قالت العرب: «أقطف من «٢» أرنب» «وأطعم أخاك من كلية الأرنب» . وهو كقولهم «٣» «أطعم أخاك من عقنقل الضب» . يضربان للمواساة. ومن أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم «٤»: «في بيته يؤتى الحكم» . وهو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال «٥» «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.
ومثل هذا أن عدي «٦» بن أرطاة أتى شريحا»
القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،
[ ١ / ٣٨ ]
قال: بالرفاه والبنين، قال: وشرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
وشريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة، وأقام قاضيا بها خمسا وسبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير ﵄، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة الله عليه.
وكان شريح من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير «١»، وقيس «٢» بن سعد بن عبادة، والأحنف بن «٣» قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، ورابعهم شريح هذا والله أعلم.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه وروي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له وإشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله «٤» ابن خلكان وغيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي «٥» رحمه الله تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵄، وهو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، وقال له: لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: فرارا من قضائك وبغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، ولولا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده ويوما رجله وسائر أعضائه يوما يوما. اهـ.
وفي هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
[ ١ / ٣٩ ]
لا تستشر غير ندب حازم فطن قد استوت منه أسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا فيها أبروا كما للحرب فرسان
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أكان مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله تعالى. توفي شريح سنة تسع وسبعين وقيل ثمانين من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه الله تعالى.