قال الشاعر:
تدعُو الضَّروراتُ في الأمورِ إلى ركوبِ مَا لا يليقُ بالأدبِ
ما حاملٌ نفسَهُ علَى سببٍ إلاَّ لأمرٍ يكونُ في السَّببِ
وحَيرةُ المرءِ عندَ محنتِه تدعُو إلى أنْ يُلِحَّ في الطَّلَبْ
فاعذرْ علَى ما تراهُ من خُلقي فالذَّنْبُ ذنبُ الزَّمَانِ والنُّوَبِ
وقال أبو الفتح البستي الكاتب:
يا مَن أعادَ رَميمَ الملكِ مَنشورا وضمَّ بالرَّأيِ أمرًا كانَ مَنشورا
لا زالَ قاليكَ للزوَّارِ منشورا وصدرُ قاليكَ بالمنشارِ منشورا
أنتَ الوزيرُ وإنْ لم تُؤتَ منشورا والملكُ بعدَكَ إنْ لم يُؤتمن شُورَى
وقال أبو منصور الثعالبي الكاتب:
[ ٣٩ ]
لا تنكِرَنَّ إذا أرسلتُ نحوَكَ مِن علومكَ الغُرِّ أوْ آدابكَ الظُّرفَا
فقَيِّمُ الباغِ قد يهدِي لمالكِهِ برسْمِ خِدمتِهِ من باغِه التُّحَفَا
وقال أيضًا:
جَمالُ معيشةِ المثْرِي جمالٌ تُدمنُ الحَرَكَهْ
إذا برَكَتْ علَى نابٍ أناخَتْ لحولَهَا البَرَكَهْ
وقال آخر:
إذا شئتَ أنْ تَقتاسَ أمرَ قبيلةٍ وأحلامَهَا فانظُرْ إلى مَنْ يسودُها
تراهَا إذا كانتْ عزائمُ أمرِهَا إلى خيرِها صلْبًا علَى البَرْي عودُها
وقال آخر:
عرفْنَا الجودَ منكَ وما عَرضْنَا لسخلٍ بعدُ منكَ ولا ذَنُوبِ
ولكنْ دارةُ القَمَرِ استدارتْ فدلَّتْنا علَى مَطَرٍ قَريبِ
آخر لأبي جعفر البحَّاث:
ومُلكُ بني سَامان كفٌّ قويَّةٌ ورأْيُ بني جَيْهانَ فيها الأصابعُ
وقال الشمَّاخ بن ضرار:
رأيتُ عَرابَةَ الأوسِيَّ يَجرِي إلى الخيراتِ مُنقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفعتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرابَةَ باليمينِ
آخر:
لا تَحجُبُ السّتْرُ مُحَيَّاهُ وقدْ تحجبُهُ هيبتُه إذا بَدَا
وقال عتَّاب بن ورقاء:
لا يُصطلَى بنارِهم عندَ الوغَى بل يُصطلَى بنارِهم عندَ القِرَى
مَعَاذُ كلِّ راغبٍ وراهبٍ إذا أتَى نادِيَهمْ ألقَى العَصَا
لا تُنطَقُ العَوراءُ في نادِيهم ولا يَحُلُّونَ إلى الجهلِ الحِبَى
هُمُ الجبالُ امتنعتْ أنْ تُرتَقَى هُمُ البحورُ ليسَ يَعْلوها القَذَى
هُمُ النُّجومُ طالعٌ وآفلٌ يعلُو لهم غرْسٌ إذا غرْسٌ خَوَى
آخر:
نجومُ سماءٍ كلَّما غابَ كوكبٌ بَدَا كوكبٌ تأوِي إليه كواكبُهْ
آخر:
للخيرِ مهتبِلٌ للشَّرِّ معتزِلٌ للمالِ مبتذِلٌ بالبذلِ مُجتذِلُ
أنشدني الفقيه أبو بكر الحصيري:
أنتَ عليٌّ وهذه حَلَبُ قد نَفِدَ الزَّادُ وانتَهَى الطَّلبُ
وعبدُكَ الدَّهْرُ قد أضرَّ بنا إليكَ من ظلمِ عبدِكَ الهَرَبُ
وقال عنترة العبسيّ:
إنِّي امرؤٌ من خيرِ عبسٍ منصبًا شَطْرِي وأَحمِي سَائِرِي بالمنصلِ
إنَّ المنيَّةَ لو تُمَثَّلُ مُثِّلتْ مثلِي إذا نَزلوا بضنْكِ المنزِلِ
ولقد أبِيتُ علَى الطوَى وأظَلّه حتَّى أنالَ بهِ كريمَ المأكَلِ
آخر:
تقولُ سُلَيْمَى لو أقمتَ بأرضِنا ولم تدرِ أنِّي للمَقَامِ أطُوفُ
آخر:
وأختارُ بُعْدَ الدَّارِ منكم لتقربُوا وتسكبُ عينايَ الدّموعَ لتجمَدَا
وقال سحيم عبد بني الحسحاس:
أشعارُ عبدِ بني الحَسْحاسِ قمنَ لَهُ عندَ الفَخَارِ مَقامَ الأصلِ والوَرَقِ
إنْ كنتُ عبدًا فنفسِي حُرَّةٌ أبدًا أو أسودَ الخَلْقِ إنِّي أبيضُ الخُلُقِ
وقال الحسن بن هانئ:
ذَرينِي أُكثِّرْ حاسديك برحلةٍ إلى بلدٍ فيها الخصيبُ أميرُ
إذا لمْ تَزُرْ أرضَ الخصيبِ ركابُنَا فأيُّ فتًى بعدَ الخصيبِ تَزورُ
فتًى يَشترِي حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِ ويعلَمُ أنَّ الدَّائراتِ تَدورُ
فما جازَهُ جُودٌ ولا حلَّ دونَهُ ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حيثُ يصيرُ
وقال أيضًا فيه:
منحتكُم يا أهلَ مصرَ نصيحتِي ألا فخُذُوا من ناصحٍ بنصيبِ
رماكُم أميرُ المؤمنينَ بحيَّةٍ أكولٍ لحيَّاتِ البلادِ شَروبِ
فلا تَثِبُوا وثْبَ السّفاهِ فتركبوا علَى ظهرِ صعبِ الرَّأسِ غير رَكوبِ
فإنْ يكُ باقِي إفكِ فرعونَ فيكُم فإنَّ عَصَا موسَى بكفِّ خَصيبِ
وقال أيضًا:
تتَنَحَّى حوادثُ الدَّهْرِ عمَّن كانَ في جانِبِ الخصيبِ مُقيمَا
فاسألنهُ إذا سألتَ عظيمًا إنَّما يُسألُ العظيمُ عظيمَا
وقال آخر:
بأيِّ الخصْلتينِ عليكَ أُثنِي فإنِّي عنكَ مُنْصَرفِي مَسُولُ
أبا الحُسْنَى فليسَ لها ضياءُ عليَّ فمنْ يُصدّق ما أقولُ
أم الأُخرَى فلستَ لها بأهلٍ وأنتَ لكلِّ مكرمةٍ فَعولُ
[ ٤٠ ]
فإنْ تمنحْ تُصادفني شكورًا فإنْ تمنعْ فلي رَبٌّ وَصولُ
وقال آخر:
ماذا أقولُ لأعدائِي إذا سَأَلُوا ماذا حَبَاكَ أميرُ الجيشِ يَعقوبُ
إنْ قلتُ لم يُعْطِني قرَّتْ عيونُهُمُ أوْ قلتُ أكرمني قالوا لمكذوبُ
فأينَ آثارُ نُعْماهُ عليكَ أبِنْ كذبتَ إنَّكَ محرومٌ ومَحْروبُ
فاسمُلْ أبا يوسُفٍ بالجودِ أعينَهم أشكرْكَ مجتهِدًا ما حنَّتِ النيْبُ
وقال أبو العتاهية:
أُثنِي عليكَ ولي حالٌ تكذِّبُني فيما أقولُ وأستحيِي منَ النَّاسِ
وقلتُ إنَّ أبا حفصٍ لأكرَمُ مَنْ يَمشي فكذّبني في ذاكَ إفلاسِي
وقال آخر لعبد الله بن طاهر:
ماذا أقولُ إذا سئلتُ وقيلَ لي ماذا أصبتَ من الجوادِ المُفضِلِ
إنْ قلتُ أعطاني كذبتُ وإنْ أقُلْ بخلَ الجوادُ بمالِهِ لم يجمُلِ
فأبِنْ فديتُكَ ما أقولُ فإنَّني لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ
فبعث إليه شيئًا حضره، وكتب إليه:
أعجلتَنَا فأتاكَ عاجلُ برّنا قُلًاّ وإنْ أمهلتَنَا لم يَقْلِلِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنّكَ لم تَسَلْ ونكونُ نحنُ كأنَّنا لم نَفْعَلِ
وقال بعض الرجّاز في المأمون:
مأمونُ يا ذا المِنَنِ الشَّريفَهْ
وقائدَ الكتيبةِ الكثيفَهْ
وصاحبَ المرتبةِ المنيفَهْ
هلْ لكَ في أُرجوزةٍ لطيفَهْ
أظرف من فِقْهِ أبي حنيفَهْ
لا والَّذي أنتَ له خليفَهْ
ما ظُلِمتْ في أرضنا ضعيفَهْ
أميرُنا مُؤْنَتُه خفيفَهْ
وليسَ يُجْبينا سِوى الوَطيفَهْ
اللُّص والتاجرُ في قَطيفَهْ
والذئبُ والنعجةُ في سقيفَهْ
وقال آخر:
ومن العجائبِ أنَّ بيضَ سيوفهِ تَلدُ المنايا السودَ وهيَ ذكورُ
آخر:
أضحى غريبًا في مكارمهِ الَّتي يُضْحي الغريبُ بهنَّ في الأوطانِ
أبت في الناس مثل شهرك في الأش هر أو مثل ليلة القدر فيه
وقال أبو الحسن العبدلكاني:
أرَى كلَّ ملتمسٍ ذروةٍ سَموتَ إلى فَرعها الأطولِ
كملتمسٍ نَقْلَ ماءِ الفرا تِ إلى أبعدِ الأرضِ بالمُنْخُلِ
وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀:
يا صاحبي قِفْ بالمحصَّبِ من منًى واهتِفْ بقاعدِ خَيْفِها والنَّاهضِ
إن كان رفْضًا حُبُّ آل محمدٍ فليشهَدِ الثقلانِ أنّي رافضي
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري صريع الغواني:
ثلاثةٌ تُشرقُ البلادُ بهم فضلُ بنُ يحيَى والشَّمسُ والقَمَرُ
لكنّ فضلًا يفيدُ نائلُه وفضلُ فضلٍ يُرجى وينظَرُ
والعودُ يخضَرُّ حينَ يَمْسَسهُ وحيثما مرَّ ينبتُ الخُضَرُ
لولا يدٌ منه بالندى بُسِطتْ ما وردَ النَّاسُ لا ولا صَدروا
آخر:
أنتَ في النَّاس مثلُ شهرِكَ في الأش هرِ أوْ مثلُ ليلةِ القدْرِ فيهِ
وقال ابن اللحام:
في كلّ يومٍ للأميرِ فُتوحُ تَغدو التهاني بينَها وتَروحُ
لا تَستفيقُ له بكلِّ صبيحةٍ أرواحُ أعداءٍ بهنَّ تَطيحُ
واللهُ يُسْعدُ عبدَه مَنْ قلبُه أبدًا بمضمونِ الوفاءِ صحيحُ
واللهُ يُهلكُ منْ عصى نوحًا كما في الدَّهْرِ أهلكَ منْ شكا نوحُ
فليعتَبِرْ بسعوده منْ كان ذا لُبٍّ فإنّي للجميعِ نَصيحُ
وقال آخر:
تناسى سيدي ذِكري وعهدي وعندي ذكرهُ أبدًا جَديدُ
ولا عجَبٌ تناسي ذكر عبدٍ من المَوْلى إذا كثُر العبيدُ
وأنشدني الداعي بن محمد العلوي أبو البركات:
دامَ لكَ العزُّ والبقاءُ ما اختلفَ الصبحُ والمساءُ
أعيادُنا فيكَ ما تقَضّى وكلُّ عبدٍ له انقضاءُ
النَّاسُ أرضٌ بكلِّ أرضٍ وأنتَ من فوقِهم سَماءُ
آخر:
زادكَ اللهُ سُرورا وتولاّكَ دُهورا
أنا أفديكَ إذا زُرْ تَ وأفديكَ مَزورا
حيثما كنتَ من الأر ض كسوتَ الأرضَ نورا
وقال آخر:
ما علَى اليومِ الَّذي أقبلَ في الحسنِ مَزيدُ
[ ٤١ ]
قادَه الإقبالُ واليمْنُ ويحدوه السعودُ
ولنا في كلِّ يومٍ من سَنا وجهِكَ عيدُ
نحنُ أحرارٌ ولكنّا لنُعْماكَ عبيدُ
آخر:
فإن يكُ سيّارُ بنُ مكرَمٍ انقضَى فإنّكَ ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الورْدُ
آخر:
وهل يستقيمُ النَّاسُ إلاَّ بسيّدٍ يرى لهم الرَّأْيَ السديدَ فتتبَع
وقال السيد بن محمد بن يزيد بن مفرغ الحميري:
يا نَفْسِ لا تَمحضنّ النصحَ منك ولا صفوَ المودّةِ إلاَّ آل ياسينا
إرْضَيْ بهم وتولّيْ من يُحبُّهم في الله إنَّهم فينا مَوالينا
يا ربّ لا تسلبَنِّي حبّهُم أبدًا ويرحَمُ الله عبدًا قال آمينا
آخر:
لنا إمامٌ ظريفٌ خفيفُ روحِ الصلاةِ
كراكبٍ فوقَ طِرْفٍ مُستعجلٍ بمُشاةِ
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أبى دهرُنا إعتابَنا في عدوِّنا وأعتبنا في من نُحبُّ ونُكرِمُ
فقلتُ له عُتْباكَ فيهم أتمّهَا ودعْ ما سِواها فالأهمُّ المقدَّمُ
آخر:
وما زادَ عينَ الشَّمس نورًا وبهجةً إطالةُ ذي وصفٍ وإفراطُ مادحِ
آخر:
أولئك جادوا والزَّمانُ مُساعدٌ وقد جادَ هذا والزَّمانُ مخالِفُ
وقال أبو الحسن بن المؤمن الغزنوي:
فهُم من الجَدِّ في حضيضٍ وهُمْ من المجدِ في الرَّوابي
وهُمْ إذا فُتِّشوا أُصيبوا أعزَّ من رجعةِ الشَّبابِ
آخر:
وفتًى خَلا من مالِهِ ومن المروءة غيرُ خالِ
أعطاكَ قبلَ سؤالِهِ فكفاكَ مكروهَ السُّؤالِ
وقال آخر:
وتركتُ مدحِي للوصيّ تعمُّدًا إذْ كانَ نورًا مستطيلًا شامِلا
وإذا استطالَ الشّيء قامَ بذاتِهِ وكذا صفاتُ الشَّمْسِ تذهبُ باطِلا
وقال آخر:
لِفضلِ بنِ سهْلٍ يَدٌ تَقَاصرَ عنها المَثَلْ
فباطنُها للنَّدَى وظاهرُها للقُبَلْ
وبَسْطتُها للنَّدَى وسطوتُها للأَجَلْ
وقال دريد بن الصمة الجشمي:
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم هاني أنيقٍ صُهبِ
مُتبذلًا تبدو محاسنه تضعُ الهناء مواضعَ النُّقبِ
وقال آخر:
يُهنِّيكَ فتحٌ أصبحتْ بَهَجاتُهُ في مِعصمِ الأيَّامِ وهيَ سِوارُ
ويدٌ يطولُ نوالُها وقتالُها وهُمَا علَى خدِّ الزَّمَانِ عِذارُ
أنتَ الَّذي بحديثِهِ ولقائِهِ تَتَنَعَّمُ الأسماعُ والأبصارُ
لو عاقَ أنوارَ الكواكِبِ عائقٌ عمَّ الوَرَى من وجهكَ الأنوارُ
أوْ كانتِ الأقدارُ تُعطَى لهجةً نصَّتْ علَى تفضيلكَ الأقدارُ
أوْ كانتِ الأمصارُ تُحسنُ نُقلة وفدتْ إليكَ بأهلِها الأمصارُ
لتلوذَ منكَ بظلِّ أمنٍ تحتَهُ يقوَى الضَّعيفُ ويَضعف الجبَّارُ
تحبُو الملوكُ ملابسًا ومراكبًا وحِباؤُكَ الأرزاقُ والأعمارُ
والله جاركَ أينَ كنتَ مسالِمًا ومحاربًا والله نِعمَ الجارُ
وقال آخر:
تَمتَّعْ من سفيهٍ أوْ فقيه ففي هذا وفي هَذَاكَ حُسْنُ
فإنْ سالمتَ فالفقهاءُ حُسنٌ وإنْ حاربتَ فالسّفهاءُ حِصنُ
وما استوفَى شروطَ المجدِ إلاَّ فتًى في خُلقِهِ سهلٌ وحَزْنُ
وقال محمد بن وهيب:
ما زالَ يُلثِمني مَراشِفَه ويَعُلنِي الإبريقُ والقَدَحُ
حتَّى استردَّ اللَّيلُ خِلْعَتَه وبَدَا خلالَ سَوادِهِ وَضَحُ
وأتَى الصَّباحُ كأنَّ غُرَّتَه وجهُ الخليفةِ حينَ يُمْتَدَحُ
لبستْ به الدُّنيا محاسنَها وتزيَّنتْ بصفاتِهِ المِدَحُ
وقال أحمد بن أبي فنن:
أقبلَ كالمُغضبِ في تِيهه يُديرُ عينَيْ غيرِ غَضْبانِ
كأنَّما أمستْ لهُ مِنَّةٌ كمِنَّةِ الفتحِ بنِ خَاقانِ
فتًى إذا ما جئتَهُ شاكرًا إحسانَهُ زادَ بإحسانِ
وقال آخر:
إنْ كنتُ في تركِ العيادةِ تاركًا حظِّي فإنِّي في الدُّعاءِ لجاهِدُ
فلربَّما ترَكَ العيادَةَ مُشفقٌ وأَتَى علَى غشِّ الضَّميرِ الحاسدُ
وقال آخر:
[ ٤٢ ]
إذا اعتاصَ القريضُ عليكَ فامدَحْ أميرَ المؤمنينَ تجِدْ مَقَالا
كريمٌ ما تزال به رِكابٌ وضَعْنَ قصائدًا وحملنَ مَالا
أنشدني إبراهيم بن محمد البكري لمحمد بن جراح البكري:
إنَّا لَنبنِي علَى أسَّسَتْهُ لنَا آباؤنا الغرُّ من مجدٍ ومن كَرَمِ
إنِّي وإنْ كانَ قَومي في الوَرَى علمًا فإنَّني عَلَمٌ في ذلكَ العَلَمِ
لا يرفَعُ الضَّيفُ رأسًا في منازِلِنا إلاَّ إلى ضاحكٍ ومبتسِمِ
وقال إبراهيم بن هلال الصابي في اصطرلاب أهداها إلى الأمير أبي جعفر صاحب سجستان:
أهدَى إليكَ بنو الآمالِ واحتَفَلُوا في مهرجانٍ جديدٍ أنتَ مُبْليهِ
لكنَّ عبدكَ إبراهيمَ حينَ رَأَى علوَّ قدرِكَ عن شيءٍ يُدانيهِ
لم يرضَ بالأرضِ مُهداةً إليكَ فقدْ أهدَى لكَ الفلَكَ الأعلى بما فيهِ
وقال أبو علي الزوزني في ابن العتبي:
عيدُ المكارِمِ والعُلى بكَ عَادا يا سيِّدًا سُنَنَ الكرامِ أعادَا
بالعيدِ لا يُعْتَدُّ بل بكَ مَنْ غَدَا أيَّامُهُ بكَ كلّها أعيادَا
وقال ابن مطران الشَّاشي:
إذا أبو قاسمٍ جادتْ لنَا يدُهُ لم يحمَدِ الأغزَرانِ البحرُ والمَطَرُ
وإنْ أضاءَ لنَا نورٌ بغُرَّتِهِ تضاءَلَ النَّيِّرانِ الشَّمْسُ والقمرُ
وإنْ بَدَا رأيهُ أو حَدُّ عزمتهِ تأخَّرَ الماضيانِ السَّيفُ والقدرُ
مَن لمْ يكنْ حَذِرًا من حدِّ صولتهِ لم يدرِ ما المُزْعِجانِ الخوفُ والحَذَرُ
وقال بكر بن النطَّاح في أبي دلف القاسم بن عيسى:
يا طالبًا للكِيمياءِ ونفعِهِ مدحُ ابنِ عيسَى الكيمياءُ الأعظمُ
لو لمْ يكنْ في الأرضِ إلاَّ درهمٌ ومدحتَهُ لأتاكَ ذاكَ الدِّرهَمُ
وقال مروان بن أبي حفصة:
تَشابَه يوماهُ علينَا فأَشْكَلا فما نحنُ ندرِي أيُّ يوميهِ أفضَلُ
أيومُ نَداهُ الغَمْرِ أمْ يومُ بأسِهِ وما منهما إلاَّ أغرُّ مُحجّلُ
أنشدني أبو سهل بن الأعرابيّ بغَزْنة:
قومٌ إذا حلَّ الغريبُ بدارِهم تركوهُ ربَّ صَواهِلٍ وغَوانِ
وإذا دعوتَهم ليومِ كريهةٍ سَدّوا شُعاعَ الشَّمْسِ بالفرسانِ
لا ينكتُونَ الأرضَ عندَ سؤالِهم لتطلُّبِ العلاَّتِ بالعِيدانِ
حضر النَّبيّ ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التَّميميَّان، فقال ﵇ لعمرو بن الأهتم: " كيف الزبرقان فيكم "؟ فقال: مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله إنَّه علم منِّي أكثر من هذا ولكنَّه حسدني. فقال عمرو بن الأهتم: أما أنَّه لزمر المروءة، أحمق الوالد، لئيم الخال، قعدد النسب، ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى، ولكنِّي رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت، فقال ﷺ: " إنَّ من البيان لسحرا ".
وقال عليَّ رضوان الله عليه: إنَّ ابن عبَّاس ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
وصف أعرابيّ قومًا فقال: كانوا والله غيوث جدب، وليوث حرب، إن أعطوا أغنوا، وإن حاربوا أفنوا، فقدَّم لهم الدَّهر ما أخَّر لغيرهم، فواهًا لهم.
وفي الحديث: " إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التُّراب ".
دخل يحيى بن معاذ الرازي ببلخ علَى حمزة بن حمزة سيّد العلويين بها، فقال: ما تقول فينا أهل بيت المصطفى؟ فقال: ما أقول في طينة عجنت بماء الرسالة، وسقيت بماء الوحي، هل يفوح منها إلاَّ مسك الهدى، وعنبر التُّقى وبان اليقين. فلمَّا كان من الغد ركب إليه حمزة. فقال له يحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرًا ومزورا.
وقال عليّ بن محمد الفيَّاض للمبرّد: يا أبا العبَّاس، ما أنت إلاَّ بستان، فقال: وأنت يا سيّدي شربه.
دخل بعض العلماء علَى بعض الأمراء فتكلّم في أنواع العلوم فأكثر وأحسن، ثمَّ قال: لقد صدّعت، فقال صاحب المنزل: بل صدعت بالحقّ، فقال: قد ثقّلت، فقال: نعم قد تقّلت المنَّة، فقال: لعلَّك تقول: أبرمت فقم، فقال، لا بل أكرمت فدم.
وفي الحديث: " إذا مدح الظَّالم اهتزَّ العرش ".
[ ٤٣ ]
ويقال: إذا رأيت الرَّجُل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشّرّ ما ليس فيك.
ورد علَى إسماعيل بن أحمد السَّاماني صاحب خراسان شاعر، فامتدحه وكتبه في طومار وأنفذه إليه، فردّ إليه الطومار وقد كتب علَى ظهره:
يا أيُّها الرَّجُل المهدي لَنَا فَنَدا أضللتَ ويحكَ فيما قلتَهُ الرّشدا
لا أقبل المدح إنَّ المدح مسخرة ولا أثيب عليهِ شاعرًا أبَدَا
أُعطِي المساكينَ من مالِي فأجبرُهم أُرضِي بذلك عنِّي الواحد الصّمدا
ورد حاجب بن زرارة باب كسرى فاستأذن، فقال له الحاجب: من أنت؟ فقال: أنا رجل من العرب جئت في مهمّ. فأذن له. فقال له كسرى: من أنت؟ فقال: أنا سيّد العرب، فقال له: ويحك ألم تقل للحاجب أنَّك رجل من العرب؟ فقال: إنِّي وقفت بالباب وأنا رجل من العرب فلمَّا أذنت ولقيتك صرت سيّدهم. فقال كسرى: زه، فاستوجب أربعة آلاف درهم.
مرَّ المهدي الخليفة بعجوز في طريق له فقال: من العجوز؟ قالت: من طيئ، فقال المهدي: ما منع طيّئًا أن يلدوا آخر مثل حاتم؟ فقالت: وما منع العرب كلّها أن يكون فيها آخر مثلك، فاستحسن كلامها وأمر لها بجائزة.
تمَّ باب المديح.
[ ٤٤ ]