
لعمري لقد نادَى بأرفعِ صوتهِ نعيّ حوى أنَّ فارسكُم هوَى
أجلْ صادقًا والقائلُ الفاعلُ الَّذي إذا رامَ أمرًا أنبطَ الماءَ في الصَّفَا
فتًى قبَلٌ لم تُعنس السِّنُّ وجههُ سوَى شهبٍ في الرَّأس كالفجرِ في الدُّجَى
أشارتْ له الحربُ العوانُ فجاءهَا سريعًا غداةَ الرَّوع أوَّلَ من أتَى
ولم يجنِها لكنْ جناها ابنُ عمِّه فآساهُ منقادًا فكان كمن جنَى
هذا مثل قول الآخر:
جنَى ابنُ عمّك ذنبًا فابتُليتَ بهِ إنَّ الفتَى بابنِ عمّ السَّوءِ مأخوذُ
جوَّاس بن القعطل:
بكِّي على قتلَى القُبور فإنَّهم طالتْ إقامتُهم ببطنِ بَرامِ
كانوا على الأعداءِ نارَ حفيظةٍ ولقومهم حرَمًا من الأحرامِ
لا تهلكِي جزعًا فإنِّي واثقٌ بسيوفنا وعواقب الأيَّامِ
عمرو بن مرَّة القَينيّ:
لقد ماتَ بالبيداءِ من جانبِ الحمَى فتًى كانَ زَينًا للمواكبِ والشّربِ
تظلُّ بنات العمّ والخال حولهُ صواديَ لا يروَين بالباردِ العذبِ
يُهلنَ عليه بالأكفِّ من الثَّرى وما من قلًى يُحثى عليه من التُّربِ
مرَّة بن سويد الجرميّ:
أذهبَ الموتُ صالحَ اللاحقيِّي نَ فلمْ يُبقِ منهمُ لاحقيَّا
لا هنيّا ولا مريّا ليَ العَي شُ وقد كانَ لي هنيّا مرِيّا
مسعود بن مالك الجرميّ:
نعَى النَّاعِي أبا قطن سُويدا ووافانا بمصرَعه البريدُ
تركتُم فارسًا غادَرْتُموهُ تعاورهُ الفوارسُ والحديدُ
لقد وارَى ثراكَ فتًى كريمًا وأوْصالًا بهنَّ دمٌ وجُودُ
وله:
ألا لا فتًى بعد ابن ناشرَة الفتَى ولا مجدَ إلاَّ قد تولَّى وأدبَرَا
فتًى حنظليٌّ ما تزال يمينهُ تعرّفُ معروفًا وتُنكرُ مُنكرا
لحَى اللهُ قومًا أسلموكَ وجرّدوا عناجيجَ أعطتها يمينكَ ضُمَّرا
منافع بن ميمون:
أبعدَ بني عمرٍو أُسَرُّ بمُقبلٍ من العَيش أو آسَى على إثْر مُدبرِ
وليس وراءَ الشيءِ شيءٌ يردُّهُ عليكَ إذا ولَّى سوَى الصَّبر فاصْبِرِ
سلامٌ بني عمرٍو على حيثُ أنتمُ وإنْ لم تكونوا غير تربٍ وأقبُرِ
ابن الدُّمَيْنة:
أمَا والَّذي حجَّت له العيسُ وارتَمَى لرضوانهِ شُعثٌ طويلٌ ذميلُها
لئن دائراتُ الدَّهر يومًا أردنَ لِي على أُمّ عمرٍو نوبةً لا أُقيلُها
وله أيضًا:
خليليَّ من عوفٍ عفا اللهُ عنكما ألِمَّا بها إنْ كانَ يرجَى كلامُها
وإنَّ مَقيلًا عند ظمياءَ ساعةً لنا خلفٌ من لومةٍ سنُلامُها
ابن الطَّثرية:
عزَّيتُ نفسًا عن هواكِ كريمةً على ما بها من لوعةٍ وغليلِ
بكتْ ما بكتْ من شجوِها ثمَّ راجعتْ لعرفان هجرٍ من نواك طويلُ
السَّمهري بن جحدر العُكليّ وكان لصًّا فحُبس في سجن المدينة:
لقدْ جمعَ الحدَّادُ بين عصابةٍ تساءلُ تحتَ اللَّيل ماذا ذنوبُها
مقرَّنة الأقدام في السّجن تشتكِي ظنابيبَ قد أمستْ متينًا علوبُها
إذا حرَسيٌّ قعقعَ الباب أرعشتْ فرائصُ أقوامٍ وطارتْ قلوبُها
بمنزلةٍ أمَّا اللَّئيمُ فشامتٌ بها وكرامُ النَّاسِ بادٍ شحوبُها
ألا ليتَنِي من غيرِ عُكلٍ قَبيلتي ولم أدرِ ما شُبَّانُ عُكلٍ وشيبُها
قُبيِّلة لا يقرع البابَ وفدُها لخيرٍ ولا يأتي السَّدادَ خطيبُها
فإنْ يكُ عكلٌ سرَّها ما أصابَني فقد كنتُ مصبُوبًا على ما يريبُها
شُتَيم بن خُويلد الفزاريّ:
سائلْ عُقَيلا عنَّا وإخوتَهم بني تميمٍ ففيهمُ الخبرُ
في أيِّ عِيصٍ وشوكةٍ وقعُوا وأيّ قومٍ بعزِّه ذُعروا
ولَّوا وأرماحُنا حقائبُهم نُكرِهُها فيهمُ وتَنأَطرُ
فَروة بن مُسَيك المُراديّ:
مررنَ على لُفَاتَ وهنَّ خُوصٌ يُبارين الأعنَّة ينتَحِينا
فإنْ نَهزمْ فهزَّامون قدمًا وإنْ نُغلبْ فغيرُ مُغلَّبينا
وما إنْ طِبُّنا جُبنٌ ولكنْ مَنايانا ودولةٌ آخَرينا
ومَن يُغررْ بريب الدَّهر يومًا يجدْ ريبَ الزَّمان له خَؤونا
فأفنَى مرَّةً ساداتِ قومي كما أفنَى القرون الأوَّلينا
فلو خَلَد الملوكُ إذًا خلَدْنا ولو بقيَ الكرامُ إذًا بَقينا
مُحرز بن المكعبر:
ناديتُ زيدًا فلم أفزعْ إلى وكَلٍ رثِّ السِّلاح ولا في الحيِّ مكثورِ
سالتْ عليهِ شعابُ الحيّ حينَ دعا أصحابَه بوجوهٍ كالدَّنانيرِ
القتَّال الكلابيّ وكان من الفتَّاك فأُخذ في جنايةٍ جناها فطال حبسه وضجر فقتل السجَّان وهرب فقال:
نظرتُ وقد جَلى الدُّجَى طامسَ الصُّوَى بسَلْعٍ وقرنُ الشَّمس لم يترجَّلِ
ألا حبَّذا تلك البلادُ وأهلُها لَوَ انَّ عذابي بالمدينةِ ينجلِي
أقولُ لأصحاب الحديدِ تقرَّبوا إلى نارِ ليلَى بالحمومين نصطَلي
يُضيء سناها وجهَ ليلَى كأنَّما يُضيء سناها وجهَ أدماءَ مُغزِلِ
بدتْ بين أستارٍ عِشاءً تلفُّها مراوحُ من ريحَيْ جنوبٍ وشمألِ
يكادُ بإثقابِ اليلنجوج جمرُها يُضيء إذا ما سِترُها لم يُجلَّلِ
ومندون حيثُ استوقدتْ هَضْب شابةٍ وهضبِ شَرَوْرَى كلُّ عَيطاءَ عيطلِ
تَبيض الحمام الوُرقُ في جَنَباتها ويُحرز فيها بَيضَه كلُّ أجدلِ
ولمَّا رأيتُ البابَ قد حالَ دونه وخفتُ لَحاقًا من كتابٍ مؤجَّلِ
رددتُ على المكروه نفسًا شرِيسةً إذا وطِّنتْ لم تستقدْ لتذلُّلِ
إذا قلتُ رفِّهْني من السّجن ساعةً تُتِمُّ بها نُعمَى عليَّ وتُفضِلِ
يَشدُّ وثاقِي عابسًا ويتُلُّني إلى حلقاتٍ في عمودٍ مرمَّلِ
أقولُ لهُ والسَّيف يقحفُ رأسَهُ أنا ابنُ أبي أسماءَ غيرَ تنحُّلِ
عرفت نداي من نداه وشيمتي وريحًا تغشَّاني إذا اشتدَّ مِسجَلِي
أما قوله: " أقول له والسَّيف " البيت، فمثل قول دريد:
أقولُ لهُ والرُّمحُ يأطِرُ متْنَه تأمَّلْ خُفافًا إنَّني أنا ذالِكا
حميد الأرقط وكان هجَّاءً للضيوف:
أواثبُ ضَيفي حين يُقبلُ طارقًا بسَيفي ولا أرضَى بما صنعَ الكلبُ
وأضربُهُ حتَّى يقولَ قتلْتَني على غيرِ جرمٍ قلتُ قلَّ لك الضَّربُ
وله أيضًا:
إذا ضافَني ضيفٌ سلبتُ ثيابَهُ وإنْ كانَ ذا طِرفٍ أقامَ على الخَسفِ
أحذّرُهُ أنْ لا يعودَ لمثلِها فإنْ عادَ عُدْنا في الجهالة والعنفِ
مثله لغيره:
وإنَّا لنجفو الضَّيف من غير عُسرةٍ مخافة أن يضرَى بنا فيعودُ
قال: تزوج عبد الله بن إسحاق الجعفري بأُمّ الحسام المرّية فنقلها من البادية إلى المدينة، فكانت معه في أرفع عيشٍ إلاَّ أنَّها كانت كثيرة الذِّكر للبادية والشَّوق إليها. قال عبد الرحمن بن إسحاق: وكان لي موضع يقرب من المدينة قد غرستُ فيه بستانًا حسنًا واخترت له أنواعًا من النَّخل وعملت فيه صهريجًا بديعًا قال: فخرجت أنا وأُمّ الحسام إلى هذا المكان وقصدنا البستان، فلمَّا نظرت إلى الصهريج جلست عليه وأرسلت رِجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطوفين معنا على النَّخل لنجني ما طاب من ثمره، قالت: ههنا أعجل إلي، فدرنا ساعة وهي على الصهريج ثمَّ انصرفنا إليها وهي تحرك شفتيها، فقلت لها: يا أمّ الحسام لا أحسبك إلاَّ وقد قلت شيئًا، قالت: أجل! وأنشدتني:
أقول لأدنَى صاحبيَّ أُسرُّه وللدَّمعِ تحدار المكَحَّلِ ساكبُهْ
لعمري لنهيٌ باللّوى نازحُ القذَى نقيُّ النواحي غيرُ طرقٍ مُشاربُهْ
أحبُّ إليَّ من صهاريجَ مُلِّئتْ للعبٍ فلم تحسنْ لديَّ ملاعبُهْ
فيا حبَّذا نجدٌ وطيب ترابِهِ إذا هضبتْهُ بالعشيِّ هواضبُهْ
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسَّمتْ ضحًى أو سرتْ جنحَ الظَّلام جنائبُهْ
بأجرَعَ مِمْراعٍ كأنَّ رياحَهُ سحابٌ من الكافور والمسكُ شائبُهْ
فأشهدُ لا أنساهُ ما دمتُ حيَّةً وما انحازَ ليلٌ عن نهارٍ يُعاقبُهْ
ولا زالَ هذا القلبُ حلفَ صبابةٍ بذِكراه حتَّى يترك الماءَ شاربُهْ
قال: ولما زُفَّت ميسون ابنة بحدل الكلبيَّة إلى معاوية بن أبي سفيان من بادية كلْب تشوَّقت إلى البادية فقالت:
لَبَيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيه أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيفِ
وأصوات الرِّياح بكلِّ فجٍّ أحبُّ إليَّ من نقرِ الدُّفوفِ
وبكرٌ يتبعُ الأظعانَ صعبٌ أحبُّ إليَّ من هرٍّ ألوفِ
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيني أحبُّ إليَّ من لبسِ الشُّفوفِ
وخرقٌ من بني عمِّي نحيفٌ أحبُّ إليَّ من علجٍ عليفِ
فلما سمع معاوية هذه الأبيات قال: ما رضيتْ واللهِ ابنة بحدل حتَّى جعلتني عِلجًا عليفًا.
قال: وغزا بعض الأعراب البحر من ناحية صُور وكان الوالي الَّذي أغزاه الأسود بن بلال بن أبي بردة، فلما رأى أهوال البحر كاد عقله أن يزول ثمَّ تماسك وقال:
أقولُ وقد ولَّى السَّفينُ مُلجِّجًا وقد بعدتْ بعد التَّقرُّبِ صورُ
وقد عصفتْ ريحٌ وللمَوج هزَّةٌ وللبحر من تحت السَّفين هديرُ
ألا ليت أجري والعطاءَ معًا لهم وحظِّي قُتودٌ في الزّمام وكُورُ
فللهِ رأيٌ قادني لسفينةٍ وأخضَر موَّارِ السَّراة يَمورُ
ترَى متنَه سهلًا إذا الرِّيحُ أقلعتْ وإنْ عصفتْ فالسَّهلُ منه وعورُ
فيا بنَ بلالٍ للضَّلال دعوتَني وما كانَ مثلي في الضَّلالِ يسيرُ
لئنْ وقعتْ رِجلايَ في الأرضِ مرَّةً وكانَ بأصحاب السَّفين كرورُ
ليعترضنَّ اسمي لدى العَرضِ خِلفةً وذلك إنْ كانَ الإيابُ يسيرُ
الصمَّة القُشيريّ:
خليليَّ إنِّي واقفٌ فمسلِّمٌ على النِّير فارْتاحا قليلًا فسلِّما
فإنِّي أحبُّ النِّيرَ والبرقَ الَّتي بها النِّيرُ حبًّا خالطَ اللَّحمَ والدّما
فلو زال هضبُ النِّير عن سكَناتهِ ليمَّمتُ من وجدٍ به حيثُ يمَّما
ولو كلَّمتْ صُمُّ الجِبال بموطنٍ صديقًا لحيَّانا إذنْ وتكلّما
معنى البيت الأخير من هذه الأبيات كثير جدًّا للمتقدمين والمحدثين فمن أحسن ذلك قول العرجيّ وقد رُوي لعمر بن أبي ربيعة:
ولهنَّ بالبيت العتيق لُبانةٌ والرُّكْن يعرفهنَّ لو يتكلَّمُ
لو كانَ حيًّا قبلهن ظعائنًا حيَّا الحطيمُ وُجوههنَّ وزمزَمُ
ومثله للفرزدق وقد رُوي لغيره:
هذا الَّذي تعرف البطحاءُ وطأتَهُ والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحرَمُ
يكاد يُمسكهُ عِرقانَ راحتهِ ركنُ الحطيم إذا ما جاءَ يستلمُ
ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول البحتري:
ولوَ انَّ مشتاقًا تكلَّف فوقَ ما في وسعه لمشَى إليك المنبرُ
ولبعض إخواننا وذكر قومًا غابوا عن بلدة ثمَّ عادوا إليها وهو من نادر هذا المعنى:
غِبتُم فلو نطقتْ بكت وقدمتمُ فلوِ استطاعتْ رحَّبتْ بالعِيرِ
فلاتّساع نظائر هذا المعنى وكثرتها اقتصرنا منها على القليل ولو أردنا أن نورد منها ما يكثر ويتسع لقدرنا على ذلك ولكن شرطنا أن نأتي من النظائر الَّتي تكثر وتتَّسع القليل لشهرتها ومعرفة النَّاس بها.
وللصمَّة أيضًا:
ألا مَن لنفسٍ مستخفٍّ جليدُها وسلمَى مُبينٌ بُخلها وصدودُها
أحقًّا عبادَ الله أنْ لستُ ناظرًا إلى الهضْب إلاَّ عاودَ النَّفسَ عيدُها
وإلاَّ استهلَّتْ عبرةٌ بعدَ زفرةٍ يصدِّعُ قلبي أنْ يلمَّ صعودُها
وإنْ كنتُ قدْ عُلِّقتُ من ساكن الحمَى مكذِّبةً وعدي صدوقًا وعيدُها
ولو طلبتْ منِّي على ذاكَ في الهوَى زيادةَ حبٍّ لم أجدْ ما أزيدُها
ألا قاتلَ اللهُ الهوَى بعد نظرةٍ أفادَكَها يومَ اللّقاء مفيدُها
فأخفيتُ من أصحابيَ الشَّوق بعد ما جرَى من جفونِ المقلَتين فريدُها
وكانَ بكاءُ العَين من قبلِ ما يُرَى على أُمِّ عمرٍو عادةً تستعيدُها
لياليَ يدعوني الهوَى فأُجيبُهُ ودُنيايَ لم يَخلقْ عليَّ جديدُها
فأصبحتُ قد حَلأتُ عن منهل الصِّبا صواديَ من قلبي ظِماءً أذودُها
أمَّا قوله: " ولو طلبت مني " البيت، فمثل قول البحتري:
ذاتُ وجهٍ لوِ استزادتْ من الحُسْ نِ إليه لمَا أصابتْ مَزيدَا
حاتم الطَّائيّ:
لعمرُ أبيكِ الخيرِ أحرِمُ طارقًا بليل إذا ما أرشدتْهُ النَّوابحُ
تخطَّى إليَّ اللَّيلَ إمَّا دلالةً عليَّ وإمَّا أيَّدتهُ النَّواصحُ
بشر بن أبي خازم الأسدي:
ألا بانَ الخليطُ ولم يُزارُوا وقلبُك في الظَّعائن مُستطارُ
أُسائلُ صاحبي ولقدْ رآني بصيرًا بالأحبَّةِ حيثُ سارُوا
فلأيًا ما قصرتُ الطَّرفَ عنهم على وجدٍ وقد تَلَعَ النَّهارُ
يفلِّجنَ الشِّفاهَ عنِ اقحُوانٍ جَلاهُ غِبَّ ساريةٍ قطارُ
وفي الأظعانِ آنسةٌ لعوبُ تيمَّمَ أهلُها بلدًا فسارُوا
فبتُّ مسهَّدًا أرِقًا كأنِّي تمشَّتْ في مفاصليَ العُقارُ
أُراقبُ في السَّماءِ بنات نعشٍ وقد عُطفتْ كما عُطف الصُّوارُ
فإنْ تكنِ العُقيليَّاتُ شطَّتْ بهنَّ عن المُصافين الدِّيارُ
فقد كانتْ لنا ولهنَّ حتَّى زَوتْنا الحربُ أيَّامٌ قصارُ
لياليَ لا أُطاوعُ من نَهاني ويضْفُو فوقَ كعبيَّ الإزارُ
فأعْصي عاذلِي وأُصيبُ لهوًا وأُوذِي في الزِّيارة مَن يغارُ
السفَّاح بن بُكير اليربوعيّ:
يا فارسًا ما أنتَ من فارسٍ موطَّأَ البيت رحيبَ الذِّراعْ
قوَّالَ معروفٍ وفعَّالِه عقَّارَ مثنَى أُمَّهاتِ الرِّباعْ
يجمعُ حِلمًا وأناةً معًا وربَّما انْباعَ انْبياعَ الشُّجاعْ
يَعدو فلا تكذبُ شدَّاتُهُ كما عدا اللَّيثُ غداةَ المِصاعْ
لا يخرجُ الأضيافُ من بيتِهِ إلاَّ وهم منه رِواءٌ شِباعْ
وفارسٍ باغٍ على قارحٍ ذي مَيعةٍ بالرُّمحِ صُلبِ الوِقاعْ
نهنهتُهُ عنكَ وحوضُ الرَّدَى يُوردُهُ كلُّ كميٍّ شجاعْ
ضَمرة بن أبي ضَمرة النهشليُّ:
ومُشعَلةٍ باللَّيل نهنهتُ وردَها إذا لم يذُدْ خوفَ المنيَّة ذائدُ
لدَيها الكُماةُ والحديدُ فمنهمُ مَصيدٌ بأطرافِ الرِّماحِ وصائدُ
أُذيقُ الصَّديقَ رأفتي وتعطُّفي وقد يشتكي منِّي العداةُ الأباعدُ
وذي تِرَّةٍ ناضلتُهُ فسبقتُهُ وقصَّر عنِّي سعيُهُ وهْوَ جاهدُ
وقرِنٍ تركتُ الطَّيرَ يَحجُل حولَه عليه نجيعٌ من دم الجَوف جاسِدُ
وطارقِ ليلٍ كنتُ وجهَ مَبيتِهِ إذا قلَّ في الحيِّ الجميع الرَّوافدُ
وقلتُ له أهلًا وسهلًا ومرحبًا وأكرمتُهُ حتَّى غدا وهْوَ حامدُ
وما أنا بالسَّاعي ليُحرزَ نفسهُ ولكنَّني عن عورةِ الحيّ ذائدُ
عَوف بن الخَرِع التَّيميّ:
لعمرُك إنَّني لأخو حِفاظٍ وفي يومِ الكريهةِ غيرُ غُمرِ
وما بي فاعْلَميه من خُشوعٍ إلى أحدٍ ولا أُزهَى بكبْرِ
سِنان بن أبي حارثة المُرِّي:
إنْ أُمسِ لا أشتكي نُصبي إلى أحدٍ ولستُ مهتديًا إلاَّ معِي هادِ
فقد صَبَحتُ سوامَ الحيّ مُشعلةً رَهوًا تطالعُ من غورٍ وأنْجادِ
وقد يسَرْتُ إذا ما الشَّولُ روَّحها بردُ العشيِّ بشفَّانٍ وصُرَّادِ
ثُمتَ أطعمتُ زادي غيرَ مدَّخرٍ أهلَ المحلَّة من جارٍ ومن جادِ
قد يعلَم القومُ إذ طالتْ غَزاتهُمُ وأرْمَلوا الزَّادَ أنِّي منفذٌ زادِي
علقمة بن عَبَدة من قصيدةٍ:
وفي الحيِّ بيضاءُ العوارض ثوبُها إذا ما اسْبكرَّتْ للشَّباب قشيبُ
إذا غابَ عنها البعلُ لم تُفشِ سرَّهُ وتُرضي إيابَ البعلِ حين يؤوبُ
فلا تعدِلِي بيني وبين مُغمَّر سفَتْكِ رَوايا المُزنِ حيث تَصوبُ
سقاكِ يمانٍ ذو حَبِيٍّ وعارضٌ تَروحُ به جنحَ الظَّلام جَنوبُ
يقول فيها:
فإنْ تسألوني بالنّساء فإنَّني عليمٌ بأدْواء النّساءِ طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه فليسَ له من وُدّهنَّ نصيبُ
يرِدنَ ثراءَ المالِ حيثُ علِمْنَهُ وشرخُ الشَّباب عندهنَّ عجيبُ
حدَّثنا أبو بكر أحمد بن منصور المعروف بابن الخيَّاط النحويّ، ﵀، قال: أخبرني صَعودًا قال: كنَّا في مجلس أبي عكرمة الضَّبِّيّ، وكان أعلم النَّاس بأشعار العرب وأرواهم لها على شراسة كانت في خُلقه، فرأيناه نشيطًا فقلنا له: ما نظنّ أنَّ للعرب قصيدةً في صفة الحرب مثل قصيدة قيس ابن الخطيم الَّتي أوّلها:
أتعرفُ رسمًا كاطِّراد المذاهبِ لعَمْرةَ وحْشًا غيرَ مُوقِفِ راكبِ
فقال لنا أبو عكرمة: ويخلق ما لا تعلمون، فعلمنا أن عنده شيئًا يريد أن يفيدناه فقلنا له: وما ذاك، يا أستاذ؟ قال: للعرب قصيدتان في وصف الحرب ما لهم مثلهما، قلنا: ما هما؟ قال: قصيدة الرَّبيع بن زياد العبسيّ وهي:
جاءُوا معًا فيلقًا جأواءَ مُشعَلَةً للموت تُمري وللأبطال تقتسرُ
صَريفُ أنيابها صوتُ الحديد إذا فَضَّ الحديثَ بها أبناؤها الوُفرُ
ودَرُّها الموتُ يُقرَى في مخالبها للوارِدين يوفِّي شربَهُ القَدَرُ
منِ امْتراها مَرَتْ كفَّاه حتفَهما أوِ اجْتلاها بدا منها له غِيرُ
في جوّها البِيضُ والماذيُّ مختلطٌ والجُردُ والمُردُ والخطِّيَّةُ السُّمرُ
حتَّى إذا واجَهَتْهم وهْيَ كالحةٌ شوهاء منها حِمامُ الموت ينتظرُ
جاءتْ بكلِّ كمِيٍّ مُعلِم ذَكَرٍ في كفِّه ذَكَرٌ يسعَى به ذكرُ
مُستوردين الوغَى للموت ردُّهم يوم الحفاظ على ذُوّادهم عَسِرُ
لهم سرابيلُ من ماءِ الحديدِ ومن نضحِ الدِّماءِ سرابيلٌ أُخرُ
مُظاهَراتٌ عليهم يوم بأسِهم لَونانِ جُونٌ وأُخرَى فوقها حمُرُ
في يومِ حتفٍ يُهالُ النَّاظرون بهِ ما إنْ تبِينُ به شمسٌ ولا قمرُ
فالبِيضُ يهتفْنَ والأبصارُ طامحةٌ ممَّا ترَى وخدودُ القومِ تنعفرُ
نكسوهمُ مُرهفاتٍ غيرَ مُحدثةٍ يشفِي اختلاسُ ظُباها مَن به صَعَرُ
هنديَّة كاشتعالِ البرقِ يعصِمُهم بها مغاويرُ عن أحسابهم غُيُرُ
أمَّا قوله: " جاءتْ بكلِّ كمِيٍّ مُعلِم ذَكَرٍ " البيت، فقد أتى به عمرو بن معدي كرب ولا يُدرى أيّهما أخذ من صاحبه، قال عمرو:
ذَكَرٌ على ذكرٍ يصولُ بأبيضٍ ذكَرٍ يمانٍ في يمينِ يمانِ
وأخذه مسلم بن الوليد فقال:
صمصامةٌ ذكَرٌ من تحتِه ذكَرٌ في كفِّه ذكَرٌ يَفري به الهامَا
قال أبو عكرمة: والقصيدة الأخرى الَّتي في صفة الحرب قصيدة ابن أحمر السّعديّ:
إذا الفيلق الجأواء صاحتْ كُماتُها صياحًا وأبدتْ عن نواجذها الخضرِ
وحرَّشَها أبناؤها فتحلَّبتْ عليهم دمًا يُمَرَ بخطِّيَّةٍ سمرِ
وقد نازَلوها بالقنا فتنازَعوا لدَى نحرِها كأسًا أمرَّ من الصَّبرِ
يُديرونها والقوم تلَقَ صدورهمْ صدورَ القنا والموتُ أدَنَ من الشِّبرِ
بموقف حتفٍ والمنايا شوارعٌ مع القوم لا يعرُون عنها ولا تُعرِي
وصُمُّ القنا يفلِقْنَ حَبَّ قلوبهم على حنَقٍ والخيلُ حاميةُ الحُضرِ
وقد صدَقُوا إهمادَ ضربٍ كأنَّهُ أجيجُ حريقٍ هاجَ مُضطرِمُ السَّعرِ
مع الصُّبح هاجوا ثمَّ أضحَوا ونارُهم تُشَبُّ وأمَسَى الشُّهبُ يَرْدين كالشُّقْرِ
وأمسَى العذاَرَى البِيضُ يهتفنَ حُسَّرًا قيامًا وأمسَى الحيُّ يَغبطُ ذا القبرِ
وأضحَوا يخوضونَ النَّجيع قدِ ارْتَدوا على الحَلق الماذيّ بالعلَق الحُمرِ
وقد قُطعتْ أعضادهُم وتقطَّعتْ بأيديهم البِيض الخفاف من البُهرِ
فما زالَ هذا دأْبَهم وفعالَهم بلا حاجزٍ للفجرِ يومًا إلى الفجرِ
قال صعودا: فلمَّا رأينا نشاطه سألناه عن أطبع قصيدة للعرب وأحسنها رونقًا وأكثرها ماءً، فقال لنا: لقد أكثرتم وأطلتم وسأنشدكم قصيدة
[ ١ / ٨٢ ]
وأنا أُعطي الله عهدًا أن عرَّفتكم من قالها، قالوا: نرضى بذلك، فأنشدنا:
ألا ما لعينِك مطروفةً بذكر الخيالِ الَّذي زارَها
لذكرِ خيالٍ سرَى مَوهنًا فهاجَ على العينِ عُوَّارَها
تجاوَزَ نحويَ هولَ النُّجودِ وسَهلَ البلادِ وأوعارَها
فبتُّ به جذِلًا ليلَتي إلى أنْ تبيَّنتُ أسحارَها
فلمَّا انتبهتُ وجدتُ الخيالَ أمانيَّ نفسٍ وتذكارَها
وفاضَ من العينِ مُغرورِقٌ من الدَّمعِ ألْثَقَ أشفارَها
لذكرِ الَّتي دونَ أبياتها تنائفُ تقطع مُزدارَها
وساجٍ من البحرِ مُغرورِقٌ يُنهنهُ دونيَ أخبارَها
نزورُ الكلام قطيعُ القيا مِ لم يُظلمِ الهمُّ أسهارَها
ولم تَشْتُ في صرمةٍ بالغضَا ولا الحزنِ تنظرُ ميَّارَها
كأنَّ سُخاميَّةً عُتِّقتْ ثلاثينَ حولًا وأعصارَها
لقيصَرَ لم يُغْلها طابخٌ ولم يُتعِبِ الوطءُ عصّارَها
فأصفَى بعقوته نفسهُ ولم يدعُ للبَيع تجّارَها
يُعَلُّ بها بردُ أنيابها إذا انْتابتِ الطَّيرُ أوكارَها
فيا ليتَها ساعفتْ بالوصو لِ وقتًا وحُمِّلتُ أوزارَها
وكَفِّي لها الرّهنُ أنْ لا أخونَ وأنْ لا أُضيِّعَ أسرارَها
متى ما أنلْ وُدّها صافيا فقد قضَّتِ النَّفسُ أوطارَها
وكنَّا ونحنُ لها جيرةٌ يطول تجنُّبُنا دارَها
حياءً على أنَّني اسْتَجَنُّ عليها وأغبط زُوّارَها
[ ١ / ٨٣ ]
إذا أنا أبثثتُها حاجةً أطالَ فؤادي إضمارَها
أرَتْني مَخايلَ يُعجبْنَني لغيريَ تُنزلُ أمطارَها
فيا ليتَ شِعري هل أُبصرنَّ بوادي العقيقين حُضَّارَها
وهل أشهدنَّ بتلك الهِضا بِ سَحْبَ الذُّيولِ وتَجْرارَها
وعاذلةٍ باكرَتْني تلومُ وتَفري من الغَيظ أطْمارَها
تخافُ عليَّ اجْتِنابي البلادَ ورَمْيي بنفسيَ أقطارَها
فقلتُ لتعلمَ ما نيَّتي وأنْ لستُ أحفلُ إكثارَها
أعاذلَ مهلًا فقِدْمًا عصيتُ مقالَ النِّساء وتأمارَها
دَعيني فلا أنا أرْجو الخلودَ ولا النَّفسُ تسبقُ مقدارَها
وليس القعودُ بمُنْجي النُّفوس بلِ اللهُ يكتبُ إنشارَها
وأرضٍ قطعتُ بلا صاحبٍ إذا الآلُ ألبَسَ أطرارَها
لهوتُ ببِيضٍ حِسان الوُجو هِ لم يَلجِ الضِّحُّ أبشارَها
كمثلِ الجآذرِ يُلهينَنِي وأدْعو إلى اللَّهوِ أبكارَها
وخَيلٍ هديتُ وخيلٍ حميتُ إذا هيَ لم تحمِ أدبارَها
وما زلتُ منذُ فهمتُ الشُّؤون ونقضَ الأمور وإمْرارَها
لِزازَ خُصومٍ إذا أجْلبوا أُكفكفُ بالصَّمتِ مِهذارَها
وكشَّافَ هولٍ وركّابَهُ وحَلاّلَ بيدٍ وسيّارَها
عقرتُ لهم عندَ إرْمالهم قلوصي ولم أدعُ أيْسارَها
ولم أكُ إذْ خِفتُ إرمالَهم كمنْ يكسعُ الشَّوْلَ أغبارَها
فهذا بلائي وإنِّي امرؤٌ حَلَبْتُ المعيشةَ أشطارَها
وكنتُ إذا ما أردتُ القَريضَ تخبِّرُني الجنُّ أشعارَها
[ ١ / ٨٤ ]
أرُوضُ صِعابَ قوافي القري ضِ حتَّى تذِلَّ فأخْتارَها
قوافٍ يورِّدُها صاحبي إليَّ وأكْفيهِ إصْدارَها
قال صعودا: فوالله لقد جهدنا به كلّ الجهد أن يعرّفنا من قائل هذا الشِّعر فلم يفعل، فلما حضرته الوفاة كتب وصيَّته. فقلت له: ما لتلك القصيدة في قلبي حلاوة حتَّى أعرف قائلها، فإن رأيت أن تعرّفني من قالها. فضحك لي وقال: قد كنت أتوهّمك موضعًا للوصيَّة، وأمَّا الآن فما أرى لك عقلًا، انْبِذ إليَّ بكتاب الوصيَّة. أتراني كنت في حالٍ من الأحوال أسوأَ أخلاقًا منِّي وأنا أستبينُ الموتَ في حركاتي، والله لا عرفتَ قائلها منِّي أبدًا. هات الوصيَّة وقمْ، فأخذها منِّي وانصرفت ومات في آخر يومه.
وقال سويد بن كراعٍ:
خليليَّ قُوما في عُطالةَ فانْظُرا أنارًا ترَى من نحو يَبْرِينَ أم برقا
فإنْ يكُ برقًا فهو في مُشمخِرَّةٍ يُغادرُ ماءً لا قليلًا ولا طَرْقا
يهبُّ برَيعان السَّحاب كأنَّما يُقوِّدُ أفراسًا مُجنَّبةً بُلْقا
وإنْ تكُ نارًا فهْيَ نارٌ بملتقًى من الرِّيح تزهاها وتَعفِقها عَفْقا
لأُمِّ عليٍّ أوقدتْها طَماعةً لأوبةِ رُكبانٍ تكونُ لها وَفْقا
متى تَرفعا العينَ البصيرةَ تعلَما بأنَّ المنايا قد قطعنَ بنا خَرْقا
يُحاذرنَ رَوعاتِ السِّياط كأنَّما يُحاذرنَ نُشَّابًا رُمينَ به رَشْقا
وكائنْ قطَعنا بعدكم من تَنوفةٍ من الأرضِ لم تُقطعْ أضالِعُها عَزْقا
تقومُ بها الوجناءُ وهْيَ رذِيَّةٌ كَلالًا وينسَى ذو المخالجة العشقا
المخالجة: المجاذبة إلى شيء آخر، ومنه سمِّي الخليج خليجًا لأنه جذَبه عن دجلة.
إذا غيَّرَ اللَّيلُ النَّارَ وأظلمتْ رَمينا بها حتَّى تراءى لها فَتْقا
خُفاف بن ندبة السلَميّ:
إذا أنا وافاني حِمامي ومَضجعي وسُوِّي عليَّ جندلٌ وكثيبُ
فكلُّ وفاءٍ عند ذلك ميِّتٌ وكلُّ رجاءٍ عند ذاك يَخيبُ
وكلُّ سنانٍ في الأنامِ ولِهْذِمٍ ومسرورةٍ وجْدًا عليَّ تذوبُ
عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
غدا ناعيك حين غدا بخطبٍ يَبُثُّ الشَّيبَ في رأسِ الوليدِ
ويُقعدُ قائمًا يُشجِي حشاهُ ويُطلقُ للقيامِ حِبَى القعودِ
وأمستْ خُشَّعًا منه بِرازٌ مُركَّبةَ الرَّواجبِ في الخدودِ
عقيل بن علقمة المُرّي:
أحقًّا عباد الله أنْ لستُ لاقيًا عُمارةَ طولَ الدَّهر إلاَّ توهُّما
فأُقسمُ ما جشَّمتُهُ من عظيمةٍ تَؤودُ كرامَ النَّاس إلاَّ تجشُّما
ولا قلتُ مهلًا وهْوَ غضبانُ قد غَلا منَ الغيظِ وسطَ القومِ إلاَّ تبسُّما
وله:
خليليَّ زُورا قبرَ عمرٍو فسلِّما عليه وجُودا بالدُّموعِ الجوامدِ
ولا تُعجلا بي أنْ أُلمَّ بأعظُمٍ ورمْسٍ بشرقيِّ الهَباءة هامدِ
وفي القبر نَفسي أو كنَفْسي رهينةٌ أتَى دونَهُ مرُّ المنايا الرَّواصدِ
فبُوركتَ من قبرٍ وبوركتِ بُقعةً بها مكَّثت للَّحْد أيدي اللَّواحدِ
سقَى اللهُ أكفانًا هناك وأعظُما غيوثَ السَّواري والغوادي الرَّواعدِ
أَأَبكي على عمرٍو فكفَّايَ هالَتَا عليه التُّربَ من نَثيلٍ ولابدِ
كأنِّي لعمرٍو كنتُ أُبدي عداوةً بحَثْوِي عليه التُّربَ فوقَ الجلامدِ
بِشر بن أبي خازمٍ الأسديّ:
أسائلةٌ عُميرةُ عن أبيها خِلالَ الجيشِ تعترِض الرِّكابا
تؤمّلُ أنْ يؤوبَ لها بنهبٍ ولم تعلمْ بأنَّ السَّهمَ صَابا
فإنَّ أباكِ قد لاقَى غُلامًا كميشَ القلبِ يلتهبُ الْتِهابا
فرَجِّي الخيرَ وانتظرِي إيابي إذا ما القارظُ العَنَزِيُّ آبا
فمن يكُ سائلًا عن بيت بِشرٍ فإنَّ له بجَنبِ الهضبِ بابا
ثوَى في مُلحَدٍ لا بدَّ منه كفَى بالموتِ نأيًا واغْتِرابا
رهينَ بِلًى وكلُّ فتًى سيَبْلَى فسُحِّي الدَّمعَ وانتحِبي انْتِحابا
مضَى قصدَ السَّبيل وكلُّ حيٍّ إذا حانتْ منِّيَّتُهُ أجابا
فإنْ أهلِكْ عُميرَ فرُبَّ زحفٍ يشبَّهُ نقعُهُ رهْوًا ضَبابا
سموتُ له لأُلبسهُ بزحفٍ كما لُفَّتْ شآميةٌ سَحابا
على رَبِذٍ قوائمُه إذا ما شأتْهُ الخيلُ ينسكبُ انْسكابا
شديد الأسرِ يحملُ أرْيَحيًّا أخا ثقةٍ إذا الحدَثانُ نابا
صَبورًا عند مُختلفِ العَوالي إذا ما الحربُ أبرزتِ الكعابا
الحارث بن هلال التّميميّ وكان هرب في بعض الوقائع فعيَّرته امرأته بفراره فقال:
أعاذِلَ إنِّي لم أُلَمْ في قتالهم وقد عضَّ سيفي كبْشَهم ثمَّ صمَّما
أعاذِلَ كم مِن يوم حربٍ شهدتُهُ أكُرُّ إذا ما فارسُ القَوم أحْجَما
أعاذِلَ ما ولَّيتُ حتَّى تبدَّدتْ رِجالي وحتَّى لم أجدْ مُتقدَّما
وحتَّى رأيتُ الوردَ يدمَى لَبانُهُ وقد كعَّتِ الأبطالُ فانْتَعلَ الدَّما
أعاذِلَ أفْناني السِّلاحُ ومَن يُطلْ مُقارعةَ الأبطال يرجع مُكلَّما
الضحَّاك بن قيس الحارثيّ:
سقَى اللهُ أجداثًا ورائي تركتُها بحاضرِ قِنَّسْرين من سَبَل القطرِ
ثَوَوا لا يُريدون الرَّواحَ وغالَهم من الموتِ أسبابٌ تجيءُ على قدرِ
لعمري لقد وارتْ وضمَّتْ قبورُهم أكُفًّا شدادَ القبضِ بالأسَلِ السُّمرِ
يُذكِّرُنيهم كلّ خيرٍ رأيتُهُ وشرٍّ فما أنْفكُّ منهم على ذكْرِ
البيت الأخير مثل قول الآخر:
يذكرنيك الخير والشر والذي وأرجو والذي أتوقع
ومن هذا المعنى قول مسلم:
يذكِّرُنيكَ الفضلُ والجودُ والحِجَى وقِيلُ الخنَا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فألقاكَ عن مذمومِها متنزِّهًا وألقاكَ في محمودِها ولك الفضلُ
وأحمدُ من أخلاقِك البخلَ إنَّه بعِرْضك لا بالمالِ حاشا لك البخلُ
وما نعرف في هذا المعنى أحسن من هذه الأبيات، فكلّ من رامها قصَّر عنها ولم يبلغ مداها. ولله درُّ عبد الصمد بن المعذَّل فقد طرّف هذا المعنى وجوَّده بقوله:
بالله أحلفُ إنِّي لستُ أذكرُهُ وكيفَ يذكرُهُ مَن ليس ينساهُ
شبيه بقول الآخر:
لمْ يُذكِّرْنِيك شوقٌ حادثٌ إنَّما يذكُرْ مَن كانَ سَها
ومن المعنى الأوَّل قول الآخر:
ما ذرّ قرن الشَّمس إلاَّ ذكرتُها وتُذْكِرُنيها ما دنتْ لغروبِ
وأذكرها ما بين ذاك وبين ذا وباللَّيل أحْلامي وعند هُبوبي
وبلَّيتُها شوقًا وبلاَّنيَ الهوَى وأعيا الَّذي بي طِبَّ كلّ طبيبِ
وأعجبُ أنِّي لا أموتُ صبابةً وما تلفٌ من عاشقٍ بعجيبِ
وكم لامَ فيها مِن مُؤدٍّ نصيحةً فقلتُ له أقصِرْ فغيرُ مُصيبِ
أتأمَنُ إنسانًا يفارقُ قلبَهُ أتَصلح أجسادٌ بغير قلوبِ
وكلّ محبٍّ قد سَلا غير أنَّني غريبُ الهوَى يا ويحَ كلِّ غريبِ
المعنى الَّذي نحن في ذكره البيتان الأوَّلان وإنَّما ذكرنا غيرهما من هذه الأبيات لأنَّها من نسيب الأعراب وهو غرضنا وما شاكله من أشعارهم في هذا الكتاب. وأمَّا قول الخنساء فهو نوعٌ من هذا المعنى إلاَّ أنَّها أرادت بهذا البيت نفسه أنَّها تذكره عند طلوع الشَّمس لأنه وقت الغارة ووقت غروبها وهو وقت مجيء الأضياف.
أعرابيّ:
عدوُّ تِلادِ المال فيما ينوبُهُ مَنوعٌ إذا ما منعُهُ كانَ أحْزَما
مُذلِّلُ نفسٍ قد أبتْ غير أن ترَى مَكارهَ ما تأتي من الحقِّ مغْنَما
أبو دهبل الجمحيّ ويقال إنَّها للخارجيّ:
أقولُ والرَّكبُ قد مالتْ عمائمُهم وقد سقاهُم بكأس النَّشوةِ السَّهَرُ
يا ليتَ أنِّي وأثوابي وراحِلَتي عبدٌ لأهلكِ طولَ الدَّهرِ مُؤتجرُ
إنْ كانَ ذا قدَرًا يُعطيكِ نافلةً منَّا ويحرِمُنا ما أنصفَ القدَرُ
جِنِّيَّةٌ أولَها حِنٌّ يعلِّمُها رَميَ القُلوب بقوسٍ ما لَها وتَرُ
أخبرنا ابن دريد عن عبد الرحمن عن الأصمعي قال: سألتُ ذفافة بن مقدام العبسيّ، وكان فصيحًا، فقلت: هل كانت أوائل العرب تعرف الفتوَّة؟ قال: إيه الله لقد انتظم ذاك أخو بني مازن بقول:
إنَّ الفتوَّةَ والمُرُو ءةَ لا تكونُ بغير زادِ
ولها عتادٌ يَقْتَفِي هِ المرءُ من خير العتادِ
نفسٌ تعفُّ عنِ الخَنا ويدٌ تهلَّلُ بالتِّلادِ
ومهنَّدٌ قَضَّابةٌ ومقلِّصٌ سلِسُ القيادِ
ومُفاضةٌ سَرْدٌ كأ نَّ قتيرَها حدقُ الجرادِ
ومُسيِّعٌ بين الضُّلو عِ عتادَ مُمتنع الفؤادِ
طلاَّبُ أوتار العَشِي رَةِ فوقَ أوتار الأعادي
أمَّا قوله: " ومفاضة سرد " البيت، فقد أتى به جماعة من الشعراء ونظنّ الأصل فيه هذا البيت أو قول عمرو بن معدي كرب:
وكلّ مفاضةٍ كالنِّهْي زَغْفٍ كأنَّ قتيرَها حدقُ الجَراد
من القديم الجيد في هذا المعنى قول النمر بن تولب:
وكأنَّما انطمرَتْ جنادبُ حَرَّةٍ في سرْدها فرمتْك عن أبصارِها
أخذه الأخطل فقال:
زَغْف كأنَّ قتيرَها تَرميك من حَدَق الجنادبْ
وممَّن جوَّد هذا التشبيه وزاد فيه زيادةً بيّنة ابنُ سلام المكاري في قصيدته الَّتي يرثي فيها يحيى بن عمر العلويّ ﵇:
تضايق منها السّرْدُ حتَّى كأنَّها تَخازَر فيها بالعيونِ الجنادبُ
هذا البيت أجود ما نعرف في هذا المعنى، فأمَّا قول ابن الروميّ:
تغلغَلَ الرّمحُ في الدِّرعِ الَّتي رُتِقتْ رتْقًا فلو صُبَّ فيها الماءُ رشَحا
فهو عندنا خطأ لأنَّ هذه الصفة بالسُّور الحديد أولى منها بصفة الدّرع، وهذا من المبالغة الَّتي تُحيل المعنى.
حدَّثنا الصّوليّ عن أبي العيناء قال: حدَّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدَّثني محمد بن إبراهيم اللّيثيّ قال: حدَّثنا محمد بن معن الغفاريّ قال: أقحمتِ السّنةُ ناسًا من الأعراب فحلُّوا المذار فأبرقوا فإذا غلامٌ منهم قد عاد جِلدًا وعظمًا وهو رافع عقيرته يتغنَّى بأبيات قالها عند نظره إلى البرق وهي:
ألا يا سَنا برقٍ على قُلَل الحمَى ليَهْنك من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعنُ اقْتِذاءَ الطَّير والقومُ هُجَّعٌ فهيَّجْتَ أحزانًا وأنت سليمُ
لمعتُ بحدّ المرفقين أشيمُهُ كأنِّي لبرقٍ بالسّتارِ حميمُ
فهلْ من مُعيرٍ طرفَ عينٍ خليَّةٍ فإنسانُ عَين العامرِيّ كليمُ
رمَى قلبَهُ البرقُ اليمانيُّ رميةً بذكر الحِمَى وَهْنًا فكاد يهيمُ
فقلت: يا غلام! في دون ما بك ما يُفحم عن الشِّعر، فقال: أجل ولكنَّ البرق أنطقني، قال: فما مكث يومه ذلك حتَّى مات.
[ ١ / ٨٥ ]
أمَّا قوله: " فهل من معير " البيت، فهو مثل قول العبَّاس:
نزح البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ عينًا لغيرك دمعُها مِدرارُ
مَن ذا يُعيرك عينَه تَبكي بها أرأيتَ عينًا للبكاءِ تُعارُ
وقريب منه قول الآخر:
ولِي كبِدٌ مقروحةٌ مَن يَبيعني بها كبدًا ليستْ بذاتِ قُروحِ
أبَى النَّاسُ وَيبَ النَّاسِ لا يَشتَرونها ومَن يشتَرِي ذا عُرّةٍ بصحيحِ
وقع بين الأعراب وبين أخيه شرٌّ فقال:
ويزعم أقوام أتَوهُ بظنَّةٍ بأنْ سوفَ تأتيني عقاربُهُ تَسري
فودَّتْ رجالٌ لو تمادتْ بنا الخُطا إلى الغيّ أو تُلفَى علانِيةً تجْرِي
أبتْ رَحِمٌ أطَّتْ لنا مُرجحِنَّة أماني العدَى والكاشح الحسِكِ الصَّدرِ
فقلْ لوُشاة النَّاس لن تُذهب الرُّقَى ولا عاقداتُ السِّحرِ وُدَّ أبي عمرِو
أبو الميَّاح العبديّ:
ولا تعرضنْ للشَّرِّ من دون أهلهِ إذا كنتَ خِلوًا عن أذاعُ بمعزِلِ
ومَن يَقِ أعراضَ الرِّجالِ بعرضِه يُبِحْ مَحْرمًا من والدَيْه ويجهلِ
ولا تكُ ممَّن يُغلقُ الهمُّ بابَه عليه بمِغلاقٍ من العجزِ مُثقِلِ
ولا تجعلِ الأرض العريضَ محلُّها عليك سبيلًا وعْثةَ المتنقَّلِ
وإنْ خفتَ من دارٍ هوانًا فوَلِّها سواكَ وعن دارِ الأذَى فتحوَّلِ
وما المرءُ إلاَّ حيثُ يجعلُ نفسَهُ ففي صالح الأخلاقِ نفسَك فاجْعَلِ
مُرَّة بن منقذ يرثي جاهل بن ظالم:
جَسورٌ لا يروَّعُ عند همٍّ ولا يَثني عزيمتهُ اتِّقاءُ
حليمٌ في شراسته إذا ما حُبَى الحُلَماء أطلَقَها المِراءُ
حليمٌ في عشيرته فقيد يطيب عليهِ في الملأِ الثَّناءُ
وإنْ تكنِ المنيَّةُ أقصدتْهُ وحُمَّ عليه بالتَّلَفِ القضاءُ
فقد أودَى به كرمٌ ومجدٌ وعَودٌ بالمكارمِ وابتداءُ
غنيّ بن مالك العُقيليّ:
ألاَ يا لقومٍ للمنيَّةِ ماتَنِي تكرُّ وما تشوى لِكِنٍّ قسيمُها
إذا كانَ بين المرءِ والدَّهر قسمةٌ أبى الدَّهرُ أن يرْمِي بها أو يَضيمُها
فكيفَ يرجَّى العاذلاتُ تجلُّدي وصَبْري إذا ما النَّفسُ صِيبَ حَميمها
قوله: " صِيبَ حميمها " بغير ألف لغةٌ فصيحة عنهم.
حدَّثنا ابن دريد عن أبي عبيدة، قال أبو حاتم: قال لي أبو عبيدة: تريد أن أنشدك شعرًا يجمع لك فراسةَ الخيل؟ قلت: نعم، فأنشدني:
ذاك وقد أذعُرُ الوحوشَ بصَلْ تِ الخدِّ رحبٍ لبانُهُ مُجزرْ
طويلِ خمسٍ قصير أربعةٍ عريض ستٍّ مقلِّصٍ حشْوَرْ
حدت له تسعة وقد عريت تسع خفيه لناظر فنطره
ثمَّ لهُ تسعة كُسِين وقد أرحَبَ منه اللَّبانُ والمنخرْ
بعيد عشرٍ وقد قرُبنَ له عشرٌ وخمسٌ طالتْ ولم تقصُرْ
نُقفيهِ بالمَحْض دون وِلْدَتِنا وعُضُّهُ في آرِيِّه يُنثرْ
حتَّى شَتا بادنًا يقال ألا يَطوون من بُدنهِ وقد أُضمرْ
موثَّقُ الخَلْق جُرشُعٌ عَتَدٌ مُنفرجُ الحُضْرِ حين يُستحضرْ
خاظِي الحَماتَين لحمُهُ زِيَمٌ نهدٌ شديد الصِّفاق والأبهرْ
رقيق خمسٍ غليظ أربعةٍ ناتي المعَدَّين ليِّنُ الأشعرْ
ذكر ابن قتيبة أنَّ هذا الشِّعر لا يخرَّج من العروض ولا ندري على ما يُترك هذا القول مع صحَّة هذا الشعر في الذَّوق وسلوكه في السَّمع، ويضطرب في الذَّوق مثل:
أقفَرَ من أهلهِ ملحوبُ فالقُطَبِيَّاتُ فالذَّنوبُ
ومثل:
هلْ بالدِّيار أن تُجيبَ صَمَمْ لوَ انَّ رَبْعًا ناطقًا كلمْ
وفي هاتين القصيدتين وغيرهما من الأبيات الَّتي تجفو على السمع ولا يصححها الذَّوق عددٌ كثيرٌ لو تتبعنا ذلك في هذين الشِّعرين دون غيرهما لكثر واتّسع ما يجفو عنه السّمع إلاَّ أنَّا نعلم أنَّهم لم يذكروا شيئًا من ذلك إلاَّ بحجَّة ناطقة وليلٍ صحيح، غير أنَّ الذوق يصحِّح هذه الأبيات الَّتي قدَّمنا ذكرها في صفة الفرس ولا ينبو عنها السَّمع لاطِّرادها واستقامتها وإن كانوا قد ذكروا أنَّها خارجة عن جميع الأعاريض الَّتي لأتت بها أشعار العرب.
مسرور بن ميسرة الضّبّيّ:
ألم أكُ نارًا يصطَليها عدوّكم وجِرزًا لِما ألجأتمُ من ورائيا
وباسطَ خيرٍ فيكمُ بيمينهِ وقابضَ شرٍّ عنكمُ بشمالِيا
ألاَ لا تَخافا نَبوتي في ملمةٍ وخافا المَنايا أنْ تَفوتكما بِيا
عاصم بن الحَدَثان الشَّاري:
وهُم إذا كسَروا الجفونَ أكارمٌ صُبُرٌ وحين تُحلَّلُ الأزرارُ
يغشَوْن حومات المَنون وإنَّها في الله عند نفوسهم لصغارُ
لا يشتَرون سوَى الثَّناء بمالِهم وهمُ إذا مدُّوا الرِّماحَ تِجارُ
أخذ كلام هذا البيت الأخير وبعض معناه، وإنْ كان قد قصَّر في ذلك، من قول أبي الطَمحَان القينيّ:
إذا لبسُوا عمائمَهم ثَنَوها على كرمٍ وإن سَفَروا أناروا
يبيعُ ويشترِي لهُم سواهمْ ولكن بالرِّماح همُ تِجارُ
إذا ما كنتَ جار بني خُرَيمٍ فأنتَ لأكْرم الثقلَين جارُ
وقد رويت هذه الأبيات لأبي يعقوب الخُرَيميّ ولمن كانت فهي جيّدة الكلام صحيحة المعنى.
النعمان بن بشير الأنصاري:
وإنِّي لأُعطي المالَ من كانَ سائلًا وأُدركُ للمولَى المعاندِ بالظُّلمِ
فلا تعدُدِ المولَى شريكك في الغنَى ولكنَّما المولَى شريكك في العدمِ
إذا مَتَّ ذو القربَى إليكَ برُحمِهِ غشّك واستغنَى فليسَ بذي رحمِ
ولكنَّ ذا القربَى الَّذي يستخفُّهُ أذاكَ ومِن يرمي العدوَّ الَّذي تَرمي
طريف الغَنَوي:
إنَّ قَناتي لنَبعٌ ما يليِّنُها غمزُ الثِّقاف ولا وهنٌ ولا عارُ
متى أُجِرْ خائفًا تأمَنْ مسارحهُ وإنْ أُخِفْ آمنًا تغلقْ به الدَّارُ
عديّ بن الرِّقاع العامليّ ولا نعرف فيما خوطبت به الدَّار أحسن من هذه الأبيات:
فسُقيتُ من دارٍ وإنْ لم تسمعي أصواتَنا صوبَ الرَّبيع المُسبلِ
ورُعيت من دارٍ وإنْ لن تنطقي بجواب حاجتِنا وإن لم تعقِلي
قد كانَ أهلكِ مرَّةً لكِ زينةً فتبدَّلوا بدلًا ولم تستبدِلي
فأبْكي إذا بكتِ المنازلُ أهلَها معذورةً وظلمتِ إنْ لم تفعلِي
لبعض الزّجّار:
ما مِن هوَى أُمامةَ اعْتذارُ
ولا لحسرٍ عندها اعْتمارُ
بيضاءُ في وجنتِها احْمِرارُ
بعَينها يحلو لها النُّضارُ
هيَ اللَّيالي وهوَ النَّهارُ
ولآخر يهجو:
لو كنتَ ريحًا كانتِ الدَّبورا أو كنتَ غيمًا لم يكنْ مَطيرا
أو كنتَ ماءً لم يكنْ طَهورا أو كنتَ مُخًّا كنت مخًّا رِيرا
مثله لآخر:
لو كنتَ ماءً لم تكنْ بعذبِ أو كنتَ سيفًا لم تكنْ بعَضبِ
أو كنتَ لحمًا كنتَ لحمَ كلبِ أو كنتَ عَيْرًا لم تكنْ بنَدْبِ
مثله لآخر:
لو كنتمُ شاءً لكنتم نَقَدا أو كنتم ماءً لكنتم زَبَدَا
أو كنتمُ طيرًا لكنتمْ صُرَدَا أو كنتم عِدًّا لكنتم ثَمَدا
أو كنتمُ صُوفًا لكنتمْ قَرَدَا أو كنتم لحمًا لكنتم غُدَدَا
أبو دؤاد الإياديّ:
نَعَى ابنُ حَريزٍ جاهلٌ بمصابهِ فعمَّ نِزارًا بالبُكا والتَّحوُّبِ
نعاهُ لنا كاللَّيثِ يَحمي عرينهُ وكالبدرِ يُعشي ضوءهُ كلّ كوكبِ
وأصبَر من عَودٍ وأهدَى إذا سَرَى من النَّجمِ في داجٍ من اللَّيل غيهبِ
وأذْرَبَ من حدِّ السِّنان لسانُهُ وأمضَى من السَّيف اليمانيّ المشطَّبِ
زعيم إيادٍ كلّها وخطيبها إذا قامَ طأطأ رأسه كلّ مِشغبِ
سليل قرومٍ سادة الفضل قادة يبُذُّون يومَ الجَمْع أهلَ المحصَّبِ
أعرابيّ:
أبيتُ ويأبَى النَّاسُ لي أنْ يُذِلَّني وقوفٌ ببابٍ ردَّني عنه حاجبُ
أَأُوجبُ حقًّا لامرئٍ غيرِ موجبٍ لحقِّي لقد ضاقتْ عليَّ المذاهبُ
آخر:
إذا المرءُ أولاكَ الهوانَ فأولِهِ هَوانًا وإن كانتْ قريبًا أواصرُهْ
فإنْ أنتَ لم تقدِرْ على أنْ تُهينهُ فذرْهُ إلى اليومِ الَّذي أنتَ قادرُهْ
وقاربْ إذا ما لم تكنْ لك قدرةٌ وصمِّمْ إذا أيقنتَ أنَّك عاقرُهْ
هذا مثل قول المنصور:
إذا مدَّ يدَه إليك عدوُّك ولم تقدِر على قطعها فقبِّلْها
أعرابيّ من بني أسد قصر به ماله عن التزوج فقال:
[ ١ / ٨٦ ]
زعم الكواسدُ أنَّني متزوجٌ منهنَّ أو متعزِّبٌ فمُطيلُ
يا ربّ إنَّ تعزُّبًا أختارُهُ إنْ كانَ ليس إلى المِلاح سبيلُ
وغالى أعرابيّ في امرأة فلامَه قومه وعنَّفوه فقال:
يقولون قد أغليتَها قلتُ إنَّما يُسامي غلاءَ المهرِ من كانَ غاليا
لعَمري لقد أغليتُها وهيَ أهلُهُ على حين راعَ الشَّيبُ منِّي الغوانيا
مثله لآخر:
ابتَعتُ ظَبيةً بالغَلاء وإنَّما يُعطي الغلاء بمثلها أمثالِي
وتركتُ أسواءَ القِباح لأهلها إنَّ القباحَ وإنْ رخصْنَ غوالِي
الحطيئة:
إذا خافك القومُ اللِّئامُ وجدتَهم سراعًا إلى ما تشتهِي وتُريدُ
وإنْ أمنوا شرَّ امرئٍ نصبوا له عداوتَهم إمَّا رأوهُ يحيدُ
فداوهُمُ بالشَّرِّ حتَّى تذلَّهم وأنتَ إذا ما رمتَ ذاك حميدُ
وهم إن أصابوا منكَ في ذاكَ غفلةً أتاكَ وعيدٌ منهمُ ووعيدُ
فلا تخشَهم واخشُنْ عليهم فإنَّهم إذا أمِنوا منك الصِّيالَ أسُودُ
تأبَّط شرًّا:
وفي عُنقي سيفٌ حسامٌ مهنَّدٌ ومُرهفةٌ زورٌ شدادٌ عُيورُها
سَماحيجُ أشباهٌ على قدْر واحدٍ تبيدُ أعادِيها وتغلِي قدورُها
وصف نَبلًا فذكر أنَّه يقتل بها الأعادي ويصيد الحمُر الوحشية بها فيغلى من لحومها القدور.
أبو الجوين العبسيّ:
إنِّي امرؤٌ ما تستقرُّ دارهمِي على الكفِّ إلاَّ عابراتِ سبيلِ
أحكِّمُ فيها الحقَّ حتَّى أذلَّها إذا زادَ عنها الحقّ كلُّ بخيلِ
مثله للغطمَّش الضَّبِّيّ:
ومَن يكُ كفُّه للمالِ سِجنا فكفِّي للدَّراهمِ كالسَّبيلِ
يمرُّ الدرهمُ الصَّيَّاحُ فيها جوادًا ما يعرِّج للمَقيلِ
توبة بن الحميِّر:
وأُغبَط من ليلَى بما لا أنالُهُ ألا كلُّ ما قرَّتْ به العينُ صالحُ
فلو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْ عليَّ ودُوني جندلٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوزَقا إليها صدًى من جانبِ القبر صائحُ
ولو أنَّ ليلَى في السَّماءِ تصاعدتْ بطرْفي إلى ليلَى العيونُ الكواشحُ
وهل في غدٍ إنْ كانَ في اليوم علَّةٌ دواءٌ لما تلقَى النُّفوسُ الشَّحائحُ
وهل تبكِنِي ليلَى إذا متُّ قبلَها وقامَ على قبرِي النِّساءُ النوائحُ
كما لو أصابَ الموتُ ليلَى بكيتُها وجادَ لها جارٍ من الدَّمعِ سافحُ
مالك بن وبَر الفزاريّ:
لا يبعِدِ اللهُ قومًا إنْ سألتهمُ أعطَوا إنْ قلتُ يا قومِ انْصُروا نَصَروا
وإنْ أصابتهمُ نعماءُ سابغةٌ لم يبطَروها وإنْ فاتتهمُ صَبَروا
ومثله لحمزة بن بِيض:
أغلق دون السّماح والجُو دِ والنَّجدة بابًا حديدُه أشِبُ
لا بطرٌ إنْ تتابعتْ نعمٌ وصابرٌ في البلاءِ محتسبُ
برَّزتْ سبقَ الجِياد في مهَلٍ وقصَّرتْ دون سبقك العربُ
وقريب منه وإن لم يكن بعينه:
أحبَّني النَّاسُ لحُبِّي لهم والسّعيِ في الحاجاتِ للنَّاسِ
وبسطِ معروفي وكفِّي لهم وحفظِ إخواني وجُلاَّسي
إن أغنَ لم يخفَ غَنائي وإنْ أفلستُ لم يُعلمْ بإفلاسِي
ابن الطَّثريَّة:
ألا قاتلَ اللهُ الهوَى ما أشدَّه وأصرعهُ للمرءِ وهوَ جليدُ
فقلْ للهوَى لا يألُوَنِّي جهدهُ فليس على ما قد وجدتُ مَزيدُ
دعاني الهوَى من نحوها فأجبتُهُ فأصبحَ بي يستنُّ حيث يريدُ
المرّار الفقعسيّ:
أبِالبينِ أمسَى أسفلُ العينِ يلمعُ أمِ الهجر يخشاه الفؤادُ المروَّعُ
فيا سلْمَ لا ودعٌ على العيشِ دائمٌ ولا الوصلُ إلاَّ ريثَما يتقطَّعُ
فلو أنَّها إذ لم تجنَّ نصيحةً أجنَّ الهوَى منها ضميرٌ وأضلعُ
ولو أنَّها إذ لم تجُدْنا بنائلٍ تعمِّي على الواشي كما كنتُ أصنعُ
أتانا رسولٌ من سُليمى بأنَّنا غَنِينا وقد يغنَى المحبُّ وينفعُ
وبعضُ الغِنَى ممَّا يزيدُ ذَمامة وبعضُ الغِنَى ممَّا يزيدُ ويرفعُ
مُكنف بن نُميلة المُزَنيّ:
تذكَّر ليلَى أُمَّ بكرٍ وذكرُها جوًى بين أطْلاح الضلوعِ وداءُ
وما ذكرُ ليلَى أُمِّ بكرٍ إذا نأتْ بها الدَّارُ إلاَّ حسرةٌ وعناءُ
ولم تجزِني بالودِّ ليلَى ولم يكنْ لنا عند ليلَى بالبناءِ قضاءُ
ولا خيرَ في وصلٍ إذا لم يكن له على طولِ جرّ الحادثات بقاءُ
وما بحتُ بالسِّرّ الَّذي كانَ بيننا وبينكِ إلاَّ أنْ يبوحَ بكاءُ
لعمري لئن قُنِّعتُ بالشَّيب وانكفا بما فيه من ماء الشَّباب إناءُ
لقد كانَ ماءُ الحسنِ يدعو إلى الصِّبا نساءَ أعارتْها العيون ظِباءُ
وله أيضًا:
يبوحُ بما تُخفِي حَشًا وضلوعُ سقيمةُ أطراف الدُّموع جَزوعُ
لها عارضٌ يُبدي الضَّميرَ تهيجُهُ طلولٌ تعفَّتْ باللِّوَى وربوعُ
ولي عبراتٌ كلّما عجتُ عوجةً على عرصاتٍ خيمُهنَّ صريعُ
وإنِّي لأشقَى النَّاسِ بالدَّمعِ كلّما تصدَّع شعبٌ أو أشتُّ جميعُ
يقولون لو عزَّيتَ قلبكَ لم يبحْ ضميرٌ ولم تنممْ عليك دموعُ
فقلتُ لهم لا ذنبَ لب إنْ تكلَّمتْ دموعٌ جرَى في جريهنَّ نجيعُ
ذو الرُّمَّة:
وأشعثَ مثلِ السَّيفِ قد لاحَ جسمهُ وَجيفُ المَهارَى والهمومُ الأباعدُ
سقاهُ الكرَى كأسَ النُّعاس فرأسُهُ لدِين الكرَى من آخِر اللَّيل ساجدُ
مروان بن مالك الحنفيّ:
دلفْنا إليهم والسّيوفُ عِصيّنا وكلٌّ لكلٍّ يومَ ذاك واكرُ
بجمعٍ تظلُّ الأُكْمُ ساجدةً له إذا هزهزتْها في المَسير الحوافرُ
[ ١ / ٨٧ ]
كلا ثَقَليْنا طامعٌ في غنيمةٍ وقد قدّر الرحمنُ ما هوَ قادرُ
فلم أرَ يومًا كان أكثرَ سالبًا ومُستلبًا والنَّقعُ في الجوّ ثائرُ
وأكثرَ منّا ناشئًا يبتغي العُلى يُضاربُ قِرنًا دارعًا وهوَ حاسِرُ
إلى البيت الأخير نظر البحتريّ بقوله:
قطع القرائنَ واللَّواء لغيره بالمشرفيّة حُسَّرًا في الدُّرَّعِ
إياس بن مالك الحنفيّ:
أقضِّي الدهرَ في طلب الغَواني على قلُصٍ يرُحْنَ ويغتدينا
وعيسٍ قد أضرَّ بها سِفاري وشَدِّي فوق مَحْزِمها الوضينا
كأنّا ما حلَلْنا ذاتَ عِرْقٍ ولم نكُ بالقصيبة راتعينا
بحَيٍّ تفتدي الأحياءُ منه يَحلّون الفضاءَ مُكابرينا
كرامٍ في حبائهمُ عفافٌ وأسْدٌ ترْبِتُ الحربَ الزَّبونا
إذا نُدبوا لمَكْرُمةٍ أتَوها بلا نزَقٍ ولا مُتواكلينا
حرملة بن مقاتل:
ألا طرقتْنا أُمُّ سلْمٍ فأرَّقتْ فيا حبَّذا إمامُها وطروقُها
وليلٍ بهيمٍ قد تجشَّمتُ نحوَها وهاجرةٍ شهباءَ حامٍ وديقُها
فمَن بائعِي عَينًا بعينٍ مريضةٍ ونفسًا بنفسٍ في وَثاقٍ طليقُها
وما ضرَبٌ في رأسِ صعبٍ ممرَّدِ بتَنْهاتِهِ يستنزلُ العفرَ نِيقُها
بأطيبَ من فِيها لمنْ ذاق طعمهُ وقد جفَّ بعد النَّومِ للنَّومِ ريقُها
إذا اعتلَّتِ الأفواهُ واستمكنَ الكرَى وقد جانَ من نجمِ الثُّريَّا خفوقُها
وما ذقتُ فاها غيرَ حالٍ رجوتُهُ ألا رُبَّ راجِي شربةٍ لا يذوقُها
أمَّا قوله: " فمن بائعي " البيت، فبيتٌ جيدٌ متساوي القسمين صحيح الصّدر والعجز. وشبيه به وإن كان دونه قول العامريّ:
فهل من معير جفن عين خليةٍ فإنسان عين الماعري يحلم
وآخذه ابن الأحنف فقال: نزف البكاء " دموع عينك " البيتين ومثله:
[ ١ / ٨٨ ]
ولي كبِدٌ مقروحةٌ مَن يَبيعُني بها كبدًا ليستْ بذاتِ قروحِ
أباها عليَّ النَّاسُ لا يشترونَها ومن يشترِي ذا علَّةٍ بصحيحِ
وأمَّا قوله: " إذا اعتلَّتِ الأفواهُ " البيت، فما نعلم أنَّ أحدًا من المتقدمين ولا المحدثين جوَّد في هذا المعنى وأبدع وأتى بما لم يأتِ به غيره ولا يقدر عليه سواه غير ابن الرومي فإنَّه أبدع وطرَّف وملَّح بقوله:
تُعنِّتُ بالمسواك أبيضَ صافيًا تكادُ عَذارَى الدُّرِّ منه تحدَّرُ
وما سرَّ عيدانَ الأراكِ برِيقها تناوُحها في أيكِها تتهصَّرُ
لئنْ عدمتْ سُقيا الثَّرى إنَّ رِيقها لأعذبُ من هاتيك سُقيًا وأخصرُ
وما ذقتُهُ إلاَّ بشَيم ابتِسامِها وكم مَخبرٍ يُبديهِ للعينِ منظرُ
بدا لِي وميضٌ شاهدٌ أنَّ صوبهُ غريضٌ وما عندِي سوَى ذاكَ مَخبرُ
تذود الكرَى عنه بنشرٍ كأنَّما تضوُّعُهُ مسكٌ ذكيٌّ وعنبرُ
وما تَعْتَريها آفةٌ بشريَّةٌ من النَّومِ إلاَّ أنَّها تتجبَّرُ
وغيرُ عجيبٍ طيبَ أنفاسِ روضةٍ مُنوِّرةٍ باتتْ تُراحُ وتُمطرُ
كذلك أنفاس الرِّياحِ بسُحرةٍ تطيبُ وأنفاسُ الأنام تغيَّرُ
هذه الأبيات النهاية في هذا المعنى.
حمار بن معقِّر البارقيّ؟ " معقِّر بن حِمار ":
أعاذلَ لو شهدت غداةَ قَوٍّ ونارُ الحرب يُسعرها الحتوفُ
وقد أبدتْ لنا أُمُّ المنايا نيابًا ما يفارقُها الصَّريفُ
وحامَى كلُّ قومٍ عن أبيهم وصارتْ كالمَخاريقِ السُّيوفُ
فلا جُبنٌ فننكُلَ إنْ لَقينا ولا هزمُ الجُيوش لنا طريفُ
أمَّا قوله: " وحامَى كلّ قومٍ عن أبيهم " البيت، ففي نهاية الحسن وشرف المعنى، وهو شبيهٌ بقول عمرو بن كلثوم:
كأنَّ سيوفَنا منَّا ومنهم مخاريقٌ بأيدِي لاعِبينا
ومثله قول قيس بن الخطيم:
أجالدُهم يومَ الحديقةِ حاسرًا كأنَّ يدي السَّيف مخراقُ لاعبِ
ومن أحسن ما نعرف في صفة الفرس قول جُحيش بن وابصة الأسديّ وهي قصيدة أوَّلها:
أيُّ مبكًى ومنظرٍ ومزارِ واعتبارٍ لناظرٍ ذي اعتبارِ
بلدٌ كانَ آهلًا من ذَوي النَّج دةِ في النَّائباتِ والأخطارِ
مِن كهولِ جرَوا على الحلمِ والعِلْ مِ بنَقض الأمور والإمرارِ
وشبابٍ إذا أفادوا أفاتُوا ال مالَ لا عُزّلٍ ولا أغْمارِ
وإذا أُفرغوا أجالُوا على الأر ضِ كراديسَ مثل سودِ الحرارِ
خلفَها عارضٌ يمدُّ على الآفا قِ سِترينِ من حديدٍ ونارِ
نار حربٍ يشبّها الحدّ والدج دُّ فتُعشي نواظرَ الأبصارِ
بجيادٍ كأنَّهنَّ التَّماثي لُ ليومِ الهياج والمضمارِ
كلّ نهدٍ أقبَّ معتدل الخَلْ قِ أمين القوَى عتيق النِّجارِ
ماجَ منه الجرانُ واشتدَّ عِلْباوا هُ واحدودَبا دُوَين العذارِ
مًجفر الفَصّ مُكرب الرُّسغ دانِي ال أخذِ مستعرضًا ككرِّ مغارِ
طال هاديه والذِّراعان والأض لاعُ منه فتمَّ في إجفارِ
ثمَّ طالتْ وأُيِّدتْ فخِذاهُ فهوَ ثقفُ الوُثوب ثبتُ الخَبَارِ
وقصير الكراع والظَّهر والسَّا قِ قصير العسيب والقلب وارِ
وحديد الفؤاد والطَّرف والعُر قوبِ والسَّمع حدَّةً في وقارِ
ورحيب الفروج والجلد والشد قبن قدام منحز كالوجار
والعريض الوظيف والجَنب والأوْ راكِ والجَبهة العريض الفَقارِ
وهوَ صافِي الأديم والعين والحا فرِ غمرِ المَطال والإخطارِ
مطمئنّ النّسور بين حوامى كلّ لأْمٍ أصمَّ كامنقارِ
فبهذا نَفوتُ من يَطلب الثَّأ رَ لَدَينا ولا نُفاتُ بثارِ
وقال زياد بن حَمَل العدويّ وكان أتى صنعاء فلم يستطبها وحنَّ إلى بلده:
لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ مِنْ بلدٍ ولا شعوبُ هوًى منِّي ولا نُقمُ
وحبَّذا حين تُمسي الرِّيحُ باردةً وادِي أُشيٍّ وفتيانٌ بهِ هُضمُ
الدافعونَ إذا ما جرَّ غيرهمُ علَى العشيرةِ والكافُونَ ما جرَموا
والمطعمونَ إذا هبَّتْ شآميةٌ وباكرَ الحيَّ من صُرَّادها صِرَمُ
حتَّى انجلَى حدُّها عنهم وجارهمُ بنجوةٍ مِن حذارِ الشَّرّ معتصمُ
همُ البحورُ عطاءً حيث تسألهُم وفي اللِّقاءِ إذا تلقَى بهمْ بُهَمُ
وهم إذا الخيلُ حالوا في كواثبها فوارسُ الخيل لا هبْلٌ ولا قزمُ
مُخدَّمونَ ثقالٌ في مجالسهمْ وفي الرِّجالِ إذا رافقتهم خدمُ
لمْ ألقَ بعدهمُ حيًّا فأذكرَهمْ إلاَّ يزيدهمُ حبًّا إليَّ همُ
كم فيهم من فتًى حلوٍ شمائلُهُ جمّ الرَّماد إذا ما أخمدَ البَرَمُ
كأنَّ أصحابهُ بالقَفر يُمطرهم مِن مُستحير غزيرٍ صوبهُ ديَمُ
غمرُ النَّدى لا يبيت الحقُّ يثمدُهُ إلاَّ غدا وهوَ سامي الطَّرف مبتسمُ
إلى المكارمِ يَبنيها ويعمرُها حتَّى ينالَ أُمورًا دونها قُحَمُ
زارتْ رُوَيقةُ شُعثًا بعدما هجَمُوا لدَى نواحلَ في أرساغها الخدَمُ
يشقَى بها كلّ مرباعٍ مودَّعةٍ عرفاءَ يَشبو عليها تامِكٌ سنِمُ
وكانَ عهدي بها والمشيُ يبْهَظُها إلى القريبِ ومنها النَّومُ والسَّأمُ
وبالتَّكاليف تأتي بيتَ جارتها تمشِي الهُوَينا وما يبدو لها قدمُ
بل ليتَ شِعري متى أغدو تُعارضُني جرداءُ سابحةٌ أو سابحٌ قدُمُ
نحو الأُمَيلح أو سَمْنان مبتكرًا بفِتيةٍ فيهم المَرَّارُ والحكمُ
ليست عليهم إذا يَغدون أرديةٌ إلاَّ جيادُ قسيِّ النَّبع واللُّجمُ
من غيرِ عُدمٍ ولكنْ من تبذُّلهم للصَّيد حين يَصيح القانصُ اللَّحِمُ
يغدو أمامهمُ في كلِّ مرْبأةٍ طلاّعُ أنجدةٍ في كشحِهِ هضَمُ
وأنشدنا ابن دريد وذكر أنَّه أحسن ما وصف به خِباء ولقد صدق في ذلك، والشِّعر لطفيل بن عوف الغنويّ وهو الَّذي يقال له طفيل الخيل:
[ ١ / ٨٩ ]
وبيتٍ تهبُّ الرِّيحُ في حجراتِهِ بأرضِ فضاءٍ بابُهُ لم يحجَّبِ
سماوَتُهُ أسمالُ بردٍ مفوَّفٍ وصهوتُهُ من أتحميٍّ معقَبِ
وأطنابُهُ أشطانُ جُردٍ كأنَّها صدورُ القنا من بادئٍ ومعصَّبِ
يُكفُّ على قومٍ تُدرُّ رماحُهم عروقَ الأعادي من غريرِ وأشيبِ
وفينا ترَى الطُّولَى وكلَّ سَمَيدَعٍ مدرَّبِ حربٍ وابنِ كلِّ مدرَّبِ
طويل نجادِ السَّيف لم يرضَ خُطَّةً من الخسْف خوَّاضٍ إلى الحربِ محْرَبِ
وفينا رباطُ الخيل كلُّ مطهَّمٍ رَجيلٍ كسِرْحان الغضا المتأوِّبِ
وكُمتًا مدمَّاةً كأنَّ متونَها جرَى فوقَها واستشعرتْ لونَ مُذهبِ
وهَصْنَ الحصَى حتَّى كأنَّ فُضاضَهُ ذُرَى بردٍ من وابلٍ متحلِّبِ
يُبادرنَ بالفَرسان كلَّ ثنيَّةٍ جُنوحًا كفرَّاط القطا المتشرِّبِ
إذا انقلبتْ أدَّتْ وجوهًا كريمةً محبَّبةً أدَّينَ كلَّ محبَّبِ
خَدَتْ حولَ أطناب البيوتِ وسوَّفتْ مَرادًا إن تقرعْ عصا الحربِ تركَبِ
وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لها ويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ
هذا البيت مأخوذ من قول امرئ القيس:
والخيرُ ما طلعتْ شمسٌ وما غربتْ معلَّقٌ بنواصِي الخيل معصوبُ
وقول النَّبيّ ﷺ أصحّ الأقاويل يُشبه هذه الأبيات وهو: " الخيرُ ما طلعتِ الشَّمسُ وما غربتْ معلَّق بنواصي الخيل ".
ومن أجود أشعار الجاهلية، بل هي مقدّمة في قصائدهم، قصيدة سويد بن أبي كاهل وهي:
بسطتْ رابعةُ الحبلَ لنا فوصلْنا الحبلَ منها ما انقطعْ
حرَّةٌ تجلو شَتيتًا واضحًا كشعاعِ البرقِ في الغيمِ سطعْ
صقلتهُ بقضيبٍ ناعمٍ من أراكٍ طيِّب حتَّى نصعْ
تمنحُ المرآةَ لونًا واضحًا مثلَ قرنِ الشَّمسِ في الصَّحوِ ارتفعْ
وأبيتُ اللَّيلَ ما أرقدهُ وبعينيَّ إذا نجمٌ طلعْ
فإذا ما قلتُ ليلٌ قدْ مضَى عطفَ الأوَّلُ منهُ فرجعْ
رُبَّ مَن أنضجتُ غيظًا قلبهُ قد تمنَّى ليَ موتًا لم يُطعْ
ويراني كالشَّجا في حلقهِ عسِرًا مخرجُهُ ما ينتزَعْ
مُزبدٌ يخطرُ ما لم يرَني فإذا أسمعتُهُ صوتي انقمَعْ
قد كفاني اللهُ ما في نفسهِ ومتى ما يكْفِ شيئًا لم يُضعْ
لم يضرْني غير أن يحسدَني فهوَ يزقُو مثلَ ما يَزقو الضِّوَعْ
ويحيِّني إذا لاقيتُهُ وإذا يخلُو به لحمي رتَعْ
ساءَ ما ظنُّوا وقد أبليتُهم عند غايات المَدَى كيف أقَعْ
كيف يرجون سِقاطي بعدما جُلِّلَ الرَّأسُ بشيبٍ وصلَعْ
أنفضُ الغيبَ برجمٍ صائبٍ ليس بالطَّيشِ ولا بالمرتجَعْ
فارعُ الصَّوت فما يجهدُني ثَلِبٌ عَودٌ ولا شَخْتٌ ضرَعْ
هل سويدٌ غيرُ ليثٍ خادرٍ أجدبتْ أرضٌ عليه فانتجَعْ
كم مُسرٍّ ليَ حِقدًا قلبُهُ فإذا قابلهُ شخصي ركَعْ
ورِثَ البغضةَ عن آبائه حافظُ العقل لِما كانَ استمَعْ
فسعَى مَسعاتهم في قومِهم ثمَّ لم يظفرْ ولا عجزًا ودَعْ
زرعَ الدَّاءَ ولم يدركْ به تِرةً فاتتْ ولا وهيًا رقَعْ
مُقعيًا يَرمي صفاةً ولم تُرمْ في ذُرَى عَيطاءَ ليست تُطَّلَعْ
غلبتْ عادًا وردَّتْ قيصرًا وأبتْ هضبتُها أنْ تُقتلَعْ
لا يراها النَّاسُ إلاَّ فوقَهم فهيَ تأتي كيفَ شاءتْ وتدَعْ
فهوَ يرمِيها ولا يبلُغُها وَرَهَ الأحمقِ يرضَى ما صنَعْ
كَمِهَتْ عيناهُ حتَّى ابيضَّتَا فهوَ يلحَى نفسَه لما نزَعْ
إذ رأَى أنْ لم يضرْها جهدُهُ ورأَى خلقاءَ ما فيها طمَعْ
وعدوٍّ جاهلٍ ناضلتُهُ في تراخِي الدَّارِ عنكم والجُمَعْ
فتَساقيْنا بمُرٍّ مَقِرٍ في مقامٍ ليس يثنيهِ الفزَعْ
وارْتَمينا والأعادي حُضَّرٌ بنبالٍ ذاتِ سمٍّ قد نقَعْ
بنبالٍ كلُّها مَذروبةٌ لم يطقْ صنعتَها إلاَّ صنَعْ
خرجتْ عن بِغضةٍ بيِّنةٍ في شبابِ الدَّهرِ والدَّهرُ جَذَعْ
فتحارَضْنا وقالوا إنَّما تنصُرُ الألسنُ من كانَ ضَرَعْ
ثمَّ ولَّى وهْوَ لا يحمي اسْتَهُ طائرُ الإترافِ عنه قد وقَعْ
ساجدَ المنخِر لا يرفعُهُ خاشِع الطَّرفِ أصمَّ المُستمَعْ
فرَّ منِّي هاربًا شيطانُهُ حين لا يُعطي ولا شيئًا منَعْ
ورأَى منى مقامًا ثابتًا صادق الحملة كتام الجزع
ولسانًا صَيرفيًّا صارمًا كالحُسام العَضْب ما مسَّ قطَعْ
فكفاني اللهُ ما في نفسهِ ومتَى ما يكفِ شيئًا لم يُضَعْ
وقع الاختيار من هذه القصيدة على ما أثبتناه وتركنا منها ما لو أتينا به كان مختارًا، فأمَّا قوله: " مقعيًا يرمي صفاة لم ترم " البيتين وما بعد، هذه الأبيات من هذا المعنى فهو يُشبه قول زيد بن أحمد البردعي يمدح يوسف ابن أبي الساج ويصف القلعة:
وكأنَّما تلك الشَّوا مخُ حولَ قَلعتها عشائرْ
وكأنَّها حُسّانةٌ غيداءُ في غِيدٍ غرائرْ
شمطاءُ عن دارٍ تَوا رثها الأكابرُ والأكابرْ
لا الرُّومُ رامتْها ولا قصدتْ تُطاولُها القياصرْ
وتأبَّهتْ عن ذِي رُعَيْ نَ وذي نُواسَ وذِي شناترْ
عذراءُ لمَّا تُفترعْ سبلًا ولا شَعرتْ لماهرْ
مَعقومةٌ ما أمْغَلَتْ لكنَّها أُمُّ الحباكِرْ
بكرٌ قوابلُها العَوا مِلُ والمُذلَّقة البواتِرْ
في فَرع سامقةٍ على خَلقاءَ باسقةِ العراعِرْ
عنقاءَ عازبةِ المسا لك والموارد والمصادِرْ
زَعراءَ حَصَّاءِ القرَى جرداءَ زلاَّءِ المآخِرْ
صَمَّاءَ ملساءِ الهوا دِي والحناجِر والكَراكِرْ
رَوقاءَ لم تكْسَسْ وكمْ شرِيَتْ نواجذُها الأواشِرْ
مِثل الرَّبابة في السَّماءِ خلا ءَ أنجمُها الزَّواهِرْ
يرتدُّ عن شُرُفاتها نقدُ النَّواظرِ وهْوَ سادِرْ
منظومةٌ أبراجُها مطويَّةٌ طيَّ القناطِرْ
مثل الهوادج والفَوا لِجِ تحتَها الهدلُ المشافِرْ
محجوبةٌ حُجَّابُها ما بين مأمورٍ وآمِرْ
هذا الشعر من أجود ما وصفت به قلعةٌ وهو أكثر من هذا إلاَّ أنَّا اختصرناه، وللشعراء في ذكر القلاع وصفاتها أشعارٌ تكثر وتتَّسع. ونحن نذكر منها ههنا شيئًا ممَّا نختاره، فمن جيد ذلك قول كعب الأشقريّ أو غيره من شعراء خراسان في أيَّام الفتوح، يقول في قلعةٍ افتتحها المسلمون:
محلِّقةٌ دونَ السَّماءِ كأنَّها غمامةُ صيفٍ زالَ عنها سحابُها
[ ١ / ٩٠ ]
فما يلحقُ الأرْوَى شماريخَها الدُّنَى ولا الطَّيرُ إلاَّ نسرُها وعقابُها
وما رُوِّعتْ بالذِّئبِ وِلْدانُ أهلِها ولا نبحتْ إلاَّ النُّجومُ كلابُها
ولنا في صفة القلعة أيضًا قصيدة أنفذناها إلى الأمير سيف الدولة، ﵁، إلى الشام:
وخرقاءَ قد تاهتْ على مَن يرومُها بمرقَبها العالي وجانبِها الصَّعبِ
يزُرُّ عليها الجوُّ جيبَ غمامِهِ ويُلبسُها عقدًا بأنجمِهِ الشَّهبِ
إذا ما سرَى برقٌ بدتْ من خلالهِ كما لاحتِ العذراءُ من خَلَل الحُجبِ
فكم ذي جنودٍ قد أماتتْ بغُصَّةٍ وذي سطواتٍ قد أباتتْ على عتبِ
سموتُ لها بالرَّأيِ يشرقُ في الدُّجَى ويقطعُ في الجُلَّى ويقدعُ في الهضبِ
فأبْرَرتها مَهتوكةَ الجَيب بالقَنا وغادرتَها ملصوقةَ الخدِّ بالتُّربِ
ولنا إليه، ﵀، قصيدة أخرى في هذا المعنى أنفذناها إليه إلى الشام:
وقلعةٍ عانقَ العيُّوقُ سافلُها وجازَ مِنطقة الجوزاءِ عَاليها
لا تعرفُ القطرَ إذ كانَ الغَمامُ لها أرضًا لوَطَّأ قُطرَيْهِ مواشيها
إذا الغمامةُ راحتْ خاضَ ساكبُها حياضها قبلَ أن تهْمِي عَزالِيها
يعدُّ من أنجم الأفلاك مرقبُها لو أنَّه كانَ يجري في مَجاريها
على ذُرَى شامخٍ وعْرِ قدِ امتلأتْ كِبرًا به وهوَ مملوءٌ بهاتِيها
له عِقابُ عُقابُ الجوّ حائمةٌ من دونها فهْي تخفَى في خوافيها
ردَّتْ مكايدَ أملاكٍ مكايدُها وقصَّرتْ بدَواهيهم دواهيها
أوطأتَ همَّتك العلياءَ هامتَها لمَّا جعلتَ العوالِي من مَراقيها
ولم تقِسْ بك خلقًا في البريَّة إذ رأتْ قِسِيَّ الرَّدَى في كفِّ بارِيها
[ ١ / ٩١ ]
ابن الدُّمَيْنة:
طرقتْكَ زينبُ والرِّكابُ مُناخةٌ بينَ المخارمِ والنَّدَى يتصبَّبُ
بثنيَّةِ العلَمَين وهنًا بعدما خفقَ السِّماكُ وعارضتهُ العقربُ
فكرامةٌ وتحيَّةٌ لِخَيالها ومع الكرامة والتحيَّة مرحبُ
أنَّى اهتديتِ ومَن هداكِ وبَيننا حمَلٌ فقُلةُ عالجٍ فالمرقبُ
وثنيَّةٌ قذفٌ يحارُ بها القطا ويضلُّ فيها حين يعدُو الأحقبُ
وزعمتِ أهلكِ ضيَّعوكِ رغيبةً عنِّي فأهلِي بي أضنُّ وأرغبُ
أوَليسَ لي قُرناءُ إنْ أقصَيْتِني حَدِبوا عليَّ وعنديَ المستعتبُ
فلئنْ دنوتِ أدنونَّ بعفَّةٍ ولئن نأيتِ فما ورائيَ أرحبُ
يأبَى وجدّكِ أنْ أكون مقصِّرًا عقلٌ أعيشُ به وقلبٌ قُلَّبُ
قدم رجلان من بني زبيد لدمٍ أصابا في قومهما إلى سنجار فأقاما بها مدةً ثمَّ شربا بها يومًا ومعهما رجل من النَّمر بن قاسطٍ فلمَّا سكِرا اشتاقا بلدهما وحنَّا لذلك فقال أحدهما:
أيا جَبَليْ سنجارَ ما كنتُما لنا مَقيظًا ولا مشتًى ولا متربَّعا
ويا جبلَيْ سنجارَ هلاَّ بكيتُما لداعِي الهوَى منَّا شَنِينَين أدمُعا
ولو جبَلا عُوج شكونا إليهما جرتْ عبراتٌ منهما وتصدَّعا
بكَى يومَ تلّ المحلبيَّة صاحبِي ويومًا على الثَّرثار حنَّ ورجَّعا
فأجابه النمريّ:
أيا جبليْ سنجارَ هلاَّ دقَقْتما برُكنَيكما أنفَ الزُّبيديّ أجمعا
لعمرك ما جاءتْ زُبيدُ لهجرةٍ ولكنَّها جاءتْ من الرَّملِ جُوَّعا
قال: خرج خالد بن علقمة، أحد بني دارم، يسترفد قومه، فنزل برجل منهم يقال له عطَّاف بن مدّ فسأله فجبَهَهُ وأساء ردّه فارتحل وهو يقول:
جزَى اللهُ عطَّافَ بنَ مدّ ملامةً إذا أشرقَ النَّفسَ البخيلةَ ريقُها
إذا سُئلَ المعروفَ بسَّل وجههُ وجبهتهُ حتَّى تدِرّ عروقُها
وعدَّد لي فَقرًا كثيرًا وفاقةً ومعتبةً لم يدرِ كيف طريقُها
وهجا قومه فقال:
لهم إبلٌ كُومٌ أتتهم فجاءةً قليل مواشيها ذَميمٌ صديقُها
إذا ماتَ منها ميَّتٌ يدفنونه كدفنِ الفتَى لو أنَّ لحدًا يُطيبها
خاصمت بعض نساء العرب زوجها وقالت له: ما رأيت معك خيرًا قطّ، فقال:
لمْ أبغكِ المالَ قد تعلمينَ وجُبتُ العراقَ وجُبتُ الشَّآما
وجُبتُ الشّريف بأكنافهِ وجُبتُ اليمامةَ غِرًّا غُلاما
فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلا قُ وأنتِ الطَّلاقُ تمامًا تماما
الشَّمّاخ:
تسألُني عنْ بعلِها أيُّ فتًى
خبٌّ جَروزٌ وإذا جاعَ بكَى
لا حَطَبَ القومَ ولا القوم سقَى
ولا رِكابَ القوم إنْ ضلَّتْ بَغَى
ولا يُوارِي فرجَهُ إذا اصْطَلَى
لمَّا رأَى الرَّملَ وقِيزان الغَضَا
والبَقَرَ الملمَّعاتِ بالشَّوَى
بكَى وقال هلْ تَرَونَ ما أرَى
أليسَ للسَّير الطَّويل مُنتَهَى
قلتُ أَعِرْني صاحبي ألا بَلَى
جرير:
أتغلبُ أُولي حِلفةً ما ذكرتُكُم بسوءٍ ولكنِّي عتبت على بكْرِ
فلا تُوبِسوا بَيني وبينكم الثَّرَى فإنَّ الَّذي بيني وبينكمُ مُثْرِي
ابن الطَّثريَّة:
سقَى دِمنَتَيْنِ ليس لي بهما عهدُ بحيثُ التقَى الدَّاراتُ والجرَعُ الكُبْدُ
فيا ربوةَ الرَّبعينِ حُيِّيتِ ربوةً على النَّأيِ منَّا واستهلَّ بكِ الرَّعدُ
قضيتُ الغواني غيرَ أنَّ مودَّةً لذَلْفاءَ ما قضَّيتُ أخرَها بعدُ
فرَى نائباتُ الدَّهرِ بيني وبينَها وصرفُ اللَّيالي مثلَ ما فُرِيَ البُردُ
فإنْ تَدَعِي نجدًا ندعْهُ ومَن به وإن تسكُني نجدًا فيا حبَّذا نجدُ
وإنْ كانَ يوم الوعدِ أدنَى لِقائنا فلا تعذُليني أنْ أقولَ متَى العهدُ
إذا وردَ المِسواكُ ريَّانَ بالضُّحى عوارضَ منها ظلَّ يُخصِرُهُ البردُ
وألْيَنُ من مسِّ الرَّحَى باتَ يلتَقي بمارِنِهِ الجاديُّ والعنبرُ الوردُ
جميل:
ألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْ كأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ
طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةً وأمَّا على ذي حاجة فقريبُ
تساهَمَ بُرداها فأمَّا إزارُها فطارَ له عند السَّماءِ كليبُ
وكانَ لأعلَى البُرد منها مُبَتَّلٌ لطيفٌ كخُوط الخيزران رطيبُ
ابن الدُّمَيْنة:
دعتكَ دواعِي حُبّ سلمَى كما دَعَا على النَّشرِ أخرى التَّالياتِ مُهيبُ
فلبَّيك من داعٍ دعَا ولَوَ انَّني صدًى بين أحجارٍ لظلَّ يُجيبُ
وداعي الهوَى يغشَى المنيَّةَ بالفتَى ويغترُّ عقلَ المرءِ وهْوَ لبيبُ
فللهِ درِّي يوم صحراءِ عالجٍ ودرُّ الهوَى إنِّي له لحبيبُ
ودَرُّ بَلائي من هواكِ فإنَّه لعَقْلي وإنْ غالبتُهُ لغلوبُ
الأعشى وقد رُويت لغيره:
قالتْ قُتَيلةُ ما لهُ قد جُلِّلتْ شيبًا شَواتُهْ
أمْ لا أراهُ كما عهد تُ صَحا وأقْضرَ عاذلاتُهْ
ما تُنكرينَ من امرئٍ إنْ شابَ قد شابتْ لِداتُهْ
خارجة بن فليح المَلَليّ:
ألا طرقتْنا والرِّفاقُ هجودُ فباتتْ بعلاَّتِ النَّوالِ تَجودُ
ألا طرقتْ لبلَى لقًى بين أرحُلٍ شجاه الهوَى والبعدُ فهو عميدُ
فليت النَّوى لم تُسحقِ الخرقَ بيننا وليتَ الخيالَ المُستراثَ يعودُ
إذنْ لأقاد النَّفسَ من فَجعة الهوَى بليلَى ورَوعاتُ الفؤاد تُقيدُ
كأنَّ الدُّموعَ الواكفاتِ بذكرها إذا أسلمتْهنَّ الجفونُ فريدُ
إذا أدبرتْ بالشَّوق أعقابُ ليلةٍ أتاكَ بهِ يومٌ أغرُّ جديدُ
نظرتْ امرأة إلى أبي السود الدؤلي وقد أسنَّ فقالت له مستهزئةً به: علِّق عليك يا أبا الأسود مَعاذة، فقال:
أفنَى الشَّبابَ الَّذي أفنيتُ لذَّتَه مرُّ الجديدَين من آتٍ ومنطلقِ
لم يتركا ليَ في طولِ اخْتلافِهما شيئًا يخافُ عليه لَذعةُ الحدَقِ
حدَّثنا ابن دريد عن عبد الرحمن عن الأصمعي قال: كان المحيا بن لغط الهمدانيّ رجلًا غيورًا لا ينزل مع النَّاس في محلٍّ واحدٍ ولا ينزل إلاَّ مُعتنزًا حريدًا، وكان له ثلاث بناتٍ لهنَّ عقلٌ وجمال، وأدبٌ يقال لإحداهنَّ ظَمياء والأخرى ريَّا والأخرى وسنَى، فبينا هو ذات يوم بفناء بيته في أيام الرَّبيع وبقرب بيته روضة إذ أقبل سربٌ من ظباء فانتشر في الرَّوضة فقال:
فكأنَّهنَّ وقد ترجَّلتِ الضُّحَى ودَعٌ تكبَّدُ صَحصحانًا أفيَحَا
ثمَّ قال: أجيزي يا ظَمياء فقالت:
أكذاكَ أو كحَجَا غديرٍ مُفعمٍ رِيحتْ جوانبُهُ فراحَ مُسيَّحا
ثمَّ قال: أجيزي يا ريَّا، فقالت:
لا بلْ نواصلُ من وشاحِ خريدةٍ خانتْ معاقدُ نظمِهِ المتوشّحا
فقال: أحسنتنَّ وأجدتنَّ. قال الأصمعي: والله لو كانت له رابعة لم تدرِ ما تقول.
بعض الأنصار:
أعفَّاءَ تحسبهم للحيا ءِ مرضَى تطاوَلَ أسقامُها
يهونُ عليهمْ إذا يَغضَبو نَ سُخط العُداة وإرغامُها
ورتقُ الفتوقِ وفتقُ الرتوق ونقضُ الأمور وإبرامُها
فروة بن حُمَيضة الأسديّ:
لقد طرقتْنا المالكيَّةُ غدوةً بصحراء فلجٍ والمطيُّ على قصدِ
فأرَّقنا تسليمُها وكلامُها إلى الهائمِ الظَّمآنِ أحلَى من الشَّهدِ
فيا لك قولًا يُرجعُ الرّوحَ بعدَما تكادُ تزولُ الرُّوحُ من شدَّةِ الوجدِ
سقَى اللهُ وصلَ المالكيَّةِ إنَّها وإنْ هي كانت لا تُثيب ولا تُجدي
لَيعتادُني منها على النَّأي عائدٌ كما اعتادتِ الحمَّى أخا الوَعْك بالوِردِ
على أنَّني يومًا ملمٌّ فسائلٌ ومستخبرٌ بالغيْبِ ما فعلتْ بعدِي
فإنْ تكُ جذَّتْ باقيَ الوصلِ بعدَنا فما أنا عنها بالصَّبورِ ولا الجَلدِ
وما اتَّخذتْ عندي يدًا ما وصلتُها ولا انصرفتْ منِّي بذمٍّ ولا حمدِ
سُويد بن سواد الجُلهميّ وكان له فرسٌ يسمَّى ناصحًا فأراد السِّباق به فقال يخاطبه:
أناصحُ برِّزْ للسِّباق فإنَّها غداةُ رِهانٍ جمَّعتهُ الحلائبُ
فإنَّك مجلوبٌ عليك ضُحَى غدٍ وما لكَ إنْ لم يجلبِ اللهُ جالبُ
أتذكرُ إلباسِيك في كلِّ شتوةٍ رِدائي وإطعاميكَ والبطنُ ساغبُ
لك اللهُ والإسلامُ إنْ جئتَ سابقًا عليَّ ونذرٌ لا أبيعُكَ واجبُ
وأنْ لا أُريحَ الدَّهرَ مالًا ملكتُهُ وأنتَ سوى أرضَى من الأرضِ عازبُ
أحمُّ دَجوجيٌّ كأنَّ عِظامَه إذا ما بدتْ للنَّاظرينَ المشاجبُ
كان عند مرقال بن بَحْوَنة الأسديّ ابنة عمٍّ له ورهاءُ فدخل منزله يومًا وهي مُغضبةٌ فقال: ما شأنك؟ قالت: لأنَّك ما تشبِّبُ بي كما يشبِّب الرِّجال بالنِّساء، فقال: فإنِّي أفعل، قالت: فهاتِ، فأنشدها وكان اسمها عُبيدة:
تمَّت عُبيدةُ إلاَّ في ملاحَتها فالحُسنُ منها بحيث الشَّمسُ والقمرُ
ما خالفَ الظَّبيَ منها حين تُبصِره إلاَّ سوالفهُ والجِيدُ والنَّظرُ
قلْ للَّذي عابَها من حاسدٍ حنِقٍ أقصِرْ فرأسُ الَّذي قد عِبْتَ والحجرُ
[ ١ / ٩٢ ]
رامة بنت الحصين بن منقذ بن الطمّاح وكانت وردت الحضر فلم تستطبه فحنَّت إلى البدو وقالت:
أقامَ معي مَن لا أُحبُّ جوارَهُ وجارايَ جارا الصِّدق مُرتحلانِ
ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً وبيني وبين البصرةِ النَّهرانِ
فإنْ يُنجِني منها الَّذي ساقَني لها فلا بدَّ من غمرٍ ومن شَنَآنِ
وقالت أيضًا:
يا ليتَ شِعري وليتٌ أصبحتْ غصَصًا هل أهبطَنْ قريةً ليستْ بها دورُ
ألا سبيلَ إلى نجدٍ وساكنِهِ أولاَ فنجدٌ حبيبُ الأهلِ مهجورُ
لقد تبدَّلتُ من نجدٍ وساكنِهِ أرضًا بها الدِّيكُ يزقُو والسَّنانيرُ
عمرو بن لأْي يقول للنعمان بن المنذر:
مهلًا أبَيتَ اللَّعنَ لا تأخذنَّنا بذنبِ امرئٍ أمسَى من الحلمِ مُعدِما
فما العبدُ بالعبدِ الَّذي ليسَ مُذنبًا ولا الرَّبُّ بالرَّبِّ الَّذي ليس مُنعِما
الأحوص بن جعفر بن كلاب العامريّ:
يضعِّفُني حِلمي وكثرةُ جَهلكم عليَّ وأنِّي لا أصولُ بجاهلِ
دفعتكمُ عنِّي وما دفعُ راحةٍ بشيءٍ إذا لم يُستَعَنْ بالأناملِ
ضِرار بن عمرو الأسديّ:
وكنَّا إذا نحنُ التقيْنا على النَّوى وأبْرَزها نحوي حجابٌ يصونُها
أخذنا بأطراف الأحاديثِ بيننا وأوساطِها حتَّى تميل فنونُها
هذا يشبه قول الطّرمّاح:
ما زلتُ أقترضُ الحدي ثَ لهنَّ من حقٍّ وباطلْ
وأحثُّهنَّ عن الأيا مِن تارةً وعن الشَّمائلْ
إن اخْتصارَك للحدي ثِ إذا خشيتَ من المحاوِلْ
وإليه نظر البحتريّ بقول:
وزائرٍ زارَ من أَعَقَّته يميلُ وزنًا بأُنسِهِ ذُعُرُهْ
كأنَّه جاءَ مُنجزًا عدَةً وبتُّ في الرَّاقبين أنتظرُهْ
لم أنسَهُ مُوشكًا على وجَلٍ مُدامجًا في الحديثِ يختصرُهْ
كأنَّما الكاشحونَ قد عَلِموا مكانَهُ أو أتاهمُ خبرُهْ
أبيات البحتريّ هذه أجود ما قيل في هذا المعنى ظرفَ كلام واستغراق تشبيه.
عبد الوهاب بن مطر الجرميّ:
وتعذُبُ لي من غيرها فأعافُها مَشاربُ فيها مقنعٌ لو أُريدُها
وأمنحُها أقصَى الوصال وإنَّني على ثقةٍ من أن حظِّي صدودُها
قال: دعا أبا الدِّلْهاث الغنويّ أبو الدقيس الحذفيُّ لنبيذٍ له وكانا قد أسنَّا فقال أبو الدِّلْهاث:
ألم تَرَني على كَسَلي وفَتري أجبتُ أخا حُذيفةَ إذ دعانِي
وكنتُ إذا دُعيتُ إلى مُدامٍ أجبتُ ولم يكُن منِّي تَوانِي
كأنَّا من بَشاشتنا ظَلِلْنا بيومٍ ليسَ من هذا الزَّمانِ
ابن الدُّمَيْنة:
ألا يا لَقومي للأسَى والتَّذكُّرِ وعينٍ قذَى إنسانها أُمُّ جعفرِ
فلمْ ترَ عيني مثلَ قلبيَ لم يطِرْ ولا كضلوعٍ تحتهُ لم تكسَّرِ
الفرزدق:
أروحُ بتسليمٍ عليك وأغْتَدي وحسبُك بالتَّسليم منِّي تقاضِيا
كفَى بطِلاب المرءِ ما لا ينالُهُ عَناءً وباليأسِ المبرِّحِ شافيا
هذا مثل قول الآخر:
وإذا طلبتَ إلى كريمٍ حاجةً فلقاؤُهُ يكفيكَ والتَّسليمُ
ومثله قول أبي تمَّام الطَّائيّ:
وإذا الجودُ كانَ عَوني على المرْ ءِ تقاضيتُهُ بتركِ التَّقاضي
جميل بن مَعمر:
ولو أرسلَتْ نحوي بُثينةُ تبتَغِي يَميني وإنْ عَزتْ عليَّ يميني
لأعطيتُها ما جاءَ يَبْغي رسولُها وقلتُ لها بعدَ اليمينِ سَليني
سلِي بعضَ مالي يا بثين فإنَّما يُبيَّنُ عند المال كلُّ ضَنينِ
أمَّا هذا الشاعر فقد خبَّرنا أنَّ جوارح بِنتيه أهونُ عنده من بعض ماله.
وقريب منه:
إذا شئت أنْ تلقَى أخاكَ معبِّسًا وجَدّاهُ في الماضِين كعبٌ وحاتمُ
فكشِّفْهُ عمَّا في يدَيه فإنَّما يُبيِّنُ أخلاقَ الرِّجال الدَّراهمُ
قال لنا أبو بكر محمد بن أحمد بن منصور النَّحويّ، ﵀، قال لي أحمد بن عبيد، قال لي أبو عكرمة الضَّبِّيّ: أحسن ما قيل في التحريض على طلب الثَّأر قول الثعر العقيليّ:
تبعتْ بياضَ السَّيف حتَّى ركبْته ولَلْموتُ من لَوم العشيرةِ أروحُ
رأيتُكما يا ابني أخي قد سمِنْتُما وما يدركُ الأوتارَ إلاَّ الملوَّحُ
وأُمُّكما قد رابَني أنْ رأيتُها تخضِّبُ أطرافَ البَنان وتمزحُ
وتكحلُ عينَيْها وتصبغ ثوبَها وتسألُ عن خُطَّابها أين تنكِحُ
وبالرَّمْل محمود السَّجيَّة ماجدٌ إذا راحت الفتيانُ لا يتروَّحُ
وأحسن ما قيل في التسليم للقضاء بعد الاجتهاد قول الطّرمّاح اليربوعيّ:
تقدَّمَ حتَّى لم يجدْ مُتقدَّمًا وعضَّ به دهرٌ فعضَّ وصمَّما
ولمَّا رأَى أنَّ الأسَى غيرُ دافعٍ عن المرءِ مقدورًا من الأمرِ سلَّما
وأحسن ما قيل في مدح الإبل والرّدّ على من يذمّها وينسبها إلى التَّفريق قول جِران العَود:
بأخْفافها يدنو الفتَى من حبيبه وتُبعدُهُ إن أذهلتْهُ الشَّدائدُ
يكونُ على أكوارها هجعةُ السُّرَى وأذْرعُها عند الصَّباحِ وسائدُ
أمَّا قوله: " وأذرعها عند الصَّباح وسائد " فمليحٌ ومثله قول زهير:
وتَنوفةٍ عمياءَ لا يجتازُها إلاَّ المشيِّعُ ذو الفؤاد الهادِي
قفرٍ هجعتُ بها ولستُ براقدٍ وذراعُ مُلقيةِ الجِران وِسادي
وقريب من هذا المعنى وإن لم يكن هو بعينه لأنه لم يذكر إغفاءه على ذراع الناقة بل على الحجر لما هو فيه من مقاساة الحرب وما يلحقه من الشَّقاء والبؤس قول الحَريش:
لبْدي فراشٌ إذا ما آنَسوا فزَعًا وتحتَ رأسي إذا ما نوَّموا حجَرُ
وعن شمالي خَشيبٌ ما يفارقُني عضْبٌ مهَزَّتُهُ ذو رونقٍ ذكَرُ
يَبري الحديدَ ويحمينِي إذا هجعتْ عنِّي العيونُ جوادٌ قارحٌ يسَرُ
وطامحُ الطَّرف لا يُكْدِي عُلالَته يزداد جَريًا إذا ما ابتلَّتِ العُذَرُ
زَين الفِناءِ أسيل الخدّ يخفرهُ رِجْلان حُنِّبتا والبطنُ مضطمرُ
نَهد المَراكل مخموص الشَّوى عتِدٌ فيه ليانٌ وفي يوم الوغَى أشَرُ
بذاكَ أشهدُ يومَ الرَّوعِ إذ سجَرتْ سَبَلُ الغَمام وضاقَ الوردُ والصَّدرُ
وهزهزَ القومُ والأصواتُ غمغمةٌ وجالتِ الخيلُ والأرواحُ تُبتدَرُ
فلا لَجاءٌ ولا منجًى لِذي حِيَلٍ إلاَّ السَّوابقُ والهنديَّةُ البُتُرُ
مثله لابن خازم:
أزالَ عظمَ ذراعي عن مُركَّبه حَملُ الرُّدَينيّ والإدْلاجُ في السَّحَرِ
حولين ما اغتمضتْ عَيني بمنزلةٍ إلاَّ وكفِّي وسادٌ لِي على الحجرِ
وفي ضدّ المعنى الأوَّل الَّذي أتينا بهذه النظائر بعده وهو الَّذي مُدحت به الإبل قول الآخر في ذمِّها:
ما المطايا إلاَّ المنايا وما فرَّ قَ شيءٌ فراقَها الأحْبابا
ظلَّ حاديهمُ يسوقُ برُوحي ويَرَى أنَّه يسوقُ الرِّكابا
ومثله قول أبي الشِّيص وقد أجاد فيه:
ما فرَّقَ الأحبابَ بعْ دَ الله إلاَّ الإبلُ
والنَّاسُ يلحَون غُرا بَ البَين لمَّا جَهِلوا
وما على ظهرِ غُرا بِ البَين تُمطَى الرِّحَلُ
ولا إذا صاحَ غُرا بٌ في الدِّيارِ احتَمَلوا
وما غرابُ البَين إ لاَّ ناقةٌ أو جمَلُ
والأشعار الَّتي في ذمّ الإبل للفُرقة أصحُّ منها في مدحها.
مسعود بن سنان بن أبي حارثة المُرّيّ وكان شريفًا شجاعًا وحضر باب بعض الملوك فأخَّرَ الحاجب إذنه وأذن لغيره ممَّن هو دونه فقال:
ما بالُ حاجِبنا يعتام بِزَّتَنا وليس للحسبِ الزَّاكي بمُعتامِ
يدعو أمامي رِجالًا لا يُعَدُّ لهم جَدٌّ كجدِّي ولا عمٌّ كأعمامِي
لو كانَ يدعو على الأحساب قدَّمني مجدٌ تليدٌ وجدٌّ راجحٌ نامِ
متى رأيتَ الصُّقورَ الجُدل يَقدمُها خِلطانِ من رَخَمٍ فُرْعٍ ومن هامِ
عمير بن نائرة الجُهنيّ:
سَقيًا لعهد لَيالي الهَضْب من شَطِبٍ وعهدِ أيَّامه من عهدِ أيَّامِ
وما سُليمَى وإنْ جُنَّ الفؤادُ بها عصرًا وطالَ بها وَجْدي وتَهْيامي
إلاَّ كعصماءَ مَرعاها ذُرَى شَعَفٍ تُحمَى طرائدُهُ من ذاتِ إبرامِ
تَرمي القلوبَ فما تشوِي رَميّتُها شيئًا رَمَتهُ وما يصطادُها الرَّامِي
عروة بن الورد:
ولا تشتُمنِّي يا بن عَمرو فإنَّني تعودُ على مالي الحقوقُ العوائدُ
ومَن يؤثِرِ الحقَّ النَّؤوبَ يكنْ له حُشاشة جسمٍ وهْو طيَّانُ ماجدُ
وإنِّي امرؤٌ عافي إبائيَ شِركةٌ وأنتَ امرؤٌ عافى إنائك واحدُ
أُقسِّمُ جِسمي في جسومٍ كثيرةٍ وأحْسُو قَراح الماءِ والماءُ باردُ
أوس بن حجر:
فلا وإلهي ما غدرتُ بذمَّةٍ وإنَّ أبِي قبلي لغيرُ مُذمَّمِ
يجودُ ويُعطي المالَ من غير ذَمَّةٍ ويخطِمُ أنفَ الأبلخ المتغشِّمِ
يجرِّدُ في السّربال أبيضَ ماجدًا مُبينًا لِعين النَّاظرِ المتوسِّمِ
يقول فيها:
تركتُ الخبيثَ لم أُشاركْ ولم أذقْ ولكنْ أعفَّ اللهُ مالي ومَطعمي
وعندي قروضُ الخير والشَّرِّ كلِّه فبؤسَى بؤسَى ونُعمَى لأنعُمِ
بَنيَّ ومالي دون عِرضي وقايةٌ وقولي كوقع المشرفيِّ المصمِّمِ
نمير بن ماجد الغنويّ:
أبْلغ لدَيك بني لأم مُغلغلةً قد كنتُ أعهدُكم من معشرٍ قَزَمِ
ما بالُ ظلْمهم مثلي وما ظلَموا مثقالَ خردلةٍ في سالفِ الأُممِ
أصابَني معشرٌ ليست دِماؤُهم تُوفِي بأحساب أهل المجدِ والكرمِ
تَرْكي طِلابَهم عارٌ وقتلُهم كأكْلِك الغثَّ لا يَشفي من القَرَمِ
أمَّا قوله: " ما بال ظلمهم مثلي " البيت، فمثل قول النجاشيّ:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمَّةٍ ولا يظلمون النَّاسَ حبَّةَ خردلِ
وهذا البيت والَّذي قبله من ممضّ الهجاء وشديده، وقد ذكرنا أبيات النّجاشيّ هذه وما تكلَّم فيها عمر بن الخطاب ﵁ وصرفها عن الهجاء إلى المدح بما نحن مستغنون عن إعادته هنا.
وأمَّا قوله: " تركي طلابهم عارٌ " البيت، فمثل قول الآخر:
نيك العجوز كلحم الغثّ تأكلُه لا تشتَهيه ولا يشفيك من قَرَمِ
وأمَّا قوله: " أصابني معشر ليست دماؤهم " البيت، فقد استغرقنا نظائره فيما تقدّم.
قيس بن زهير العبسيّ وهو الحازم:
تعرَّفْنَ من ذبيان من لو لقِيتُهُ بيوم حفاظٍ طارَ في لَهَواتي
ولو أنَّ سافِي الرِّيح يجعلكم قذًى لأعيُنِنا ما كنتمُ بقَذاتِ
مثله للحارث بن عُبادٍ:
ما كانَ جمعهمُ في عرضِ سَوْرَتنا إلاَّ ذُبابًا هوَى فاقْتَمَّه الأسَدُ
وأخذ البيت الأول من ذينك البيتين البحتريّ لفظًا ومعنًى فقال:
يَجري ليدخلَ في غبار تسرُّعي من ليسَ يَعشُرُ في الرِّهانِ أناتِي
ويَذِيمُني مَن لو ضَغَمتُ قبيلَه يومَ الفخار لطارَ في لَهَواتِي
وهذا من أقبح أخذِ البحتريّ لأنَّه لم يقتصر على المعنى دون اللفظ بل تناولها جميعًا.
مَرثد بن الحارث:
وخيلٍ تُنادِي للطِّعانِ شهدتُها فأكرهتُ فيها الرُّمحَ والجمعُ مُحجِمُ
وأفلَتَني نعمانُ فوتَ رِماحنا وفوق قطاة الرّمح أزرقُ لِهْذِمُ
وهذا مثل قول الآخر:
ولَّوا وأرماحُنا حقائبُهم نُكرِهُها فيهمِ وتَنْأَطِرُ
وقال سلمة بن مرَّة الشَّيباني، وكان أسَر امرأ القيس بن عمرو، وكان سلمة بن مرَّة قصيرًا دميمًا، فأطلق امرأ القيس على الفدَى ثمَّ جاء إليه يطلبه منه فنظرت إليه ابنته فاستزرته وقالت: أهذا الَّذي أسرَ أبي وهو على ما أرى في الدَّمامة والقِصر، فسمع ذلك سلمةُ فقال:
ألا زعمتْ بنتُ امرئ القيس أنَّني قصيرٌ وقد أعيا أباها قصيرُها
ورُبَّ طويلٍ قد نزعتُ سِلاحَهُ وعانقتُهُ والخيلُ تدمَى نحورُها
وقد علمتْ خيلُ امرئ القيس أنَّني كررْتُ ونارُ الحربِ تغلِي قُدورُها
ولو شهِدتْني يومَ ألقيتُ كَلْكي على شيخها ما اشتدَّ منِّي نُكورُها
أبو الوليد الأنصاريّ:
فإنْ لم أُحقِّقْ ظنَّهم بتيقُّنٍ فلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرَّواعدُ
ويعلَم أكفائي من النَّاس أنَّني أنا الفارسُ الحامِي الذِّمارَ المُناجدُ
وأنْ ليسَ للأعداءِ عندي غَميزةٌ ولا طافَ لي منهم بوحشيِ صائدُ
وأنْ لمْ يزلْ لي منذُ أدركتُ كاشحٌ عدوٌّ أُقاسيهِ وآخرُ حاسدُ
وله أيضًا:
أولئك قومِي فإنْ تسألي كرامٌ إذا الضَّيفُ ليلًا ألَمْ
عظامُ القُدور لأيسارِهم يكُبُّونَ فيها المسنَّ السَّنيمْ
يُواسونَ مولاهمُ في الغِنَى ويجمعونَ جارهُمُ إنْ ظلمْ
وله أيضًا:
فإنْ تكُ ليلَى قد نأتْك دِيارُها وضنَّتْ بحاجات الفؤاد المتيَّمِ
فما حبلُها بالرَّثِّ عندي ولا الَّذي يغيِّرُهُ نأيٌ وإنْ لم تكلَّمِ
لعمرُ أبيكِ الخيرِ ما ضاعَ سرُّكم لديَّ فتَجْزيني بِعادًا وتَصْرِمي
ولا ضقتُ ذرعًا بالهوَى إذ ضمنتُهُ ولا كُظَّ صدري بالحديث المكتَّمِ
فإنْ كنتِ لمَّا تَخْبُرينا فسائلي ذوي العلمِ عنَّا كَي تُنَبَّيْ وتعلَمي
لعمركِ ما المعترُّ يأتي بلادَنا لنمنعهُ بالضائع المتهضَّمِ
ولا ضيفُنا عند القِرَى بمدفَّعٍ ولا جارُنا في النَّائباتِ بمسْلَمِ
وما السَّيِّدُ الجبَّارُ حينَ يريدُنا بكيدٍ على أرماحِنا بمحرَّمِ
نُبيحِ حِمَى ذي العِزّ حتَّى نكيدَهُ ونحمِي حِمانا بالوشيج المقوَّمِ
ونحنُ إذا لم يُبرمِ النَّاسُ أمرَهُم نكونُ على أمرٍ من الحقِّ مبرُمِ
وأمَّا قوله: " وما السيد الجبار " البيت، فمثل قول عنترة ولا ندري أيّهما أخذ من صاحبه:
فشككْتُ بالرّمحِ الأصمِّ ثيابَهُ ليسَ الكريم على القَنا بمحرّمِ
وهو شبيه بقول بعض بني تغلب:
نُعاطِي الملوكَ الحقَّ ما قصدوا بنا فليسَ علينا قتلُهم بمحرَّمِ
ولنا بيت مثله من قصيدة في أهل البيت، ﵈، نُخاطب بها مولانا الحسين ﵇:
بِك صارَ عنترُ صادقًا في قوله ليس الكريمُ على القَنا بمحرَّمِ
وهذا من جيّد التَّضمين ونادره.
وللأنصاريّ:
ألم تذَرِ العينُ تَسهادَها وجَرْيَ الدُّموع وإنفادَها
تذكَّرُ شعثاءَ بعدَ النَّوَى ومُلقَى خيام وأوتادَها
فإمَّا هلكتُ فلا تنكِحي خَذولَ العشيرة حَسَّادَها
برَى مدحهُ شتمَ أعراضها سَفاهًا ويُبغضُ من سادَها
وإنْ عاتَبوه على مِرّةٍ ونابتْ مُبيَّتةٌ زادَها
وأحملُ إنْ مَغرَمٌ نابَها وأضربُ بالسَّيف مَن كادَها
أهزُّ القَنا في صُدورِ الكُما ةِ حتَّى أُكسِّرُ أعوادَها
سأُوتِي العشيرةَ مِيعادَها ال كريمَ وأُكْذِبُ إيعادَها
ومثل هذا البيت قول الآخر:
وإنِّي وإنْ أعدْتُهُ أو وَعدتُهُ لمخلفُ إيعادِي ومُنجزُ مَوعِدي
وله أيضًا يهجو:
أبلِغْ هَوازنَ أعلاها وأسفلَها أنْ لستُ هاجِيها إلاَّ بما فيها
قبيلةٌ ألأمُ الأحياء أكرمُها وأغدرُ النَّاس بالجِيران وافِيها
وشرُّ مَن يحضُر الأمصارَ حاضرُها وشرُّ بادِية الأعراب بادِيها
تبلَى عظامهمُ في القبرِ إنْ دُفنوا تحتَ التُّرابِ ولا تبلَى مَخازيها
كأنَّ أسنانَهم مِن خُبثِ طِعمَتِهم أظفارُ خاتنةٍ كلَّت مَراسيها
عمرو بن براقة:
ناديتُ هَمْدانَ والأبوابُ مغلقةٌ ومثلُ هَمْدانَ سنَّى فتحةَ البابِ
كالهِندُوانيّ لم تُفللْ مضاربُهُ وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وجَّابِ
زيد بن جُندب الخارجيّ لمَّا وقع الخُلف بين أصحاب قَطَريٍّ:
قلْ للمحلِّينَ قد قرَّتْ عيونكمُ بفُرقة الحقِّ والبغضاء والهَرَبِ
كنَّا أُناسًا على دِينٍ ففرَّقنا قَدْعُ الكلام وخلطُ الجِدّ باللَّعبِ
إنِّي لأهوَنُكم في الأرضِ مُضطربًا مالِي سوَى فَرَسي والرُّمح من نَشَبِ
هرم بن عمير التغلبيّ:
إنِّي امرؤٌ هدمَ الإقتارُ مأثُرتي واجتاحَ ما بنَتِ الأيَّامُ من خَطَري
أرُومةٌ عطَّلتْني من مكارمِها كالقوس عطَّلها الرَّامي من الوَتَرِ
نَهَى قلوبَ الغواني عن مُواصَلَتي ما يفجأُ العينَ من شَيبي ومن قِصَري
أمَّا قوله: " أرومة عطَّلتني " البيت، فأخذه البحتريّ وجوَّده بقوله:
والصُّنع إذ يرتجيه آمِلُه مُرْجًى إلى أن يسوقَهُ قَدَرُهْ
أُخرى: مُرْبًى:
كالسَّهم لا يكتفي بوحدتِهِ القانصُ حتَّى يُعينَه وَتَرُهْ
وأخذه آخر فقال:
يا كاسرَ الطَّرف على كُحلٍ وسِحرٍ وحَوَرْ
أفْردتَني والقوسُ لا تصلحُ إلاَّ بوَتَرْ
مطرِّف بن جَعْوَنة الضَّبِّيّ:
لقد كنتَ في قومٍ عليك أشِحَّةٍ بنفسك إلاَّ أنَّ من طاحَ طائحُ
مثله للمشرك الموصليّ:
يَودُّون لو خاطُوا عليك جلودَهم ولا يدفعُ الموتَ النُّفوسُ الشَّحائحُ
ودونه في المعنى قول العلويّ الكوفيّ:
أيَّامَ كنتُ من الغوا ني كالسَّواد من القلوبِ
لو يستطعْنَ خَبأنَني بين المخَانق والجيوبِ
وفي ضدّ هذا المعنى قول بشَّار:
وصاحبٍ كالدُّمَّل المُمِدِّ حَمَلتهُ في رقعةٍ من جِلدي
طفيل الغنويّ:
ولستُ بمندمجٍ في الفِرا شِ رَجَّابةٍ يَحْتَمي أن يُجيبا
ولا ذِي هَماهِمَ عند الحياضِ إذا ما الشَّريبُ أربَّ الشَّريبا
الأحنف بن قيس:
أنا ابنُ الزَّافِرِيَّة أرْضَعَتني بثدْيٍ لا أجدَّ ولا وخيمِ
أتَمَّتْني ولم تنقُصْ عظامِي ولا صوتِي إذا اصطكَّ الخصومُ
متيم بن عمرة النَّهشليّ:
أولئك قومِي باركَ اللهُ فيهمُ على كلِّ حالٍ ما أعفَّ وأكرَمَا
جُفاةُ المحَزّ لا يصيبونَ مفصِلًا ولا يأكلونَ اللَّحمَ إلاَّ تخذُّما
يقول: هم ملوك ولهم كفاةٌ فهم لا يحسنون تقطيع اللحم ولا غيره ممَّا يؤكل، وهذا الوصف لغير الملوك ذمٌّ لأنَّهم يصفون الرّجل الحازم بفَلّة الحزّ وإصابة المفصِل، وما يريدون في هذا الفصل أيضًا اللحم بل هي استعارةٌ حسنةٌ، ومثل المعنى الَّذي ذكرناه قول الآخر:
يَبيع ويَشتري لهمُ سواهُم ولكنْ بالرِّماحِ همُ تَجارُ
ومن المعنى المتقدّم في إخطاء المفصل في اللَّحم دون غيره قول طَرَفة:
وصُلْع الرّءوس عِظام البطونِ جُفاةُ المحَزِّ غلاظُ القَصَرْ
ذكر أنَّ لبس البيض والمغافر ومداومتهم لذلك قد صلع رؤوسهم كما قال الخزرجيّ أبو قيس بن الأسلت:
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فما أطعَمُ غَمضًا غيرَ تهجاعِ
وقوله: " عظام البطون غلاظ القصر " فهو مدح للملوك وذمٌّ للصعاليك والفرسان، ومن المعنى المتقدّم قول الآخر:
من آل المُغيرة لا يَشهدو نَ عند المَجازر لحم الوضَمْ
ومثله:
لا يمسكُ المالَ إلاَّ ريثَ يُرسلُهُ ولا يلاطمُ عند اللَّحم في السُّوقِ
وقريب منه:
ليسَ براعِي إبلٍ ولا غَنَمْ ولا بجزَّارٍ على ظَهر وَضَمْ
مثله للشَّنفرَى:
وكفّ فتًى لم يعرفِ السَّلْخَ قبلها تجورُ يداه في الإهاب وتخرجُ
زهير بن أبي سُلمى:
وذي خَطَلٍ في القولِ تحسِب أنَّه مُصيتٌ فما يُلممْ به فهْوَ قائلُهْ
عَبأتَ له حِلمًا وأكرمتَ غيرهُ وأعرضتَ عنهُ وهْوَ بادٍ مَقاتلُهْ
عمرو بن كلثوم:
وكنتُ امرأً لو شئتَ أنْ تبلغَ النَّدى بلغتَ بأدنَى نعمةٍ تستديمُها
ولكنَّ فطامُ النَّفس أثقلُ محمِلًا من الصَّخرةِ الصَّمَّاء حين ترومُها
مثله:
وشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعَهْ
العُجير السَّلوليّ يصف نفسه بالخَطابة:
ومنهنَّ قرعِي كلَّ بابٍ كأنَّما به القومُ يَرجونَ الأذِينَ نُسورُ
فجئتُ وخصمِي يصرفونَ نُيوبَهم كما قُصِّبَتْ بين الشِّفار جَزورُ
لدَى كلَّ موثوقٍ به عند مثلِها له قَدَمٌ في النَّاطقينَ خطيرُ
جَهيرٌ وممتدُّ العنان مُناقلٌ بصيرٌ بعوراتِ الكلامِ خَبيرُ
لوَ أنَّ الصُّخورَ الصُّمَّ يسمعنَ صوتَهُ لرُحنَ وفي أعراضهنَّ فطُورُ
مثله لعوانة بن ميمون القينيّ:
ألا ليتَ أُمَّ الجَهْم واللهُ سامعٌ رأتْ حيثُ كانت بالعراقِ مَقامِي
عشيَّةَ عنَّ النَّاسَ صَمتي ومَنطقي وبذَّ كلامَ النَّاطقينَ كلامِي
مثله لخلف الأحمر يمدح خطيبًا:
له حنْجَرٌ وحبٌ وقولٌ منقَّحٌ وفصلُ خطابٍ ليس فيه تشادُقُ
إذا كانَ صوتُ المرء خلفَ لهاتِهِ وأنحَى بأشداقٍ لهنَّ شقاشِقُ
وقبقبَ يحكي مُقرَمًا في هِبابِه فليسَ بمسبوقٍ ولا هو سابقُ
مثله أو قريب منه:
وإذا خطبتَ على الرِّجال فلا تكنْ خَطِلَ الكلامِ ولا تكنْ مُختالا
واعلمْ بأنَّ من السُّكوت لَبانَةً ومن التَّكلُّف ما يكونُ خَبالا
مرداس بن عامر:
تمنَّى أبو العَفَّاق عندي هَجمةً تسهِّلُ مأوَى كيلِها بالكلاكلِ
ولا عَقلَ عندي غيرُ طعنِ نوافذٍ وضربٍ كأشداق الفِصال الهَوادلِ
وسبٍّ يودّ المرءُ لو ماتَ قبلَهُ كصَدْع الصَّفا فلَّقتهُ بالجنادِلِ
سُويد بن أبي كاهل ونظنّها لغيره:
أبا ضُبَيعةَ لا تعجِلْ بسيِّئةٍ إلى ابْن عمِّكَ واذْكرْهُ بإحسانِ
إمَّا ترَاني وأثوابي مُقاربةٌ ليستْ بخزٍّ ولا من نَسْج كتَّانِ
فإنَّ في المجدِ هَمّاتي وفي لُغَتي عُلْوِيَّةٌ ولِساني غيرُ لحَّانِ
الأسْلَع الطُهَويّ:
فداءٌ لقومِي كلُّ معشَر جارِمٍ طريدٍ ومخذول بما جرَّ مُسلَمِ
همُ ألْجَموا الخصمَ الَّذي يستَضِيمُني وهم فَصموا حِجْلي وهم حقَنوا دَمِي
بأيدٍ يفرِّجْنَ المَضيقَ وألسُنٍ سلاطٍ وجمْعٍ ذي زُهاءٍ عرمرَمِ
إذا شئتَ لم تعدمْ لدَى الباب منهمُ جميلَ المُحيَّا واضحًا غيرَ توأمِ
ابن رِبْعٍ الهذليّ عبد مناف:
أعَينِي ألا أبكِي العامريَّ فإنَّه وَصولٌ لأرحامٍ ومِعطاءُ سائلِ
فأُقسمُ لو أدركتُهُ لَحَميتُهُ وإنْ كانَ لم يتركْ مقالًا لقائلِ
وقافيةٍ قِلتْ لكم لم أجدْ لها جَوابًا إذا لم تَضْرِبوا بالمناصِلِ
فأنطقَ في حقٍّ بحقٍّ ولم يكنْ ليرْحَضَ عنكم قالةَ الخِزْيِ باطِلِي
هذا مثل قول الآخر، عمرو بن معد يكرب:
فلو أنَّ قومِي أنْطَقَتْني رِماحُهم نطقتُ ولكنَّ الرِّماحَ أجرَّتِ
أبو الأسود القريعيّ ورُويت لغيره:
فتى مثلُ صفو الماء ليس بباخلٍ عليك ولا مُدْلٍ ملامًا لباطلِ
ولا قائلٍ عوراءَ تُؤذي رفيقَه ولا رافعٍ رأسًا بعوراءِ قائلِ
ولا مُسلمٍ مولًى لأمرٍ يضيمُهُ ولا مُخلطٍ مُصيبًا بباطِلِ
ولا رافعٍ أحدوثةَ السَّوء مُعجبًا بها بين أيدي المجلسِ المتقابلِ
أعرابيّ:
فإنْ أهلِكْ فقد أبقيتُ بعدِي قوافيَ تُعجبُ المتمثِّلينا
[ ١ / ٩٣ ]
لذيذاتِ المقاطعِ مكحماتٍ لَوَ أنَّ الشِّعرَ يُلبسُ لارْتُدينا
عمرو بن وابصة:
ومَوقفٍ مثل حدِّ السَّيف قمتُ بِهِ أحمِي الذِّمارَ وتَرميني بِهِ الحَدَقُ
فما زَللْتُ وما أُلفيتُ ذا خطَلٍ إذا الرِّجالُ على أمثالها زَلَقوا
عمر بن لَجَأٍ:
كَسَا اللهُ حيَّ تغلب ابْنة وائلٍ من اللُّؤمِ أظفارًا بطيئًا نصولُها
إذا ارتحَلُوا عن دار ذُلٍّ تعاذَلُوا عليها وردُّوا بعضَهم يستقيلُها
عمر بن لَجَأٍ أو صفوان بن عبد يالِيل:
فسائل عامرًا عنَّا جميعًا بأعلى الجِزع من وادي مِلاحِ
عشيّة لم يكن للرُّمح حظٌّ وكانَ الحظُّ فيه للصِّفاحِ
وأفْلتَنا أبو ليلَى طُفيلٌ صحيحَ الجِلد من أثرِ السِّلاحِ
هذا من الهجاء الممضّ الشَّديد لأنه قال: أفلتَنا طفيل ولم يُجرح، يريد أنَّه هرب قبل التقائنا وهذا من أشدّ الهجاء عندهم.
أبو البلاد الطّهويّ:
وإنَّا وجدنا النَّاسَ عُودَين طيِّبًا وعُودًا خَبيثًا لا يَبِضُّ على العصرِ
يَزينُ الفتَى أخلاقُهُ وتَشينُهُ وتُذكرُ أخلاقُ الفتَى وهو لا يدرِي
بشامة بن الغدير:
قالتْ أُمامةُ يوم بُرقَة ضاحكٍ يا بنَ الغديرِ لقد جعلتَ تَغَيَّرُ
أصبحتَ بعد زمانك الماضي الَّذي ذهبتْ بشاشتُهُ وغُصنُكَ أخضرُ
شيخًا دِعامتُك العصا ومُشيِّعًا لا تبتَغِي خبَرًا ولا تُستخبَرُ
الحارث بن حِلِّزة:
لا أعرفنَّكَ إنْ أرسلتُ قافيةً تُلقِي المعاذيرَ إذْ لم تنفعِ العِذَرُ
إنَّ السَّعيدَ له في غيرِهِ عِظةٌ وفي التَّجارب تحكيمٌ ومعتَبَرُ
مالك بن تاجرة العبديّ ورويت لغيره:
ونحنُ بنو الفحل الَّذي سالَ بولُهُ بكلِّ بلادٍ لا يبولُ بها فحلُ
أبَى النَّاسُ والأقوامُ أن يَحسُبُوهمُ فكلُّ كثيرٍ عند قُلِّهم قُلُّ
ومثله قول الآخر:
أرَى كلَّ قومٍ قارَبوا قيدَ فَحْلهم ونحنُ خلعْنا قيدَهُ فهْوَ ساربُ
وأمَّا قوله:
وإنْ غضِبُوا سدُّوا المشارقَ بالقَنا وبالبِيضِ تُمضيها غَطارفةٌ بُسلُ
فقد تناوله بشَّارٌ فقال:
إذا ما غضبْنا غضبةً مُضَريَّةً هتكْنا قِناع الشَّمس أو مطرتْ دَمَا
وما أقربه من قول جرير:
إذا غضبَتْ عليك بنو تميمٍ رأيتَ النَّاسَ كلَّهمُ غِضابا
حارثة بن بدر الغُدانيّ:
هو الشَّمسُ إلاَّ أنَّه للشَّمس غَيبةً وهذا الفتَى العمريُّ ليسَ يغيبُ
يروحُ ويغدُو ما يفترُّ ساعةً وإنْ قيلَ ناءٍ منكَ فهْوَ قريبُ
هذا مثل قول أخت المنتشر ترثيه:
لا يأمنُ النَّاسُ مُمساهُ ومصبَحَهُ من كلِّ أوبٍ وإنْ لم يغزُ يُنتظرُ
مثله قول عُروة بن الورد:
مُطلًاّ على أعدائِهِ يزجرونَهُ بساحتهم زجرَ المَنيح المشهَّرِ
إذا بَعُدوا لا يأمنونَ اقترابَهُ تشوُّفَ أهل الغائب المتنظَّرِ
ما نعرف شيئًا من الشعر القديم ولا المحدَث يلحقه من العيب على تقدُّم صاحبه وإجماع العلماء على تفضيله في الشِّعر وحذقه به مثل هذه الأبيات وهي للكُميت بن زيد يمدح بها النَّبيّ ﷺ، وهي:
فاعْتَتَبَ الشَّوقُ من فؤادي والشِّع رُ إلى مَن إليه يُعْتَتَبُ
إلى السِّراج المُنيرِ أحمدَ لا تعدِلُني رغبةٌ ولا رَهَبُ
عنهُ إلى غَيره ولو رفَعَ النَّا سُ إليَّ العيونُ وارْتَقَبوا
وقيلَ أفرطتَ بل قصدتُ ولو عنَّفَني القائلونَ أو ثَلَبوا
إليكَ يا خيرَ مَن تضمَّنتِ ال أرضُ ولو عابَ قوليَ العُيَبُ
لَجَّ بتفضيلك اللّسانُ ولو أُكثرَ فيه اللَّجاجُ والصَّخَبُ
[ ١ / ٩٤ ]
هذا الشِّعر من غرائب الحُمق، من رأى شاعرًا مدح النَّبيّ ﷺ فاعترض عليه أحدٌ من جميع أصناف المسلمين حتَّى يزعم أنَّ ناسًا يعيبونه ويثلبونه ويعنِّفونه؟ وله شبيهٌ بهذا في مرثيَّة رثى بها النَّبيّ ﷺ يقول فيها:
وبورِك قبرٌ أنتَ فيه وبوركتْ به وله أهلٌ لذلك يثربُ
لقد غيَّبوا بِرًّا وحزمًا ونائلًا عشيَّة واراك الصّفيحُ المنصَّبُ
وهذا شعرٌ يصلح أن يُرثى به عامة النَّاس غير النبي.
ابن جَهْوَر يرثي قومًا من أهله:
كم فيهمُ لو تملَّينا حياتَهمُ من فارسٍ يومَ روع الحيّ مِقدامِ
ومن خطيبٍ غداة الفخر مُرتجلٍ ثبْتِ المقام أريبٍ غير مِفْحامِ
وله أيضًا:
وما خيرُ من لا ينفعُ الأهلَ عيشهُ وإنْ ماتَ لم يجْزَعْ عليه أقاربُهْ
كَهامٌ عن الأقصى كليلٌ لسانهُ وفي بشر الأدْنى حِدادٌ مخالبُهْ
معاذ بن عامر:
مُطِلًاّ على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجرَ المنيح المشهّرِ
إذا بعدوا لا يأمَنون اقْترابَه تشوُّفَ أهل الغائب المتنظَّرِ
ما نعرف شيئًا من الشعر القديم ولا المحدث يلحقه.
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وغايتي إلى أجلٍ أقصى مَداهُ قريبِ
وما رغبتي في آخر العيش بعدما لبستُ شبابي كلَّه ومَشيبي
وأصبحتُ في قومٍ كأنْ لستُ منهمُ وبادَ شُكولي منهمُ وضُروبي
مثله:
وزهَّدَني في صالح العيش أنَّني رأيتُ لِداتي في المجالس قلَّتِ
مثله:
إذا ما مضى القرنُ الَّذي كنتَ منهمُ وخُلِّفتَ في قرنٍ فأنتَ غريبُ
المتلمّس:
إلى كلّ قومٍ سُلَّمٌ يُرْتقى به وليس إلينا في السَّلاليم مَطْمعُ
ويهربُ منّا كلُّ وحشٍ وينتمي إلى وحْشنا وحشُ الفَلاة فيرْتَعُ
عُطارد بن قُرّان:
ولا يلبثُ الحبلُ الضّعيفُ إذا التويَ وجاذَبه الأعداءُ أن يتجذَّما
وما يستوي السَّيفانِ سيفٌ مؤنّثٌ وسيفٌ إذا ما عضَّ بالعظم صمَّما
عبد الحارث بن ضِرار:
وعمرٌو إذْ أتانا مُستميتا كسَونا رأسَهُ عضْبًا صقيلا
فلولا اللَّيلُ ما آبوا بشخصٍ يُخبِّرُ أهلَهم عنهم قتيلا
مثله لآخر:
يا شدَّةً ما شدَدْنا غير كاذبةٍ على سخينةَ لولا اللَّيلُ والحرَمُ
مثله:
فلولا اللَّيلُ والمهرُ المُفدَّى لأُبتَ وأنتَ غِربالُ الإهابِ
خَمْخام السَّدوسيّ:
وإنّا بالصُّلَيب صُلَيب نجدٍ جميعًا موقِدونَ به لَظانا
نُدَخِّنُ بالنّهار ليُبصرونا ولا نَخفى على أحدٍ بَغانا
يقول: ظهرْنا لعدوّنا فكنّا نوقد النار في اللَّيل ليراها من يريدنا وندخِّن بالنّهار لئلاّ نخفى وهو من أعظم الفخر، وقريبٌ منه قول الأخطل:
وما تركتْ أسيافُنا حين جُرِّدتْ لأعدائنا قيسِ بن عَيلان من عُذْرِ
يقول: لقيناهم نهارًا فلم نجعل لهم عذرًا يحتجُّون به ويقولون كانت كبسة أو مُخاتلة.
نُعَيم بن خير البكريّ:
فتلك ثيابي لم تُدَنَّسْ بغدْرَةٍ وورْىُ زنادي في ذُرى المجد ثاقبُ
ولو صادفتْ عودًا سوى عود نبعةٍ وهيهاتَ أفْنَتْهُ الخطوبُ النَّوائبُ
جرير يهجو بني حنيفة:
أبناءُ نخلٍ وحيطانٍ ومزرعةٍ سيوفُهم خُشُبٌ فيها مساحيها
قطعُ الثِّمار وسقيُ النَّخْل عادتُهم قِدْمًا وما جاوزتْ هذا مساعيها
لو قيل أين هوادي الخيل ما عَلِموا قالوا لأعجازها هذي هواديها
أو قيلَ إنّ حِمام الموت آخذُكم أو تُلْجموا فرسًا قامت بواكيها
آدم بن عمر:
وإنْ قالتْ رجالٌ قد تولَّى زمانكمُ وذا زمنٌ جديدُ
وما كنّا لنخلُدَ لو ملكْنا وأيُّ النَّاس دامَ له الخلودُ
حذو كلام هذا البيت حذو كلام هذا الآخر:
وهل من خالدٍ إمّا ملكنا وهل بالموتِ يا للنّاسِ عارُ
الأحنف بن قيس:
فلو مُدَّ سَرْوي بمالٍ كثير لجدتُ وكنتُ له باذلا
فإنَّ المروءةَ لن تُستطاع إذا لم يكنْ مالُها فاضلا
ومثله لآخر:
رُزقتُ لُبًّا ولم أُرزقْ مروءته وما المروءة إلاَّ كثرةُ المالِ
إذا أردتُ مُساماةً تقعَّدَني غمًّا يُنوِّهُ باسمي رقَّةُ الحالِ
أعرابيّ مجهول وهو من جيّد الكلام:
حفرنا على رغم اللهازم حُفرةً ببطن فُليج والأسنّةُ جُنَّحُ
وقد غضبوا حتَّى إذا ملأوا الرُّبى رأوا أنّ إقرارًا على الضَّيم أرْوحُ
مالك بن النُّعمان:
وإنّي لأستبقي إذا العُسر مسَّني بشاشةَ وجْهي حين تبلى المنافِعُ
مخافةَ أن أُقلى إذا جئتُ زائرًا وترجعَني نحو الرّجالِ المطامِعُ
فأسمعَ منًّا أو أُشرِّفُ مُنعمًا وكلُّ مُصادي نعمةٍ متواضِعُ
ثروان بن ثروان مولى بني عذرة:
فلو كنت مولى قيس عيلانَ لم تجدْ عليَّ لإنسانٍ من النَّاس درهما
ولكنّني مولى قُضاعةَ كلِّها فلستُ أُبالي أنْ أدينَ وتغْرَما
أولئك قومي بارك الله فيهمُ على كلّ حالٍ ما أعفَّ وأكْرما
حاتم الطَّائيّ:
أيا ابنة عبد الله وابنةَ مالكٍ ويا ابنةَ ذي البُردَين والفرس والورْدِ
إذا ما صنعتِ الزّادَ فالتمسي لهُ أكيلًا فإنّي لستُ آكلهُ وحْدي
كريمًا قَصيًّا أو قريبًا فإنَّني أخافُ مذمّاتِ الأحاديثِ من بعدي
وكيف يُسيغ المرءُ زادًا وجارهُ خفيف المِعى بادي الخصاصة والجهْدِ
وللموتُ خيرٌ من زيارة باخلٍ يُلاحظ أطرافَ الأكيل على عمْدِ
حرب بن سلمة العبديّ:
تقول ابنةُ العبديّ يومَ لقيتها تنكّرْتَ حتَّى كدتُ منك أُهالُ
فإنْ تعجبي منّي أُمامَ فقد أتتْ ليالٍ وأيّامٌ عليَّ طِوالُ
وإنّيَ من قومٍ تشيبُ سراتُهم كذاك وفيهم نائلٌ وفعالُ
ولو لقيتْ ما كنتُ ألقى من العِدى إذن شاب منها مَفرقٌ وقَذالُ
ولكنَّها في كلِّةٍ كل شتوةٍ وفي الصَّيف كِنٌّ باردٌ وحِجالُ
تُصانُ وتُعلى المسكَ حتَّى كأنّها إذا طرحْتَ عنها النَّصيفَ غزالُ
عمر بن أبي ربيعة:
وأعجبَها من عيشها ظلُّ غرفةٍ وريّانُ مُلْتفُّ الحدائق أخضَرُ
ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يهمُّها فليست لشيءٍ آخرَ اللَّيل تسهرُ
نزل أبو الشَّليل العَنَزيّ في بني حكم، وهم فخذٌ من عنَزة، فلم يحمدْ جوارهم فقال:
أراني في بني حكمٍ قَصيًّا على حالٍ أزورُ ولا أُزارُ
أناسٌ يأكلون اللَّحمَ دوني وتأتيني المعاذرُ والقُتارُ
ومثله:
وجيرةٍ لن يُرى في النّاس مثلهمُ إذا يكون لنا عيدٌ وإفطارُ
إنْ يوقِدوا يوسِعونا من دُخانهمُ وليس يدركُنا ما تُنضج النّارُ
عمّار بن منجور القينيّ:
إذا مدَّ أربابُ البيوت بيوتَهم على رُجَّح الأكفال ألوانُها زُهْرُ
فإنّ لنا منها خباءً تحفُّهُ إذا نحن أمسينا المجاعةُ والفقرُ
أبو حُزابة:
ألا لا فتى بعد ابنْ ناشرةَ الفتَى ولا خيرَ إلاَّ قد تولَّى وأدْبرا
وكان حصادًا للمنايا ازْدرعْنَهُ فهلاَّ تركن النَّبتَ ما دام أخضرا
أما كان فيهم فارسٌ ذو حفيظةٍ يرى الموتَ تحدوهُ الأسنّة أحْمرا
فكرَّ عليه الوردَ يدْمى لَبانُه وما كرَّ إلاَّ رهْبةً أن يُعيَّرا
سُويد بن كعب:
إنّي إذا ما الأمرُ بيَّنَ شكُّهُ وبدَتْ بصائرهُ لمن يتأمَّلُ
وتبرّأ الضُّعفاءُ من إخوانهم وألحَّ من حُرّ الصَّميم الكلكلُ
أدَعُ الَّتي هي أرفقُ الخَلاّتِ بي عند الحفيظة للتي هي أجملُ
أبو محجن الثقفيّ:
ألم تسألْ فوارسَ من سُلَيم بنضْلَةَ وهو موتورٌ مُشيحُ
رأوه فازدروه وهو خِرْقٌ وينفعُ أهلَه الرَّجلُ القبيحُ
فلم يخشَوا مصالتَه عليهم وتحت الرُّغوة اللَّبنُ الصَّريحُ
فأطلقَ غُلَّ صاحبه وأرْدى جريحًا منهم ونجا جريحُ
حَجْل بن نضْلة:
فويلُ أمِّ لَذّاتِ الشَّباب معيشةً مع المال يُعطاه الفتَى المتلفُ الندى
وقد يقصرُ القُلُّ الفتَى دونَ همِّهِ وقد كان لولا القُلُّ طلاّعَ أنْجُدِ
[ ١ / ٩٥ ]
مثل معنى البيت الأول:
علمتَ يا مُجاشعَ بن مَسعدَهْ
أنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَهْ
مفسدَةٌ للمرءِ أيُّ مفسدَهْ
ومن المعنى الأول قول الطِّرِمّاح:
وشيَّبَني أن لا أزالُ مُناهضًا بغير ثرًى أنْدى به وأبوعُ
أمُخترمي ريبُ المنون ولم أنَلْ من المال ما أعْصي به وأُطيعُ
الشمردل بن حنان اليربوعيّ ونحر ناقة كريمة كانت له لسنة أجدبتْ عليه:
أكلْنا الشَّوى حتَّى إذا لم ندَعْ شوًى أشرْنا إلى خيراتها بالأصابعِ
لعمرُك ما سلَّيتَ نفسًا شحيحةً عن المال في الدُّنيا بمثل المجاوعِ
ومثله قول عنترة بن الضباب النَّهديّ ونحر أيضًا ناقةً كانت له في سنة مجدبة وقرّبها لمّا أراد نحرها إلى شجرة ليكون المحتطب قريبًا من منحرها:
أدْنيتُها من رأسِ عشّاشةِ الذُّرى مُقلِّصة الأفنان صُهبٍ فروعُها
وقلتُ لها لمّا شددْتُ عِقالَها وبالكفّ مبراةٌ شديدٌ وقوعُها
لقد عنيتْ نفسٌ عليكِ شحيحةٌ ولكن يُسخِّي شحَّةَ النَّفس جوعُها
بعض بني تغلب:
إمامٌ له كفٌّ يضمُّ بنانُها عصا الدِّين ممنوع من البَرْي عودُها
وعينٌ محيطٌ بالبريَّة طرْفُها سواءٌ عليه قربُها وبعيدُها
وأصْمعُ يقظانٌ يبيتُ مُناجيًا له في الحشا مُستودعاتٌ يكيدُها
سميعٌ إذا ناداهُ في قعر كُرْبةٍ منادٍ كفَتْهُ دعوةٌ لا يعيدُها
قام بعض الشعراء إلى قُتيبة بن مسلم الباهليّ أول ما وافى خراسان واليًا عليها فأنشده:
شُدَّ العِقابَ على البريء وما جنى حتَّى يكونَ لغيره تنكيلا
والجهلُ في بعض الأمور وإنْ علا مُستخرجٌ للجاهلين عُقولا
فقال له قتيبة: قبَّحك الله من مُشير، لا أقمتَ معي في بلدة، ونفاه إلى خراسان.
قريبٌ منه لآخر:
لا يصلحُ السلطانَ إلاَّ هيبةٌ تغشى البريءَ بفضل ذنب المُجرمِ
مثله لآخر:
إذا أخِذَ البريءُ بغير جُرمٍ تجنَّبَ ما يُحاذرهُ السَّقيمُ
آخر يهجو رجلًا من طيّئٍ:
إذا لم ترَ الطَّائيّ يبذلُ جاهَهُ وأموالَه دونَ الصَّديق لأعدائهْ
فثِق أنّه فيهم دعيّ وإن يكُنْ صحيحًا فلؤمُ الطَّبْع لا لؤم آبائهْ
لم نكتب هذين البيتين مع تخلُّفهما وسخافة لفظهما إلاَّ لأنّ أبا تمّام تناول معناهما فجوَّده بحِذقه وحدّة خاطره فقال:
[ ١ / ٩٦ ]
لكلٍّ من بني حوّاءَ عُذرٌ ولا عذرٌ لطائيٍّ لئيمِ
حُمارس بن ظالم:
أفي أنْ أحُشّ الحربَ فيمن يحُشّها أُلامُ وفي أنْ لا أُقرَّ المخازيا
ألم أكُ نارًا يتقي النّاسُ حرَّها فترْهبني إن لم تكنْ ليَ راجيا
مثله لابن حازم:
إن كنتَ لا ترهبُ ذمِّي لِما تعرفُ من صفحي عن الجاهلِ
فاخْشَ سُكوتي واسْتماعي لما يُؤثرُه فيك خنا القائلِ
الأبيرد:
نشدتُك هل يشفي قلوبَ ذوي الهوَى يدُوُّ ذُرى أعلامكم أمْ تشوقُها
وهل ينفعُ العطشانَ بالله أن يرى حياضَ العِدى مملوءةً لا يذوقُها
أبو دهبل:
فلو كنتَ ما تُعطي رئاءً تنازعتْ به خلجاتُ البُخل يجْذِبنهُ جذبا
ولكنّما تبغي به الله وحدهُ لعمري لقد أربحتَ في السَّعة الكسْبا
الشنفرى:
إذا همَّ لم يحذَرْ من اللَّيل غُمّةً تُهابُ ولم تصعُبْ عليه المراكبُ
قرى الهمَّ إذ ضاف الزَّماعَ فأصبحتْ منازلهُ تعتسُّ فيها الثَّعالبُ
الأحوص:
قومٌ أبى طبَعَ الأخلاق أوّلهم فهم على ذاك من أخلاقهم طبِعوا
وإنْ أناسٌ وَنَوْا عن فعل مكرُمةٍ وضاق باعهمُ عن وسْعها وَسِعوا
المرّار الفقعسيّ:
أبُخلًا إذا تدنو وشوقًا إذا نأتْ عناءٌ وبَرْحٌ من أُمامةَ بارِحُ
وهل في غدٍ إن كان في اليوم علّةٌ نجازٌ لما تلوي القلوبُ الشَّحائحُ
القطاميّ:
وفي الخُدور مها حورٌ مُصوَّرةٌ خُلقنَ أحسنَ ممّا قالَ من يصفُ
إذا ذكرنَ حديثًا قُلن أحسنَهُ وهنَّ عن كلّ سوءٍ يُتَّقى صدُفُ
لقيط بن أوفى المِنقريّ:
وما أنا بالسّاعي إلى أُمّ عاصمٍ لأضْربَها إنّي إذًا لجهولُ
وما أنا بالمِنْفاقِ ما في خِبائها ولا أنا عمّا غيَّبتْهُ سؤولُ
سويد بن أبي كاهل:
يكفُّ لساني عامرٌ وكأنّما يكفّ لسانًا فيه صابٌ وعلقَمُ
أتترُكُ أولادَ البغايا وغيبتي وتحبسُني عنهم ولا أتكلمُ
ألم تعلموا أنّي سُويدُ وأنّني إذا لم أجدْ مُستأخَرًا أتقدَّمُ
حسبتم هجائي إذ بطنتم غنيمةً عليَّ دماءُ البُدْن أن سوفَ تندموا
أما قوله " ألم تعلموا أنّي سويد " البيت، فقد أخذه البحتريّ فقال:
فأحجمَ لمّا لم يجدْ فيك مطمعًا وأقدمَ لمّا لم يجدْ عنك مهربا
مرزوق بن فَرْوة المُراديّ:
تؤمُّ بطَرْفها نجدًا قلوصي وطر في نحو أهل الشَّام سامِ
هذا مأخوذ من قول عروة بن حِزام:
هوى ناقتي خلفي وقدّاميَ الهوَى وإنّي وإيّاها لمُختلفانِ
فإنْ تحملي شوقي وشوقَكِ تظْلَعي ومالكِ بالحِمْل الثّقيل يدانِ
[ ١ / ٩٧ ]
مثل قول جرير:
أحنُّ إلى نجدٍ وبالغور حاجةٌ فغارَ الهوَى يا عبدُ قيسٍ وأنْجَدا
جميل:
ألا إنّني راضٍ بما فعلتْ جُمْلُ وإن كان لي فيه الصَّبابةُ والخَبْلُ
رضيتُ به منها فأجْوَرُ فِعْلِها لدى النَّاس عندي من رضاءٍ به عَدْلُ
وكُرّوا عليَّ العذلَ فيها فإنّني رأيتُ الهوَى فيها يُجدِّدهُ العذْلُ
وما كان حُبّيها لبذلٍ رَجوتهُ لديها فأخشى أن يُغيِّره البخلُ
مثله قول الآخر:
أجد الملامة في هواكِ لذيذةً حبًّا لذكراكِ فَلْيلُمني اللُّوَّمُ
ليلَى ابنة مرٍّ المَيْدعانيّة:
لو مَيْدَعان دعا الصَّريخُ إذًا قرعَ القِسيَّ سواعدٌ سُعْرُ
قومٌ إذا حضروا الهِياجَ فلا ضربٌ يُنَهْنِهُهم ولا زجْرُ
حُمر العيون لدى لوائهمُ يترَبَّدون كأنَّهم نُمْرُ
وكأنَّهم آسادُ محنيةٍ عريتْ وبلَّ متونها القَطْرُ
أنذرتُ عمرًا وهو في مَهلٍ قبلَ الصَّباح فقد عصى عمرو
وإذا أمرتَ وقد نصحتَ ولم يُسمعْ لأمرك لم يكن أمْرُ
المرّار الفقعسيّ:
يمشين وهْنًا وبعد الوهن من خَفرٍ ومن حياءٍ غضيض الطَّرْفِ مستورِ
إذا انْتسبنَ ذكرن الحيَّ من أسدٍ مُنزَّهات عن الفحشاء والزُّورِ
يحملن ما شئتَ من دينِ ومن حسبٍ وما تمنَّين من خَلْقٍ وتصويرِ
غُرٌّ منعَّمةٌ يضحكن عن بَردٍ تممْنَ في أيّ تبتيلٍ وتخْصيرِ
لا يَلْتفتْنَ ولا ينطقْنَ فاحشةً ولا يُسائلنَ عن تلك الأخابيرِ
وله:
أيقَظْتهنَّ وما قضتْ نوماتِها نُجْلَ العيون نواعم الأبْشارِ
بيضٌ يُزيِّنُها النَّعيمُ كأنّها بقرُ الصَّريم عوانسٌ وعذاري
وكفى حداثتَها عفافُ جُيوبها رُغبَ العيون رعيّةَ المِغيارِ
ينفحن بالآصال كلَّ عشيَّةٍ نفحَ الرّياضِ بحَنْوةٍ وعَرارِ
ابن الدّمَينة:
ألا حبَّذا الماءُ الَّذي قابلَ النَّقا ويا حبَّذا من أجل ظمياءَ حاضِرُهْ
إذا ابتسمتْ ظمياءُ واللَّيلُ مُسدفٌ تجلَّى ظلامُ اللَّيل حين تُباشرُهْ
ولو سألتْ للنّاس يومًا بوجهها سحابَ الثُّريّا لاسْتهلَّتْ مواطِرُهْ
مثله لكُثيِّر:
رَمَتْني على فَوتٍ بُثينةُ بعدما تولَّى شبابي وارْجحَنّ شبابُها
بعينَين نَجلاوين لو رَقْرقَتْهما لنوءِ الثُّريّا لاستهلَّ سحابُها
ولكنَّما ترمين نفسًا سقيمةً لعزّةَ منها صفوُها ولُبابُها
من أجود ما وُصف به القوّاد قولُ الفرزدق:
وآلفةٍ برْدَ الحِجال احْتَويتها وقد نام من يخشى عليها وأسْحرا
تغلغلَ وقاعٌ إليها فأقبلَتْ تجوسُ خُداريًّا من اللَّيل أخضرا
لطيفٌ إذا ما انسلَّ أدرك ما ابتغى إذا هو للظَّبي الغرير تقتَّرا
يزيد على ما كنت أوصيتهُ به وإن أنكرتْهُ لانَ ثُمّتَ أنكرا
وبِتنا بثوبينا الفِرِندين نَسْتقي لِثاتٍ ومن لم يرْوَ منّا تغمّرا
وبتنا كأنَّ الماء يجري حبابهُ بنا حين جاء الماءُ أو حين أدْبرا
أمّا قوله " يزيد على ما كنت أوصيته به " البيت، فمثلُ قول عمر بن أبي ربيعة:
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانَتْ لها وتُراخي عند سورات الغضبْ
وبيت عمر أجود لفظًا ومعنًى وفي بيت الفرزدق زيادة وهي: " يزيد على ما كنت أوصيته به ".
الأعور الطَّائيّ:
قِفا فانْظرا هل يرفع الآلُ رفعةً لنا نخلتَي وادي النَّقا فنراهُما
هما نخلتان طالتا وارْجحنَّتا وطاب بربْعيِّ الثرى مَغْرِساهُما
ظلالهما تشفي من الدّاء والجوى ويشفي من الخبْل الطَّويل جناهُما
ذو الإصبع الطَّائيّ:
لقد كنتُ لاقيتُ العناءَ من الصِّبا وبرّحَ بي بخل الغواني وجودُها
ويقتادني والله يغفر ما مضى إليهنَّ أخدانُ الصِّبا وأقودُها
الحريش بن مرّة الأزديّ:
إذا ما التقينا أنْطَقتنا رِماحُنا وليس لها في كلّ ما فعلتْ خُبْرُ
وطُلِّقتِ إنْ لم تسألي أيّ عُصبةِ غداةَ التقينا في أسنَّتنا الجمْرُ
الشمردل اليربوعيّ:
ثمَّ استقلَّ مُنعَّماتٌ كالدُّمى نُجلُ العيون رقيقةُ الأكبادِ
كذوبُ المواعدِ ما يزالُ أخو الصِّبا منهنّ بين مودَةٍ وبعادِ
حتَّى ينالَ خَبالُهنّ تجلُّبًا عقلَ الشديد وهنّ غيرُ شِدادِ
والحبُّ يعطفُ بعد هجرٍ بيننا ويهيجُ مَعْتبةً لغير تَعادِ
ابن الدُّمَينة:
ألا ليتنا كنّا طريدين في دمٍ يُطالبُنا قومٌ شديدٌ تُبولها
فنخفى على حدس العدوّ وظنِّهِ ويُحرزُنا عرضُ البلاد وطولُها
أشعارهم في الأماني أكثر من أن تلحق وتصرّفهم فيها أوسع من أن يجمع وقد كتبنا منه شيئًا قبل هذا الموضع، وممَّا لم نكتبه قول العباس ابن الأحنف:
ألا ليتنا نَعمى إذا حيلَ بيننا وتَنْشا لنا أبصارُنا حين نلتقي
أضِنُّ على الدُّنيا بطرفي وطرفها فهل بعد هذا من فعالٍ لمشفقِ
هذا مأخوذ من قول جميل:
ألا ليتني أعمى أصمُّ تقودُني بثينةُ لا يخفى عليَّ كلامُها
إلاَّ أنَّ جميلًا لم يدْعُ عليها بالعمى بل على نفسه إشفاقًا عليها.
ومثل المعنى الأول في المُنى قول الآخر:
فبتُّ أُراعي النَّجمَ حتَّى كأنَّما بناصِيتي حبلٌ إلى النَّجمِ موثَقُ
وما طالَ ليلِي غيرَ أنِّي بوعدها أُعلِّلُ نفسي بالأماني فتقلقُ
ومثله لآخر:
ولِي من نَجِيّ النَّفس دنيا عريضةٌ ومُنتصحٌ يَعدو عليَّ فيطرقُ
فقدتُ المنَى لا نحن نَلهو عن المنَى لتجربةٍ منَّا ولا هيَ تَصدقُ
ومن أجود ما قيل في المنَى قول مسلمٍ:
في المُنَى راحةٌ وإنْ علّلْتَنا من هواها ببعض ما لا يكونُ
ما دعانِي الهوَى إليك ولكنْ باسْم داعِي الهوَى عَنَتْني المنونُ
أترانِي سُررتُ بعدك يومًا ليس قلبي إذًا عليك حزينُ
وإذا ما قنعتُ باليأس منها نصبتْ شبهةً عليَّ الظُّنونُ
ومن جيّد هذا المعنى أيضًا قول ابن المعتزّ:
أما في اللَّيالي أنْ تَعودَ ونَلتقي بلَى في اللَّيالي سهلُها وحزونُها
إذا كانَ يحلُو فيكمُ كذبُ المُنَى إذا ما ذكرْناكم فكيف يقينُها
مثله قول ابن ميَّادة:
أبِيتُ أُمنِّي النَّفس من لاعج الهوَى إذا كادَ بَرْحُ الشَّوق يُتلِفها وجْدا
مُنًى إنْ تكنْ حقًّا تكنْ أفضلَ المنَى وإلاَّ فقد عِشنا بها زَمَنًا رَغْدا
أمانيَّ من سُعدَى عذابًا كأنَّما سقتْنا بها سُعدَى على ظمأٍ برْدَا
ألا حبَّذا سُعدَى على فَرط بُخلها وإخْلافِها بعد المِطال لنا الوعْدا
عبد الله بن موسى:
ألم تعلَمِي يا ضلَّ رأيُكِ أنَّني لِوصْلِ الغواني مُتلف ومفيدُ
وإنِّي لمطروق المياه ورَنْقِها عيوفٌ وللعَذْب الفُرات وَرودُ
وإنَّ رجوعي عند أوَّل مرَّةٍ إذا عِبتُ أخلاقَ الصَّديقِ بعيدُ
الأعور الشِّنّيّ:
يا أُمَّ عُقبةَ سمعًا إنَّني رجلٌ إذا النُّفوسُ ادَّرَعنَ الرُّعبَ والرَّهَبا
لا أمدحُ المرءَ أبغِي فضلَ نائلِهِ ولا أظلُّ أُداريهِ إذا غَضبا
ولا تَرَيني على بابٍ أُراقبُهُ أبغِي الدُّخولَ إذا بوَّابُهُ حَجَبا
شُريح بن أوس يصف الغبار من ركْض فرسٍ:
فانقضَّ كالدِّرِّيّ يتبَعُه نَقعٌ يثورُ تَخالُهُ طُنُبا
يخفَى وأحيانًا يلوحُ كما رفع المُشيرُ بكفِّهِ لَهَبا
الأزرق بن المُكعبَر:
وتنفِرُ من عمرٍو ببيداءَ ناقتي وما كانَ سارِي اللَّيل ينفر من عمرِو
لقد حَبَّبتْ عندي الحياةَ حَياتُهُ وحُبِّبَ سُكنَى القبر مُذ صارَ في القبرِ
ومثل بيته الأوَّل بيت الآخر وهو حسَّان يخاطب ناقته ونفرت عن قبر ربيعة بن مُكدَّم الكِنانيّ:
نفرتْ قَلوصِي من حجارةِ حَرَّةٍ بُنيتْ على طَلْق اليَدَين وَهوبِ
ومثل هذا المعنى بل أزيد منه قول الأشقريّ وقد مرَّ بقبر المهلّب بن أبي صفرة فنفرتْ ناقتُهُ فقال:
لحاكِ اللهُ يا شرّ البَرايا أعن قبر المهلَّب تَنفِرينا
فلولا أنَّني رجلٌ غريبٌ لكنتِ على ثلاثٍ تَحْجُلينا
قِماص بن وربل:
وأنتَ الَّذي نجَّيتَني من عظيمةٍ وأطلعْتَني للسَّهل من مَطلعٍ وَعْرِ
فإلاَّ يُدِلْنِي الدَّهرُ منك جزاءها فعندي جزاءٌ من ثناءٍ ومن شُكرِ
إذا أنا لم أنفعْ صَديقِي ولم يبِتْ عدوِّي على ضيمٍ فغيَّبَنِي قبرِي
أبو الوليد الكنانيّ:
أُسرُّ بمرِّ يومٍ بعد يومٍ وبالحَولَينِ والعام الجديدِ
وأفرحُ بالمَحاق وبالدَّآدِي يسُقْنَ البِيضَ في أكناف سُودِ
وفي تكرارهنَّ نَفادُ عمرِي ولكن كَي يشِبَّ أو يزيدِ
غلامٌ من سَراة بني لؤيٍّ مَنافِيُّ العُمومة والجُدودِ
مثله:
يُقِرّ بعَيني وهْو يَنْقُص مُدَّتي ممرُّ اللَّيالي أنْ يشبَّ حكيمُ
مخافةَ أنْ يَغتالنِي الموتُ قبلَهُ فيغشَى بيوتَ الحيِّ وهْو يتيمُ
جابر بن عرفجة:
اصبِرْ على قُحَم النَّوائبِ مثلَ ما صبرتْ لها آباؤك الأشرافُ
النَّاجِلوك فلا يَفيلُ سَليلُهم ومن الحديد تقطَّعُ الأسيافُ
هذا مثل قول المُحدَث:
أنت غصنٌ من ذلك المنبِت ال زَّاكي ونصلٌ من ذلك الفولاذِ
أبو الجويرية العبديّ:
أنَخْنا بفيّاض اليدَين يمينُهُ تبكِّرُ بالمعروف ثمَّ تروِّحُ
ويُدلجُ في حاجاتِ مَن هو نائمٌ ويُورِي كريماتِ النَّدَى حين يَقدحُ
يزيدُ على سَرْو الرِّجال بسَرْوِهِ ويَقصُر عن مَدح من يتمدَّحُ
يمدُّ نِجادَ السَّيف حتَّى كأنَّه بأعلَى سَنامَي فالجٍ يتطوَّحُ
يلقِّحُ نارَ الحرب بعد حِيالها ويخدِجُها إيقاعُهُ حين تلقَحُ
طُريح الثَّقفيّ:
ما كنتُ أحسبُ أنَّ بحرًا زاخرًا عمَّ البريَّة كلَّها الدَّأداءَ
أضحَى دَفينًا في ذراعٍ واحدٍ من بعدِ ما ملأَ الفضاءَ علاءَ
إلاَّ عطاياهُ الجسامُ فإنَّها فَضَحتْ بأدنَى جُودها الأنواءَ
هذا مثل قول الأشجع:
عَجَبًا لخمسة أذرعٍ في بعضها ضُمَّتْ على جَبَلٍ أشمَّ رفيعِ
مثله لأبي تمَّام:
وكيفَ احْتِمالي للسَّحاب صَنيعةً بإسقائها قبرًا وفي لَحده البحرُ
وأيضًا قولُ ابن مُطير:
ويا قبرَ معنٍ كيف وارَيْتَ جودَهُ وقد كانَ منه البرُّ والبحرُ مُترَعا
بلَى قد وَسِعتَ الجودَ والجودُ ميِّتٌ ولو كانَ حيًّا ضقتَ حتَّى تصدَعا
الفرزدق:
يقولونَ زُرْ حدراءَ والتُّربُ دُونها وكيف بشيءٍ وصلُهُ قد تقطَّعا
ولستُ وإنْ عزَّتْ عليَّ بزائرٍ تُرابًا على مَرموسة عادَ بَلْقَعا
وأهوَنُ مفقودٍ إذِ الموتُ غالَهُ على المرءِ من أخدانِهِ من تقنَّعا
وأيسَرُ رُزْءٍ لامرئٍ غير عاجزٍ رزيَّةُ مرتَجِّ الرَّوادفِ أفْرَعا
تهزُّ السُّيوفَ المشرِفيَّاتِ دونَهُ حذارًا عليه أنْ يذِلَّ ويفزَعا
ولا يشهدُ الهَيجا ولا يحضُر النَّدَى ولا يُصبحُ الشَّربَ المُدامَ المشعشَعا
بلَى يلدُ النَّائي الشَّطيرَ محلُّهُ ويورِثُهُ المالَ التَّليدَ المُمَنَّعا
مثله:
بَنُونا بَنو أبنائِنا وبَناتُنا بَنوهنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
على معاني هذا الشّعر عوّل البحتري في الشِّعر الَّذي عزَّى به أبا نهشل بن حُميد عن ابنته والمعنى منه هذا:
أتُبكِّي مَن لا ينازلُ بالرُّمْ حِ مُشيحًا ولا يهزُّ اللِّواءَ
لَسن من زينة الحياة لِعَدِّ ال له فيها الأموال والأبناءَ
قد وَلَدن الأعداءَ قِدمًا وورّثْ نَ التِّلادَ الأقاصِي البُعداءَ
ولعمري ما العجزُ عنديَ إلاَّ أنْ تَبيتَ الرِّجالُ تَبكي النِّساءَ
ومثله قول السُّليك بن السُّلَكة في امرأةٍ من قومه:
ونُبِّئتُها حرَمَتْ قومَها لتَنكحَ من معشرٍ آخَرينَا
فإنَّ البعيدَ ليُحظِينَهُ تلادَ القريب من العالَمينَا
ولستَ يُنازلنَ يومَ الوَغَى ولا يتصدَّينَ للدَّارعينَا
فطُوفِي لتلْتَقِطِي مثلَنا وأُقسمُ بالله لا تفعلينَا
إذا الخيلُ أُكرهنَ في غمرةٍ من الموتِ يعْرَين فيها عرِينَا
نما مثلنا حين تَهفو الشَّمال ويَغلو القُتار على المُشترينَا
ولكنْ لعلَّكِ أنْ تَنكحي لئيمَ المركَّب خَبًّا بَطينَا
فإمَّا نكحتِ فلا بالرِّفاء ولا بالسُّرور ولا بالبَنينَا
وزُوِّجتِ أشمطَ في غربةٍ تُجَنُّ الحَليلةُ منه جُنونا
خليلَ إماءٍ تَقَسَّمنَهُ وللمُحصنات ضَروبًا مُهينَا
يُريكِ الكواكبَ نصفَ النَّهار وتلقَين من بغِضِ الأقْوَرينَا
كأنَّكِ من بغضِهِ فاقدٌ تُرجِّع بعد حَنينٍ حَنينَا
مُعِدٌّ بلا زَلَّةٍ تَفعلين لظَهركِ بالظُّلم سَوطًا مَتينَا
كأنَّ المساويكَ في شدقِهِ إذا هُنَّ أُكرهنَ يقلعنَ طِينا
وقَلَّبتِ طرفِكِ في ماردٍ تظلُّ الحمامُ عليه وُكونا
فأبعدكِ اللهُ مِن جارةٍ وألزَمَكِ اللهُ ما تكرهينَا
في ألفاظ هذا الشِّعر بعض التَّخلُّف وإنَّما كتبناه لما فيه من المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره ولأنَّ هذا المعنى قليلٌ في الشِّعر جدًّا.
ولمَّا قال مُضرِّسٌ:
وقِدْرٍ كحَيزوم النَّعامة أُحمِشَتْ بأجذال خُشْبٍ زالَ عنها قَشيبُها
سمع ذلك زياد الأعجم فقال: وما حيزوم النَّعامة؟ لعن الله هذه من قدرٍ فما أحسبُها تُشبع عيالَ مُضرِّس، فقيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول أنا:
وقِدْرٍ كجَوف اللَّيل أحمشتُ غَلْيَها تَرَى الفيلَ فيها طافيًا لم يفصَّلِ
لَوَ انَّ بَني حوَّاءَ حولَ رمادِها لما كانَ منهم واحدٌ غيرَ مُصطلِ
وله أيضًا في مثل هذا المعنى:
بوَّأتُ قِدْري موضعًا فجعلتُها برابيةٍ ما بين مِيثٍ وأجرَعِ
جعلتُ لها هَضب الرِّجام وطِخْفَةً وغَولًا أثافي هَضبها لم تُنزَّعِ
وقدرٍ كجوفِ اللَّيل يبعُدُ قعرُها تَرَى الفيلَ فيها طافيًا لم يقطَّعِ
نعجِّلُ للأضياف وارِي سَدِيفها ومَن يأتِها من سائرِ النَّاس يشبَعِ
مثله لطفيل، بالوقود:
إذ اسْتَحْمَشوها بالوَقود تغيَّظتْ على اللَّحم حتَّى تتركَ العظمَ بادِيا
خليلةُ طُرَّاق الظَّلام رَغِيبةٌ تُلقَّمُ أوصالَ الجزور كما هِيا
مثله للأسديّ:
وسوداءَ لا تُكْسَى الرِّقاعَ نبيلةٍ لها عندَ قُرَّات العَشيَّات أزمَلُ
إذا ما قَرَيناها قِراها تضمَّنتْ قِرَى مَن عَرَانا بل تَزيدُ فتفضُلُ
مثله للكميت:
نصبْنا لهم دَهماءَ ذات هماهِمٍ طويلًا بأفناءِ البيوتِ ركودُها
لها مُوْقِدان دانيان وواقفٌ يخافُ اطّلاعَ غَلْيِها فيذودُها
إذا صدرتْ عنها رِفاقٌ برزقهم تعودُ رِفاقٌ بعدَهم فتُعيدُها
مثله للفرزدق:
وضيفٌ بلحنِ الكلبِ يدعُو ودونَهُ من اللَّيل سِجْفا ظلمةٍ وغيومُها
دَعَا وهْوَ يرجو أن ينبِّهَ إذ دَعَا فتًى كابْن ليلَى حين غابت نجومُها
بعثتُ له دَهماءَ ليست بناقةٍ تدرُّ إذا ما هبَّ نحسًا عقيمُها
كأنَّ المحالَ الغُرَّ في حَجَراتها عَذارَى بدَتْ لمَّا أُصيبَ حَميمها
مُحضَّرةٌ لا يُجعلُ السّترُ دونها إذا المُرضعُ العوجاءُ جالَ بَرِيمُها
وله في غير هذا المعنى:
لقد خفتُ حتَّى لو أرَى الموتَ مقبلًا ليأخذَني والموتُ يُكرَهُ زائرُهْ
لكان من الحجَّاج أهونَ روعةً إذا هو أغضَى وهْوَ سامٍ نواظرُهْ
أدبُّ ودُوني سيرُ شهرٍ كأنَّني أراك وليلٌ مُستحيرٌ عساكرُهْ
ذكرتُ الَّذي بَيني وبَينك بعدَما رمَى بيَ مِن نَجْدَي تِهامة غائرُهْ
ولو أنْ ركبتُ الرِّيحَ ثمَّ طلبْتَني لكنتُ كشيءٍ أدركتْهُ مقادرُهْ
البيت الأخير من هذه الأبيات جيِّد المعنى نهاية في المخافة والأصل فيه بيت لم يُلحق جودةً وفصاحةً وصحَّةً وهو بيت النابغة:
فإنَّك كاللَّيل الَّذي هو مُدرِكِي وإنْ خلتُ أنَّ المُنتأَى عنكَ واسعُ
كلّ من تعاطى اللّحاق بهذا البيت قصر دونه. وقد تعاطاه جماعة من الشعراء فلم يقعوا قريبًا منه، فمنهم الفرزدق وقد ذكرنا شعره، ومنهم محمد بن عبد الله النُّميريّ وهو الَّذي كان يشبِّب بأخت الحجَّاج، فلمَّا أخافه هرب فلم تقلَّه الأرض فرجع إلى الحجَّاج وقال:
هاكَ يدي ضاقتْ بِلادي برُحْبِها وإنْ كنتُ قد طوَّفتُ كلَّ مكانِ
فلو كنتُ في جَوّ السَّحاب محلِّقًا لخِلْتُك إلاَّ أن تصدَّ تَراني
ومثله قول بعض بني أبي حفصة، لعنهم الله، في إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈ وقد هرب من المنصور فأوقع عليه الحيلة حتَّى قتله، ﵁ وعن آبائه، والَّذي قتله ابن الأغلب في خبر طويل أردنا المعنى منه، وهو:
أتظنُّ يا إدريس أنَّك مُفلتٌ كيدَ ابنِ أغلبَ أو يقيك فرارُ
فليدركنَّكَ أو تحلَّ ببلدةٍ لا يهتدي فيها إليك نهارُ
مثله قول سلم الخاسر يعتذر إلى المهديّ:
إنِّي أتَتْني عن المهديّ مَعتبةٌ تظلُّ من خوفها الأحشاءُ تضطربُ
اسمَعْ فِداك بنو حوَّاء كلُّهم فقد يحورُ برأس الكاذب الكذبُ
مَولاك مَولاك لا تُشمتْ به أحدًا فما وراءَكَ لي ذكرٌ ولا سببُ
ولو ركبتُ عِنان الرِّيح أصرفُها في كلِّ ناحيةٍ ما فاتكَ الطَّلبُ
عبد الله بن نافع:
وكنَّا إذا النَّاسُ هاجوا بنا وسنُّوا الشِّقاقَ سننَّا الشِّقاقا
فإنْ فاءَ قومٌ إلى صُلحنا رجعنا كرامًا إذا الأمرُ ضاقا
فنَحْلو مِرارًا ومرًّا نُمِرّ فلا يجدُ النَّاسُ فينا مَذاقا
أُمّ الكُميت العدويَّة ترثي ابنها:
لأُمّ البلاد الويلُ ماذا تضمَّنتْ بأكناف حُزْوَي من سماحٍ ونائلِ
ومن وقَعاتٍ بالرِّجال كأنَّها إذا عيَّتِ الأقوالُ وقعُ المناصِلِ
مثله لبعض شعراء بكر بن وائل يرثي بسطام بن قيسٍ:
لأمّ الأرضِ ويلٌ ما أجنَّتْ غداةَ أضرَّ بالحسنِ السَّبيلُ
رافع الأسديّ وكان جنى جنايةً فطلبه الحجَّاج فهرب وقال:
تهدَّدْ رويدًا لا أرَى لك طاعةً ولا أنا ممَّا ساءَ وجهَكَ مُعتبُ
لعلَّك يومًا أن تراني مُدجَّجًا بحيث يُرى حامي الحقيقة مِحْرَبُ
هنالك تلقاني ضحًى إن لقِيتَني وفي السَّيف لي نصفٌ وفي الحقِّ مَغضَبُ
ابن وابصة الثَّقفيّ:
أُهينُ لهم مالي وأعلمُ أنَّني سأُورثُهُ الأعداءَ سيرةَ مَن قَبلي
وما وجَدَ الأضيافُ فيما يَنوبُهم لهم عند أزمات الشِّتاء فتًى مِثلي
أبو الأشهب الوالبيّ:
أقولُ وقد أضمرتُ وجدًا كأنَّه بأكنافِ حضْنَيَّ الوشيجُ النَّواشبُ
أمِتْ حبَّ ليلَى موتَ نفسٍ عزيزةٍ عليك أصابتْها المنايا الشَّواعبُ
الصِّمَّة القشيريّ:
رأتني الغَواني قد تَرَدَّيت شَملةً وأُزّرتُ أُخرى فازْدَرَتْني عيونُها
وفي شَملتي لو كنَّ يَدرينَ سَورةٌ من الجَهل مجنونٌ بهنَّ جنونُها
رجام بن علي الصيداوي:
تأوَّهتُ من ذِكرَى أُميمة بعدما مضَى زمنٌ بعدَ اللِّمام طويلُ
تأوُّهَ مغلولٍ بكبْلَين يُدَّعَى عليه بإثبات العُدول قتيلُ
ليلَى بنت منظور العبديَّة:
عيَّرتَني يا أخي أنْ كنتَ قاتلَه ولستَ أوَّل عبدٍ ربَّه قَتَلا
وقد دعاك غداةَ المَرْج من مَلِكٍ إلى البِراز فلم تفعلْ كما فَعَلا
فلا عدمتَ امرأً هالتْك خِيفتُه حتَّى حسبتَ المنايا تسبِق الأجَلا
مثله قول حسَّان:
لا تعدَمَنْ رجلًا أحلَّك خَوفَهُ نَجران في عيشٍ أحَذَّ ذَميم
مالك بن حلاوة العذريّ:
يا ليت هامةَ قُنفذ بن مُخاشنٍ شهدتْ مَراجفَ خيلِنا بالأجْوَلِ
لا تحسبَنْ أنَّا نَسينا مُدرِكًا كلاَّ لعمري إنَّنا لم نفعلِ
إنَّا على ما قد علمتَ وإنَّنا ناسٌ خُلِقْنا من صلابِ الجندلِ
كثيِّر:
جرَىَ ناشئًا للخَير في كلِّ حلبةٍ فجاءَ مجيءَ السَّابقِ المتمهِّلِ
أشدَّ حياءً من فتاةٍ حَيِيَّةٍ وأمضَى مضاءً من سنانٍ مُؤلَّلِ
هذا قول ليلى:
فتى كان أحيا فتاة حيية حميد وأشجع من ليث بخفان خادر
هذا مثل قول:
فتًى كانَ أحيا من فتاةٍ حَيِيَّةٍ وعند طِراد الخيل كالأسد الوردِ
وَسْنَى بنت عامر الأسديَّة وهذه الأبيات من أطبع أشعارهم وأغربها معنًى، بل ما نعرف في صفة الجَدْب والخِصْب مثلها، وهي:
ألمْ تَرَنا غبَّنا ماؤنا زمانًا فظَلْنا نَكدّ البِئارا
فلمَّا جَفا الماءُ أوطانَهُ وجفَّ الثِّمادُ فصارتْ حِرارا
وضجَّتْ إلى ربّها في السَّماء رؤوسُ العِضاهِ تُناجِي سِرارا
وفَتَّحتِ الأرضُ أفواهَها عَجيجَ الجِمال وَردنُ الجِفارا
فقلنا أعيرُوا النَّدَى حقَّه وصَبْر الحِفاظ ومُوتوا حِرارا
فإنَّ النَّدَى لَعسى مرَّةً يردُّ إلى أهله ما اسْتعارا
فبَيْنا نوطِّنُ أحشاءَنا أضاءَ لنا عارضٌ فاسْتطارا
وأقبلَ يزحفُ زحفَ الكسي رِ سَوقَ الرِّعاءِ البِطاءَ العِشارا
[ ١ / ٩٨ ]
تغنِّي وتضحكُ حافاتُهُ خلالَ الغَمام وتَبكي مِرارا
كأنَّا تُضيءُ لنا حُرَّةٌ تشدُّ إزارًا وتُلقي إزارا
فلمَّا خَشينا بأنْ لا نجاءَ وأنْ لا يكونُ قرارٌ قَرارا
أشارَ له آمرٌ فوقَهُ هلمَّ فأمَّ إلى ما أشارا
مثله قول سُحيم:
أصاحِ ترَى البرقَ لم يفتمض يَضيء كِفافًا ويَخْبو كِفافا
مثله قول ابن الخطيم:
أضاءتْ لنا كالشَّمس تحت غمامةٍ بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ
مثله لبشَّار:
قامتْ تصدَّ إذ رأتْني وَحْدِي
كالشَّمس بين الزِّبرِج المُنْقَدِّ
ضنَّتْ بخدٍّ وجلتْ عن خدِّ
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول معن بن أوس يصف نخلًا:
كأنَّما هي عانسٌ تصدَّى
تخشَى الكسادَ وتُحبّ النَّقدا
فهْيَ تَرَدَّى بعد بُردٍ بُرْدا
نُصيب في وَعد مطله:
فجرَّى ومنَّاني ثلاثةَ أشهرٍ بوعدٍ ووافتْ بعد ذاكَ معاذِرُهْ
غدٌ علَّةٌ لليومِ واليومُ علَّةٌ لأمسِ مدًى لا ينقضِي الدَّهرَ آخرُهْ
وإنِّي لراجٍ حين أرجو مُغرِّرًا ندَى جامدٍ لا يُخرج الماءَ عاصرٌهْ
تميم بن كُميل:
فباتَ يشجُّ البِيدَ واللَّيلَ ما ثنَى يدَيه لتعريسٍ يَحنّ وأزفرُ
فقلتُ له لمَّا رأيتُ الَّذي بهِ كِلانا إلى وِرْد الخَشاشة أصوَرُ
فليت الَّذي ينسَى تذكُّرَ إلفِه وشِرْبًا بأحواض الخَشاشة ينحَرُ
منيف بن مالك القَينيّ:
لعمري لئن كانتْ نواكم تباعدتْ لمَا قرَّبتْنا منكم الدَّارُ أطوَلُ
وإنَّ تَنائي الدَّار منكم لمَبْلَغٌ إلينا ولكنَّ التَّصبُّر أجمَلُ
سوّار بن المضرّب:
بِعَرْض تَنوفةٍ للرِّيح فيها نسيمٌ لا يروعُ التُّربَ وانِ
سقَى اللهُ اليمامةَ من بلادٍ نَشاها مثلُهُ نَشرُ الغَوانِي
هذا مليح في سكون الرِّيح ولين هبوبها. ومن جيِّد ما قيل في هذا المعنى قول منصور بن يحيى الموصليّ:
وهبَّتْ شمالٌ ما اهتدَى اللِّصُّ هديَها سرارًا متَى تنظُرْ إلى الماءِ يبرُدِ
وما أدركتْ في مَرِّها لم تطِرْ به ولو أنَّه أطراف قطنٍ مُزبَّدِ
وقد أشار البحتريّ إلى هذا المعنى فلم يأتِ به في ذكر الرِّيح بل في صفة جري الفرس وسرعته فقال:
خفَّتْ مواقعُ وطْئه فلوَانَّه يجرِي برملة عالجٍ لم يُرْهِجِ
يزيد بن مَزيد:
ألمْ تَرني والسَّيفَ خِدْنَين ما لنا رضاعٌ سِوى دَرّ المنيَّة بالثُّكلِ
وإنِّي وإيَّاه شقيقان لم تَزَلْ لنا وقعةٌ في غير عكلٍ وفي عكلِ
مثله للجمَّال العبديّ:
السَّيفُ والرُّمحُ لي خِدْنَانِ قد شهِدا أنِّي شجاعٌ فما دانانيَ الأسَدُ
إذا شددتُ على قومٍ هَزَمتهمُ ببأس ذِكْرِي فلا يبقَى لهم مَدَدُ
أبو الجُويرية العبديّ وهو أحسن ما نعرف في كلال الإبل:
وردَ المطيُّ بنا إليك كأنَّها صُفْر الحنيَّةِ تَستحِطُّ وتَنصَبُ
وعينًا إذا هبَّتْ لها الرِّيحُ أسبلَتْ مدامعُها شوقًا وسُعدَى بَرودُها
ونفسًا سقاها الحبُّ حتَّى تضلَّعتْ من الوجدِ لا يَشفي صَداها وُرودُها
رقيدة بن قيس الجعديّ:
ولي خُلَّةٌ أمَّا الفؤادُ فهائمٌ بها وهْيَ بالمُستَطرفين تَهيمُ
إذا عارضٌ منها استهلَّ فإنَّه لأوَّل ما يَبدو له ويَشيمُ
مثله:
ولمَّا بدا لي أنَّما أنت مَنهلٌ بصحراءَ مَن يجتازُهُ فهْوَ شاربُهْ
صَدَدْتُ فلم أشربْ به غيرَ أنَّني شربتُ به يومًا وعندي تجارِبُهْ
هذا البيت خلاف بيت بشَّار:
ولا أشربُ الماءَ الَّذي يحملُ القَذَى أجلْ لا ولا أسقِي به من نُصاحبُهْ
إذا أنتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذَى ظمِئتَ وأيُّ النَّاس تَصفو مَشاربُهْ
غلبة بن جوَّاس:
كنَّا ثلاثة أخْدانٍ وأنفُسُنا نفسًا نقصِّرُ عيشًا بَيننا عَجَبا
إذِ الشَّبابُ ونُعْمٌ صاحبان معًا سَقيًا لذَينكَ مِن إلفينِ قد ذَهَبا
أبو الأسود الدِّيلي:
إذا قلتُ أنصِفْني ولا تظلمنَّني رَمَى كلَّ حقٍّ أدَّعيهِ بباطِلِ
فماطَلْتُهُ حتَّى ارْعَوَى وهْو كارهٌ وقد يرعَوِي ذو الشَّغْب بعد التَّحاملِ
فإنَّك لم تعطِفْ إلى الحقِّ ظالمًا بمثل خَصيمٍ عاقلٍ متجاهلِ
أبو محصنة الربعيّ:
أيا ظبيةَ الوعساء أنت شبيهةٌ لذلفاءَ إلاَّ أنَّ ذلفاءَ أجدَلُ
فعيناكِ عَيناها وجيدُكِ جِيدُها وشكلكِ إلاَّ أنَّها لا تعطَّلُ
حسبناكِ إيَّاها لأوَّل نظرةٍ فلمَّا تبيَّنَّا إذا هي أجمَلُ
[ ١ / ٩٩ ]
فلا تنفِرِي منَّا فلستُ بتاركٍ شبيهةَ ذلفاءَ الحبيبةِ تُقتَلُ
ومثله قول العامريّ:
فعيناكِ عيناها وجِيدك جِيدُها ولكنَّ عظمَ السَّاق منكِ دقيقُ
وبيت المجنون أملح معنًى وأصلح لفظًا وأوقع في التَّشبيه من البيت.
وأمَّا قوله: " فلا تنفري " البيت، فمثل قول الآخر:
راحوا يَصيدونَ الظِّباء وإنَّني لأرَى تصيُّدَها عليَّ حَراما
أعزِزْ عليَّ بأن أروعَ شبيهَها أو أنْ يذُقْنَ على يديَّ حِماما
مالك بن الرَّيب:
يقول المُشفِقون عليَّ حتَّى متى تلقَى الجنودَ بغير جُندِ
وما مَن كانَ ذا سيفٍ ورمحٍ وطابَ بنفسه مَوتًا بفَرْدِ
مُويال بن جهم المِذحجيّ:
ألمْ تعلَمي عَمَّرتُكِ اللهَ أنَّني كريمٌ على حين الكرامُ قليلُ
وأنِّيَ لا أخْزَى إذا قيل مُملقٌ جوادٌ وأخزَى أنْ يقالَ بخيلُ
فإلاَّ يكنْ جسمي طويلًا فإنَّني له بالخِصالِ الصَّالحات وَصولُ
إذا كنتُ في القومِ الطّوال غَمَرْتُهم بعارفةٍ حتَّى يقالَ طويلُ
ولا خيرَ في حُسن الجسُوم وطُولها إذا لم تزنْ حُسنَ الجسُوم عقولُ
مضمر بن خالد البكّائيّ:
لا تَعِديني الفَقْرَ يا أُمَّ مالكٍ فإنَّ الغِنَى للمُقتِرِين قريبُ
وللحقّ من مالِ امرئ الصِّدق نَوبةٌ وللدَّهر من مال اللَّئيمِ نَصيبُ
وللمالِ إشراكٌ وإنْ ضنَّ ربُّه يُصيبُ الفتَى من ماله ونُصيبُ
وما السَّائلُ المحرومُ يَرجعُ خائبًا ولكنْ بَخيلُ الأغنياء يَخيبُ
هذا مثل قول أبي تمَّام:
فإنِّي ما حُورِفتُ في طلبِ الغِنَى ولكنَّكم حُورِفتمُ في المكارمِ
ومثله له أيضًا:
لمَّا عدِمتُ نوالَهُ أعدَمْتُهُ شُكري فرُحنا مُعدمَين جميعا
القتَّال الكلابيّ وكان لصًّا فجنى جنايةً أُخذ بها، فلمَّا أرادوا أن يدخلوه سجن المدينة قال:
أقولُ وقد واجهتُ سجنَ ابن مُصعبٍ وقد شُدَّ منِّي في الكعوبِ قُيودُ
أيا جُمل أمَّا ما تكنْ من مصيبةٍ فتبلَى وأمَّا حبُّكم فجديدُ
ولمَّا دخل السِّجن وقيِّد قال:
وقَيدانِ قيدٌ من هواكِ مبرِّحٌ وقَيدٌ لسلطانٍ عليَّ مُؤكَّدُ
وقد علِموا أن لم أُقيَّدْ لرِيبةٍ وأنِّي جوادٌ سابقٌ لا يُقيَّدُ
أبو النَّجم العِجليّ:
لقد خبَّرتْ عيناكَ يومًا بحُبّها ببطحاء ذي قارٍ وقد كتَمَ الصَّدرُ
ويومًا بدَير المصقليَّة أشرفَتْ لها النَّفسُ حتَّى ردَّها اللهُ والصَّبرُ
الصِّمَّة القشيريّ:
خليليَّ هل يُستخبرُ الأثْلُ والغضا ونَبْتُ الرُّبَى من بطن ودّان والسِّدْرُ
وهل يتَّقي لا بعدَ ما قد تَصافَيا خليلان بانا ليسَ بينَهما وِتْرُ
نأَتْ بهما دارُ الهوَى وتراقَيا ذُرَى الضِّغْن حتَّى لجَّ بينَهما الهجرُ
إذا بِنْتِ إلاَّ ما عدا النَّأيُ بينَنا وبينكِ لم يلزمْكِ ما فعلَ الدَّهرُ
من يُجرح فيه فكيف يكون إذا أصاب غيره غيره، ولقد تحيّر في معنى هذا البيت جماعةٌ من النّحويّين بالموصل ولم يقفوا عليه فكانوا يقولون: إذا قلنا: " شوًى ما أصاب " انتصب البيت وفسد المعنى، حتَّى عرَّفناهم الوجه فيه، وقريبٌ منه قول البحتريّ في صفة السّيف:
فإذا أصابَ فكلُّ شيءٍ مقتَلٌ وإذا أُصيبَ فما له من مقتَلِ
وأمَّا قوله: " فلا طول إلاَّ لامرئٍ " البيت، فمثل قول أبي تمَّام:
إذا أحسنَ الأقوامُ أنْ يَتَطاولوا بلا مِنَّةٍ أحسنْتَ أن تتطوَّلا
كثيِّر:
وكنتُ امرأً بالغَور منِّي لُبانةٌ وبالجَلْس أُخرى ما تُعيدُ وما تُبْدي
فعينٌ تكرُّ الطَّرفَ نحوَ تِهامةٍ وعينٌ تكرُّ الطَّرفَ شوقًا إلى نجدِ
فأبْكي على هندٍ إذا هيَ فارقَتْ وأبْكي على دَعْدٍ إذا بِنتُ عن دَعْدِ
فلا تَلْحَياني إنْ جَزِعتُ فما أرَى على زَفَرات الحبّ من أحدٍ جَلْدِ
شريك بن مغلول الجعديّ:
ولو كنتُ بعد الشَّيب طالبَ صَبوةٍ لأصْبى فؤادي نِسوةٌ بخلاخلِ
عفيفاتُ أسرارٍ بعيداتُ ريبةٍ كثيراتُ إخلافٍ قليلاتُ نائلِ
تعلَّمْنَ والإسلامُ منهنّ والتُّقى شواكِلَ من علم الذين ببابلِ
مِراضُ العيون في احورارِ محاجرٍ طِوالُ المتون ليِّناتُ الأناملِ
هضيماتُ ما بين التَّرائب والطُلى لِطافُ المتون صامتاتُ الخلاخلِ
عواطِلُ إلاَّ من جمالٍ وزينة تزِفُّ بأعناق الظِّباء العواطلِ
كأنَّ ذُرى الأنقاء من رمل عالجٍ حَنتْ والتقَتْ منهنَّ تحت الغلائلِ
كعب بن زهير ورويت لغيره:
صَموتٌ وقوّالٌ فللحكم صَمْتهُ وبالعلم يجلو الشّكَّ مَنْطِقه الفَصْلُ
فتًى لم يدعْ رُشدًا ولم يأتِ مُنكرًا ولم يدْرِ من فضلِ السّماحة ما البخلُ
به أنجبَتْ للبَدْر شمسٌ مُضيئةٌ مباركةٌ ينمي بها الفرعُ والأصْلُ
إذا كان نجلُ الفحل بين نجيبةٍ وبين هِجانٍ مُنجبٍ كرُمَ النَّجْلُ
عبد الله بن عبد الأعلى الحارثيّ:
ولقد عجبتُ لذي الشّماتة إذ رأى جَزعي ومن يذُقِ الفجيعة يجزَعِ
فاشْمتْ فقد قرعَ الحوادثُ مَرْوَتي واجْذَلْ بمروتك الَّتي لم تُقرَعِ
إنْ تبقَ تُفجَعْ بالأحبّة كلِّهم أو تُرْدِك الأحداثُ إنْ لم تُفجعِ
أبو قُحافة الأزديّ:
لحا الله وصلًا إنْ تغيَّبتَ ساعةً فأنتَ وأقصى النّاسِ فيه سواءُ
وخِلًاّ إذا لم تأتهِ بهديّةٍ بدَتْ لك منه غفلةٌ وجفاءُ
غِربال بن مجمّع الحنفي:
ألا ربَّ ضيفٍ طارقٍ قد قرَينهُ وآنَستُه قبلَ الضِّيافة بالبِشْرِ
وجدتُ له فضلًا عليَّ بقصدهِ إليَّ يراني موضِعَ الحمد والأجْرِ
فزَوَّدتهُ مالًا يقِلُّ بقاؤهُ وزوَّدني شُكْرًا يدوم على الدَّهرِ
وقد ربحتْ عندي تجارةُ ماجدٍ يجودُ فيعتاضُ الثَّناءَ من الوفْرِ
مثله قول الآخر:
كم من يدٍ لا أُؤدِّي شكرَ نعمتها عندي لمختبطٍ طارٍ ومن منَنِ
إذ جاءَ يسعى إلى رَحْلي لأُسْعِفهُ أليس قد ظنَّ بي خيرًا ولم يَرَني
مسكين الدَّارميّ:
إذا متُّ فانْعَيني لأضياف شُقّةٍ رمى بهمُ داجٍ بهيمُ الغياطلِ
يُشبُّ لهم ناري فيُعرَفُ ضوءها ويُحتلُّ بيتي بالفضاء المقابلِ
ولستُ بوقّافٍ إذا الخيلُ أسرعتْ ولستُ بعبّاسٍ إلى الضَّيف باسلِ
ولكنّه يلقاه منّي تحيَّةً ويأتيه قبل العُذر بذلي ونائلي
ويلقاهمُ وجهي طليقًا وعاجلًا قِرايَ ومن خير القِرى كلُّ عاجلِ
مطر بن غدير العامريّ:
بني عامرٍ مالي أرى الخيلَ أصبحت بِطانًا وبعضُ الضُّمْر للخيل أفضَلُ
متى تكرموها يُكرم النَّفسُ نفسَهُ وكلُّ امرئٍ من قومه حيث ينزلُ
بني عامرٍ إنَّ الخُيولَ وقايةٌ لأنفسكم والموتُ وقتٌ مُؤجَّلُ
أهينوا لها ما تُكرمون وباشروا صيانتها والصَّونُ للخيل أجملُ
مزاحم بن الحارث القريعيّ:
أربَّتْ عليها كلُّ وَطْفاء حرّةٍ لها غاربٌ جُنْحَ الظَّلام بَهيمُ
إذا أرْزَمتْ بالرَّعد أرزمَ خلفها وقُدّامها جونُ الغواربِ كومُ
إذا ما هبَطْن الأرضَ قد مات عودُها بكَين بها حتَّى يعيش هشيمُ
سحائبُ لا من صيّفٍ ذي صواعقٍ ولا مُلقحاتٍ ماؤهنّ حميمُ
علَتْني غواشي عَبْرةٍ ما أرُدُّها لها من شؤون المأقِيَيْنِ سُجومُ
وما ذاك إلاَّ من جميعٍ تفرَّقت بهم نيَّةٌ عند الجوار قسيمُ
وذلك تالٍ للنَّوى غيرُ مُخلفٍ إذا كان لي جارٌ عليَّ كريمُ
الزِعْل بن المَشرفيّ القُرَيعيّ وهاجى رجلًا فغلبه واعتلى عليه فقال:
لعمري لقد مارسْتُ نفسًا ضعيفةً قليلًا لأيّام المَنونِ احْتمالُها
تَهاعُ وتستَعْوي إذا الضُرّ مسَّها وتقسو قُسوًّا حين ينعَمُ بالُها
مَعْن بن أوس المُزَنيّ:
إذا تقاعسَ صعبٌ في حزامته وإنْ تعرّض في خيشومه صيَدُ
رُضْناهُ حتَّى يُذِلَّ القَسرُ هامتَهُ كما استمرَّ بكفّ الفاتل المسَدُ
فلا تكونوا كمن تغذو بدرّتها أولادَ أخرى ولا يُغذى لها ولَدُ
إنْ تُصلِحوا أمرَكم تصلُحْ جماعتُكم وفي الجماعة ما يستمسك العمَدُ
أما قوله " فلا تكونوا كمن تغذو بدرّتها " فمثل قول ابن هَرْمة:
تعلَّقْتها وإناءُ الشَّبا ب يطفَحُ من جانبَيهِ طِفاحا
ولا ميعةٌ حَجرتْ حُبَّها ولا الشَّيبُ أنْساكها حين لاحا
وكم من مُحبٍّ أجنَّ الهوَى فودَّ من الغَمّ لو كان باحا
وآخر غُمَّ بأسرارهِ فباح بمكتومه واسْتراحا
وإنّي وتركي ندى الأكْرَمين وقَدْحي بكفَّيَّ زَنْدًا شَحاحا
كتاركةٍ بيضَها بالعراءِ ومُلبسةٍ بيضَ أخرى جَناحا
مثله قول الكميت:
كمُرضعةٍ أولادَ أخرى وغادرتْ بنيها إلى أن عالَ أوسٌ عيالَها
هذا من خرافات الأعراب ومحالاتهم وذلك أنّهم يزعمون أنّ الضّبع إذا وضعت تركتْ جِراءها وهم صغار فيجيء الذئب إليهنّ فلا يزال يعولهنّ ويُغذّيهنّ حتَّى يكبرن ويقدرن على التماس ما يأكلن ثمَّ يدعهنّ وهذا عندنا من أعظم المحال لأنّ الذّئب لو تمكّن من الضّبع أكله فكيف يعول ولده؟ أمّ محكم الضَّبِّيّة:
كفى للفتى من عيشة السَّوْءِ أن يرى حبيبًا ومن دون الحبيب رقيبُ
وإنّي ليدعوني الهوَى نحو غيره فآبى ويدعو نحوَهُ فأُجيبُ
إلى البيت الأول نظر أبو تمَّام بقوله:
وحسبُك حسرةً لك من حبيبٍ رأيتَ زِمامه بيدَيْ عدُوِّ
[ ١ / ١٠٠ ]
أبو حيّة النّميريّ:
وهادَينَنا ما في الصُّدور بأعيُنٍ كفى وحْيُها من أن تقولَ وتُرسِلا
عشيّةَ أذرَينَ الدُّموعَ فلم نجِدْ على أحدٍ إلاَّ البكاءَ مُعوَّلا
الأزرق بن الأكحل الحِمّانيّ يصف نخلًا:
صفا بُسْرُها واخْضرَّتِ العُشْبُ بعدما علاها اغْبِرارٌ لانْضمام الغَلاصمِ
وشاهدَ مالًا ضاع ريًّا فساسَهُ سياسةَ حُرٍّ حازمٍ وابنِ حازمِ
أدام له العَصْرَين ريًّا ولم يكنْ كمن ضَنَّ عن عُمرانها بالدَّراهمِ
وما الأصلُ ما روَّيتَ مضرِبَ عِرْقه من الماءِ عن إصلاح فرعٍ بنائمِ
رويد بن وابصة الكِنانيّ:
كفى لك أنْ تخيَّرَها كريمٌ له في كلّ مكرُمةٍ يمينُ
يُقسِّمُ مالهُ والرّوض يُنْدي وفي اللَّزَبات أكرَمُ ما يكونُ
ضافتِ الحارث بن بدر ضيوفٌ فنصب الرَّحى فطحن لهم، وكان قد خطب ابنة عمّ له وقرُبَ الأمر بينهم وكانت من أجمل نساء العرب، فقال لها جوارٍ كنَّ معها في حجلتها: انظري إلى هذا الطحّان، وهنَّ يضحكن، ولم تكن تعرفه، فاطَّلعت فنظرت إليه فقالت لأمّها وقد رابها ضحكهنّ: من هذا الَّذي يطحن؟ قالت: زوجك وهو سيد قومه وفارسهم فصكّت صدرها بيدها وقالت: وهل يطحن السَّيّد؟ فأغارت في الوقت على الحيِّ خيلٌ فترك الطحن وركب فرسه وحمل عليهم حتَّى كشفهم وهي تنظر إليه ثمَّ رجع إلى الرَّحى، وقد اتَّصل به قولها فقال:
تقولُ وصكّتْ وجهها بيمينها أزوجيَ هذا بالرَّحى المتقاعِسُ
فقلتُ لها لا تَعجبي وتبيَّني بلائي إذا التفَّتْ عليَّ الفوارسُ
ألستُ أردُّ القِرنَ يركبُ رَدْعَه وفيه سِنانٌ ذو غِرارين يابِسُ
وأحتملُ الأوقَ الغطيمَ وأمتَري خُلوفَ المنايا حين تُخشى الدّهارسُ
لعمرُ أبيكِ الخيرِ إنّي لخادمٌ ضيوفي وإنّي إنْ ركبتُ لفارسُ
محلِّم بن بشامة:
ورُبَّ ابنِ عمّ سَنَّ لي حدَّ سهمهِ ونكّبْتُ عمدًا عن مقاتله سهمي
رعيتُ الَّذي لم يرْعَ بيني وبينه وعادَ على ما دُلَّ من حمله حِلْمي
إسماعيل بن يسَّار:
أصرَمْتَ رامةَ أم تجدَّدَ حبلُها أم قد ملِلْتَ على التَّنائي وصلَها
أم كيف ترجو نائلًا من خُلَّةٍ تدنو مودَّتها وتمنعُ بذلَها
فأظلّ بين رِضًى وسُخطٍ واقفًا أرجو مواعدَها وأكره بُخلَها
فاقصدْ لغاية ما تُريدُ فإنّما تحذو الحذاءَ لكلّ رِجْلٍ نعلَها
وإذا أصبْتَ من النّوافل رغبةً فامنَحْ عشيرتك الأداني فضلَها
مجاشع بن مقّاس الحميريّ يهجو المعلَّى بن شقيق الطَّائيّ:
فلم أرَ في الأحياء حيًّا كطيّئٍ وما جمعتْ من مُقرفٍ وعتيقِ
فحاتمُها في الجود حاتمُ طيّئٍ وحاتمُها في لؤمها ابنُ شقيقِ
تُماضر ابنة مكتوم العبديّة ودخلتِ الحضرَ فاعتلَّت فعادها جاراتها ومعهنّ هدايا لها فقالت:
تحاشد جيراني فجئن عوائدًا قِصارَ الخُطى نُجلَ العيون حواليا
وجئن برُمّانٍ وتينٍ يعُدْنَني وبقلِ بساتينٍ ليَشفينَ دائيا
مرّار بن بُديل العبشميّ:
أبا قَطريٍّ لا تُسارعْ فإنّني أرى قِرنَك الأعلى وإيّاك أسْفلا
أراك إذا صارعْتَ قِرنًا سبقْتَه إلى الأرض واسْتَسلمتَ للموت أوّلا
عُروة بن لقيط الأزديّ:
فخيرُ الإيادي ما شُفِعن بمثلها وخيرُ البوادي ما أتين عوائدا
ولستَ ترى مالًا على الدَّهر خالدًا وحمدُ الفتَى يبقى على الدَّهر خالدا
عاصم بن هلال النّمريّ:
ألم تعلمي أنّي لكلّ مُلِمّةً تحيَّفُ أموالَ الكِرام رؤومُ
وأنّ النَّدى مولى طريفي وتالدي وأنّي قريبٌ للعُفاةِ حميمُ
أصونُ ببذل المال عِرضًا تكشَّفَتْ صُروفُ اللَّيالي عنه وهو سليمُ
ماجد بن مُخارق الغَنَويُّ وغزا في البحر:
فلمّا استقلَّتْ شُرْعُهم وتحرَّشتْ بها الرّيحُ أبدَيتُ الَّذي كنتُ أكتمُ
سأبْكيك بالعين الَّتي قادَتِ الهوَى إلى القلب حتَّى يعقِبَ الدَّمعةَ الدَّمُ
وله أيضًا:
إذا ما وترنا عن ترابنا ولم نكُ أوغالًا نقيم البَواكيا
ولكنّنا نَعلو الجيادَ شوازبًا فنَرمي بها نحو التِّراتِ المراميا
جرير:
تغطِّي نُميرٌ بالعمائم لُؤمَها وكيف يُغطِّي اللُّؤمَ طيُّ العمائم
فإنْ تضربونا بالسِّياط فإنَّنا ضربْناكم بالمُرهفات الصَّوارم
وإنْ تحلِقوا منّا الرُّؤوسَ فإنَّنا حلَقْنا رؤوسًا باللِّحى والغلاصم
وإن تمنعوا منّا السِّلاحَ فعندنا سلاحٌ لنا لا يُشترى بالدَّراهم
جلاميدُ أملاءُ الأكفّ كأنها رؤوسُ رجالٍ حُلِّقت بالمواسم
وله:
وضيفكم جائعٌ إنْ لم يبث غَزِلًا وجارُكم يا بني هِزّانَ مسروقُ
رأيتُ هزّانَ في أحْراح نسوتها رَحْبٌ وهِزّانُ في أخلاقها ضيقُ
حُرقوص التَّغلبيّ:
ألا لا أريدُ البيضَ حتَّى يُردْنني ويتَّضِعَ المهرُ الَّذي كان غاليا
وحتَّى تقولَ الخودُ سرًّا لأهلها ألا ليته قد جاء إن كان خاليا
لمّا وليَ خالد بن عبد الله القسريّ العراق زوج ألف أيِّم من بجيلة بألف رجلٍ منهم، وساق المهور من عنده، فقال ابن نوفل في ذلك:
وغدتْ بجيلةُ نحو خالدَ تبتغي مهرَ الأيامى قد كسدْنَ دُهورا
ولقد منَنْتَ على نساء بجيلةٍ وقسمْتَ بين فِقاحهنّ أُيورا
وقريبٌ من هذا المعنى قولُ بعضهم في أبي ليلَى القاضي وكان لمّا تقلَّد البصرة عهِدَ الأعمال لأصهاره:
بناتُ أبي ليلَى عهودٌ مُعَدَّةٌ متى شئتَ فانْكِحْ بعضهنّ وخُذْ عهدا
وكُنْ عالمًا علمَ الحقيقة أنّه يزيدُك طسوجًا إذا زدتَها فَرْدا
مصعب بن العرم العُكْليّ:
أعاذلتيَّ ليس إلى انتهائي وليس إلى انتهائكما سبيلُ
أرى ما تزعُمانِ الغيَّ رُشْدًا فشبْرٌ من تنائينا طويلُ
أبَتْ لي ذاك مأثُرَةٌ بناها إلهٌ فضلُ نائلهِ جزيلُ
وأنَّ أبي جوادٌ من معدٍّ فعارٌ أن يكون له بخيلُ
ذو الرُّمَّة:
دنوتُ وأدناهنَّ لي أن رأينَني أخذتُ العصا وابْيضَّ لونُ مسابحي
وقد كنتُ ممَّا أعرفُ الوحْيَ ماله رسولٌ سوى طرفِ العيون اللَّوامحِ
لئنْ سكنتْ لي الوحشُ يومًا لطالما ذعَرْتُ قلوبَ الآنساتِ الملائحِ
ابن حَبناء التَّميميّ:
إذا ما رفيقي لم يكن خلفَ ناقتي له مركبٌ فضلٌ فلا حملتْ رَحْلي
ولم يكُ من زادي له نصفُ مِزْوَدي فلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا رَحْلِ
شريكَين فيما نحن فيه وقد أرى عليَّ له فضلًا بما نال من فضلي
جِران العَوْد:
إنَّ رِواقَ اللَّيل يجثمُ تحته رجالٌ ويمضي الأحوَذيُّ المثقَّفُ
وإنّا ذَمَمنا كلَّ نجدةِ سيِّدٍ بطينٍ ولا يُرضيك إلاَّ المخفَّفُ
مثله للحادرة:
ومُنشقِّ أعطاف القميص كأنّه إذا لاحتِ الظَّلماءُ نارٌ توقَّدُ
فتًى لا ينال الزّادَ إلاَّ مُعذِّرًا كأعلى سنان الرُّمح بل هو أنجَدُ
قيس بن زهير:
وأمرٍ يسرُّ الحاسدين إذا مضى ونرعى به الأحسابَ عند المحافلِ
ضرمتُ ولم أنظُرْ إلى متعلِّلٍ ولا عاجزٍ عن عورة الحي غافلِ
ابن الرِّقاع:
عُذْنا بذي العرش أن نحيَى ونفقدَهُ وأن نكونَ لراعٍ بعدَه تَبَعا
أُثني عليه ولا تفنى فواضِلُهُ وتنتهي مِدْحتي دون الَّذي صَنَعا
أدهم بن أبي الزّعراء الطَّائيّ:
معاشر أيديهم طِوالٌ وإنّما يُخاف من الأيدي ويُرجَى طِوالُها
هم المنعِمون المُفضلون لقومهم إذا ما دماءُ النَّاس هيبَ احْتمالُها
فما قصُرتْ من طيِّئٍ كفُّ حاملٍ وذي دِيَةٍ إلاَّ عليهم كمالُها
بأيديهمُ بيضٌ تُضيء وجوهَهم خِفافٌ إذا هُزّتْ ثقيلٌ وبالُها
الحارث بن وابصة الكِنانيّ:
لقد كدت لولا أنّني أملك الأسى وتعترض الأحزان لي ثمَّ أصبرُ
أحِنُّ حنينَ الواله الطَّرِب الَّذي ثنى شجوَهُ بعد الحنين التَّذكّرُ
يزيد بن الطَّثْريّة:
ولا بأسَ بالهجر الَّذي ليس عن قِلًى إذا شجرتْ عند الحبيب شواجرُهْ
ولكنَّ مثلَ الموت هِجرانُ ذي الهوَى حِزارَ الأعادي والحبيب مُجاوِرُهْ
هذا مثل قول الآخر:
لعمرك ما الهجرانُ أن تبعُدَ النَّوى بإلْفَين دهرًا ثمَّ يلتقيانِ
ولكنّما الهجرانُ أن تُجمعَ النَّوى ويُمنعَ منّي من أرى ويراني
رافع بن هُريم اليربوعيّ:
ألستم أقلَّ النَّاس تحتَ لوائهم وأكثرَهم عند الذَّبيحة والقِدْرِ
وأمْشاهُ بالشَّيء المحقَّر بينكم وأعجزهم عند الجسيم من الأمْرِ
وأنتم على أنَّ المنيَّةَ تتَّقي نفوسكم فَقْعٌ بقَرقَرَةٍ قَفْرِ
وما أمُّكم يوم الخوافق بالقنا بثَكْلى ولا زهراءَ من نسوةٍ زُهْرِ
عمرو بن سليم البجَليّ يهجو إسماعيل بن عبد الله القسريّ:
قولًا لإسماعيلَ أصلحْ ما بنَى أسدٌ وزينٌ ذو المكارم خالِدُ
بيدك تهدِمُ ما بَنَتْ كفُّ الَّذي رفعَ البناءَ لكم وشادَ الشَّائدُ
لو كنتَ ماءً كنتَ ملحًا آجِنًا أو كنتَ مرْعًى لم يَرُدْك الرَّائدُ
أو كنتَ من شجرٍ لكنتَ ألاءةً أو كنتَ من ورقٍ نفاك النّاقدُ
مساور بن مالك القَينيّ:
أبوك أبوك أربدُ غير شكٍّ أحلّك بالمَخازي حيثُ حلاّ
فلا أنفيك كي تزدادَ لومًا لألأمَ من أبيك ولا أذلاّ
مثله لعمير المنقريّ يهجو ابن تواب:
ولستُ بداعيكم لغير أبيكمُ كفى بك لؤمًا أن يُقالَ توابُ
وأخذ هذا المعنى حمّاد عَجْرَد فقال يهجو بشّار بن بُرد:
نُسبت إلى بُرْدٍ وأنتَ لغيره فهبْك ابنَ برد نكتَ أمَّك من بُرْدُ
إلاَّ أنَّ في بيت حمّاد هذا زيادةً في المعنى على ما تقدّم، ومثله لدِعبِل يهجو مالك بن طَوْق:
صدِّقْهُ إن قال وهو مُحتفل إنِّيَ من تغلبٍ فما كذَبا
من ذا يُناديه في مُناسبةِ في إسْتِ كلب يُرضَى بذا نَسَبا
ابن برّاقة الهمْدانيّ:
تعرّض لي عمرو وعمرٌو خزاية تعرُّضَ ضَبعِ القفر للأسد الوَرْدِ
وما هو لي نِدٌّ فأشتمَ عِرضَه ولا هو لي عبدٌ فأبطُشَ بالعَبْدِ
أُفنون التّغلبيّ:
نحمي حماهم ونرمي من ورائِهم ويولِجون حِمانا من يُرامينا
كأنَّ أسلافَهم ليسو لنا سلَفًا ولا هم حسنُ ما تبنيه أيدينا
السُّلَيك بن السَّلَكة:
هَزِئتْ أمامةُ أن رأتْ بي رقّةً وفمًا به فَقَمٌ وجلدٌ أسودُ
أُعطي إذا النَّفسُ الشَّعاعُ تطلَّعتْ مالي وأطعنُ والفرائصُ تُرعدُ
سأل معاوية بن أبي سفيان أبا الأسود الدُّؤليّ وقد كبر فقال: ما للنّساء عندك، يا أبا الأسود؟ فقال النَّظم أحبُّ إليك أم النَّثرُ؟ فقال: النَّظم، فقال:
تجنَّبْنَني من بعد شُحٍّ وغيرةٍ عليَّ فما لي عندهنّ نصيبُ
إذا أنا لم أُمنَعْ فأضعفُ طالبٍ وإن لم أُطَعْ عدّتْ لهنَّ ذنوبُ
فلا أنا للعِرفان بالهجر أنْثَني ولا النَّفسُ عمّا لا تنالُ تُطيبُ
جِروة بن خالد العبدي:
وعَوْدٍ قليل الجُرْم أوجعتُ متنَه إذا ما اعتراني من تباريحها ذِكْرُ
وقلت له مَيّالةُ اليومَ سبَّبتْ لك الضَّربَ فاصْبر إنَّ عادتك الصَّبْرُ
أميَّالَ حالَ النَّأيُ بيني وبينكم وجمع بني سعدٍ فموعِدُنا الحَشْرُ
معبد بن علقمة العَبْشميّ وظلم بعض بني عمّه مولًى له:
فإنْ أكُ لا أُرمَى وتُرمَى كِنانتي تُصِبْ جانحاتُ النَّبْل كشحي ومنكبي
فقل لبني حزمٍ فقد وأبيهم مُنوا بهَريت الشِّدقِ أحوسَ أغلب
قليل انثناء الرّأي عند اعْتزامِه على الهول رَكّاب قَرا المتَهيَّبِ
أنيبوا بني حزم وأهواؤنا معًا وأرحامنا موصولة لم تقَضَّبِ
ولا تبعثوها بعد شدّ عِقالها ذميمةَ ذكر الغِبِّ للمتغبِّبِ
سآخذ منكم آلَ حزم لعائذٍ وإن كان مولًى لي وكنتم بني أبي
إذا أنا لم أغضبْ لأقصايَ لم أنَلْ أدانيَّ إن سيموا الغضاضة مغضَبي
أبو الكرم المازنيّ:
حزب مُقدّم مُتعرِّض للموتِ غير مُعرِّدٍ حيّادِ
وردَ اللِّقاءَ ونفسُه بفؤادِها إذ كلُّ نفسٍ غيرُ ذاتِ فؤادِ
عطَّاف كرَّاتٍ إذا عطفَ الورى إبْراقُ عارضهِ على الإرْعادِ
كاللَّيث لا يثنيه عن إقدامه خوفُ الرَّدى وقعاقِعُ الإيعادِ
عُبيدة بن هلال الخارجيّ:
هل الفضلُ إلاَّ أنَّ مالي أعزُّه لدَيْنٍ إذا ما الحقُّ آبَ ذليلُ
وأنّي إذا ما الموتُ كان بمُرْتأًى من العين مِقدامٌ عليه صَؤولُ
وأنّي إذا ما الحربُ أسلَمها ابنُها لدِرَّتها عند اللِّقاء وَصولُ
أجود بنفسي عند ذاك وبعضُهم بأرذلَ من نفسي هناك بخيلُ
موسى بن جابر الحنفيّ:
لا كلُّ مُطَّرِفٍ هوايَ ولا من طولِ صُحبةِ صاحبٍ أقْلي
وإذا الرّجال مشت بهم أنعالُهم لخزايةٍ لم تَمشِ بي نعلي
مَدّوا الحِبالَ فكان أطولَها طولًا وأمتنَها قُوًى حَبْلي
حجَّار بن أبْجر العِجْليّ:
غَدوتُ على النَّشناش بالسَّيف غُدْوَةً وحولي رجالٌ من صديقٍ وحُسَّدِ
فقال ليَ النَّشناش إنّك مُعتدٍ ومن يكُ ذا رهْطٍ كرهطيَ يعتدِ
وإنِّي لخرَّاجٌ من الأمر بعدما يقولون قد أودَى وطلاّعُ أنجُدِ
طَلوبٌ بأوتارٍ بهنّ مطلَّبٌ سبوقٌ صدوقٌ موعدي وتوعُّدي
إذا جنتِ الأيّامُ أحداثَ نكْبةٍ فأمْنيَ سيفي ما استقلَّتْ به يدي
تقولُ ابنةُ العِجْليّ إذ جئتُ شاحبًا من السِّجْن في سِرباليَ المتقدِّدِ
أقُيِّدتَ في سجن المدينة بعدَنا ومن يَعْدُ في الإسلام ظلمًا يُقَيّدِ
أما قوله " وإنّي لخرّاج من الأمر " البيت، فقد أخذه ابن المعتز فقال:
حتَّى إذا قالوا خضيبٌ بدمٍ خرجتُ منه بحُسام مُختضِبْ
ولابن المعتزّ في هذا زيادة حسنةٌ على من أخذه منه.
الأزرق بن طرفة الباهليّ يحذِّر امرأته بإخراجها:
خُذي حذَرًا منِّي ولا تحسَبِنَّني مرارةَ أفراسٍ ببطن مَسيلِ
وهوجاءَ قد قوَّمتُ بعضَ دُروئها إذا لم توافقْ رحلتي ونُزولي
قرنْتُ بها أخرى فأغضتْ بعينها على سهرٍ بعد الرُّقاد طويلِ
هذا قريب من قول أبي الأسود الدُّؤلي:
خُذي العفوَ منِّي تَستديمي مودَّتي ولا تَنطقي في سَورتي حين أغضبُ
ولا تنقُريني نقركِ الدُّفَّ دائمًا فإنَّكِ لا تدرينَ كيفَ المعتَّب
فإنِّي رأيتُ الحبَّ في القلبِ والأذَى إذا اجتَمَعا لم يلبثِ الحبُّ يذهبُ
حسارة بن وائل النهديّ:
أقدامُنا عن جارنا أجنبيَّةٌ حياءً وللمُهدَى إليه طريقُ
لجارتِنا الشِّقُّ الوَحيشُ ولا يُرى لجارتنا منَّا أخٌ وشقيقُ
خلائقُ فينا من أبينا وجَدّنا وما النَّاسُ إلاَّ أفرعٌ وعروقُ
مازن بن جوشن العامريّ:
وليلة وصَلَتْني في حَنادِسِها زهراءُ مثلُ مَهاة الرَّملِ عُطبولُ
بِتْنا نَجِيَّ هوًى فيما نلذُّ به شكوى نبوحُ بها طورًا وتعليلُ
ثمَّ ادَّرعتُ بَقاياها يُشيِّعني قلبٌ وقورٌ وذو غربَيْن مَصقولُ
وله أيضًا:
ومولَى السَّوء عندك لا شمالٌ إذا ذكرَ الرِّجالُ ولا يمينُ
حسودٌ كاشحٌ لا خيرَ فيه ولا يُرجَى كما يُرجَى الجنينُ
وبعضُ القوم حين ينوبُ خطْبٌ كَهامٌ يَستعينُ ولا يُعينُ
عُمارة بن عقيل:
تجرّمْتَ لي في غير جرمٍ علمتُهُ سوَى أنْ يكونَ الدَّهرُ بي قد تغيَّرا
فأقبلَ الأعداءُ من كلِّ جانبٍ عليَّ وولَّى بالصَّديق فأغْبَرا
وقد كنتَ لي عونًا على الدَّهر ناصرًا عزيزًا وغَيثًا كلَّما شُبَّ أمطَرا
وما كنتُ غدَّارًا كَفورًا فلا تكنْ بصاحبك الوافي أعقَّ وأغْدَرا
فما أنتَ إلاَّ من زمانِك إنَّه زمانٌ جَفَتْ خُلاَّنُه وتنكَّرا
على البيت الأخير من هذه الأبيات عوَّل ابن المعتز في قوله:
صبرًا على الهُموم والأحزانِ وفُرقةِ الأصحاب والخُلاَّنِ
فإنَّ هذا خُلُق الزَّمانِ
أبو وَجزة السَّعديّ:
وآلُ الزُّبَير بنو حُرَّةٍ مرَوا بالسُّيوف الصُّدورَ الجِنافا
يَموتون والقتلُ من دأبهم ويغشَوْن يوم السِّياف السِّيافا
إذا فرَجَ القتلُ من عِيصهم أبَى ذلك العيصُ إلاَّ التِفاتا
مثله قول زهير:
وإنْ قُتلوا لم يَحسَبوا القتلَ سُبَّةً وكانوا قديمًا من مَناياهم القتلُ
مثله للسَّموأل:
ونحن أُناسٌ لا نرَى القتلَ سُبَّةً كما قد تراهُ عامرٌ وسَلولُ
مثله لآخر:
إذا قَتَلوا طُلَّتْ دماءٌ قَتيلهم وإنْ قُتِلوا لم يقشَعِرُّوا من القتلِ
ذو الرُّمَّة يصف نفسه وأصحابًا له في سفرة سافرها:
ظلِلنا نُقلُّ الأرضَ وهيَ تُقلُّنا مَهامهَ نأي عن هوانا قَعودُها
علينا أهابيُّ التُّراب كأنَّنا أناسِيُّ موتَى شُقَّ عنها لُحودُها
جعدة بن عبد الله:
ونمنعُ بالبِيض الخِفاف ذِمارَنا ولسنا بأنصارٍ لمَن كانَ ظالِما
وننزلُ عند الحقِّ بالحُكمِ والحِجَى ولا نُملكُ الأمرَ الغُواةَ الأشائِما
ونُوفِي فما لحوفي إلينا بغَدرةٍ إذا الغدرُ في الأقوامِ كان غَنائما
وله أيضًا:
جَنَيتُ وأنتُمُ عَضُدي عليكمْ وقد تَجني اليمينُ على الشِّمالِ
وأنتم يا بَني عمرٍو ضَمِنتُم على الأيَّامِ أحداثَ اللَّيالي
أشار في البيت الأول إلى قول المتلمّس:
وما كنتُ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفِّهِ بكفٍّ له أُخرى فأصبحَ أجْذَما
وأخذه آخر فقال:
قد تَطرِف العينَ كفُّ صاحِبها ولا يَرى قطعَها من الرَّشَدِ
مالك بن مُخارق العبديّ:
إني من القوم الَّذين تخيَّروا من المجدِ والعَلياء ما يُتخيَّرُ
ومَن يسلُبِ القتلَى فإنَّ قتيلَنا وإنْ كانَ منشورًا يُجَنُّ ويُقبرُ
وإنَّا لورَّادون في كلِّ حَومةٍ إذا جعلتْ صُمُّ القَنا تتكسَّرُ
أما قوله: " ومن يسلب القتلى " البيت، فمعنى جيدٌ وصف قومه بكبر النفوس وأنهم إذا قتلوا أعداءهم لم يستحسنوا سلبهم ولا تركهم غير مقبورين وإن كانوا لهم مُبغضين فإنَّ غرضهم قتلهم دون سلبهم. وقد ذكرت الشعراء هذا المعنى في القديم من الشعر والمحدث، فمن أجود القديم قول عنترة:
يُخبركِ مَن شهدَ الوقيعةَ أنَّني أغشَى الوغا وأعفُّ عند المغنمِ
هذا البيت أجود ما نعرف للمتقدمين، وأجود ما نعرف للمحدثين بل المتقدمين والمحدثين قول أبي تمَّام:
إنَّ الأُسودَ أُسودَ الغِيل همَّتُها يومَ الكريهة في المسلوب لا السَّلبِ
ومن هذا المعنى قول هِدْم بن عمَّار الكلابيّ:
تلاقينا ونحن بنو عُموم وشُبَّتْ بيننا نارُ الذُّحولِ
فلم نذعرْ نساءهمُ بسبيٍ ولم نسلبْ سرابيلَ القتيلِ
في هذا البيت الأخير زيادة في المعنى لأنَّه ذكر ترك سبي النِّساء كرمًا وفضلًا ومنه قول أدهم بن حازم الضَّبِّي:
بني عامرٍ صرَّمتم الحبلَ بيننا وبينكُم بعد المودَّةِ والقربِ
غَدَرْتم ولم نغدرْ وقُمتمْ ولم نقُمْ إلى حربنا لمَّا قَعدنا عن الحربِ
وكنَّا وأنتم مثلَ كفٍّ وساعدٍ فصرْنا وأنتم مثل شرقٍ إلى غربِ
فما نسلبُ القتلَى كما قد فعلتمُ ولا نمنعُ الأسرَى من الأكلِ والشُّربِ
وسلبُ ثِياب الميتِ عارٌ وذلَّةٌ ومنعُ الأسيرِ الزَّادَ من أقبح السَّبِّ
بذلك أوصانا أبونا ولم نكنْ لنتركَ ما وصَّاه في الخِصْب والجدبِ
ومثله قول منير بن المستهلّ الأسديّ:
أبلغ بني مازنٍ عنَّا وإخوتَهم والقولُ ما زالَ بين النَّاس محمولا
السَّالِبي الميتِ ما يُخفيه من خِرَقٍ حتَّى العمامة لُؤمًا والسَّراويلا
أمثلكم يتغنَّى بالوعيد لنا وقد سلَبْناكمُ البيضَ العطابيلا
ومثل هذا قول المجلّى بن راشد الغنويّ:
ألا أبلغْ عقالًا على نأيِهِ مَآلِكَ تُهدِي إليه شَنارا
قتلتَ أسيرَك بعدَ الأمانِ فجلَّلْتَ قومكَ خِزيًا وعارا
وغادرتَهُ جَزَرًا للكِلا بِ تنهشُ منه فَقارًا فَقارا
وجرَّدتَهُ من سَراويله وأحرزْتَ ذلك حتَّى الإزارا
وممَّن زاد في هذا المعنى وجوَّده أبو الأطراف المالكيّ بقوله:
وخَميسٍ لفَّقتُهُ بخميسٍ صَخِبِ الحجرَتَين جَمّ الصَّهيلِ
لا تَراني أسعَى إلى سَلَب القِر نِ ولا أنتهي برأسِ القتيلِ
ومنه قول قَطريّ بن الفُجاءة:
ورُبَّ مساليطٍ نِشاطٍ إلى الوغَى سِراعٍ إلى الدَّاعي كِرام المقادمِ
أخضتُهم بحرَ الحِمام وخُضتُهُ رجاءَ الثَّوابِ لا رجاء المغانمِ
فأُبنا وقد حُزنا الثَّواب ولم نُردْ سوَى ذاك غُنمًا وابتناء المكارمِ
ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وكنَّا الأيمَنِينَ إذا التقَينا وكانَ الأيسَرينَ بنو أبِينا
فآبُوا بالنِّهاب وبالسَّبايا وأُبْنا بالملوك مُصفَّدينا
جميع ما ذكرنا في هذا المعنى قديمًا ومحدثًا دون بيت أبي تمَّام.
جُنادة بن مِرداس العقيليّ:
إليك اعْتَسَفْنا بطنَ خبتٍ بأينُقٍ نوازعَ لا يَبغينَ غيرَك منزِلا
رَعَين الحِمَى شهرَي ربيعٍ كِلَيهما فجِئن كما شيَّدتَ بالشِّيد هَيكلا
فلمَّا رعاها السَّيرُ عادتْ كأنَّها أهلةُ صيفٍ ردَّها البُرجُ أُفّلا
تُغادرُ مَرْوَ القاعِ تحت خِفافها لطُول الوجَى والوَخْدِ تُربًا مُفتَّلا
علينا لها أنْ لا نُعِشَّ ظِماءها كذاك عليها أنْ تَخُبَّ وتُرقلا
أما قوله: " رعين الحمى شهرَي ربيعٍ " البيت والبيت بعده فمثل قول أبي دُلَف:
ولقد طوينَ مهامِهًا ومَهامِها ولمَا طوتْ منها المهامهُ أكثرُ
شكتِ الكلالَ وما شَكَونا شجوَنا إنَّ الرِّجال من المطيّ لأصبَرُ
معنى البيت الثاني من هذين البيتين غير المعنى الذي نحن في إيراد نظائره، وهو مثل قول الآخر:
سَقيًا ورَعيًا وإيمانًا ومَعرفةً للباكياتِ علينا حين نرتحلُ
تَبكي علينا ولا نَبكي على أحدٍ لَنحن أغلظُ أكبادًا من الإبلِ
ومن نظائر المعنى الذي نحن في ذكره قول أبي حَيَّة النميريّ:
وليلة مرِضتْ من كلِّ ناحيةٍ فما يُضيءُ بها نجمٌ ولا قمرُ
قاسيتُها بأمونٍ بين أحبُلِها نصفٌ وحسَّرَ عنها نصفَها السَّفرُ
مثله قول الأخَيطل:
تشكو إليَّ النَّوى فقلتُ لها دَعي النَّوى فالزَّمانُ أحْرَضَها
إنِّي لممَّنْ نَشا بعَدْوَتها ومن تصدَّى لها فأعرَضَها
أطمعتُ جَوزَ الفلا غواربَها ال مُلْدَ ومن قبلُ كانَ أمحضَها
تعلمُ عِيسى أنْ سوف يُنحِفُها ما كانَ من قبل ذاك عرَّضَها
غدتْ عِشارًا وبُدَّنًا فبرَى نَصِّيَ مِن بُدْنها وأجْهَضَها
مثله قول ديك الجن:
وكم قرَّبتْ من دار عبلةَ عبلةٌ كجَندَلَة السُّور المُقابلِ تُشرِفُهْ
فيرعَى الفلا ما قد رعتْهُ من الفلا ويُنحِفُها المَرْتُ القفارُ وتُنحفُهْ
وما نعلم أنَّ أحدًا ممَّن تعاطى الكلام نظمًا ونثرًا يلحق أبا تمام في هذا المعنى وهو قوله:
رعتْهُ الفَيافي بعد ما كانَ حِقبةً رعاها وماءُ الرَّوض ينهلُّ ساكِبُهْ
فكم جِزع وادٍ جَبَّ ذِروةَ غاربٍ وبالأمس كانت أتْمكتْهُ مَذانِبُهْ
فأبو تمَّام بهذا المعنى أحقّ من كلِّ من ذكرنا لحسن لفظه ولما أورد من الزيادة بدقَّة خاطره وصحة قريحته. وقد أخذه البحتري فأورده في غير معنى ما ذكرنا إلاَّ أنَّه أصاب شاكلةَ الرَّمِيَّة وهو قوله في شيخين من قومه كانا في شبابهما فارسين مشهورين فلما أسنَّا وقعدا عن لقاء الحروب قال لقومه في حرب وقعت بينهم وذكر هذين الشَّيخين:
وأرَى شميلًا للفَناء وبارعًا يَتأوَّدان ومن يُعمَّرْ يَكبرِ
شَيخَين قد ثقُلَ السِّلاحُ عليهما وعداهما رأيُ السَّميع المُبصرِ
ركِبا القنا من بعد ما حمَلا القَنا في عسكرٍ متحاملٍ في عسكرِ
لولا أنَّا قدَّمنا في صدر الكتاب من ذكر هذا المعنى ومَن الَّذي نبَّهنا على شعر أبي تمَّام وأخذ البحتري إيَّاه لذكرناه ههنا.
قال ابن الأعرابيّ: كان مقلّد بن مالك العقيلي يتحدَّث إلى امرأة من قومه فاستعدى أهلُها عليه، فقال له الوالي: لئن لم تنته لأنزعنَّ شيطانك، فقال مقلد:
أرادَ أميرُ الماءِ يوم لقيتُهُ لينزعَ شيطانًا من الجنِّ عادِيا
فقلتُ له أمسكْ عليك فإنَّني على القسرِ لا أزدادُ إلاَّ تَمادِيا
وأنشد لأُم الظّباء الكلابيَّة وكانت تحت نوال بن عامر السُّلميّ وبلغها أنَّه يريد المضيَّ إلى خيبر في حاجةٍ له، وخيبر مشهورةٌ بالحمَّى:
تعرَّض للحُمَّى نوالٌ وإنَّما بقيَّةُ وصلِ الغانيات نوالُ
وإنَّ نوالًا للشّقاء فمن يذُقْ حرامَ نوالٍ لم يشُقْهُ حلالُ
فائد بن منير القشيريّ:
هل الوجدُ إلاَّ أنَّ قلبيَ لو دنا من الجمرِ قِيدَ الرُّمح لاحترقَ الجمرُ
فإنْ كنتُ مطبوبًا فلا زلتُ هكذا وإنْ كنتُ مسحورًا فلا برأَ السِّحرُ
ولمَّا قال ابن الدُّمينة في أميمة الخثعميَّة:
خليليَّ زُورا بي أُميمة فاجْلُوَا بها بصَري أو غَمرةً من فؤادِيا
فقد طالَ هِجراني أُميمة أبتَغِي رِضَى النَّاس لا ألقَى من النَّاس راضِيا
فأجابته أُميمة:
أيا حَسَن العَينَين أنتَ قتلْتَني ويا فارسَ الخيلَينِ أنتَ شِفائيا
ورغَّبتَني الظِّمءَ الطَّويلَ بشَرْبة على ظمأٍ لم يُشفَ منها فؤاديا
الأخنس بن شَريق التَّغلبيّ:
خليلايَ هوجاءُ النّجاء شِمِلَّةٌ وذو شُطَبٍ لا يجتَويه المُصاحبُ
وقد عشتُ دهرًا والغُواةُ صَحابتي أولئك خُلْصاني الَّذين أُصاحبُ
رفيقًا لمنْ أعْيا وقُلِّدَ حَبلَه وحاذرَ جَرَّاه الصَّديقُ المُناسبُ
فأدَّيتُ عنِّي ما استعرتُ من الصِّبا وأصبحَ سرحُ باطلِي وهْوَ عازبُ
لكلِّ أُناسٍ من معدٍّ عِمارةٍ حُصونٌ إليها يلجَئون وجانبُ
لُكيزٌ لها البَحرانِ والسّيفُ كلُّه وإنْ يأتِها بأسٌ من الهند كارِبُ
تَطايَرُ عن أعجاز حُوشٍ كأنَّها جَهامٌ هَراقَ ماءهُ فهوَ آئبُ
وبكرٌ لها ظهرُ العراق وإنْ تَشأ يَحُلْ دونها من اليمامةِ حاجِبُ
وصارتْ تميمٌ بين قُفٍّ ورملةٍ لها في الجبالِ مُنتأًى ومَذاهبُ
وكلبٌ لها خَبتٌ فرملةُ عالجٍ إلى الحَرَّة الرَّجلاءِ حيثُ تُحاربُ
وغسَّان حيٌّ عزّهم في سواهم يجالد عنهم مِقنب وكتائبُ
وغارتْ إيادٌ في السَّواد ودونها طَماطِمُ عُجمٌ تبتَغي مَن تٌضاربُ
ولخمٌ ملوكٌ ذو حصونٍ وعدَّةٍ وإنْ قالَ منهم قائلٌ فهوَ واجبُ
ونحنُ أُناسٌ لا حصون بأرضنا سوَى مُرهَفاتٍ تَحتويها الكتائبُ
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كانَ وَصلها خُطانا إلى أعدائنا فنُضاربُ
فللهِ قومٌ مثلُ قوميَ سُوقةً إذا اجتمعتْ عند الملوكِ المعاكبُ
أرَى كلَّ قومٍ قارَبوا قيدَ فَحلهم ونحنُ خَلَعنا قيدَه فهْوَ سارِبُ
هذا الشهر نهاية في الفخر وذكر العدد ووصف الشَّرف وفيه أبيات لها نظائر، من ذلك قوله: " فأدَّيت عنِّي ما استعرت " البيت، ومنه أخذ أبو نواس قوله:
ورَدَدْتَ ما كنت اسْتَعر تَ من الشَّباب إلى المُعيرِ
وانشد بشَّار فقال:
وهجرتَ الصِّبا وراجعَك الحِ لمُ ورُدَّتْ عاريَّةُ المُستَعيرِ
مثله لأبي سعد المخزوميّ:
وشبابُ المرءِ ثوب مُستعارُ
مثله لابن الضحَّاك:
وشبابُ المرءِ عاريَّةٌ تُقتضَى يومًا فتُرتَجعُ
وللبيد بن ربيعة العامريّ مثل هذا إلاَّ أنَّه لم يذكر الشَّباب، وهو قوله:
وما المال والإخوانُ إلاَّ وديعةٌ ولا بدَّ يومًا أنْ تُردَّ الودائعُ
وأما قوله: " لكلِّ أُناس من معدّ " البيت إلى آخر الأبيات التي عدَّد فيها القبائل فكثير في الشِّعر، فمن ذلك قول الصَّلتان العبديّ:
ومَن بين الحُصونِ ليوم حربٍ فليس حصونُنا إلاَّ السُّيوفُ
ومَن كرهَ الحُتوفَ فإنَّ فينا مَغاويرًا شعارُهم الحتوفُ
ومَن يجفُ الضُّيوفَ فما أرَدْنا طعامًا قطُّ ليس له ضيوفُ
مثله قول لقيط بن وداعة الحنفيّ:
إذا ما ابْتنى النَّاسُ الحصونَ فإنَّما حصونُ بني لأمٍ مثقَّفةٌ سمرُ
وأرضٌ فَضاء ليس فيها معاقلٌ ولا وَزَرٌ إلاَّ الصَّوارمُ والصَّبرُ
مثله قول ابن الزِّبعريّ يهجو الأنصار:
حصونُ بني النَّجَّار شِيدٌ مشيَّدٌ بعيد المَراقِي يُتعبُ النَّظرَ الشَّزْرا
وأسيافُنا حصنٌ لنا من عدوّنا وأيّ عدوّ يستطيعُ لنا ذِكرا
ومثله للطرمَّاح:
عاذوا بحصنهمُ منَّا وليس لنا حِصنٌ سِوى
وقاتَلونا على أرجاءِ مُشرفةٍ ولو علَى الأرضِ كانوا أظهَروا خَوَرا
لمَّا مدَدْنا رماحَ الخطّ نحوهمُ مَدُّوا إلينا بحبْل مُبرمٍ حَجَرا
مثله لبشير بن عبد الرحمن الأنصاريّ:
إذا النَّاسُ عاذوا بالحصون مخافةً جعلنا مَعاذًا بالسُّيوف الصَّوارِم
ولولا دفاعُ الله ثمَّ قراعُنا بأسيافنا ما جازَ نقشُ الدَّراهمِ
ولا قامَ سلطانٌ لأهل خلافةٍ ولا أمَّ أهلُ الحقِّ أهلَ المواسمِ
أبَى ذمَّنا أنَّا مَصاليتُ في الوغَى وأنَّ قِرانا عاجلٌ غيرُ نائمِ
مثله قول ابن النّطاح:
ولمَّا نأتْ عنَّا العشيرةُ كلُّها نَزلنا فحالَفنا السُّيوفَ على الدَّهرِ
وقد ذكرناه فيما تقدَّم مع نظائر له كثيرة، مثله قول ابن الرّوميّ:
حَلُّوا الفضاءَ ولم يبْنُوا فليس لهم إلاَّ القنا وإطارُ الأُفق حِيطانُ
ومثله آخر:
معاقلُنا التي نأوِي إليها عِتاق الأعوجيَّة والسُّيوفُ
وأما قوله: " إذا قصرت أسيافنا " فقد روي هذا البيت لقيس بن الخطيم وهذا أقدم من قيس بن الخطيم بدهر طويل، وقد ذكرنا نظائره؛ وأما قوله: " أرى كلّ قوم قاربوا قيد فحلهم " البيت، فمثل قول الأحوص ابن جعفر:
إذا وقعَ الرَّبيعُ بأرض قومٍ وإنْ عَجُّوا انتَجَعْناهُ نَريفُ
معاقلُنا الَّتي نأوِي إليها عِتاقُ الأعوجيَّة والسُّيوفُ
نُجيرُ ولا نُجارُ وكلُّ حيٍّ لهم حافٌ وليس لنا حَليفُ
وهذا مثل قول الآخر:
إذا وقعَ الرَّبيعُ بأرض قومٍ رَعَيناهُ وإنْ كانوا غِضابا
ومثله قول الآخر:
ونحن بنو العجل الَّذي سالَ بولُهُ بكلِّ بلاد يبول بها فحلُ
أراد ببوله ولدَهُ وهي استعارةٌ فيها بعض القُبْح.
عاصم بن خِروعة النهشليّ يذمُّ امرأته:
إلى الله أشكو أنَّا قد تنكَّرتْ وأبدَتْ ليَ البغضاءَ أُمُّ محمَّدِ
تُوقِّدُني منها بقولٍ كأنَّهُ على القلبِ سفعُ النَّار أو حزّ مبرَدِ
فقد تركَتْني عندها كمُدَلَّهٍ يُحاذرُ وقعًا من لسانٍ ومن يدِ
كأنَّ عذابَ القبر تحتَ خِبائها إذا لصِقتْ تحت الخِباء المُمدَّدِ
فيا ربّ فرِّجْ كُربتي قبل مِيتَتي بواضحة الخدَّين ريَّا المُقلَّدِ
وإنِّي متى عاتبتُها كانَ عُذرُها وإعتابُها إنْ كنتَ غضبانَ فازْدَدِ
هي الغُول والشَّيطانُ لا غولَ غيرُها ومَن يصحبِ الشَّيطانَ والغُولَ يكمَدِ
تعوَّذُ منها الجِنُّ حين يرَونها ويُطرقُ منها كلُّ أفعَى وأسْودِ
فإنِّي لَشاكيها إلى كلِّ مسلمٍ وداعٍ عليها اللهَ في كلِّ مسجدِ
نظائر من برم بامرأته فتمنَّى أو هدَّدها بالطَّلاق أو روَّعها بالضرَّة كثيرٌ متّسعٌ؛ ولو أردنا استغراقه لكان كتابًا منفردًا، ولكنَّا نوردُ منه ما يُختار ونتجنَّب ما كان مشهورًا وإن كان مختارًا، فمن ذلك قول عُمَيس بن كثير البكَّائي:
مُنيتِ بداءٍ أو رُميتِ بضرَّةٍ أبيتُ أُناديها نداءَ مَشوقِ
أغصَّصْتِني بالرِّيق من غير فاقةٍ أغصَّكِ ربُّ العالَمين بريقِ
ومثله لبلال بن جرير:
أيا ربّ بَغِّضها إليَّ فإنَّني إليها قدِ اسْتَيْقنتُ ذاك بَغيضُ
هذا ذكر أنَّه يحبُّها وهي تبغضه فهو يدعو الله أن يبغِّضها إليه ليُقلع حزنه ويرقأ دمعه.
فيبرأَ محزونٌ وتَرقأ دمعةٌ لذكرِ سُليمَى لا تَزال تَفيضُ
وقريب منه، وإن لم يكن المعنى نفسه، قول الآخر:
إلى اللهِ أشكو أنَّ قلبي معلَّقٌ برَعناءَ حسناءِ القَوام رَداحِ
صَبيحةِ وجهٍ والصِّباحُ مآلِفٌ لكلِّ فتًى للغانيات مُباحِ
تسخَّطُ ما يُرضَى وتخرَقُ بالأذَى وليس بِناهيها لِحايةُ لاحِ
فلا بدَّ من صبرٍ عليها لحُسنها وإنْ زاد منها النُّكرُ كلَّ صباحِ
فهذا ذكر أنَّ امرأته رعناء إلاَّ أنَّه صابرٌ عليها لحسنها، وممَّن صبر على الأذى من امرأته حتَّى عِيل صبره فطلَّق، أوس بن ثعلبة التَّيميّ بقوله:
صبرتُ على ليلَى ثلاثين حجَّةً تعذِّبُني ليلَى مِرارًا وتصخَبُ
إذا قلتُ هذا يوم ترضَى تنمَّرتْ وقالت فقيرٌ سيِّئُ الخُلق أشيَبُ
فقلتُ لها قد يفقُرُ المرءُ حقبةً ويصبرُ والأيَّام فيها التَّقلُّبُ
فلمَّا رأيتُ أنَّها ليَ شانئٌ تنكَّبتُها والحرُّ يحمَى ويغضَبُ
وطلَّقتُها إنِّي رأيتُ طلاقَها أعفّ وفي الأرضِ العَريضة مذهَبُ
ومرضت امرأة بعض الأعراب وكان لها مبغضًا فسمعها تقول: " الموت " فقال:
إذا متِّ فالجَرعاءُ منك قريبةٌ ولي في قَصِيّ الغانيات مَعادُ
قال: وكانت امرأة أُنيف بن قترة الكلبيّ سيِّئة الخلق وكانت لا تزال
[ ١ / ١٠١ ]
تشارّه، فقال: لو أتيتُ بها دمشق فإنَّها أرضٌ وبئةٌ فلعلَّها تموت، فقدم بها دمشق، وقال:
دمشقُ خُذيها واعْلَمي أنَّ ليلةً تمرُّ بعُودَي نعشِها ليلةُ القدرِ
شربتُ دمًا إن لم أرُعْكِ بحُرَّةٍ بعيدةِ مهوَى القُرط طيِّبةِ النَّشرِ
يجرِّعُكِ السّمَّ الذُّعافَ لِقاؤها فتُغضِينَ من غيظ على لهب الجمرِ
تقولُ لكِ الجاراتُ صبرًا وإنَّما يُجرِّعكِ الجاراتُ كأسًا من الصَّبرِ
وقريبٌ منه قول جِران العَود أو غيره:
مَن كانَ أصبحَ مسرورًا بزوجته من الأنام فإنِّي غيرُ مسرورِ
كأنَّ في البيتِ بعد الهدءِ راصدةً غُولًا تصوَّرُ لي في كلِّ تصويرِ
شوهاءُ زرقاءُ مسنونٌ أظافرُها لم تُلفَ إلاَّ بشعرٍ غير مَضفورِ
مَشُومَة الوجه نحسٌ ما تُفارقُهُ كأنَّها دِبْقةٌ في رِيشِ عصفورِ
كأنَّني حين ألقَى وجهَها بُكرًا هوى إلى اللَّيل يومي ذاك في بِيرِ
ومثله لآخر:
وما تستطيع الكُحلَ من ضيق عينها فإنْ عالَجتْهُ صارَ فوقَ المحاجرِ
وفي حاجبَيْها جَزَّةٌ لغرارةٍ فإنْ حُلِقا كانا ثلاث غرائرِ
وثَديان أمَّا واحدٌ فكموزةٍ وآخرُ فيه قِربةٌ لمُسافرِ
مثله لسماك بن فرقد:
أعوذُ بالله من وَرهاءَ عاضِهةٍ كأنَّها حين تأتي بيتَها غُولُ
لا يُعجبُ المرءَ منها حين يجعلُها من دون أثوابهِ عَرضٌ ولا طولُ
كأنَّها مِشجَبٌ سُكَّتْ مآسرُه أو طائرٌ من طُيور الماءِ مَهزولُ
مثله لجران العود في امرأتين كانتا له وطالبه بعض غرمائه أن يحلف بطلاقهما فقال:
لو يعلمُ الغُرماءُ مَنْزِلَتيهما ما حلَّفوني بالطَّلاق العاجلِ
لا حلوتانِ فتُهوَيا لحلاوةٍ تَشفِي النّفوسَ ولا لدَلٍّ عاسِلِ
قد ملَّتا من وجهَيْهما عَجفاءَ مُرضعةٍ ونِقْضة حائلِ
وله أيضًا:
يقولون في البيتِ لي نَعجةٌ وفي البيت لو يعلَمون النَّمِرْ
أحِبِّي ليَ الخيرَ أو أبغِضِي كِلانا بصاحبِه ينتَظِرْ
مثله لمسكين الدَّارميّ:
تُلفَى عُروبتُهنَّ وهيَ ضعيفةٌ في البيتِ تحسبُ بعلَها مَصفودا
وتظلُّ خاشعةً تُضائلُ طرفَها للمَكْر وهيَ تُفلِّقُ الجُلمودا
مثله لحُميد بن ثَور:
لقد ظلمتْ مِرآتَها أُمُّ مالكٍ بما لامتِ المرآةَ بانَ مُحَرَّدا
أرَتْها بخدَّيها غُضونًا كأنَّها مَجَرُّ غُصون الطَّلْح ما ذُقن فَدفَدا
رأتْ مَحجرًا تبغِي الغطاريفُ غيرَهُ وفَرعًا أبَى إلاَّ انْحدارًا فأصْعَدا
وأسنانَ سَوءٍ شاخصاتٍ كأنَّها سَوامُ أُناسٍ سارحٌ قد تبدّدا
فأُقسمُ لولا أنَّ حُدْبًا تتابعتْ عليَّ ولم أبرحْ بدَينٍ مُطرَّدا
لزاحمتُ مِكْسالًا كأنَّ ثيابَها تُجِنُّ غزالًا بالخميلة أغْيَدا
في غير هذا المعنى للرَّاعي:
ظلِلتُ بيومٍ عندهنَّ تغيَّبتْ نحوسُ جوارِيه ومرَّتْ سُعودُها
فلا يومُ دُنيا مثلُه غيرَ أنَّنا نرَى هذه الدُّنيا قليلًا خلودُها
ابن الدُّمينة:
تناسَ هوَى عَصماءَ إمَّا نأيْتَها وكيف تَناسيك الَّذي لستَ ناسِيا
لعمري لئنْ عَصماءُ شطَّ مزارُها لقد زوَّدتْ زادًا وإنْ قلَّ باقِيا
وما هيَ من عصماءَ إلاَّ تحيَّةٌ تُودِّعُنِيها حين حُمَّ ارْتحاليا
لياليَ حلَّتْ بالقَريين حَلَّةً وذِي مَرَخٍ يا حبَّذا ذاك وادِيا
خليليَّ مِن بين الأخِلاَّءِ لا تكنْ حِبالُكما أُنشوطةً من حِبالِيا
ولا تَشقَيا قبلَ المماتِ بصُحبَتي ولا تَلْبَساني لُبسَ من كانَ قالِيا
فإنَّ فِراقي سوف يُخلِفُ عبرةً وَشيكًا وإنْ صاحَبْتماني لَياليا
مسافر بن ترهيه العجليّ، وتروى لغيره:
أيا عَلْوَ إنْ شطَّتْ بكِ الدَّارُ والتوَتْ جبال الأعادِي بيننا فاذْكُرِي وصْلِي
فتًى يكره القِرنُ المُكمَّى لقاءهُ ويهوَى ذَراهُ الضَّيفُ في السّنة المحلِ
فتًى يأمَن الحيرانُ خِذلانَه لهم إذا طَرَقَتْ إحدى الأوابدِ بالأزْلِ
عويف القوافي:
وما زُرْتنا في اليوم إلاَّ تَعِلَّةً كما القابسُ العجلانُ ثمَّ يغيبُ
ولا أنتِ يقظَى تُسعِفين بنائلٍ ولا نائلٌ في النَّوم منكِ يُصيبُ
وله أيضًا:
عَهدي بقومي في السِّنينَ إذا قُحِط الزَّمانُ قُدورُهم تغلِي
نيرانُهم علمٌ لجارِهمُ يأتمُّ بالنِّيران في المحلِ
فغَبَرْتُ في قوم يرَون لهم فضلًا على الأقوامِ بالبُخلِ
من جادَ لاموه ومَن بخِلتْ كفَّاهُ بالمعروفِ والفضلِ
حَمِدوا ثناهُ وقال قائلُهم حسنُ المروءةِ جيِّد العقلِ
سَماعة بن أشول:
تُجير من الأحداث في آلِ خِندِفٍ وكيف وأنت المُستجارُ تُجيرُ
رأيتُ ابن سلمَى يسلِمُ الجار للفتَى ويخلفُهُ في أهله ويَزورُ
المجنون وقد رُويت لجميل:
فلم أرَ مثلَ العامريَّة لما ولا لنا على طالبِ الوَصْلِ
ولا مثلَ جاراتٍ لها شَبَهِ الدُّمى عِذابِ الثَّنايا قد عزمنَ على قتلِي
ابن هَرْمة يمدح:
مُستحصدٌ كعَلاة القَين وقَّرَهُ وقعُ الخُطوب وحالاتٌ ومُختبَرُ
في الدِّرعِ ليثٌ وفي النَّكراءِ داهيةٌ والأزْمِ غيثٌ وفي نادِيّهِ القمرُ
طُريح:
عليهِ فَضفاضةُ الأردانِ ضافيةٌ كأنَّما جالَ في أرجائِها النُّورُ
يَفيءُ عنها سنانُ الرُّمح مُنثلِمًا وينثَنِي السَّيفُ عنها وهْوَ مَطرورُ
حدَّثنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: حجَّ وفاء بن زهير المازنيُّ فرأى في نومه كأنَّه حاض، فغمَّه ذلك فقصَّ رؤياه بسوق عكاظ على قسّ بن ساعدة الإيادي، فقال له: أغدرت بذمَّة جارٍ؟ قال: لا، قال: أفغدر أحدٌ من أهلك؟ قال: لا أعلم، فقدم على أهله فوجد أخاه قد قتل جارًا له، فانتضَى سيفه فناشده أخوه الرَّحِم وخرجت أُمُّه مُبديةً شعرَها قد أظهرت ثدييها تناشده الله في قتل أخيه، فقال لها: فعلام سمَّيتني وفاء؟ ثمَّ ضرب أخاه ضربةً قتلته وقال:
يُناشدُنِي قيسٌ قرابةٌ بَيننا وسَيفي بكفِّي وهوَ مُنجردٌ يسعَى
غدرتَ فما بيني وبينك ذِمَّةٌ تُجيرك من سيفي ولا رَحِمٌ تُرعَى
على مَ أُسمَّى بالوفاء إذا جرَى ليَ الغدرُ في شِرْب المُجاور والمَرعَى
سأرحَضُ عنِّي ما فعلتَ بضربةٍ عقيمِ البَدِيِّ لا تكرُّ ولا تُثنَى
الأصل في بيته الأخير قول طرفة:
حُسامٍ إذا ما قمتُ مُنتصرًا بهِ كفَى البَدءُ منه العَودَ ليس بمِعْضَدِ
مثله للبطين المصريّ:
وحسام لا يُعادُ به ضربةٌ كالكوكب الكُفَتِ
وُصلتْ بالموت هبَّتُهُ كاتّصال السُّمّ بالحُمَةِ
فإذا قابلتُ مُعضلةً كانَ مَصْغاتي ومُلتَفَتِي
مسعود بن عرجفة اللَّيثيّ:
وأبيضَ زَوْلٍ بين أثناءِ قولِه بِعادٌ وتقريبٌ ويأسٌ ومَطمَعُ
إذا أمَّهُ الرَّاجي انثنى عن فنائهِ وفُوهُ من التَّقريظ ملآنُ مُترَعُ
[ ١ / ١٠٢ ]
بلا جِدَةٍ نالتْ يدَا مُسْتَميحِهِ سوَى أنَّه هشٌّ وإن كانَ يمنَعُ
هذا معنى ظريف غريب يقول: إنَّه وإن كانَ بخيلًا فهو طلق الوجه حسن البِشر فقاصده ينصرف شاكرًا له وإن لم ينلْ منه شيئًا سوى طلاقة وجهه، وما أشبهه بقول الآخر:
أتيتُ ابنَ وهْبٍ أبتغِي فضلَ عُرفهِ وما زالَ حلوَ المنعِ حلوَ المذاهبِ
فأصفَحَني عن حاجتي بطلاقةٍ سلوتُ بها عن مُنفساتِ الرَّغائبِ
مثله لأبي هِفَّان:
أوسعتُ عَمرًا ثنائي حين أوسعَني بِرَّ اللِّسان ووشكَ الصَّرفِ إذ صرَفا
حسبتُ باقيَ زادِي من مَواهبهِ وقمتُ أعقدُ حبلَ الرَّحلِ منصرِفا
فأُبتُ منه إلى أهلِي وبي رَمَقٌ لا مَطلَ عانيتُ منه لا ولا خُلُفا
ما نعرف من نظائر هذا المعنى غير ما ذكرنا ههنا.
المجنون:
قالتْ لجارتها يومًا تُسائلُها لمَّا استحمَّتْ وألقتْ عندها السَّلَبا
نَشدتُكِ اللهَ لمَّا قلتِ صادقةً أصادقٌ صفةُ المجنون أم كذَبا
وإلى هذا المعنى نظر عُمر بن أبي ربيعة بقوله:
ولقدْ قالتْ لأترابٍ لها وتعرَّتْ ذاتَ يومٍ تبتَرِدْ
أكما ينعتُنِي تنظُرْنَني عمْرَكنَّ اللهَ أمْ لا يقتصِدْ
فتضاحكنَ وقد قُلنَ لها حسَنٌ في كلِّ عَين مَن تَوَدّْ
[ ١ / ١٠٣ ]
أمَّا قوله: " فتضاحكن " البيت، فهو مثل قول الآخر:
فعين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السُّخط تُبدِي المَساوِيا
إلاَّ أنَّ هذا جمع معنيين وهما الرِّضا والسُّخط.
[ ١ / ١٠٤ ]
ابن أُذينة اللَّيثيّ: (*)
وقد قالتْ لأترابٍ لها زُهرٍ تلاقَينا
تعالَين فقد طابَ لنا اللَّيلُ تعالَينا
وغابَ البَرَمُ اللَّيلَ ةَ والعينُ فلا عَينا
فأقبلنَ إليها مُث قَلاتٍ يَتهادَينا
إلى مثلِ مَهاة الرَّمْ لِ تكسو المجلسَ الزَّينا
تمنَّين هواهُنَّ فكنَّا ما تمنَّينا
فبَينا ذاك سلَّمتُ فرَحَّبنَ وفدَّينا
مثل معنى هذه الأبيات قول ابن ميَّادة، ولا ندري أيَّهما أخذ من الآخر:
وكواعبٍ قد قلنَ يومَ إقامةٍ قولَ المُجدِّ وهنَّ كالمُزَّاحِ
يا ليتنا من غير أمرٍ مُنكرٍ طلعتْ علينا العِيس بالرَّمّاحِ
بَينا كذاك رأينَنِي مُتعصِّبًا بالبُرد فوق جُلالةٍ سِرداحِ
فيهنَّ صفراءُ التَّرائب طَفلةٌ بيضاءُ مثلُ غَريضة التُّفّاحِ
رَيَّشن حين أردْن أنْ يقتُلْنَنا نَبْلًا مقذَّذةً بغير قِداحِ
ونظرنَ من خَلَل السُّتور بأعيُنٍ مرضَى مُخالطُها السّقامُ صِحاحِ
أخذ هذا المعنى العبَّاس بن الأحنف فقال:
ما على العَين لي ولا أمْ لكُ دمعيَ ذكرَ فوزٍ لرازِي
برزتْ في خرائدٍ خَفِراتٍ مُثقلاتِ الصُّدور والأعجازِ
يتلذَّذنَ بالحديثِ على ظَهْ رِ كثيبٍ قد حُفَّ بالأقوازِ
بَيْن ظَهر العَقيق والحوص ليلًا ونجومُ السَّماءِ ذاتُ انحيازِ
فتملَّين إذ خلوْن وأكثرْ نَ وأوجَزن أيَّما إيجازِ
فتمنَّعتْ لِقايَ فَوزٌ ودُوني فلواتٌ تَحارُ فيها الجَوازِي
نقص العبَّاس في أبياته هذه من المعنى لأنَّه لم يذكر أنَّ فوزًا لمَّا تمنَّته جاءها كما ذكر ذلك غيره، وقد أخذه ابن المعتز فأتى به في نهاية الجودة بقوله:
قالتْ لأترابٍ خلَون معًا وبكتْ فبلَّلَ دمعُها النَّحْرا
يا ليتهُ في مجلسٍ مَعنا نَشكو إليه النَّأيَ والهَجْرا
قالت ألا تنظُرَنْ قال بلَى صدقَتْ مُناكِ ولُقِّيتُ يُسْرا
ونهَضْنَ يُحلِينَ الحديثَ لنا كيلا يكُنَّ على الهوَى وَفْرا
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: من هنا حتى آخر الكتاب موجود بالكتاب الإلكتروني (الأصل) وليس في المطبوع (المنتخب) باختيار د: محمد علي دقة
[ ١ / ٩٨ ]
يا ليلةً يُنحَى الحَسودُ بها لا زِلتُ أشكُرُ بعدكِ الدَّهْرا
خشور بن قبيصة العامليّ:
نظرتُ حيالَ الشَّمس من مشرق الضُّحى وأوفيتُ من لبنانَ رُكنًا عَطَوَّدا
إلى ظُعُنٍ للمالكيَّة غُدوةً فيا لك مِن مرأًى أشاقَ وأبْعَدا
بعينَينِ لم يَستأنِسا فيضَ عَبرةٍ ولم تَرِدا جَوَّ العراق فترْمَدا
إلى البيت الأخير نظر العبَّاس بن الأحنف في قوله:
بكتْ غيرَ آنِسةٍ بالبُكاءِ ترَى الدَّمعَ في مُقلَتَيها غَريبا
مثله قول ابن المعتز:
وتُديرُ فاترَتَين من ألْحاظها لم تَعرِفا غيثَ الدُّموع فتَمْرَها
قُحافة بن منظور العَمِّيّ:
لعمرك إنِّي يوم سَلْعٍ للائمٌ لنفسِي ولكنْ ما يرُدُّ التَّلوّمُ
أأمكنتُ من نفسي عدُوِّي ضَلَّةً ألهفي على ما فات لو كنتُ أعلمُ
لعمري لقد كانت فِجاجٌ عريضةٌ وليلٌ سُخاميّ الجَناحَين أدهمُ
ولو شئتُ إذ بالأمر يسرٌ لقلَّصتْ برَحْلي فَتلاءُ الذِّراعينِ عيهَمُ
عليها دليلٌ بالفَلاة نهارَهُ وباللَّيل لا يُخطِي لها القصدَ مَنسِمُ
مُزوِّد أخو الشَّمَّاخ:
أعددتُ بيضاءَ للحروبِ ومَص قولَ الغِرارَين يفصِمُ الحَلَقا
وفارجًا نبعةً وملءَ جَفِ يرٍ من نصالٍ تخالُها وَرَقا
وأرْيَحِيًّا عضْبًا وذا خُصَلٍ مُخلولقَ المتْن سابحًا تَئِقا
يَملأُ عينيك في الفِناء ويُرضي كَ وَقارًا إنْ شئتَ أو نَزَفا
سنان بن بهدلة اللَّيثي:
ومولَى خاشعٍ تحت العَوالي خَضِيبَ النَّحرِ أسلمَهُ القريبُ
جعلتُ لِنحره نحرِي مجنًّا وقد بلغتْ حناجِرَها القلوبُ
مثله لمزاحم العُكليّ:
ومُستلحَمٍ بين الأسنَّة قد رأَى حِياضَ المنايا والرِّماحُ شوارعُ
عَطفتُ عليه والسُّيوفُ كأنَّها خلالَ القَنا قرنٌ من الشَّمس طالعُ
مسكين الدَّارميّ:
ذَريني أُمَّ مسكين ذريني فإنَّ الحقَّ يُودِي بالبعيرِ
وناجيةٍ نحرتُ لشَرْب صدقٍ ولم أعبَأ بتصريف الدُّهورِ
[ ١ / ٩٩ ]
كأنَّ جبينَها كُركيُّ ماءٍ قليلُ الرِّيشِ مقتولٌ كَسيرُ
ولا واللهِ رَبّكَ ما أُبالي لمن كانَ العشيرُ من الجزورِ
وإذا كانَ القُتارُ أحبّ ريحًا إلى الفتَيات من ريحِ العَبيرِ
ابن الدُّمَينة:
أيا كبِدَينا أجْمِلا قد وَجدتُما بأهلِ الحِمَى ما لم تجدْ كبِدانِ
إذا كبِدانا خافَتا صرفَ نيَّةٍ وعاجلَ بينٍ ظلَّتا تجِبانِ
يخبِّرُ طَرفانا بما في قلوبنا إذا استَعجمتْ بالمنطقِ الشَّفتانِ
أحسنُ ما قيل في الخِباء قولُ مُضرِّس الأسدي:
وظلّ كظلّ المَضْرَحِيّ رفعتُهُ يطيرُ إذا هبَّتْ له الرِّيحُ طائرُهْ
لبيضِ الوجوهِ أدلجوا كلَّ ليلهم ويومهمُ حتَّى استرقَّتْ ظهائرُهْ
فأضحَوا نَشاوَى بالفَلا بينَ أرحُلٍ وأقواسُ نبعٍ من خِباءٍ شواجرُهْ
أخَذنا قليلًا من كَرانا فوقعتْ على ظَهْر رشَّاشٍ غليظٍ حَزاورُهْ
رُقادًا به العجلانُ ذو الهمّ قانعٌ ومَن كان لا يسرِي به الهمُّ حاقرُهْ
مثله لأبي الهندي:
وفِتيانِ صدقٍ من تميمٍ وجوهُهم وإنْ سفعتهنَّ الهواجرُ وضَّحُ
رفعتُ لهم يومًا خباءً ممدَّدًا بستَّة أرماحٍ تسَفُّ وتطمحُ
تخفِّضهُ أيديهمُ فكأنَّه ظَليمٌ على هاماتهم يترجَّحُ
كأنَّا ربَطنا بالخباء مشهّرًا من الخيلِ مِلواحًا يسيرُ ويرمحُ
مُهلهل بن ربيعة التَّغلبي:
ليسَ مثلِي يخبِّر القومَ عنهم أنَّهم قُتِّلوا وينسَى القِتالا
لم لأرِمْ حومةَ الكتيبة حتَّى حُذيَ المُهرُ من دماءٍ نِعالا
ما نعرف في الاعتذار من الفرار أحسن من هذين البيتين لأنَّه قال: لم أبرح حتَّى قاتلتُ قتالًا شديدًا، وقد كنَّا قدَّمنا قبل هذا الموضع أشياء من اعتذارهم وحججهم في ذلك، ونذكر ههنا بعض ما أغفلناه هناك، فمن ذلك قول ابن عنقاء الهُجَيميّ:
أجاعلةٌ أُمُّ الحُصَين خَزايةً عليَّ فِراري أنْ لقيتُ بني عبسِ
فليسَ الفرارُ اليومَ على الفتَى إذا عُرفتْ منه الشَّجاعةُ بالأمسِ
[ ١ / ١٠٠ ]
ومثله زُفَر بن الحارث وقد فرَّ يوم مرج راهط في شعر له:
فلم تُبلَ منِّي نبوةٌ قبل هذه فِراري وتركي صاحبيَّ ورائيا
عشيَّة أجرِي بالقَرينِ فلا أرَى من النَّاسِ إلاَّ مَن عليَّ ولا لِيا
أيذهبُ يومٌ واحدٌ إنْ أسأتُهُ بصالحِ أيَّامي وحُسنِ بلائيا
فلا تحسَبوني إنْ تغيَّبتُ غافلًا ولا تفرَحوا إن جئتُكم بلقائيا
فقد ينبتُ المرعَى على دِمَن الثَّرَى وتبقَى حَزازاتُ النُّفوس كما هِيا
فهذان الشاعران ذكرا أنَّ فرارهما كان مرّةً واحدةً في الدَّهر، وقد اعتذر غيرهما بغير هذا فقال:
قالت أُمامةُ لم تكنْ لك عادةٌ أن تتركَ الأصحابَ حتَّى تُعذرا
لو كانَ قتلٌ يا أُمامَ فراحةٌ لكنْ فررتُ مخافةً أنْ أُوسَرا
فهذا ذكر أنَّ فراره لم يكن خوفًا من القتل بل من الأسر، وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال:
أطال إساري في الصَّبابة هجرُهُ وعند الشّجاع الأسرُ شرٌّ من القتلِ
وممَّن ذكر أنَّه يقاتل وهو يرى وجهًا للقتال ويفرُّ إذا لم يرَ لذلك وجهًا عمرو بن معدي كرب بقوله:
ولقد أملأُ رحلَيَّ بها حذرَ الموت وإنِّي لفَرورُ
ولقد أعطِفُها كارِهةً حين للنَّفسِ من الموتِ هَريرُ
كلّ ما ذلك منِّي خُلُقٌ وبكلٍّ أنا في الحربِ جَديرُ
وقريب من هذا قول أبي خراش:
فإنْ تزعُمي أني جبُنتُ فإنَّني أفرُّ وأرمِي مرَّةً كلّ ذلكِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرَى لي مُقاتلًا وأنجُو إذا ما خفتُ بعضَ المهالكِ
وقد ذكر بعضهم وقد عُبِّر بالفرار أنَّه لم يفرَّ حتَّى فرَّ أصحابه، وهو عبد الله بن الحميّر العقيليّ أخو توبة، وكان لقي حربًا ففرَّ فاعترضه بعض أصحابه فقال له: أردِفني، فلم يفعل وقال:
غداةَ يقولُ القَينُ هل أنتَ مُردِفي وما بين ظهر القَين والرُّمح إصبعُ
فقلتُ له يا بنَ المُريبة إنَّها بربٍّ خفيفً واحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يكُ عارًا يومَ وجٍّ أتيتُه فِراري فذاك الجيشُ قد فرَّ أجمعُ
[ ١ / ١٠١ ]
وممَّن آثر القتل على الفرار بنو ماويَّة بنت الأحبّ وكانوا سبعة قتلوا بأجمعهم في بعض حروب خثعم، فقالت أُمُّهم ترثيهم:
هوتْ أُمُّهم ماذا بهم يومَ صُرِّعوا بجَيْشان من أوتاد مُلكٍ تهدَّما
أبَو أن يفرُّوا والقَنا في نُحورهم ولم يرتَقوا من خَشية الموت سُلَّما
ولو أنَّهم فرُّوا لكانوا أعزَّةً ولكنْ رأوا صبرًا على الموتِ أكرَما
وإلى هذه الأبيات نظر أبو تمَّام في قوله يرثي محمَّد بن حُميد:
وقد كانَ فوتُ الموتِ سهلًا فردَّه إليه الحفاظُ المرُّ والخلقُ الوعرُ
ونفسٌ تعافُ الفقرَ حتَّى كأنَّه هو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونه الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموت رجْلَه وقال لها من تحتِ أخمَصك الحشرُ
ولمَّا وقعت الهزيمة على مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أميَّة، بموضع من أرض مصر يقال له أبو صير أهاب بالنَّاس ليرجعوا، فلم يلووا عليه، فنضا سيفه وقاتل قتال مستقتلٍ، فقال له المسوِّدة لما رأوا من وافر بأسه وشجاعته: يا هذا، لا تقتل نفسك ولك الأمان، فتمثَّل بأبيات تمثَّل بها الحسين صلوات الله عليه يوم قُتل وقد بُذل له الأمان، وهي:
أذُلُّ الحياة وذُلُّ الممات وكلًاّ أراهُ طعامًا وَبيلا
فإنْ كانَ لا بدَّ إحداهُما فسِيروا إلى المَوت سَيرًا جميلا
ومثل هذا ما يُروى لأبي تمَّام - ما نظنُّه له -:
رحِم اللهُ جعفرًا فلقد كانَ أبِ يًّا شَهمًا وعاش كريما
مثَّل الموتَ بين عينيه والذُّ لَّ فكُلًاّ رآهُ حظًّا لَئيما
ثمَّ سارتْ به الحميَّةُ قُدْما فأماتَ العِدى ومات كريما
كعب بن الأشقريّ في المغيرة بن المهلَّب:
كم حاسدٍ لك قد عَطلتَ همَّتَهُ مُغرًى بشتم صروف الدَّهر والقدرِ
كأنَّما أنت سهمٌ في مَفاصله إذا رآكَ ثنَى طَرْفًا على عَوَرِ
كم حسرةٍ منك تَرْدِي في جَوانحه لها على القلبِ مثلُ الوخْز بالإبرِ
[ ١ / ١٠٢ ]
أنتَ الكريمُ الَّذي لا شيءَ يُشبهُهُ لا عيبَ فيك سوَى أنْ قيلَ من بشَرِ
البيت الأخير من هذه الأبيات مدحٌ مخرجه مخرج الذَّمّ وقد ذكره عبد الله بن المعتز في كتاب ألَّفه ولقَّبه بكتاب البديع، وهذا المعنى كثير في الشعر القديم والمحدث، فمن ذلك قول ابن المولى:
ألا بأبينا جعفرٍ وبأُمِّنا إذا ما أُسودُ الحرب سارَ لواؤُها
ولا عيبَ فيه غير ما خوفِ قومِه على نفسِهِ أن لا يطولَ بقاؤُها
والأصل في هذا المعنى وهو النهاية في الجودة والصحة والإصابة قول النابغة الذبياني:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائبِ
وقد أخذ السَّموأل بن عاديا لفظ النابغة في هذا البيت ومعناه فقال:
ولا عيبَ فينا غير أنَّ سيوفنا بها من قِراع الدَّارِعين فلولُ
ومن هذا المعنى قول جُويَّة بن عطيَّة السَّعدي:
ولا عيبَ فينا غير أنَّه فِصالَنا عِجافٌ فقلنا نحن بالبازل البزما
وأنَّا نرَى أنَّ السُّيوفَ لئيمةٌ إذا لم نجدْ فيها من أعدائنا الدَّما
هذا مثل بيت النابغة إلاَّ أنَّ بيت النابغة أجود، ومثله قول النابغة الجعديّ:
فتًى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَهُ على أنَّ فيه ما يسوءُ الأعادِيا
فتًى كمُلتْ أخلاقُه غيرَ أنَّه جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
ومثله قول أبي الأسود:
يقولون نصرانيَّةٌ أُمُّ خالدٍ فقلتُ ذَروها كلُّ نفسٍ ودِينُها
فإنْ تكُ نصرانيَّةٌ أُمُّ خالدٍ فإنَّ لها وجهًا جميلًا يَزينُها
ولا عيبَ فيها غيرَ زُرقةِ عَينها كذاك عِتاقُ الطَّير زرقٌ عُيونها
ومثله قول نُصيب أو غيره:
سمعتُ بذكر النَّاس هندًا فلو أزلْ أخا دَنَفٍ حتَّى نظرتُ إلى هندِ
فأبصرتُ هندًا حرَّةً غير أنَّها تصدَّى لِقتل المسلمين على عَمْدِ
ومثله قول ابن الرّوميّ:
ولا عيبَ فيها غيرَ أنَّ ضجيعَها وإن لم تُصبهُ السَّاهريَّةُ يسهرُ
ومثله قول ابن رابعة اليربوعيّ:
[ ١ / ١٠٣ ]
ولا عيبَ فينا غير رَدّ نسائكم إليكم ولولا نحن عُدنَ حوامِلا
وأنَّا كشَفْنا العارَ عنكم بوقعةٍ أذلَّتْ من الأعداءِ رأسًا وكاهِلا
ومثله قول الفضل بن الرَّبيع:
لا عيبَ فيَّ سوَى مُداعبتي عِينًا يَصِدنَ الأُسدَ بالمُقَلِ
ما ضرَّني أن قال ذو حسدٍ أتلفتَ مالَ أبيك في الغزلِ
ومثله للشنفرى يذكر فرسه:
ولا عيبَ في اليَحموم غير هُزاله على أنَّه يوم الهِياج سَمينُ
وكم مِن عظيم الخَلق عَبْلٍ موثَّقٍ حواهُ وفيه بعد ذاكَ جُنونُ
ومثله قول أبي هِفَّان:
عيبُ بني مَخْلَدٍ سَماحُهم وأنَّهم يُتلفونَ ما مَلَكوا
وأن فيهم لِمن يلايِنُهم لِينٌ وفيهم لغيرهم حَسَكُ
ومثله للقطاميّ:
جزَى اللهُ خيرًا والجزاءُ بكفِّه بني دارمٍ عن كلِّ جانٍ وغارمِ
همُ حَمَلوا رَحْلي وأدُّوا أمانتي إليَّ وردُّوا فيَّ ريشَ القوادمِ
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ قُدورَهم على المالِ أمثالُ السِّنين الحَواطمِ
وأنَّ مَواريثَ الأولَى يرِثونَهم كنوزُ المعالِي لا كنوزُ الدَّراهمِ
وما ضرَّ منسوبًا أبوه وأُمُّه إلى دارمٍ ألاَّ يكونَ لهاشمِ
ومثله قول ابن أبي أميَّة الكاتب:
خلا من العيبِ غير أنْ فترتْ منهُ جفونٌ ومالَ كالغُصُنِ
لا شيء فيه يقول عائبُهُ قد تمَّ لو أنَّ ذاك لم يكُنِ
البيت الثاني من هذين البيتين هو من غير هذا المعنى الَّذي نحن فيه، ومثله قول الآخر:
ليس فيها ما يقالُ لهُ كمَلَتْ لو أنَّ ذا كمَلا
كلُّ جزءٍ من محاسنها قائمٌ في حُسنه مثَلا
[ ١ / ١٠٤ ]
قد أتينا من هذا المعنى بنظائر كثيرة، وهو يتَّسع لولا أن قد ذهبنا لاختصاره ههنا، ويقرب من هذا المعنى الَّذي ذكرناه ههنا معنًى آخر، وهو ضدُّه، وسبيله أن لا يثبت معه لا للتّقارب بل للتضادّ، وقد أكثرت الشعراء مثله في القديم والمحدث، ولم يذكره ابن المعتز في كتاب البديع على معرفته بالشعر وحُسن نقده، فلا ندري لأيّ حالٍ أغفله، وقد ذكر أنَّه استغرق في كتابه جميع معاني الشعر الَّذي يقال له البديع، وهذا المعنى ذمٌّ مخرجه مخرج المدح، فمن ذلك - وهو الأصل - قول طرفة بن العبد:
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ له غنًى وأنَّ له كشْحًا إذا قامَ أهْضَما
وأنَّ جوارِي الحيِّ يعكُفْنَ حولَه عُكوفَ النَّصارَى حول عيسى بن مَريَما
ومثله قول النّجاشيّ أو غيره:
قُبيّلة لا يَغدِرون بذمَّةٍ ولا يظلِمون النَّاسَ حبَّةَ خردَلِ
ولا يَرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّةً إذا صدَرَ الورَّادُ عن كلِّ منهلِ
وقد تكلَّمنا على هذين البيتين في موضعهما من الكتاب؛ ومن هذا المعنى قول جوَّاس بن القَعْطل:
رأيتُ أبا القعقاع لا يكرهُ الخَنا ولكنَّه يسرِي إليه فيُسرعُ
يُحسِّرُ رأسًا لا يقنَّعُ للخنا ولكنَّه للمكرُماتِ يُقنَّعُ
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ سَوامَه يُعنِّي الَّذي يرجو نَداه ويخدَعُ
ومثله قول الكميت بن معروف:
لا خيرَ في عمرو بن مُ رَّة غير ما خَلْقٍ ومنظَرْ
ودراهمٍ كثُرتْ يُشَ دُّ على خواتمها وتُطمرْ
وسَوارحٍ مثل الدَّبا وصوافِنٍ كالرِّيح ضُمَّرْ
هي نُهْزةٌ للسَّائلي نَ وعن حقوق الحيِّ تُحظرْ
والدَّهرُ يهدِمُ ما بنَى ويُذلُّ عزَّةَ مَن تجبَّرْ
ومثله قول العُجير:
رأيتكمُ لا تُنكرونَ دنيَّةً ولا تَدفعونَ الحقَّ والحقُّ مُقبلُ
فإنْ نالَكم ذُلٌّ بَخَعتم بكلِّ ما يَرومُ العدوُّ منكمُ ويؤمِّلُ
ولا خير في أقوالكم غير أنَّها تَروق العيونَ كثرةً حين تُنقلُ
[ ١ / ١٠٥ ]
ومثله قول دِعبل في مالك بن طوق إذ عُزل:
لا خيرَ فيك سوَى كلامٍ طيّبٍ ومَواعدٍ تُدنِي وفِعلٍ يُبعِدُ
وأُبوَّةٍ في تغلبٍ لو أنَّها للكلب كانَ الكلبُ فيها يزهدُ
ومثله قول أبي تمَّام في مالك أيضًا ورهطه:
كثرتْ فيهم المواشيُ إلاَّ أنَّها من مَناكحٍ ودِياتِ
ومثله لابن الروميّ:
كثرتْ دراهمُ خالدٍ لكنَّها من دَخلِ عِرسِهْ
ما شئتَ من خيرٍ يخبِّ رُ زائرًا عن طِيب نفسِهْ
ومثله لعمارة بن عقيل:
ولا خيرَ فيه غيرَ أنَّ جيادَهُ مسوَّمةٌ ليستْ بهنَّ كُلومُ
وأسيافُهُ لم تدرِ ما طعمُ ضربةٍ فهنَّ صِحاحٌ ما بهنَّ ثُلومُ
مثله:
أغرَّك أنْ كانت لبطنك عُكنةٌ وأنَّك مَكفيٌّ بمكَّةَ طاعمُ
ومثله لأحمد بن يوسف الكاتب:
كنيفُ ديوانك مختومُ وأنتَ في دَينك مرْكومُ
أحسنُ ما فيك على أنَّه أقبحُ ما في الأُمَّةِ اللُّومُ
ومثله قول دِعبل في أبي تمَّام:
تشبَّهتَ بالأعراب أهل التَّعجرُفِ فدلَّ على فَحواكَ قبحُ التَّكلُّفِ
لسانٌ نُباطيٌّ إذا ما صرفتهُ إلى جهة الأعرابِ لم يتصرَّفِ
وشيخُك شيخٌ صالحٌ غيرَ أنَّه مليءٌ بتحبيرِ الرِّداءِ المفوَّفِ
لئن كانَ للأشعار والنَّحو حافظًا لقد كانَ من حفَّاظ سُورة يوسفِ
نسب أباه في هذا البيت إلى الحياكة لأنَّ أكثر الحاكة يحفظون سورة يوسف.
ومن المعنى الَّذي نحن فيه قول الأسلميّ في قومٍ كانوا يقولون أنَّهم من ولد عقيل بن أبي طالب، وكان شكَّ في نسبهم:
يقولونَ طبعُ الطَّالبيِّين مرَّةٌ وطبعُكم فيما يقولون بلغمُ
فإنَّهم أومَوا إلى دَفع حقِّكم ولا ذنبَ لِي إنَّ الأطبَّاء أعلمُ
وقد أكثر مَخلد بن بكَّار الموصليّ في هذا المعنى، ونحن نذكر بعض ذلك، فمنه قوله:
أنتُ عندِي جَدَلِيٌّ ليس في ذاكَ كلامُ
عربيٌّ عربيٌّ عربيٌّ والسَّلامُ
لك من ميراثِ آبا ئك قِسِيٌّ وسِهامُ
وضِبابٌ مُخضَباتٌ ويَرابيعٌ وهامُ
[ ١ / ١٠٦ ]
وقذَى عينيك صَمغٌ ونواصيك ثَغامُ
شَعرُ ساقَيك وفَخْذيْ كَ خُزامَى وثُمامُ
قاعدٌ في وسْط سلمَى وحَواليك سِلامُ
أنتَ لو جُلتَ كذى لانْ جَفَلتْ منك نَعامُ
أنا ما ذَنبي إذا كذَّ بَني فيك الأنامُ
وبدتْ منك سَجايا نَبَطِيَّاتٌ لئامُ
وقَفًا يَحلف ما إنْ أعرَقَتْ فيك الكرامُ
وله أيضًا مثله من قصيدة:
أُريِّثُ عن عِرضه العالَمين وأرفعُ من ذِكره الخامِلا
ولو أنَّ في الصَّبرِ لِي مُبغِضًا لأمَّمه حافيًا راجِلا
فما لي أُقاتلُ فيه الأنامَ فأقطَع في حبِّه الواصِلا
أنا قلتُ شهوتُهُ خارِج وقد زَعموا يشتهي داخِلا
وقد زعموا أنَّه حامِلٌ ومَن رأى ذكَرًا حامِلا
وقد قَرَفوا أُمّه بالبَلاء فقلتُ اخْسَئوا قتمُ باطِلا
فقالوا كيف يكون الصَّمي مُ ينكِحُ ذا عدَمٍ وائِلا
ولو لم يكنْ ههنا ريبةٌ لمَا نكحَ النَّاهقُ الصَّاهِلا
وقد قيل في أُخته ما سمعتَ وقد صدَّق الفاعلُ القائِلا
أرادتْ وتِربٌ لها نُزهةً فصادفَتا ثمِلًا جاهِلا
فكان من الأمرِ ما قد علمتَ فآبتْ إلى أهلها حامِلا
وله أيضًا في هذا المعنى:
أنت عندي صَليبةٌ كم تصيحُ شَعرُ فخذَيك والمفارِقِ شِيحُ
عينُك القاصِعاءُ أنفك دَأما ءُ وأُذناك نافِقاءُ فسيحُ
شَعرُ إبْطَيك أبْهُقانٌ وصُدغا كَ شُكاعَى خلاله
قد عَدَدْناك في الذُّرى بعدَ وهمٍ فاعْف واصفحْ إنَّ الكريمَ صَفوحُ
قد أتينا من هذين المعنيين بما فيه مقنعٌ وتركنا منهما أضعاف ما ذكرنا.
أنشدنا أبو بكر بن دريد، ﵀، لجَهم بن خلف المازنيّ وزعم أنَّه أجود ما قيل في ذِكر الحمَام:
أبكيتَ أنْ صدحتْ حمامةُ أيكةٍ ورقاءُ تهتفُ في الأراكِ وتسجَعُ
عجبًا لمبكَى عينها وجُمودِها وللوعةٍ في صدرها ما تقلِعُ
هيَّاجة الأحزان مِطراب الضُّحى تَبكي بشجوٍ دائمٍ وتفجَّعُ
[ ١ / ١٠٧ ]
غَرَدتْ بلحنٍ فاستجابَ لصَوتها وُرقٌ على فَنَن الغُصونِ تفجَّعُ
يُسعدنَ فاقدةً أُنيحَ لفَرخها سَوذانِقٌ شاكِي المَخالب أسفَعُ
فانقضَّ من جوِّ السَّماء كأنَّه برقٌ تلألأَ من سحابٍ يلمَعُ
فحَواه بين مخالبٍ مَذْرُوبةٍ ومضَى كلمحِ البرقِ أو هوَ أسرَعُ
من بعدِ ما طارتْ به من عُشّها واخْضرَّ منه الطَّوقُ فهْوَ ملمَّعُ
أودَى بواحدها الزَّمانُ وريبُهُ إنَّ المنايا بالأحبَّةِ تفجَعُ
أفتِلك أم كُدريَّةٌ بتَنوفةٍ غَبراءَ يُصبحُ آلُها يترفَّعُ
باتتْ تلظَّى للورود ودُونها يَهْماءُ طامسةُ المعالم بلقَعُ
فغدتْ لوِرْدٍ قبلَ فُرَّاط القطا تنجُو نجاءً في الرِّياحِ وتمزَعُ
عُلويّةٌ تطوِي الفِجاجَ وتنتَحي بلَبانها في الرِّيحِ حين ترفَّعُ
فبدَا لها حَوْمٌ وقد متَعَ الضُّحى مُتحيِّرٌ يستنُّ فيه الضّفدَعُ
فدنتْ ونادتْ باسمِها ثمَّ ارتوتْ من باردٍ للكُدرِ فيه مشرَعُ
حتَّى إذا نهِلتْ وبلَّتْ نحرَها وتحاملَتْ عادتْ إليه تكرَعُ
فبدتْ لها من حَمأةٍ مَسنونةٍ حَدَمٌ ومن طِين الشَّرائع ترفَعُ
ناطتْ إداوتَها إلى حَيزومها وتروَّحتْ عجلَى النّجاء تسرَّعُ
لمُزَغَّبٍ ألِفَتهُ بين تنائف فيها لكُدْريّ القطا مستودَعُ
فتناوبتْهُ على المساءِ فصوَّبتْ ما أُرْبِغَتْ طورًا تفوق وترقَعُ
فسقتْهُ أنفاسًا فأدنَى جِيدَهُ من جِيدها وفؤادُهُ لا ينقَعُ
أما وصف الحمام من الشعراء المتقدمين والمحدثين فكثيرٌ جدًا إلاَّ أنَّ هذا المعنى الَّذي ذكرناه قليلٌ فيه، ونحن نختار منه شيئًا، فمن ذلك قول ابن الطَّثْريَّة:
تذكَّرتُ ليلَى أنْ تغنَّتْ حَمامةٌ وأنَّى بليلَى والفؤادُ قريحُ
يمانيَّةٌ أمستْ بنجرانَ دارُها وأنتَ عراقيٌّ هواكَ نَزوحُ
ومن دون ليلَى سبسبٌ مُتماحلٌ يُجيبُ صداهُ البومَ حين يَصيحُ
[ ١ / ١٠٨ ]
يظلُّ به سربُ القطا متحيِّرًا إذا ماجَ بحرُ الآلِ وهْوَ يلوحُ
تَجوب من البيداءِ كَدراءُ جَونةٌ سماويَّةٌ عجلَى النّجاء طَموحُ
تُبادرُ جَونًا تَنسج الرِّيحُ مَتنهُ له حَبَبٌ في جانبَيه يَسيحُ
عليه دِفاقٌ في الغُدَيَّات واردٌ ولآخرَ في بَرد العشِيِّ يروحُ
فعبَّتْ وعبَّ السِّربُ حتَّى إذا ارتوتْ ذكرنَ فِراخًا دونهنَّ طَروحُ
ملأنَ أداوَى لم يشِنْهنَّ خارِزٌ بسَيْرٍ ولا يُلفَى بهنَّ جروحُ
فطِرن يُبادرنَ الضِّياءَ تقدَّمتْ عليهنَّ مِغلاةُ النّجاء طَموحُ
إلى ابنٌ ثلاثٍ بالفلاة كأنَّما بجَنْبَيه من لَفْح السّموم جُروحُ
فظلَّتْ تُسقِّيه نِطافَ إداوَةٍ له غَبْقةٌ من فضلها وصَبوحُ
ومن هذا المعنى قول أبي صفوان الأسديّ:
وقد شاقَني نوحُ قُمريَّةٍ هتوفِ الغَداةِ طَروب العِشا
من الوُرق نوَّاحةٍ باكرتْ عَسيبَ أشاءٍ بذات الغضَى
فغنَّتْ عليه بلحنٍ لها يَهيجُ على الصِّبّ ما قد مضَى
فلم أرَ باكيةً مثلَها تبكِّي ودَمعتُها لا تُرَى
أضلَّتْ فُرَيخًا فطافتْ به وقد عَلِقتهُ حبالُ الرَّدَى
فلمَّا بدَا اليأسُ منها بكتْ عليه وماذا يرُدُّ البُكا
وقد صادَهُ ضَرِمٌ مُلحَمٌ خفوقُ الجَناح حثيثُ النَّجا
حديدُ المخالبِ عارِي الوظي فِ ضارٍ من الزُّرقِ فيه قَنا
فباتَ عَذوبًا على مَرقَب بشاهقةٍ صَعبةِ المُرتقَى
فلمَّا أضاءَ له صُبحُهُ ونكَّبَ عن منكبيهِ النَّدَى
وحتَّ بمَخطمه جامدًا على خَطْمِه من دماءِ القَطا
تصعَّدَ في الجوِّ ثمَّ اسْتَدا رَ طار حَثيثًا إذا ما انْصَمَى
فآنسَ سربَ قَطا قاربٍ جبَى منهلٍ لم تَمِحْهُ الدَّلا
غدونَ بأسقيَةٍ يَرتوينَ لزُغبٍ مُطرَّحةٍ بالفَلا
يُبادرنَ وِردًا فما يَرعوين على ما تخلَّفَ أو ما وَنَى
تذكَّرنَ ذا عَرْمَضٍ طاميًا يجولُ على حافتَيه الغُثا
[ ١ / ١٠٩ ]
به رفقةٌ من قطًا واردٍ وأُخرى صوادرُ عنه رِوَا
فملأنَ أسقيةً لم تُشدّ بخرزٍ وقد شُدَّ منها العُرا
فأقعصَ منهنَّ كُدريَّةً ومزَّقَ حَيزومها والحشَى
فطارَ وغادرَ أشلاءها تطيرُ الجنوبُ بها والصَّبا
يَخَلْن حفيفَ جَناحيه إذ تدلَّى من الجوِّ برقًا بدَا
فولَّين مجتهداتِ النَّجا جَوافِل في طامسات الصُّوَى
ومن جيّد ما ذُكر به الحَمام، وإن لم يكن فيه ذكر القطا، قول حميد ابن ثور:
وما هاجَ هذا الشَّوقَ إلاَّ حمامةٌ دعتْ بقلوبٍ في حمَامٍ ترنُّما
من الوُرق حمَّاءُ العِلاطَين باكرتْ عَسيبَ أشاءٍ مطلعَ الشَّمس أسحَمَا
إذا زعْزعتْهُ الرِّيح أو لعبتْ به أرنَّت عليه مائلًا أو مُقوَّما
تُنادي حمامَ الجَلْهَتَيْنِ وترعَوِي إلى ابنِ ثلاثٍ بين عُودين أقْتَما
مُطوَّق طوقٍ لم يكنْ عن جَعِيلةٍ ولا ضربِ صَوَّاغ بكفَّيه دِرهما
بنَتْ بيتَهُ الخرقاءُ وهْيَ رفيقةٌ له بين أعوادٍ بعَلياءَ سُلَّما
كأنَّ على أشداقهِ نَوْرَ حنوةٍ إذا هو مدَّ الجِيدَ منهُ ليطْعَما
فلمَّا اكْتَسَى الرِّيشَ السُّخامَ ولم تجدْ لها معه في ساحةِ العُشِّ مجثمَا
أُتيحَ لها صقرٌ مُنيفٌ فلم يدعْ لها ولدًا إلاَّ رِمامًا وأعظُما
فأوْفتْ على غصنٍ ضُحَيًّا فلم تدعْ لباكيةٍ في شجوِها مُتلوَّما
عجبتُ لها أنَّى يكونُ غِناؤها فصيحًا ولم تفتحْ بمنطقِها فَما
ولمْ أرَ محزونًا له مثلُ شجوِها ولا عَرَبيًّا شاقهُ صوتُ أعجَمَا
أما قوله: " مطوّق طوق " البيت، فمثل قول مجاشع الجرميّ:
صدوحُ الضُّحَى معروفةُ اللَّحن لم تزلْ تقودُ الهوَى من شَجوها ويقودُها
جزوعٌ جمودُ العَين دائمة البُكا وكيف بُكا ذي عبرةٍ وجمودُها
مطوَّقةٌ لم يضربِ القَينُ فِضَّةً عليها ولم يعطلْ من الطَّوق جِيدُها
[ ١ / ١١٠ ]
وأما قوله: " كأنَّ على أشداقه " البيت فقد تقدَّمت نظائره، ومن هذا المعنى في ذكر الحمام وليس فيه ذكر الصَّقر بل ذِكر رامٍ رمَى فأصاب، قول محمد بن يزيد الحِصنيّ:
أشاقكَ برقٌ أم شجَتْك حمامةٌ لها فوقَ أغصان الأراكِ نَئيمُ
أضافَ إليها الهمّ فقدانُ آلفٍ وليلٌ يسدُّ الخافقَين بَهيمُ
أنافتْ على ساقٍ بليلٍ فرجَّعتْ وللوجدِ منها مُقعدٌ ومُقيمُ
تَميدُ إذا ما الغصنُ مادتْ مُتونهُ كما مادَ من ريِّ المُدام نديمُ
فباتتْ تُناديه وأنَّى يُجيبُها مَنوطٌ بأطراف الجناحِ سَهيمُ
رَماه فأصْماهُ فطارتْ ولم يطرْ فظلَّ لها ظلٌّ عليه يحومُ
قرينةُ إلفٍ لم تفارقهُ عن قلًى غداةَ غدَا يومٌ عليه مشومُ
وراحتْ بهمٍّ لو تضمَّنَ مثلهُ حشَى آدميٍّ راحَ وهْوَ رميمُ
فللبرقِ إيماضٌ وللدَّمعِ واكفٌ وللرِّيحِ من نحو العراقِ نسيمُ
وللطَّائرِ المحزون نغمٌ كأنَّها على كبدِ الصِّبّ المُحبِّ كلومُ
غناءٌ يروعُ المُنصتينَ وتارةً بكاءٌ كما يبكِي الحميمَ حميمُ
فطورًا أشيمُ البرقَ أين مصابُه وطورًا إلى إعوالِ تلك أهيمُ
ومن دونِ ذا يشتاقُ من كانَ ذا هَوى ويعزُبُ عنه الحلمُ وهْوَ حليمُ
عِكرمة بن مُخاشن البلويّ:
دعتْ فوقَ ساقٍ دعوةً لو تناولتْ بها الصّمَّ من أعلى أبانٍ تحدَّرا
تُبكِّي بعينٍ تجري دموعُها ولكنَّها تُجري الدُّموع تذكُّرا
مُحلاّةُ طوقٍ ليس يُخشَى انْفِصامهُ وصدرٌ كمقطوفِ البنفسج أخْضَرا
تنازعُها ألوانُ شقرٍ صقالُها ترَى لتَلالي الشَّمس فيها تحيُّرا
فما نعرف في هذا المعنى أحسن منه ولا أصحّ تشبيهًا لمن تأمَّله ووقف عليه، وما نعرف له نظيرًا فنورده، لقد تأتَّى لهذا الأعرابيّ تشبيهٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأمَّا قوله: " تنازعها ألوان شُقر " البيت، فإليه نظر البحتري بقوله:
إذا قابلَتْه الشَّمسُ ردَّ ضياءهَا عليها صقالُ الأقحُوان المنوِّرِ
[ ١ / ١١١ ]
وأمَّا قوله: " تبكِّي بعين " البيت، فقد أخذه ديك الجنّ فقال:
حمائمُ وُرقٌ في حمَى وَرَقٍ خُضر لها مقلٌ تُجري الدُّموعَ ولا تجرِي
تكلَّفنَ إسعادَ الغريبة إذ بكتْ وإنْ كنَّ لا يدرينَ كيف جوَى الصَّدرِ
لها حُرَقٌ لو أنَّ خنساءَ أعولَتْ بهنَّ لأدَّتْ حقَّ صخرٍ إلى صخرِ
فقلتُ لنفسي ههنا طلبُ الأسَى ومَعدنُه إذ فاتني طلبُ الصِّبرِ
طلَبنا ولو أُعطَى المنَى لصحبتُها حَمامًا ولو تُعطَى المُنَى لروتْ شِعري
ومن مليح ما قيل في هذا المعنى قول ابن المعتز:
وبكيتُ من حُزنٍ لنوحِ حمامةٍ دعتِ الهديلَ فظلَّ غيرَ مُجيبها
ناحتْ ونُحنا غير أنَّ بكاءَنا بعيوننا وبكاؤها بقلوبِها
نذكر ههنا قطعةً نختارها من مراثي العرب إذ كانت مراثيهم تصدر عن قلوبٍ قرحةٍ فتجود لذلك ألفاظها وتحسن معانيها، فمن ذلك قول الشَّمردل يرثي أخاه:
أَلوف لأضياف الشِّتاء كأنَّما يراهُ الحَيا أيتامُهُ وأراملُهْ
رخيصُ نضيجِ اللَّحمِ مُغْلٍ بِنيِّهِ إذا بردتْ عند الشِّتاءِ أناملُهْ
إذا ما أتَى يومٌ من الدَّهر بيننا فحيَّاك عنِّي شرقُهُ وأصائلُهْ
وكلُّ سَنا صبحٍ أضاءَ ومغربٍ من الشَّمس وافَى جُنحَ ليلٍ أوائلُهْ
أبَى الصَّبرَ أنَّ العينَ بعدك لم تزلْ يخالطُ جفنَيها قذًى لا يزايلُهْ
وكنتُ أُعيرُ الدَّمعَ قبلك من بكَى فأنتَ على مَن ماتَ بعدك شاغلُهْ
يذكِّرني هيفُ الجنوبِ ومُنتهَى نسيم الصَّبا رمْسًا عليه جنادلُهْ
وهاتفةٌ فوقَ الغصونِ تفجَّعتْ لِفقدِ حمامٍ أفردتهُ حبائلُهْ
وسَورةُ أيدي القوم إذ حُلَّتِ الحُبَى حُبَى الشِّيب واستَغْوَى أخا الحِلم جاهلُهْ
فعينيَّ إذ أبْكاكما الدَّهرُ فابْكِيا لمنْ نصرُهُ قد بانَ منَّا ونائلُهْ
إذا استعبرتْ عُوذُ النِّساء وشمَّرتْ مآزرَ يومٍ لا تُوارَى خلاخلُهْ
وثِقْنَ به عند الحفيظة فارْعَوَى إلى صوتهِ جاراتهُ وحلائلُهْ
[ ١ / ١١٢ ]
وكنتُ به أغشَى القتالَ فعزَّني عليه من المقدارِ ما لا أُقاتلُهْ
الأبَيرد اليربوعيّ يرثي أخاه:
فإنْ تكنِ الأيَّامُ فرَّقنَ بيننا فقد عذرتْنا في صَحابتنا العذرُ
وكنتُ أرَى هجرًا فراقك ساعةً ألا لا بلِ الموتُ التَّفرُّقُ والهجرُ
فتًى إنْ هو استغنَى تخرَّقَ في النَّدَى وإنْ فاتَ مالٌ لم يضعْ متنهُ الفقرُ
فتًى يشتَري حسنَ الثَّناء بماله إذا السَّنةُ الشَّهباء قلَّ بها القطرُ
ويعلمُ أنَّ الدَّائراتِ دوائرٌ على المرءِ حتَّى يدركَ العسرةَ اليسرُ
إلى الله أشكُو في بُرَيدٍ مُصيبتي وبثِّي وأحزاني يضيقُ بها الصَّدرُ
وقد كنتُ أستعفِي الإلهَ إذا اشتكَى من الأجْرِ لي فيهِ وإنْ سرَّني الأجرُ
فتَى الحيِّ والأضيافِ إن روَّحَتهمُ بَلِيلٌ وزادُ السَّفْرِ إنْ أرملَ السَّفْرُ
سلكتْ سبيلَ العالمين فما لهُم وراءَ الَّذي لاقيتَ مَعدًى ولا قصرُ
وأبليتَ خيرًا في الحياةِ وإنَّما ثوابكَ عندي اليومَ أن ينطقَ الشَّعرُ
أمَّا قوله: " فتى يشتري حسن الثَّناء " والبيت بعده فقد أخذ صدرَيهما لفظًا أبو نواس فجعلهما بيتًا واحدًا وهو قوله:
فتًى يشتري حسنَ الثَّناء بماله ويعلمُ أنَّ الدَّئراتِ تدورُ
لبيد بن ربيعة العامريّ يرثي أخاه أرْبَد:
ما إنْ تُعرِّى المنونُ من أحدٍ من والدٍ مُشفقٍ ومن ولدِ
أخشَى على أربدَ الحتوفَ ولا أفرَقُ نَوءَ السِّماك والأسَدِ
فجَّعَني الرَّعدُ والصَّواعق بال فارسِ يومَ الكريهةِ النَّجُدِ
الحاربِ الجابرِ الحريبِ إذا جاءَ نكيبًا وإنْ تعُدْ يعُدِ
لا تبلغُ العينُ كلَّ نهمتها ليلةَ تُمسي الجيادُ كالقِدَدِ
كلُّ بني حرَّةٍ مصيرهمُ قُلٌّ وإنْ أكثرتْ من العددِ
يا عينُ هلاَّ بكيتِ أربدَ إذ قُمنا وقامَ الخصومُ في كبَدِ
إنْ يشغَبوا لا يبالِ شغبهمُ أو يقصدوا في الخِصام يقتصِدِ
النمِر بن تولب يرثي إخوته:
[ ١ / ١١٣ ]
بينَ البَديّ وبين برقة ضاحكٍ غوثُ اللهيف وفارسٌ مقدامُ
ومقابرٌ بين الرُّسيس وعاقلٍ درستْ وفيها مُنجبونَ كرامُ
جزعًا جزِعتُ عليهمُ فدعوتُهم لو يسمعونَ وكيف يُدعَى الهامُ
لا تبعدُوا وغدَا السَّلامُ عليكمُ وسرَى فقد يتفرَّقُ الأقوامُ
فأبِيت مسرورًا برؤيةِ من أرَى فإذا انتبهتُ إذا هيَ الأحلامُ
الفرزدق في ابنَين له ماتا:
وكم متمنٍّ أنْ أموتَ وقد بَنَتْ حَياتي له شمًّا عظامًا قبابُها
فلا تحسَبا أني تضعضعَ جانِبي ولا أنَّ نارَ الحربِ يخبُو شهابُها
بقِيتُ وأبقتْ من قَناتي مَصابَتي عَشَوزَنةً زَوراءَ صمًّا كعابُها
على حدثٍ لو أنَّ سلمَى أصابَها بمثل بَنِيِّ ارْفضَّ منها هضابُها
فما زلتُ أرمِي الحربَ حتَّى تركتُها كسيرَ الجناحِ ما يَدِفُّ عُقابُها
إذا ما امْتراها الحالبونَ عصبتُها على القسرِ حتَّى ما يدِرُّ عِصابُها
وأقْعتْ على الأذنابِ كلُّ قبيلةٍ على مضضٍ منِّي وذلَّتْ رقابُها
أخٌ لكما إنْ عضَّ بالحربِ أصبحتْ ذَلولًا وإنْ عضَّتْ به فُلَّ نابُها
كثيِّر يرثي عبد العزيز بن مروان:
تقولُ ابنة البكريّ يوم لقيتُها لعمرك والدُّنيا متينٌ غرورُها
لأصبحتَ هدَّتك الحوادثُ هَدَّةً نعمْ فشَواهُ الرَّأس بادٍ قتيرُها
فأنساكَ سلمَى والشَّبابَ الَّذي مضَى وفاةُ ابنِ ليلَى إذ أتاكَ خبيرُها
فإنْ تكُ أيَّام ابنِ ليلَى سبقْنَني وطالتْ سِنِيَّ بعدهُ وشهورُها
فإنِّي لآتٍ قبرهُ فمسلِّمٌ وإنْ لم تكلّمْ حفرةٌ مَن يزورُها
ترَى القومَ يُخفون التَّبسُّمَ عندهُ ويُنْذرهم عُورَ الكلام نَذورُها
ليلَى الأخيليَّة في تَوبة:
أعَيني ألا أبكِي توبةَ بن الحُمَيِّر بدمعٍ كسَحِّ الجدولِ المتفجِّرِ
لتبكِ عليه من خَفاجةَ نسوةٌ بماءِ شؤون العَبرة المتحدِّرِ
سمعنَ بِهَيْجا أرهقتْ فذكرنَه ولا يبعثُ الأحزانَ مثلُ التّذكُّرِ
[ ١ / ١١٤ ]
كأنَّ فتَى الفِتيان توبةَ لم يُنخْ بنجدٍ ولم يهبطْ مع المتغوِّرِ
ولم يردِ الماءَ السِّدامَ إذا بدَا سَنا الصُّبح في بادِي الحواشي المنوِّرِ
قتلتمْ فتًى لم يُسقطِ الرُّعبُ رمحهُ إذا الخيلُ جالتْ في قنًا متكسِّرِ
وبيداءَ مِمْحال يحارُ بها القطا قطعتَ على هَول الجَنان بمنسِرِ
فلمَّا بدتْ أرض العدوِّ سقيتَها مُجاجَ بَقيّات المَزاد الموفَّرِ
ولمَّا أهابوا للنِّهاب حويتَهُ بِخاظي البضيع مُلهب الشَّدِّ مِحضَرِ
فأحرزتَ منهُ ما أردتَ بقدرةٍ وسطوةِ جبَّارٍ وإقدامِ قَسوَرِ
ألا رُبَّ مكروبٍ أجبتَ ونائلٍ فعلتَ ومعروفٍ لديكَ ومُنكرِ
فيا توبَ للمولَى ويا توبَ للنَّدَى ويا توبَ للمستنبحِ المتنوِّرِ
أمَّا قولها: " ولمَّا أهابوا " البيتين، فما نعلم أنَّ أحدًا من الشعراء مدح إنسانًا بأنه يحوي السَّلَب ويُقدم عليه هذا الإقدام، الَّذي ذكرت ليلَى، غير هائلٍ، بل رأيناهم يمدحون الفارس بأنه يشهد الحرب ويُجيد القتال، فإذا بلغ حاجته من قهر عدوّه ترك السَّلب تنزُّهًا عن ذلك وظلف نفسٍ أن يأخذ شيئًا من أسلاب أعدائه بعد قتلهم وهزيمتهم إذ كان غرضه ذلك لا غيره، وقد ذكرنا قطعةً من أشعارهم في ذلك قبل هذا الموضع.
وقالت ليلَى ترثي توبة أيضًا:
أقسمتُ أبكي بعد توبةَ هالكًا وأحفِلُ مَن دارتْ عليه الدَّوائِرُ
لعمرُك ما بالموتِ عارٌ على الفتَى إذا لم تصبهُ في الحياةِ المعايِرُ
وما أحدٌ حيٌّ وإنْ كانَ سالمًا بأخلدَ ممَّن غيَّبتهُ المقابِرُ
ومَن كانَ ممَّا يُحدثُ الدَّهرُ جازعًا فلا بدَّ يومًا أنْ يُرَى وهوَ صابِرُ
وليسَ لذِي عيشٍ من الموتِ مذهبٌ وليس على الأيَّامِ والدَّهرِ غابِرُ
وكلُّ جديدٍ أو سبابٍ إلى بلًى وكلُّ امرئٍ يومًا إلى اللهِ صائِرُ
وكلُّ قَرينَي أُلفةٍ لتفرُّقٍ شَتاتًا وإنْ عاشا وطالَ التَّعاشُرُ
[ ١ / ١١٥ ]
فأُقسمُ لا أنفكُّ أبكيكَ ما دعتْ على فنَنٍ وَرقاءُ أو طارَ طائِرُ
قتيلَ بني عوفٍ فيا لَهْفَتا له وما كنتُ إيَّاهم عليه أُحاذِرُ
ولكنَّما أخشَى عليه قبيلةً لها بدُروب الرُّوم بادٍ وحاضِرُ
أمَّا قولها: " قتيل بني عوف " البيتين، فإنَّا عنتْ بهذه القبيلة غسَّان لأنَّهم ملوك يجوز أمرُهم، فقالت: إنَّما كنت أخشى أن يقتله بعض الملوك لا بني عوف وهذا هجاءٌ لهم وغضٌّ منهم، ومثله قول أبي خراش:
لعمرُك ما خشِيتُ على أُبَيٍّ مَصارعَ بين قَوٍّ والسُّلَيِّ
ولكنِّي خشيتُ على أُبَيٍّ جريرةَ سيفهِ في كلِّ حيِّ
فتَى الفِتيان مُحْلَوْلٍ مُمِرٍّ وأمَّارٍ بإرشادٍ وغيِّ
ومثله قول الآخر:
لعمرُك ما خشيتُ على يزيدٍ رماحَ الجنِّ أو إيَّاكَ حارِ
بَيْهس بن نُمير:
إذا ما دعَا الدَّاعي حُصينًا رأيتَني أُراعُ كما راعَ العجولَ مُهيبُ
وكم من سَمِيٍّ ليس مثلَ سَميِّه وإنْ كانَ يُدعَى باسمِهِ فيُجيبُ
منقذ بن عبد الرحمن يرثي امرأته:
وكذاكَ يفعلُ في تصرُّفِهِ والدَّهرُ ليس ينالُهُ وِتْرُ
كنتُ الضَّنينُ بمنْ أُصبتُ بهِ فسلوتُ حين تقادمَ الدَّهرُ
ولخيرُ حَظّك في المصيبةِ أنْ يلقاكَ عند نُزولها الصَّبرُ
أمَّا قوله: " كنت الضَّنين " البيت، فمثل قول الآخر:
وكما تبلَى وجوهٌ في الثَّرَى فكذا يبلَى عليهنَّ الحزنْ
ومثله قول الآخر:
يبرُدُ الحزنُ كلَّ يومٍ ويبلَى مثل ما يبرُدُ الحديثُ المُعادُ
مثله قول أحمد بن أبي فنن في محمد بن عبد الملك الزّيّات وقد أُصيب بولدٍ له:
أبا جعفرٍ والدَّهرُ فيه فجائعٌ تَروضكَ حتَّى لا تفيضَ المدامعُ
ستَسلو إذا ما الدَّهرُ مرَّتْ صروفُهُ عليكَ ولو أقسمتَ أنَّك جازعُ
مثله لأبي تمَّام:
عجائبَ حتَّى فيها عجائبُ
ابن المعذّل:
ليس بمسخوطٍ فِعالُ امرئٍ كلُّ الَّذي يفعلُ مسخوطَ
آخر:
[ ١ / ١١٦ ]
أهَجرٌ بعدَ هجرٍ بعد هجرٍ لقد أنَست بالهِجرانِ صدرِي
مثله لآخر:
سيُسليك مرُّ الدَّهر عمَّن رُزِيتَهُ وإنْ ذرفتْ عيناك من بعدِهِ دَما
وما أحدٌ في النَّاس يُسلبُ صبرهُ على أحدٍ إلاَّ أنابَ وسلَّما
آخر:
رُوّعتُ بالبينِ حتَّى ما أُراعُ له
آخر:
ورُوّعتُ حتَّى ما أُراعُ من النَّوَى
ومن جيد المراثي ونادرها لفظًا ومعنًى قول ثابت بن جابر بن سفيان الفهميّ يرثي الشَّنفرَى:
فإنْ تكُ نفسُ الشَّنفرَى حُمَّ يومُها وراحَ له ما كانَ منهُ يُحاذرُ
فما كانَ بِدعًا أن يصابَ فمثلُه أُصيبَ وحُمَّ الملتَجُون الفوادرُ
قضَى نحبَهُ مستكثرًا من جميلهِ مُقلًاّ من الفحشاءِ والعِرضُ وافرُ
يفرِّجُ عنه غُمَّةَ الرَّوع عزمُه وصفراءُ مِرنانٌ وأبيضُ باترُ
وأشقرُ غيداقُ الجِراء كأنَّه عُقابٌ تدلَّى بين نِيقَين كاسرُ
يجُمّ جمومَ البحر طالَ عُبابُهُ إذا فاضَ منه أوَّلٌ جاشَ آخرُ
لئنْ ضحكتْ منك الإماءُ لقد بكتْ عليك فأعْوَلْن النّساء الحرائرُ
وطعنةِ خَلْسٍ قد طُعنتَ مُرِشّةٍ لها نفذٌ فيه تضلُّ المسابرُ
إذا كُشفتْ عنها السُّتورُ شَحا لها فمٌ كفم العزلاءِ فَيحانُ فاغِرُ
يظلُّ لها الآسي يميدُ كأنَّه نَزيفٌ هَراقتْ لُبَّه الخمرُ ساكرُ
فيكفي الَّذي يكفي الكريمُ بحَزمه ويصبرُ إنَّ الحرّ مثلك صابرُ
ومَرقبةٍ شمَّاءَ أقعيتَ فوقَها ليغنمَ غازٍ أو ليدركَ ثائرُ
وأمْر كسدِّ المنخِرَين اعتليتَهُ فنفَّستَ منه والمنايا حواضرُ
فلو نبَّأتْني الطَّيرُ أو كنتُ شاهدًا لآساكَ في البلوَى أخٌ لك ناصرُ
وخفَّضَ جأشِي أنَّ كلَّ ابْن حُرَّةٍ إلى حيثُ صرتَ لا محالةَ صائرُ
وإنَّ سوامَ الموت تَجري خِلالنا روائحُ من أحداثه وبواكرُ
أمَّا قوله: " وخفَّض جأشِي " البيت، فمثل قول الخنساء:
ولولا كثرةُ الباكين حَولي على إخوانهم لقتلتُ نَفسي
[ ١ / ١١٧ ]
وما يبكون مثل أخي ولكنْ أُعزِّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسِّي
وفي بيت الخنساء هذا زيادةٌ في المعنى، ومثل المعنى الأوَّل:
ومنْ يرَ بالأقوامِ يومًا يرَوْا به فجيعةَ يوم لا تَوارَى كواكبُهْ
وهوَّنَ وجْدِي عن خليليَ أنني إذا شئتُ لاقيتُ امرأً ماتَ صاحبُهْ
ومثله:
فإنْ يقسِموا مالِي بنِيَّ ونسوتي فلنْ يقسِمُوا خُلقي الجميلَ ولا فِعلي
ولولا الأُسَى ما عشتُ في النَّاسِ ساعةً ولكنْ إذا ما شئتُ قابلَني مِثلي
مثله:
وهوَّنَ وجدي عن خليليَ أنني متَى شئتُ لاقيتُ امرأً ماتَ صاحبُهْ
فاطمة ابنة الأحجم:
يا عينُ بكِّي بَني سعدٍ ومثلهمُ أبْكِي إذا أعوزَ اللَّحمُ الأياسيرُ
شُمٌّ أنوفهمُ غلبٌ رقابهمُ كأنَّ أوجههم حُسنًا دَنانيرُ
كأنَّ عينيَ لمَّا أنْ ذكرتهمُ غُصنٌ يُراحُ من الطَّرفاءِ ممطورُ
ما نعرف في سرعة تحدُّر الدمع مثل هذا البيت، وقريبٌ منه بيت جِران العَود:
فبتُّ كأنَّ العين أفنانُ سِدرةٍ عليها سَقيطٌ من ندَى اللَّيل ينطُفُ
إلاَّ أنَّ البيت الأول أتمُّ معنًى وأكثر زيادةً من بيت جران العود هذا لأنَّه ذكر أنَّ عينه مثل الغصن الممطور إذا حرَّكته الرِّيح وهذا النّهاية في سرعة تحدُّر الدَّمع، ومن أحسن ما قيل في سرعة الدَّمع بعد هذين البيتين:
وما شَنتا خرقاءَ واهِيتا الكُلَى سقَى بهما ساقٍ ولمَّا تبلَّلاَ
بأضيعَ من عينَيك للدَّمْع كلَّما تذكَّرتَ إلفًا أو توهَّمتَ منزِلا
جوَّاس بن القعطل:
لا زالَ صوبٌ من ربيعٍ وصيّفٍ بهضب القليب فالتِّلاعُ به خُضرُ
يُروِّي عظامًا لم تكنْ في حياتها يرِنُّ بها حِنثُ اليمين ولا الغدرُ
الغطمَّش الضَّبّيّ يرثي عبيدة بن الأعور:
لعَنَ الإلهُ النَّاسَ إلاَّ مُسلمًا والدَّهرُ بعد بعيدة بنِ الأعورِ
بعدَ امرئٍ واللهِ لم يكُ عاجزًا عند الحروبِ ولا ضعيفَ المَكسرِ
[ ١ / ١١٨ ]
وإذا جنَيتُ عليه حربًا حاطَنِي ولجأتُ تحتَ لَبان لَيثٍ مُخدِرِ
فمضَى وغادرَني أُعالجُ بعدَه حربَ النَّوائبِ في زمانٍ مُدبرِ
مغلِّس بن لقيط يرثي أخاه:
سقَى اللهُ أصداءً برقدٍ وذمَّةٍ برقدٍ ذهابًا لا تحلِّي غُيومُها
ولا زالَ فينا كلُّ مَيثاءَ يُرتَعَى بها النَّورُ والبُلدانُ يُرعَى هَشيمُها
ألا لا أرَى بعد ابنِ زينبَ لذَّةً لدُنيا ولا حالًا يَدومُ نَعيمُها
ولا ذا أخ إلاَّ سيفجعُهُ به حِمام المنايا حين يأتِي غَريمُها
ابن يربوع بن حنظلة:
يُذَكِّرُني عمرًا بكاء حَمامةٍ على فَنَنٍ من بطنِ بِيشةَ مائلِ
ترَى أهلَهُ في نعمةٍ وهْوَ شاحبٌ طَوِي البطنِ مخماصُ الضُّحَى والأصائلِ
جُمانة ابنة الأحنف الدَّارميَّة:
طلبتُ ولمْ أُدركْ بوجْهي ولَيتَني قَعدتُ فلم أبْغِ النَّدَى بعد غائبِ
ولو جاءَ باغِي الخيرِ في عهد سائبٍ ثَوَى غيرَ قالٍ أو غَدا غيرَ خائبِ
أقول وما يدري الَّذين غَدَوا بهِ على النَّعش ماذا أدْرَجوا في السَّبائبِ
وكلُّ فتًى يومًا سيركبُ مرَّةً على النَّعش أعناقَ العدَى والأقاربِ
أعرابيّ من بني سعد يرثي قومه:
ألم ترَ خُلاَّني مضَوا لسبيلهم أبانٌ وعمرٌو منهمُ وجريرُ
يقولُ رجالٌ لا يَضيرك فقدُهم بلَى إنَّ فقدَ الصَّالحين يَضيرُ
هذا مثل قول الآخر:
وقالَ أُناسٌ لا يضيرك نأيُها بلَى كلُّ ما شفَّ النُّفوسَ يضيرُها
أليسَ يضيرُ العينَ أنْ تألَفَ البكا ويُمنعَ منها نومُها وسُرورُها
وقريبٌ من هذا المعنى وإن لم يكن بعينه قول الآخر: وقالوا:
لا يضيرك نأى شهرٍ فقلت لصاحبي: فلمن يضير
الستمدرل بن شريك:
دَلَّوْه فوق يديَّ تحت رِدائهِ خَفِرَ الشَّمائل مُسلَمَ الأسرارِ
جَدَثا تضمَّنَ نائلًا وعفافةً أُسْقيتَ من جدثٍ كذاكَ كُبارِ
كاللَّيث يُبطئُ عن أذَى جِيرانه ويكون أسرعَهم إلى الأثْآرِ
عبيد بن أيوب العنبري:
[ ١ / ١١٩ ]
سأبْكي حُصينًا ما تغنَّى حَمائمٌ وأبْكي حُصينًا والحمائمُ هُجَّدُ
لقد هَدمُوا قِدْرًا جِماعًا وجَفنةً بوارى سَديف الشَّولِ كانتْ تُشيَّدُ
وقد عاشَ محمودًا وأصبح فقْدُهُ على الأقرَبين والعِدَى وهْوَ أَنْكدُ
أبو العالية:
صبرتُ ولم أُبدِ اكْتِئابًا ولا تَرَى أخا جَزَعٍ إلاَّ يصيرُ إلى الصَّبرِ
وإنِّي وإنْ أبديتُ صبرًا لمُنطوٍ على حَرّ أحزانٍ أحرَّ من الجمرِ
وأملِكُ من عَيني الدُّموعَ وربَّما تبادرَ عاصٍ من سوابقها يجرِي
تمثَّل قتيبة بن مسلم حين أتاه موت الحجَّاج بقول الحطيئة:
لعَمري لَنعم المرءُ من آل جعفرٍ بحَورانَ أمسَى ألقَتْهُ الحبائلُ
لقد فقدُوا عزمًا جليلًا وسُؤددًا وحِلمًا أصيلًا خالفتهُ المجاهلُ
إذا عِشتَ لم أملَلْ حياتي وإنْ تمُتْ فما في حياةٍ بعدَ موتكَ طائلُ
وما كانَ بيني لو لَقيتُك سالمًا وبين الغنَى إلاَّ ليالٍ قلائلُ
طُفيل بن عوف الغنويّ يرثي زرعة بن عمرو بن الصَّعق:
فلم أرَ هالكًا من أهلِ نجدٍ كزُرعةَ يوم قامَ به النَّواعِي
أعزَّ رَزِيَّةً وأجلَّ فقدًا على المولَى وأفضلَ في المساعِي
وأعزَزَ نائلًا لمَن اعْتَفاهُ وأصبرَ في اللِّقاء على المِصاعِ
وأقْولَ للَّتي نبذَتْ بَينها وقد رأتِ السَّوابقَ لا تُراعِي
فلا وَقَّافة والخَيلُ تُردِي ولا خالٍ كأنبوب اليَراعِ
شِهابٌ يُستضاءُ به إذا ما دَجا الإظلامُ أوقَدَ باليَفاعِ
زينب بنت الطَّثريَّة ترثي أخاها يزيد:
أرَى الأثْلَ من بطن العقيق مُجاورِي مقيمًا وقد غالَتْ يزيدَ غوائلُهْ
فتًى قُدَّ قدَّ السَّيف لا مُتضائلٌ ولا رَهِلٌ لَبّاتُهُ وبَآدِلُهْ
فتًى لا يُرَى خَرقُ القميص بخَصْره ولكنَّما تُوهِي القميصَ حَمائلهْ
فتًى ليسَ لابن العمّ كالذِّئب إنْ رَأَى بصاحبه يومًا دَمًا فهْوَ آكلُهْ
[ ١ / ١٢٠ ]
يسُرُّك مظلومًا ويُرضيك ظالمًا وكلّ الَّذي حمَّلْتَه فهْوَ حاملُهْ
إذا القومُ أمُّوا بيتَهُ فهو عامِدٌ لأفضلِ ما أمُّوا له فهو فاعلهْ
إذا نزلَ الأضيافُ كانَ عذَوّرًا على الحيِّ حتَّى تستقِلَّ مَراجلهْ
إذا كانَ خيرُ الجِدّ أرْضاك جِدُّه وذو باطلٍ إنْ شئتَ أرضاك باطِلهْ
مضَى ووَرِثْناهُ دَريسَ مُفاضةٍ وأبيضَ هنديًّا طويلًا حَمائلهْ
أمَّا قولها: " أرى الأثْلَ " البيت، فبذا أخذت أخت الوليد بن طريف الشَّارِي قولها ترثي أخاها الوليد:
أيا شجرَ الخابور مالكَ مُورِقًا كأنَّك لم تجزعْ على ابْن طَريف
أمَّا قولها: " فتًى قُدَّ قدَّ السيف " البيت، وقولها: " فتى لا يرى خرق القميص " البيت، تقول: إنَّه لطيف البطن مضطمِر الخصر، وهذا عندهم غايةٌ في المدح للصّعلوك والفارس، بل يرونه مدحًا للعظيم القَدر، فأمَّا الفارس فيمدح بالنَّحافة، فتقول: إنَّ خصره غير منتفخ لضُمره فما يتخرَّق قميصه في خصره لذلك، بل تتخرَّق أكتافه من نجاد سيفه، ويجوز أيضًا أن تكون مناكبه قليلة اللَّحم فيخرق قميصه، وشبيه بهذا المعنى قول متمِّم في أخيه مالك:
لقد غيّب المِنهالُ تحت ردائه فتًى غير مِبطان العشيَّات أرْوعا
ومثله:
رأيتُكما يا بْنَي أخي قد سمِنتما وما يُدركُ الأوتارَ إلاَّ المُلوَّحُ
وأمَّا قولها: " فتى ليس لابن العمّ " البيت، فإنَّ صاحب المنطق يذكر أنَّ الذِّئب إذا كان عليه أدنَى دمٍ اجتمعت عليه الذِّئاب فتوزَّعته بينها أشلاءً، ومثله قول الآخر:
وكنتُ كذئب السَّوء لمَّا رأَى دمًا بصاحبه يومًا أحال على الدَّمِ
الغطمَّش الضِّبّيّ:
أقول وقد ضاقتْ شؤوني بعَبرةٍ أرَى الأرضَ تبقَى والأخلاَّء تَذهبُ
أخِلاَّيَ لو غير الحِمَام أصابَكم عَتبتُ ولكن ما على الموت مَعتِبُ
أمَّا قوله: " أقول وقد ضاقت " البيت، فمثل قول الآخر:
[ ١ / ١٢١ ]
إذا زرتُ أرضًا بعد طول اجْتنابها فقدتُ صديقِي والبِلادُ كما هِيا
والأصل قوله:
بَلِينا وما تَبْلَى النُّجومُ الطَّوالعُ وتبقَى البلادُ بعدنا والمَصانعُ
وَسْنَى ابنة عمرو القيسيَّة:
فتًى مثل صدر الهُنْدُوانيّ لم يكنْ جَبانًا إذا الحربُ العَوانُ اشْمَعلَّتِ
ولو فُجعتْ غُرّ النُّجوم بمثله إذًا لتولَّى ضوءها واضْمحلَّتِ
رأيتُ حالَ العِيس بعدك عُرِّيتْ ومكرمةَ الفتيان في النَّاس قلَّتِ
توسعة بن أبي غسَّان:
قلْ للأراملِ واليتامَى قد ثوَى فلْتَبْكِ أعينُها على عتَّابِ
أودَى ابنُ كلّ مُخاطرٍ بتِلادِهِ وبنفسهِ بُقْيًا على الأحسابِ
الرَّاكبين من الأمورِ صدورَها لا يركبونَ مَعاقدَ الأذْنابِ
أنيف بن مخارق الأسديّ:
أصبحتُ بعد ربيعةَ بن مُكدم غَرَضًا بصَرْدَحةٍ لِمن رامانِي
فلأرْمينَّهمُ برغم أُنوفهم جَهدي على عَوَزِي من الفتيانِ
ميَّة ابنة ضِرار ترثي أخاها قَبيصة:
ما بات من ليلة مذ شَدَّ مِئزَرَهُ قَبيصةُ بن ضِرارٍ وهْوَ مَوتورُ
لا يعرفُ الكلِمُ العُورانُ مجلسَهُ ولا يذوق طعامًا وهْو مستورُ
الطَّاعن الطَّعنةَ النَّجلاءَ عن عُرُضٍ كأنَّها ضَرَمٌ باللَّيل مسعورُ
عُتَيّ بن مالك العقيليّ:
إذا النَّاسُ عَزَّوني تذكَّرتُ هل إلى لقاء ابْن أوسٍ في الحياةِ سبيلُ
يُعزِّي المُعزِّي ساعةً ثمَّ يَنكفي وفي النَّفس حاجاتٌ لهنَّ غَليلُ
كأنْ لم يُسايِرْني ابنُ أوسٍ ولم نرُعْ قلائصَ أطلاحًا لهنَّ ذميلُ
ولم نُلقِ رَحْلَينا معًا بتَنوفةٍ ولم نرمِ جَوزَ اللَّيل حين يَميلُ
[ ١ / ١٢٢ ]
قُتَيْلة بنت النَّضر بن الحارث بن كلدة بن عبد الدَّار بن قصيّ، وكان النَّضر لعنه الله من المستهزئين برسول الله ﷺ فأُسر يوم بدر كافرًا، فضرب النَّبيّ ﷺ عنقه صبرًا بالصفراء في طريق بدر إلى المدينة، وكانت ابنته قُتيلة من أحسن نساء العرب وأفصحهنَّ، وكان النَّبيّ ﷺ أراد أن يتزوَّجها حتَّى كان من أمر أبيها ما كان، فكتبتْ إلى النَّبيّ ﷺ:
يا راكبًا إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّة من صُبح خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ
أبلغْ به مَيتًا بأن تحِيَّة ما إن تزالُ بها الرَّكائبُ تخفقُ
منِّي إليك وعَبرةً مسفوحةً جادتْ بَوادرُها وأُخرى تخنُقُ
هل يسمعنَّ النَّضرُ إنْ نادَيتَهُ بلْ كيفَ يسمعُ مَيِّتٌ لا ينطقُ
ظلَّتْ سيوفُ بني أبيه تَنوشُهُ للهِ أرحامٌ هناك تُشقَّقُ
قسرًا يُساقُ إلى المنيَّة مُتعبًا رَتَكَ المقيَّدِ وهْو عانٍ مُوثقُ
أمحمَّدٌ ها أنتَ صِنْوُ نَجيبةٍ في قومها والفحلُ فحلٌ مُعرِقُ
ما كانَ ضرَّك لو مَنَنْتَ فربَّما منَّ الفتَى وهو المَغيظُ المُحنَقُ
فلمَّا اتَّصل شِعرها بالنَّبيّ ﷺ قال: لو كانَ اتَّصل بي قبلُ لمننتُ عليه.
المرّار الفقعسيّ:
ألا نوَّهَ الدَّاعي بعمرٍو فأسمَعَا ونادَى خبيرٌ منك يا عمرو أفظَعَا
فقلتُ ألمَّا اسْتُكملتْ خَيراتُهُ وبَرَّز حانَتْه المنايا فودَّعا
مضَى عنِّي به كلُّ لذَّةٍ تَقَرُّ بها عينايَ فانْقطعا مَعا
شهدتُ على أرضٍ بها حفَروا له بِطيبِ الصَّعيد نكهةً وتَضوُّعا
وما دنِسَ الثَّوبُ الَّذي زوَّدُوكَهُ وإنْ خانهُ رَيبُ البِلَى فتقطَّعا
وطابَ ثرًى أصبحتَ فيه وإنَّما يطيبُ إذا كانَ الثَّرى لك مضجَعا
دَفَعنا بك الأيَّامَ حتَّى إذا أتتْ إليك المنايا لم نجِد عنك مَدفَعا
معروف بن مالك النَّهشليّ:
[ ١ / ١٢٣ ]
سأبْكيك ما فاضتْ دُموعي وإنْ تغِضْ فحسبك منِّي ما تُجنُّ الجوانحُ
كأنْ لم يمتْ حيٌّ سِواك ولم تقُمْ على أحدٍ إلاَّ عليكَ النَّوائحُ
لئن حسُنتْ فيك المَراثي وذِكرُها لقد حسُنتْ من قبلُ فيك المدائحُ
فما أنا من رُزءٍ وإنْ جلَّ جازعٌ ولا في سُرور بعد موتك فارحُ
كعب الغنويّ يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمك شاحبًا كأنَّك يحميك الشَّرابُ طَبيبُ
أتَى دون حُلوِ العيش حتَّى أمَرَّهُ نُكوبٌ على آثارهنَّ نُكوبُ
أخو شَتَواتٍ يعلمُ الضَّيفُ أنَّه سيكثُرُ ما في قِدره ويَطيبُ
إذا ما تراءاهُ الرِّجالُ تحفَّظُوا فلم تنطقِ العوراءُ وهْوَ قريبُ
فتًى لا يُبالي أن يكونَ بجسمه إذا نالَ خَلاَّتِ الكرام شُحوبُ
وحدَّثْتُماني أنَّما الموتُ في القُرَى فكيف وهذِي هَضبةٌ وكَثيبُ
وماءُ سماءٍ ليس فيه مَحَمَّةٌ ببرِّيَّةٍ تجري عليهِ جنوبُ
وإنِّي لَباكيهِ وإنِّي لَصادقٌ عليهِ وبعضُ القائلينَ كَذوبُ
لعمرُكُما إنَّ البعيد الَّذي مضَى وإنَّ الَّذي يأتِي غدًا لقريبُ
أما قوله: " إذا ما تراءاهُ الرِّجال " البيت فقريب من قول مُهلهل:
نُبِّئتُ أنَّ النَّارَ بعدك أُوقدتْ واسْتَبَّ بعدك يا كُليبُ المجلسُ
وتَفاوَضوا في أمرِ كلّ نقيصةٍ لو كنتَ شاهدَ أمرِهم لم ينْبِسوا
وأمَّا قوله: " وحدَّثتماني " البيت والبيت الَّذي بعده فمثل قول أبي ذُؤيب:
يقولونَ لي لو كانَ بالرَّملِ لم يمتْ نُبَيْشةُ والطُرَّاق يكذِب قيلُها
ولو أنَّني أودعتُهُ الجوَّ لارْتَقتْ إليه المنايا عينُها أو رسولُها
على حين ساواهُ الشَّبابُ وقاربتْ خُطايَ وخِلتُ الأرضَ وعْرًا سُهولُها
أوس بن حجر، وكان الأصمعي والمفضّل الضَّبّيّ وأكثر الرُّواة يقولون إنَّه لم يبتدئ أحدٌ من الشعراء ابتداء مرثية أحسن من ابتداء هذا الشِّعر، وهو:
أيَّتُها النَّفسُ أجمِلي جزعا إنَّ الَّذي تحذَرين قد وقَعا
[ ١ / ١٢٤ ]
ألا لمِّعِي الَّذي يَظنّ لك الظَّ نَّ كأن قد رأَى وقد سمِعَا
والحافظ النَّاسَ في المُحول إذا لم يُرسِلوا خلفَ عائذٍ رُبعا
وهبَّتِ الشَّمألُ البَليلُ وقد أمسَى ضجيعُ الفتاة مُلتَفِعا
عامَ تُرَى الكاعبُ المنَعَّمةُ ال حسناءُ في زادِ أهلِها سَبُعا
ليبككَ الضَّيفُ والمجالسُ وال فِتيا طرًّا وطامعٌ طَمِعا
والحيُّ إذْ حاذَروا الصَّباحَ وقد خافوا مُغارًا وآنَسوا فَزَعا
والتحمَتْ حَلْقتا البِطان على ال قومِ وجاشتْ نفوسُهم جَزَعا
كثيِّر:
تاللهِ أنسَى مصيبتي أبدًا إن أسْمعتْني حَنينَها الإبِلُ
لم يعلمِ النَّعشُ ما عليه من ال جُود ولا الحاملونَ ما حَمَلوا
حتَّى أجَنُّوهُ في ضريحهمُ حيثُ انتهَى من خليلك الأمَلُ
أما قوله: " لم يعلم النَّعش ما عليه " البيت، فأخذه ابن ميَّادة في قوله:
ما دَرَى نعشُهُ ولا حاملوه ما على النَّعشِ من عَفاف وجُود
حُميد بن ثور:
لقد غادرَ الموتُ قبل الصَّفا وبعد المُشقَّر قدرًا جليلا
كثيرًا حلاوةُ أخلاقِهِ شديدَ المَرارة صَعبًا ذَلولا
خذلتَ الوليَّ لِكأس الحِمامِ ولم تكُ يا بْن عُمَيرٍ خذولا
وأيَّمتَ منَّا الَّتي لم تلدْ كيُتْمِ بَنيك وكنتَ الخليلا
وكنتَ لنا جَبَلًا مَعْقِلًا وعند المَقامة بُرْدًا جميلا
وتَغْدِي بمالِك أموالَنا فلا يحسبُ النَّاسُ فينا بخيلا
مطر بن جبير العجليّ:
أقلِّي من التِّبْكاءِ يا أُمَّ مالكٍ عليك فإنَّ الدَّهرَ جَمٌّ غوائلهْ
لقد رحلَ الحيُّ المُقيمُ وخلَّفوا فتًى لم يكنْ يَبدأْ به من يُنازلهْ
ولم يكُ يخشَى الجارُ منه إذا دَنا أذاهُ ولا يخشَى الحَريمةَ سائلهْ
وقد كانَ عبد الله ذا أرْيَحِيَّةٍ إذا اهتزَّ للخير الَّذي هو فاعلهْ
ولو أنَّني قدَّرتُ يومَ حِمامه لقاتلْتُ عنه لو أرَى من يُقاتلهْ
سَلَمة بن مالك الجعفيّ:
[ ١ / ١٢٥ ]
أقولُ لنفسِي في الخَلاءِ ألومُها لكِ الويلُ ما هذا التَّجلُّدُ والصَّبرُ
أما تفهمينَ الخُبرَ أنْ لستُ لاقِيا عِرارًا وقد واراهُ من دونيَ القبرُ
وكنتُ أعدُّ بَينهُ بعضَ ليلةٍ فكيف ببينٍ دون ميعادهِ الحشرُ
وهوَّنَ وَجْدي أنَّني سوف أغتَدِي على إثرهِ يومًا وإنْ طالَ بِي العُمرُ
فلا يُبعِدَنْك اللهُ إمَّا تَركتنا حميدًا وأودَى بعدك الخوفُ والبِشرُ
فتًى كانَ يُعطي السَّيفَ في الرَّوع حقَّهُ إذا ثوَّبَ الدَّاعِي وتشقَى به الجُزرُ
فتًى كانَ يُدنيهِ الغِنَى من صديقهِ إذا ما هو استغْنَى ويُبعدُهُ الفقرُ
فنِعم مُناخُ الحيّ كانَ إذا انبرتْ شَمالٌ وأمستْ لا يُعرِّجُها سِترُ
ومأوَى اليتامَى المُمْحِلين إذا انْتَهوا إلى بابهِ شُعثًا وقد قحَطَ القطرُ
وقال:
سقر اللهُ قبرًا لستُ زائرَ أهلهِ ببِيشةَ إمَّا أدركتْهُ المَقابرُ
تضمَّن خِرقًا كالهلال ولم يكنْ بأوَّل خِرقٍ ضُمِّنتهُ المقابرُ
كأنِّي غداةَ اسْتَعْلَنوا بنَعيِّه على النَّعشِ يهفُو بين جَنبَيَّ طائرُ
هشام بن عُقبة أخو ذي الرُّمَّة:
نعَى الرَّكبُ أوفَى حينَ آبتْ رِكابُهم لعمري لقد جاءوا بشرٍّ فأوجَعوا
نَعَوا باسقَ الأخلاق لا يخلفونَهُ تكادُ الجبالُ الصمُّ منه تصدَّعُ
تعزَّيتُ عن أوفَى بغَيلانَ بعدَه عَزاءً وجفنُ العين مَلآن مُترعُ
ولم يُنسني أوفَى المُصيباتُ بعدَه ولكنَّ نَكْأَ القَرح بالقَرح أوجعُ
عجز هذا البيت من المعاني الجياد والأمثال السَّائرة وما نعرف له نظيرًا فنورده.
[ ١ / ١٢٦ ]
لمَّا فرغ خالد بن الوليد من قتال طليحة بن خويلد الأسديّ ومن كان معه، مضى إلى أرض بني تميم لقتال من ارتدَّ بها من العرب، فلمَّا صار بمكانٍ يقال له البطاح من أرضهم ألفَى به بني يربوع وعليهم مالك بن نويرة اليربوعيّ فقتله في جماعة من قومه، ويقال أنَّ خالدًا قتل مالكًا ومن معه وهم مسلمون وذلك أنَّ أبا بكر ﵁ قدم إلى خالد ومن معه من المسلمين إذا نزلوا بحيّ من أحياء العرب أمهلوهم إلى وقت الصلاة فإن رأَوهم يصلُّون وإلاَّ قاتلوهم، فيقال إنَّ أصحاب خالد وافوا بني يربوع وقت الفجر، فأذَّن مؤذّنهم وأذَّن مؤذّن الآخرين سواء فأتوا جميعًا الصلاة، إلاَّ أنَّ خالدًا قتلهم أجمعين. ويقال إنَّ خالدًا لمَّا أمر بضرب عنق مالك التفت وهو يُقاد إلى القتل، فنظر إلى امرأته وهي أجمل نساء العرب وهي تبكي مسفرةً عن وجهها، فقال لها: أنت والله قتلتني بهذا الجمال، لأنَّ خالدًا لمَّا نظر إليك وقعتِ بقلبه فأمر بقتلي. ويقال إنَّه لما قتله أخذ رأسه فجعله أثْفِيَّةً للقِدر وجعل وجهه مما يلي النَّار، فنظرت إليه على تلك الحال امرأة من قومه فقالت: اصرفوا وجهه عن النَّار فإنَّه والله كان غضيض الطَّرف عن الجارات، حديد النَّظر في الغارات، لا يشبع ليلة يُضاف، ولا ينام ليلة يخاف. ولمَّا قتله خالدٌ تزوَّج امرأته، وكان مالك من فرسان العرب وفتيانهم، وأكثر فيه أخوه متمِّم من المراثي. ويقال إنَّه قدم المدينة بعد قتل أخيه متظلِّمًا، فاستنشده المسلمون شعرَه في أخيه، فأقبل ينشدهم وهو يبكي، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: سألتك الله، يا متمِّم، هل كان أخوك على ما تصفه في شعرك؟ قال: اللهم نعم، إلاَّ أني قلت في بعض ذلك: " فتًى غيرَ مِبطان العشيَّات أروَعا " وقد كانت له بطنٌ حادرةٌ، ويقال إنَّه سئل عن أخيه وجَلده فقال: كان يركب الجمل الثَّفالَ بين المزادتين النَّضوحَين في اللَّيلة القَرَّة ويعتقل الرُّمح الخطل ويجنِّب
[ ١ / ١٢٧ ]
الفرس الجرور وعليه الشَّملة الفَلوت ثمَّ يصبح ضاحكًا طلق الوجه، وسئل مرَّةً أخرى فقيل له: أين كان مالك منك؟ فقال: ساعةٌ واحدة - والله - من مالك مثل حولٍ منِّي مجرَّمٍ، قيل: وكيف ذاك؟ قال: أُسرت في بعض أحياء العرب فأقمتُ حولًا مجموعةً يدايَ إلى عنقي، فلمَّا كان في الشَّهر الحرام جاء مالك لفدائي، فلمَّا أشرف على الحيّ ونظروا إلى جماله لم يبقَ فيهم قاعدٌ إلاَّ قام ولا ذات خِدرٍ إلاَّ كشفت سِجفَ خِدرها لتنظر إليه، فلمَّا كلَّمهم وسمعوا فصاحته وبيانه أطلقوني له بغير فداء فعلمتُ أنَّ ساعةً منه خيرٌ من حول منِّي. وكان متمِّمٌ أعور فيُروى أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب قال له: يا متمِّم! ما بلغ من حزنك على مالك؟ فقال: بكيتُ عليه بعيني الصحيحة حتَّى أسعدتها بالبكاء عيني العوراء، فقال أمير المؤمنين: هذا نهاية الحزن. ومراثي متمِّم في مالك كثيرة إلاَّ أنَّا نورد ما نختار من بعضها، فمن ذلك قصيدته المشهورة وأوّلها:
لعمري وما عَمري بتأبين مالكٍ ولا جزعًا ممَّا أصابَ فأوجَعا
لقد غيَّبَ المِنهال تحت ردائهِ فتًى غيرَ مِبطان العشيَّاتِ أروعا
لبيبًا أنارَ اللُّبَّ منه سماحةً خَصيبًا إذا ما راكبُ الجَدب أمْرَعا
تَراهُ كمثل السَّيف يندَى بَنانهُ إذا لم تجدْ عند امرئ السَّوء مطمَحا
ويومًا إذا ما كظَّك الخصمُ إنْ يكنْ نَصيرَك فيه لا تكنْ أنتَ أضْرَعَا
أبَى الصَّبرَ آياتٌ أراها وأنَّني أرَى كلَّ حَبلٍ بعد حبلك أقطَعا
أقول وقد طارَ السَّنا في رَبابه بجَونٍ يَسُحُّ الماءَ حتَّى تَريَّعا
سقَى اللهُ أرضًا حلَّها قبرُ مالكٍ ذهابَ الغَوادي المُدجِنات فأمْرعا
لَعِشنا بخَير في الحياة وقبلَنا أصابَ المنايا رهطَ كسرَى وتُبَّعا
وكنَّا كنَدمانَي جَذيمةَ حِقبةً من الدَّهر حتَّى قيلَ لن يتصدَّعا
فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكًا لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً مَعَا
[ ١ / ١٢٨ ]
تقولُ ابنةُ العَمْريّ مالَكَ بعدَنا أراكَ قديمًا ناعمَ البالِ أفرَعَا
قَعيدَكِ ألاَّ تُسمعيني مَلامةً ولا تَنْكَئي قرحَ الفؤاد فييجَعَا
بحسبك أنِّي قد جهدتُ فلم أجدْ بكفِّي عنهُ للمنيَّة مدفَعَا
فما وجْدُ أظْآرٍ ثلاثٍ روائمٍ رأينَ مَجَرّا من حُوارٍ ومصرَعَا
ولا شارِفٍ جَشَّاء رِيعت فرجَّعتْ حَنينًا فأبكَى شجوُها البَرْكَ أجمَعَا
بأوجَدَ منِّي يومَ فارقتُ مالكًا ونادَى بهِ الموتُ الحثيثُ فأسمَعَا
فإنْ يكُ حُزنٌ أو تتابُعُ عَبرةٍ أذابتْ عَبيطًا من دمِ الجوف مُنقَعَا
تجرَّعتُها في مالكٍ واحْتَسَيْتُها لأعظمَ منها ما احْتَسَى وتجرَّعَا
وكان الَّذي قتل مالكًا رجلٌ يعرف بابن الأزور وفيه يقول متمّم:
نِعم القتيلُ إذا الرِّياحُ تناوحتْ خلفَ البُيوت قتيلُك ابنَ الأزورِ
أدَعَوتَهُ بالله ثمَّ غَدَرتَهُ لو هُو دعاكَ بذمَّةٍ لم يغدِرِ
لا يُضمرُ الفحشاءَ تحتَ ثيابه حلوٌ شمائلُهُ عفيفُ المَيْزَرِ
فلَنِعم حشوُ الدِّرع كنتَ وحاسرًا ولَنِعم مأوَى الطارق المتنوِّرِ
سمحٌ بأذناب المخَاض إذا شَتَا طلقٌ حلالُ المال عير عَذَوَّرِ
وله من أُخرى:
ولو شئتُ بالله الَّذي نزَّلَ الهُدَى حَلَفتُ وبالأدْم المجلَّلَة الهُدْلِ
لئن مالكٌ خلَّى عليَّ مكانَهُ لنِعمَ فتَى العَزّاء والزَّمن المحْلِ
شديدٌ على الأعداءِ سهلٌ جَنابُهُ لمنْ يَجتدِي معروفَهُ غير ذي دخْلِ
كريم الثَّنا حُلْو الشَّمائل ماجدٌ صَبورٌ على العَزَّاء مُشترَكُ الرَّحْلِ
حليمٌ إذا القومُ الكرامُ تَنازَعوا فحُلَّتْ حُباهم واسُخِفُّوا من الجهْلِ
وإنْ كانتِ الظَّلماءُ سِترًا لبعضهم بدَا وجهُهُ في غير فُحش ولا بخْلِ
أخو ثقة لا يعتَري الذَّمُّ نارَهُ إذا أُوقدتْ بين الرَّكائب والرَّحْلِ
وكلُّ امرئٍ في النَّاس بعد ابنَ أُمِّه كساقطةٍ إحدَى يَدَيه من الخبْلِ
[ ١ / ١٢٩ ]
وبعضُ الرِّجال نخلة لا جَنَى لها ولا ظلَّ إلاَّ أن تُعَدَّ من النَّخْلِ
وله من أُخرى:
حَلَفتُ بربّ الرَّاقصات عشيَّةً وحيث تُناخ البُدْنُ دافَعها العقلُ
لئن فاتَني ريبُ الزَّمان بمالك وقد كملتْ فيه المروءةُ والعقلُ
ففاتَ ولو قيل الفِداءُ فديتُهُ وما عزَّ مالٌ عن فِداهُ ولا أهلُ
لنِعم مُناخ الضَّيف إنْ جاءَ طارقًا إذا أخمدَ النِّيرانَ أو حارَدَ المحلُ
ونِعم محلُّ الجار حلَّ بأهله إذا ما بدَا كعبُ المَصونة والحِجْلُ
ونِعم أخو العاني إذا القيدُ عضَّهُ وأسرَعَ في ضاحِي سواعده الغُلُّ
حَييٌّ بَذِيٌّ أيّ ذلك التمستَهُ وذو لبدٍ شَثْنٌ براثنُهُ عَبْلُ
وإن جاءَ طاري اللَّيل يخبِط طارقًا تهلَّلَ معروفٌ خلائقُه جَزْلُ
أخو ثقة لا يَعتري الذَّمُّ نارَهُ إذا لم يكنْ في القومِ شُربٌ ولا أكلُ
ومراثي متمّم في مالك كثيرةٌ جدًّا وإنَّما أتينا منها باليسير اجتنابًا للتطويل.
جرير يرثي امرأته أمّ حَزْرة:
لولا الحياءُ لهاجَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍ هزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مِدرارُ
متراكمٌ زجِلٌ يُضيءُ وميضُهُ كالبُلقِ تحت بطونها الأمهارُ
صلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّروا والمُصطفونَ عليك والأبرارُ
فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ
فعليكِ من صلواتِ ربّك كلَّما ضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا
كانتْ مُكارمةَ العَشير ولم يكنْ يخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جارُ
ولَّهتِ قلبِي إذ عَلَتْني كبرةٌ وذَوو التَّمائمِ من بَنيكِ صغارُ
أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌ عُصَبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ
يا نظرة لك يوم هاجتْ عبرةً مِن أُمّ حَزْرة بالنُّميرةِ دارُ
تُحيي الرَّوامسُ ربعَها فتجدُّهُ بعد البلَى وتُميتُهُ الأمطارُ
[ ١ / ١٣٠ ]
كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدِّلين وبالدِّيار ديارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ
كثيّر في خالد بن عبد الله الأسديّ:
على خالد أصبحتُ أبْكي لخالد وأصدُقُ نفسًا قد أُصيبَ خليلُها
تذكَّرتُ منه بعد أوَّل هجعةٍ مساعيَ لا أدرِي على مَن أُحيلُها
وكنتَ إذا نابتْ قُريشًا ملمَّةٌ وقال رجالٌ سادةٌ مَن يزيلُها
تكون لها لا مُعجَبًا بنجاحها ولا يحمل الأثقالَ إلاَّ حمولُها
فأينَ الَّذي كانتْ معدٌّ تنوبُهُ ويحتملُ الأعباءَ ثمَّ يَعولُها
النابغة الجعديّ:
ألا أبلِغا عَوفًا وصاحبَ رَحله ومن يغوِ لا يعدمْ على الغيِّ لاحِيا
فأيّتما عينٍ بكتْ إنْ هلكْتما فلا رقأتْ حتَّى تموتَ كما هِيا
ولو أنَّ قومي لم تحنى جُدودهم وأحلامُهم أصبحتُ للفتقِ آسِيا
ولكنَّ قومي أصبحوا مثلَ خيبرٍ بها داؤُها ولا تضرُّ الأعادِيا
تلومُ على هلكِ البعير ظَعينتي وكنتُ على لَوم العواذل بازِيا
ألم تعلَمي أنِّي رُزئتُ مُحاربًا فما لكِ منه اليومَ شيءٌ ولا لِيا
فتًى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَهُ على أنَّ فيه ما يسوءُ الأعادِيا
فتًى كمُلتْ أخلاقُهُ غيرَ أنَّه جوادٌ فيما يُبقي من المالِ باقِيا
ومِن قبله ما قد فُجعتُ لعامرٍ وكانَ ابنَ عمِّي والخليلَ المُصافِيا
وما شَكِسُ الأنياب شَثنٌ بنانُهُ من الأسْدِ يَحمي من تِهامةَ وادِيا
إذا ما رأَى قِرنا مُدِلًا هوَى له جرِيئًا على الأقرانِ أغضَفَ ضارِيا
فليس بمسبوقٍ بشيءٍ أرادَهُ وليس بمغلوبٍ وليس مُفادِيا
بأعظمَ منهُ في الرِّجالِ مَهابةً وآخرَ معدوًّا عليه وعادِيا
فلا يُبعدْنكَ اللهُ إنْ كانَ حدثٌ أصابكَ عنَّا نازحَ الدَّار نائِيا
ولكنْ جزاكَ اللهُ حَيّا وهالكا على كلِّ حالٍ خيرَ ما كانَ جازيا
مُرَّة بن عمرو النَّهشلي:
[ ١ / ١٣١ ]
لعمري لئنْ أمسَى يزيد بن نهشلٍ حَشا جَدَثٍ تسفِي عليه الرَّوائحُ
لقد كانَ ممَّن يبسطُ الكفَّ بالنَّدَى إذا ضنَّ بالخير الأكُفُّ الشَّحائحُ
إذا ابتدَرَ البابَ المَهيبَ رأيتَهُ يَدِنُّ جَنابَيه الكهولُ الجحاجحُ
فبعدك أبدَى ذو الضَّغينة ضِغنَهُ وسدَّ ليَ الطَّرفَ العيونُ الكواشحُ
ذكرتُ الَّذي ماتَ النَّدَى عند موتِهِ بعاقبةٍ إذ صالحُ العيش طالحُ
إذِ العيشُ لم يكدَرْ عليَّ ولم يمتْ يزيدُ وإذْ لِي ذو العداوة ناصِحُ
وعافتْ عليَّ النَّومَ عينٌ مريضةٌ إذا أُشربَ النَّومَ العيونُ الصَّحائحُ
إذا جمدتْ عنك العيونُ وحادَرَتْ فيَبكيك من عينيَّ دمعٌ مُسامحُ
إذا أرَقِي أفنَى من اللَّيل ما مضَى تمطَّى به ثِنْيٌ من اللَّيل جانِحُ
ليَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومة ومُستنبحٌ في أوَّل اللَّيل طائِحُ
ولعبد الرَّحمن بن حسَّان الكلابيّ:
كأنَّ العين حين تُريد نَوما طريفٌ أو بفُلْفُلة كَحيلُ
أعاذلَ أقصِري عن بعض لَومي فإنَّ اللَّومَ محمِلُهُ ثقيلُ
وقُولي لا ألومُكَ أو تنحَّى وقد يُعصَى وإن نصحَ العَذولُ
أعاذلَ إنَّ صبْرِي عن عمير لَتَجميلٌ وما ذهبَ الغَليلُ
إذا وطَّنتُ جأشي للتَّعَزِّي أبَى الذِكِراتُ والعينُ الهمولُ
رأينا مَن تقاسمُهُ المنايا يُضامُ ولا يُفاداهُ قَتيلُ
فصبرًا يا عُمَيْرُ فكلُّ قوم سيسلبهُم كريمهمُ السَّبيلُ
وقولِي غيرَ كاذبةٍ رُزئنا فتَى صدقٍ إذا برَدَ الأصيلُ
لأمَّمتُ النَّدَى وطَلَعتَ فيه ثنايا الطَّالعونَ لها قليلُ
وركبٍ قد هوَوْا لك بعد ركبٍ تلفُّهم شآميَّةٌ بَليلُ
تخطَّوْا نحو نارك كلَّ نارٍ ووجهُك والنَّدَى لهمُ دليلُ
إلى رَحب الفِناء نَدٍ نَجيبٍ كأنَّ جبينَهُ سيفٌ صقيلُ
أغرّ تُفرِّجُ الغَمَّاءَ عنه إمامتُهُ الكريمةُ والرَّحيلُ
يزينُ الرَّكبَ حين يكون فيهم ويحمَدُهُ المُرافقُ والخَليلُ
[ ١ / ١٣٢ ]
وقد غلِقَ النَّدَى بلوَى زَرودٍ لقد غالَ ابن عبد الله غُولُ
كأنَّ الأرضَ إذ فقدتْ عميرًا وإنْ جادَ الرَّبيعُ بها مَحولُ
أمَّا قوله: " كأنَّ العين حين تُريد نوما " البيت، فمأخوذ من قول المرقِّش:
وكأنَّ حبَّةَ فلفلٍ في عَينه ما بين مُصبَحها إلى إمْسائها
ومنه أخذ عبد العزيز قوله: " كأنَّ فلفلة كُحِلَ بها مذبوحه.
وأمَّا قوله: " تخطَّوا نحو نارك " البيت، فمنه أخذ النَّمريُّ قوله:
ليلٌ من النَّقع لا شمسٌ ولا قمرُ إلاَّ جبينك والمذروبة الشَّرَعُ
ومثله للأُخيطل:
لا نجمَ إلاَّ البِيضُ وال بَيضاتُ والدَّرَق اللَّوامِعْ
ومثله:
تَبني سنابكُها مِن فوق هامهمُ ليلًا كوكبُهُ البِيضُ المباتيرُ
ومثله لبشَّار:
كأنَّ مُثارَ النَّقع فوق رُؤوسنا وأسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُهْ
ولعبد الرحمن بن حسَّان أيضًا:
يا أُمَّ بشرٍ ثِقي بالله واعْترِفي بالحقِّ إنَّ قضاءَ الله مَبرومُ
وانْعَيْ أباكِ إذا ما قالَ مُختبطٌ أين الكرامُ المَطاعينُ المَطاعيم
مثل السِّنان لطيف البطن لا مرِحٌ إنْ نالَ دُنيا ولا بالزَّاد مَنهومُ
لا يُسلمُ الجارَ والمولَى لعَثْرته ولا يُسالمُ وابنُ العمّ مظلومُ
وله أيضًا:
قالتْ سُلَيْمَى وأبصرتْ عَجَبا مالَكَ نِضْوًا واللُّبُّ مُشترَكُ
فقلتُ بي غُصَّةٌ أُكابدُها أولادُ عوفٍ وعامرٍ هَلَكوا
خَلَّوا فِجاجًا عليَّ فانْحرفتْ لم يستطعْ سدَّهنَّ مَن تَرَكوا
ومن مشهورات المراثي وجِيادها قصيدة أبي ذؤيب الهذليّ يرثي بَنيه ونحن نختارها وأوَّلها:
أمِن المَنون ورَيبها تتوجَّعُ والدَّهرُ ليس بمُعتبٍ مَن يجزَعُ
ولقد أرَى أنَّ البُكاءَ سلامةٌ ولَسَوفَ يولَعُ بالبُكا مَن ييْجَعُ
قالتْ أُميمةُ ما لِجسمك شاحبًا منذُ ابتُذِلْتَ ومثلُ مالِكَ ينفَعُ
أمْ ما لِجسمك لا يُلائمُ مضجعًا إلاَّ أقضَّ عليك ذاكَ المضجَعُ
[ ١ / ١٣٣ ]
فأجبتُها أنْ ما لجسميَ أنَّهُ أودَى بَنِيَّ من البلادِ فودَّعوا
أودَى بنيَّ وأعقَبوني حَسرةً عند الرُّقاد وعَبرةً ما تُقلعُ
فالعينُ بعدهمُ كأنَّ حِداقَها سُملتْ بشوكٍ فهْيَ عُورٌ تدمَعُ
سَبَقوا هوايَ وأعْنَقوا لِهواهُمُ ففقدتهمُ ولكلِّ جنبٍ مصرَعُ
فلبثتُ بعدهمُ بعيش ناصِب وإخالُ أنِّي لاحقٌ مُستتبَعُ
ولقد حَرَصتُ بأن أُدافعَ عنهمُ فإذا المنيَّةُ أقبلتْ لا تُدفَعُ
وإذا المنيَّةُ أنشبتْ أظفارَها ألفيتُ كلَّ تميمةٍ لا تنفَعُ
وتجلُّدي للشَّامتينَ أُريهمُ أنِّي لرَيب الدَّهر لا أتضعضَعُ
حتَّى كأنِّي للحوادثِ مَروةٌ بصفا المُشَقَّر كلَّ يوم تُقرَعُ
والنَّفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنَعُ
والدَّهرُ لا يبقَى على حَدَثانه جَونُ السَّراة له جدائدُ أربَعُ
بقَرار قِيعانٍ سقاها صَيِّفٌ واهٍ فأثْجَمَ بُرهةً لا يُقلِعُ
والدَّهرُ لا يبقَى على حَدَثانه شَبَبٌ أفَزَّتْهُ الكلابُ مُفزَّعُ
حَمِيتْ عليه الدِّرعُ حتَّى وجهُهُ من حرِّها يومَ الكريهةِ أسفَعُ
بَينا تَعنُّقِهِ الكُماةَ وخُدعةٍ منه أُتيحَ له جَريءٌ سَلْفَعُ
فتنادَيا وتواقفتْ خَيلاهُما وكِلاهما بطلُ اللِّقاءِ مخدَّعُ
متحاميَين المجدَ كلٌّ واثق ببلائِهِ واليوم يومٌ أشنَعُ
وعليهما مَسرودَتانِ قَضاهما داوُدُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
وكلاهما في كفِّهِ يَزَنيَّةٌ فيها سنانٌ كالمَنارة يلمَعُ
وكلاهما متوشِّحٌ ذا رونقٍ عَضْبًا إذا مسَّ الضَّريبة يقطَعُ
فتخالَسَا نفسَيْهما بنوافذٍ كنوافذِ الخرق الَّتي لا تُرقعُ
وكلاهما قد عاشَ عيشَةَ ماجدٍ وجنَى العلاءَ لَوَ انَّ شيئًا ينفَعُ
ومن المراثي الجِياد قصيدة زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلَّب، فاستنشده المهلَّب هذه القصيدة حتَّى أتى على قوله:
[ ١ / ١٣٤ ]
فإذا مررتَ بقبره فاعْقِرْ بِهِ كُومَ الهِجان وكلَّ طرفٍ سابِحِ
فقال له المهلَّب: فهل عقرتَ عليه، يا أبا أُمامة، فرسك؟ قال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: لأنِّي كنت على مُقْرِف ولو كنتُ على عتيق لفعلت، فاستحسن المهلَّب قوله وقال لمن حضر مجلسه من ولده ومواليه: ليُهد كلُّ واحدٍ منكم إلى زياد فرسًا من خيله، فيقال إنَّه انصرف بأكثر من مائة فرس، وأوَّل هذه القصيدة المختارُ منها قوله:
قلْ للقوافلِ والغُزاة إذا غَزَوا والباكِرين وللمُجِدّ الرَّائحِ
إنَّ السماحةَ والمُغيرةَ ضُمِّنا قبرًا بمروَ على الطَّريقِ الواضحِ
فإذا مررتَ بقبرِهِ فاعْقِرْ بِهِ كُومَ الهِجان وكلَّ طرفٍ سابِحِ
وانْضَحْ جوانبَ قبرهِ بدِمائها فلقد يكون أخا ندًى وذبائحِ
وإذا يُناحُ على فتًى فتعلَّمَنْ أنَّ المغيرةَ فوق نَوح النَّائحِ
وأرَى المكارمَ يوم زِيلَ بنَعْشه زالتْ بفضلِ مكارمٍ ومَمادحِ
فكفَى لنا حَزَنًا ببيتٍ حَلَّهُ أُخرى الزَّمان فليس عنه ببارحِ
لعَفَتْ منابِرُهُ وحُطّ سُروجُهُ عن كلِّ طامحةٍ وطِرْفٍ طامِحِ
ماتَ المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ للموتِ بين أسنَّةٍ وصفائحِ
والقتلُ ليس إلى القتالِ ولا أرَى حَيًّا يؤخِّرُ للشَّفيق النَّاصِحِ
للهِ درُّ منِّيَّةٍ فاتتْ بهِ فلقد أراهُ يردُّ غَرْب الجامحِ
الآنَ لمَّا كنتَ أكملَ مَن مَشَى وافترَّ نابُكَ عن شَباة القارحِ
وتكامَلَتْ فيك المروءةُ كلّها وأعنْتَ ذلك بالفَعال الصَّالحِ
فانْعَ المغيرةَ للمُغيرة إذ بدتْ شَعواءَ مُجْحِرةً نُباحَ النَّابحِ
صفَّانِ مختلفانِ حين تلاقَيا آبُوا بوجْه مُطلِّق أو ناكحِ
تَشفي بحِلْمك لابْن عمِّك جهلَهُ وتَرُدُّ عنه كفاحَ كلّ مُكافحِ
وإذا الأُمورُ على الرِّجالِ تشابَهَتْ وتُوُزِّعتْ بمغالقٍ ومَفاتحِ
فتَلَ السَّحيلُ بمبْرَمٍ ذي مِرَّة دون الرِّجال بفضل عقلٍ راجحِ
[ ١ / ١٣٥ ]
صِلٌّ يموتُ سليمُهُ قبل الرُّقَى ومُخاتِل لعدوّه بتصافُحِ
إنَّ المَهالبَ لا يزالُ لهم فتًى يمرِي قوادمَ كلّ حربٍ لاقحِ
ملكٌ أغرُّ متوَّجٌ يَسمو لهُ طرفُ الصَّديق وغُضَّ طرفُ الكاشحِ
رفَّاعُ ألوية الحروبِ إلى العِدَى بسُعود طيرِ سوانحٍ وبَوارحِ
أمَّا قوله: " فإذا مررتَ " البيتين، فكثير جدًّا وقد ذكرنا شيئًا منه، ومن مليح ما لم نذكره قول ابن الرومي يرثي بستان المغنّية:
إنَّ ثرًى ضمَّها لأفضلُ مَح جوج لصبٍّ وخيرُ مُعتَمَرِ
أقسمتُ بالدَّلِّ من مَلاحتها وحسنِ ذاك السُّجُوِّ والحَوَرِ
لو عُقرتْ حول قبرها بَقَرُ ال إنسِ مكانَ القِلاص والجَزَرِ
وانْتُحِرتْ في قبابها بُهُمُ ال حرب وصِيدُ المُلوك من مُضرِ
يقول فيها:
بستانُ أُسقيتِ من مدامِعِنا لا مِن سَواري الغُيوث والمطرِ
بلْ حَقُّ سُقياكِ أنْ تكون من الصَّ هباء حِمصَ أو جَدَرِ
بل من رحيق الجِنان يُختمُ بال مِسكِ سُلافًا به بلا عَكَرِ
بل منْ نَجيع القلوب يُمزَجُ بال عَطف وصَفو الوِداد لا الكَدَرِ
ما أحسن ما أتى ابنُ الرُّومي بهذين المعنيين إذ كانت مرثيته هذه لمُغنِّية وليست في شجاع ولا كريم فيذكر فيها من المعنى المتقدّم الَّذي كنَّا في ذكره، كما يُذكر في أمثالهما.
وأمَّا قول زياد: " لعفت منابره " البيت، فإليه نظر البحتريّ بقوله في مرثية أبي سعيد:
حُطَّتْ سروجُ أبي سعيدٍ واغْتَدتْ أسيافُهُ دون العدوِّ تُشامُ
وأمَّا قوله: " صفَّان مختلفان " البيت، فمعنى غريب وما نعرف له نظيرًا في تمامه وزيادته لأنَّه ذكر أنَّ هذين الصَّفَّين لمَّا تلاقيا قُتل بعضهم فطُلِّقت نساء المقتولين ونكح آخرون، أراد أنَّهم سَبَوا نساءً فنكحوهنّ، وقد أتينا بقطعة صالحة من المراثي فيها مَقنع لما أردناه.
ونذكر ههنا أشباه لها نظائر إلاَّ أنَّها غريبة قليلة، فمن ذلك قول زياد الأعجم:
[ ١ / ١٣٦ ]
لقد لجَّ هذا الدَّهرُ في نَكَباته عليَّ إلى أنْ ليسَ في الكِيسِ درهمُ
وأمستْ جَواليقي برغم ظعينَتي رِهانًا على ما في الجَواليقِ يعكَمُ
وأعظم مِن ذا أنَّ شِعريَ مُعربٌ فصيحٌ وأنِّي حين أنطِقُ أعْجمُ
المعنى الَّذي في البيت الأوسط من هذه الأبيات غريب قليل في الشِّعر وما نعرف أحدًا من الشعراء المتقدمين والمحدثين أتى به إلاَّ زيادٌ وأخذ منه ابن زرعة الكنانيّ فقال:
وسُفرتي في السُّوق مَرهونة على الَّذي يُؤكَلُ في السُّفره
عمرو بن برّاقة الهَمْدانيّ:
غَبرتْ خَيلُنا نُقاسمُها القُو تَ ولمْ يُبقِ حاصدُ المَحْل عُودا
شتوةً تُوسعُ الجِمالُ لها الرِّسْ لَ ونَسقي عِيالَنا تَصريدا
ذاكَ حتَّى إذا الرَّبيعُ نفَى الأز مةَ قُدْنا بها شياطينَ قُودا
حبَّذا هنَّ مَتجرًا رَبَحَ الصَّفْ قَةِ تَحوي الغِنَى وتَشفي الحُقودا
وهذا المعنى أيضًا قليل، ومن أجود ما نعرف فيه بعد هذه الأبيات قول طُفيل الغَنويّ:
نُولِّيها الصَّريحَ إذا شَتَونا على عِلاَّتنا ونَلِي السَّمارا
رجاءً أنْ تؤدِّيَهُ إلينا من الأعداءِ غَصْبًا واقْتِسارا
الأوَّل أجود لأنَّ الثاني جعله " رجاءً " والأوَّل جعله حقًّا وبيَّن عنه فقال: " بكلّ قَعب لبنٍ قعودُ " والشيء إذا كان من جنسه كان أحذق لقائله، وهو يشبه قول أبي تمَّام:
رَقاحِيُّ حربٍ طالَ ما انقلبتْ لهُ قَساطلُ يوم الرَّوع وهْيَ سَبائكُ
ومثله قول البحتريّ:
فلا تَسألوها عن قديم تُراثها فعَسجدُها ممَّا أفادَ حَديدُها
وشبيه بهذا وإن لم يكن هو بعينه قول الآخر:
شكرتْ جِيادُك منك حُسنَ مَقيلها في الصَّيف بين بَراقعٍ وجِلالِ
فَجَزتكَ صبرًا في الوَغَى حتَّى انثنتْ جَرْحَى الصُّدور سليمةَ الأكفالِ
لم نُرد بهذين البيتين سلامة الأعجاز وجِراحات الصُّدور، وأن ذلك مدحٌ للفارس، ولو أردنا ذلك لجئنا ببيت صالح الدَّيلميّ ونظائره، وهو:
[ ١ / ١٣٧ ]
كم قدَّ في الرَّوع للأعداءِ من ثُغَر وكم له قدَّتِ الأعداءُ من لَبَبِ
وإنَّما أردنا صبرَ الخيل ومكافأتها على الإحسان إليها.
أبو حيَّة النُّميريّ:
إذا أنتَ رافقتَ الحُتاتَ بن جابر فقلْ في رفيقٍ غائبٍ وهْوَ شاهِدُ
أصمّ إذا ناديتَ جَهلًا وإنْ تَسِرْ فأعمَى وإنْ تَفعلْ جميلًا فجاحِدُ
أواني وإيَّاهُ الطَّريقُ عشيَّةً يهابُ سُراها الأحْمَسيُّ المُعاوِدُ
فأُقسمُ بَرًّا أنَّ لولا خيالُهُ لما كنتُ إلاَّ مثل من هو واحدُ
هذا مليح وهو أيضًا قليل للمتقدّمين وقد ذكره قومٌ من المحدثين، فمنهم الَّذي يقول:
خرجنا جميعًا إلى نُزهة وفينا زيادٌ أبو صَعْصَعَهْ
فسِتَّةُ رهطٍ به خمسةٌ وخمسةُ رهطٍ به أربَعَهْ
مثله:
عندي جُعلتُ لك الفِدَى سهلٌ وسهلٌ ليس عندِي
إن لم يكنْ لي ثانيًا فكأنَّني في البيتِ وَحْدِي
مثله لآخر:
وصاحبٍ أصبحَ مِن بَرْدِهِ كالماءِ في كانونَ أو في شُباطْ
نادَمتُهُ يومًا فألفَيْتُهُ متَّصل الصَّمت قليلَ النَّشاطْ
حتَّى لقد أوهَمَني أنَّه بعضُ التَّماثيل الَّتي في البِساطْ
وهذا المعنى قريب من قول الخليل بن أحمد:
فهُمْ كثيرٌ بِي وأعْ لمْ أنَّني بِهِمُ قليل
[ ١ / ١٣٨ ]
قد اخترنا في هذا الكتاب من أشعار العرب وبديع معانيهم وطريف استعاراتهم وتشبيهاتهم ما وقع في جملة من الورق كثيرة، وضمَّته عدة أجزاء، ولو أردنا أضعاف ذلك لمَا تعذَّر علينا ولكُنَّا نقوم به إلاَّ أنَّا مِلنا إلى الاختصار وتجنَّبنا الإكثار، وفيما ذكرنا من ذلك مَقنع وبلاغ ودلالة على فضل المتقدمين. وجميع ما أثبتناه فاختيار من أشعارهم المشهورة والمجهولة وما لنا إلاَّ الجمع والتَّأليف، ولعلَّ غيرنا ممَّن يقرأ هذا الكتاب يُرذل شيئًا ممَّا اخترناه ويهجِّن شيئًا نقلناه، وهذا غير مزرٍ بنا ولا ناقصٍ لنا، لأنَّ لكلّ إنسان اختيارًا، ولعلَّ آخر ممَّن يتصفَّحه يعرف النَّظير لشيء ممَّا ذكرناه وهو لا يعرف غيره فيشنِّع علينا ويقول: تركوا نظائر، ولن نشرط أنَّا نأتي بجميع النظائر ولعلَّنا أعرفُ بما خرَّجه الرَّازي علينا منه إلاَّ أنَّا تركناه لمعنًى، ويجوز أن لا نعرفه لأنَّا لم نُحط بجميع العلم والشِّعر أكثر ممَّا يُحصى، والغرض الَّذي ذكرناه وأوردنا من التَّنبيه على محاسنهم فقد بلغناه والآن نبدأ بعون الله وحسن توفيقه في اختيار أشعار المحدثين وغريب معانيهم وحسن استعاراتهم بعد هذا الكتاب ليشتمل الكتابان على الفنَّين من الشِّعر القديم والمحدث، ونرجو أن يقع هذا الكتاب الآخر موقع الكتاب الأوَّل من قلب من صنَّفناه من أجله - أيَّده الله - إن شاء الله تعالى، والحمد لله وصلَّى الله على محمد نبيِّه الكريم وعلى آله وسلَّم تسليمًا وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ١٣٩ ]
تم الكتاب.
كتبه العبد الفقير إلى رحمة الله مَودود بن أبي الفضل الكرديّ، حامدًا لله على نعمه ومصلِّيًا على محمد نبيِّه الكريم وعلى آله، وافق الفراغ منه يوم الثلاثاء سابع ذي القعدة من سنة ثلاث وستمائة.
[ ١ / ١٤٠ ]